Notice: _load_textdomain_just_in_time تمّ استدعائه بشكل غير صحيح. تم تشغيل تحميل الترجمة لنطاق td-cloud-library مبكرًا جدًا. عادةً ما يكون هذا مؤشرًا على تشغيل بعض التعليمات البرمجية في الإضافة أو القالب مبكرًا جدًا. يجب تحميل الترجمات عند خطاف الإجراء init أو بعده. من فضلك اطلع على تنقيح الأخطاء في ووردبريس لمزيد من المعلومات. (هذه الرسالة تمّت إضافتها في النسخة 6.7.0.) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
Blog | قناة نادوس | online news | Page 5
20 C
New York
الأحد, سبتمبر 6, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 5

ذكري استشهاد د. علي فضل ٢١ ابريل ١٩٩٠.خمس وثلاثون عاماً على جريمتهم ولم يحاسب القاتل بعد ..توثيق جرائم الحركة الإسلامية السودانية

كتب سيد الطيب بعام ٢٠١٧ هذا البوست للتذكير

الشهيد الدكتور علي فضل كان مطلوب القبض عليه حيآ او ميتآ بسبب انه كان عضوآ بارزآ في لجنة تنظيم الاضراب الذي نفذه الأطباء السودانيون إبتداء من يوم الأحد 26 نوفمبر 1989 وترك أثراً قوياً في كسر حاجز المواجهة مع النظام، أثار هذا الاضراب الذعر وسط سلطات النظام الإنقلابي ، استطاع علي فضل الاختفاء وظل عناصر امن نظام الجبهة الاسلامية يبحثون عنه في كل مكان دون جدوى. امر الطيب (سيخة) بالقبض على شقيق الدكتور علي فضل وابقاؤه في احد بيوت الاشباح حتي يسلم علي فضل نفسه للسلطات الأمنية، عندها قام علي فضل بالظهور في منزله لتسليم نفسه وتم اعتقاله وكان هذا يوم الفرح والسرور عند الطيب (سيخة)! وبدأت حفلة التعذيب علي يد الطيب سيخة واخرين ومع تزايد وتائر التعذيب البشع وتسببت ضربات تلقاها في رأسه تسببت في نزيف داخلي حاد في الدماغ أدى الى تدهور حالته الصحية واصبح غير قادراً على الحركة ، وفي مثل هذا اليوم عند الساعة الخامسة من صبيحة 21/ابريل/1990 فاضت روحه الطاهرة .
صدر التقرير الطبي ان الوفاة حدثت بسبب “الملاريا” شهادة الوفاة (رقم166245) ،
حاول قادة النظام اجبار اسرته على تسلم الجثمان ودفنه فرفض والده وأصر على تشريح الجثمان فكانت النتيجة كما يلي:
*مساحة تسعة بوصات مربعة نُزع منها شعر الرأس إنتزاعاً ،جرح غائر ومتقيّح بالرأس ، نزيف داخل البطن ، سبب الوفاة نزيف حاد بالرأس نتيجة الاصطدام بجسم حاد وصلب ، فتح بلاغ رقم 903 بالتفاصيل الاتية :
المجني عليه: الدكتور علي فضل احمد ، المتهم: جهاز امن النظام، المادة : 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 ، التهمة: القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد.
قبل عامين رحلت الحاجة كلثوم والدة الشهيد على فضل بعد ان عاشت حياتها حزينة وهي تنتظر القصاص ورحلت حزينة الى جوار ابنها الشهيد واكتملت حلقة الظلم ودائرة الخذلان
في مثل هذا اليوم من كل عام نذكر كل من يدعوا للحوار او التقارب مع القتلة ان اي عمل تقومون به لا يعلق قتلة الشهداء على اعواد المشانق مرفوض ومردود عليكم
لا حوار .. لا استسلام.
اخر كلمات الشهيد د. على فضل “أنا علي فضل أحمد.. أسرتي في حي الديوم الشرقية بالخرطوم.. ظللت أتعرض للتعذيب المتصل وأعتقد بأنني شارفت علي الموت.. لقد كان ذلك بسبب أفكار وطريق إخترته عن قناعة ولن أتراجع عنه.. وانني علي ثقة بأن هنالك من سيواصل بعدي علي هذا الدرب”

الذكرى الـ110 لـ تأسيس الـجـ.ـنـجـويـد: “قانونية اللا-قانون”، وأتفاق “ازدواجية سيادية” جديد

طرحت الآلية الإستشارية المعنية بالسودان في 15 يناير\كانون الثاني 2026، نسخة “سرية” مطورة من مبادرة الرباعية، مكونة من 3 مسارات، وموضوعة على طاولة التفاوض أو بالأحرى التوقيع، تبدأ بتأميم القوات العسكرية “جيش مهني”، ونفاذ شامل للمساعدات الإنسانية، على غرار عملية شريان الحياة التي قادت لاتفاق نيفاشا، وعملية سياسية محددة الغايات والأطراف، وصولاً لانتقال جديد، بصندوق تمويل تنموي.

ويتوقع أن تقود لتسوية شاملة للنزاع العسكري الذي بدأ في 15 ابريل\نيسان 2023، وتعجل بوصول المساعدات الإنسانية، وسط تحفظ أطراف النزاع عليها، ومعارضة محمومة من مجموعات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وتدعمها قوى مدنية وفئوية، بينما يظل موقف أقصى اليسار مرتبكاً حيالها، وتعمل واشنطون على تعبئة التمويل من خلال مؤتمر إنساني على مستوى وزراء خارجية للدول المنخرطة في الآلية.

لقد أثارت المرحلة الأولى منها مواقف متزمتة من قبل طرفي الحرب واللذين يتفقان على ضرورة مواصلة “التوطين الأمني” وتقديمهما بالمسار الأخير للمبادرة كأطراف أساس على غرار اتفاقية السلام الشامل 2005، مما يثير تخوف رعاة منبر “جدة” من تحول الحل لبداية جديدة للحرب، ويفضلان فتح الطريق أمام الانتقال لدولة المؤسسات بدل تقاسم السلطة بين الـمـ.ـليـشـيات.

ويعود هذا التحدي لـ “السير ريجنالد وينجيت” حاكم الخرطوم آنذاك والذي طرح تطبيق سياسة “توطين العسكرية” في دارفور وكردفان، من خلال إعادة بناء “أورطة العرب الغربية” في يناير\كانون الثاني 1916، لا سيما بعد نجاح تجربة “الهجانة وأورطة العرب الشرقية 1906″، وهذه السياسة مستلفة من حقبة “إسماعيل باشا أيوب” والذي يعتبر المؤسس الأول لها في “1873م – 1874م” ومن ثم نجاحها في خدمة “سياسات الخديوي” لأكثر من عقد من الزمان، حيث أسقطت الثورة المهدية تلك الحقبة.

ولإدراك مآلات سردية “التوطين العسكري”، لابد من فهمها في سياقها التاريخي والراهن، والتي طالما عنت أن تكون للمجموعات العسكرية ذات التكوين العرقي والديني، أدوار في تطوير وتطبيق استراتيجية “الأمن الداخلي”، ويظهر ذلك جلياً عندما قرر “السير جيفري آرتشر” في 17 يناير\كانون الثاني 1925م، إصدار قانون لـ “تحالف مـ.ـليـشـيات” يضم أورطة العرب الشرقية والغربية والهجانة بالإضافة لتشكيلات فنية محدودة، وسمها بـ “قوة دفاع السودان”، وحدد المادة (5) أهدافها حيث نصت على أن “تُنشأ هذه القوة لغرض الدفاع عن السودان، ولحفظ النظام العام، ومعاونة السلطات المدنية في إنفاذ القوانين والأوامر الحكومية”، وبالفعل كانت تتحرك في رحلات سنوية تُسمى “رحلات الاستطلاع والجباية”، لجمع الضرائب وقمع الثورة التي تنامت بدفع من حركة اللواء الأبيض.

ولتسهيل مهمة “قوة دفاع السودان” في توطين العنف، دفع السير هارولد مكمايكل بـ “مقترح محاكم تفتيش”، أقره السير جون مافي في تعديل “قانون سلطات المشائخ سبتمبر\أيلول 1927″، ونصت المادة (6) الفقرة (أ) على أن “يكون للشيخ المفوض سلطة الفصل في الدعاوى الجنائية والمدنية التي تقع ضمن اختصاصه الإقليمي، وله الحق في فرض عقوبة الغرامة أو السجن، أو كليهما، وفقاً للجداول الملحقة بهذا القانون”، ونصت المادة (9) على أنه “لا يجوز الطعن في أحكام المشايخ أمام المحاكم النظامية، ويكون للمفتش الإداري وحده حق المراجعة أو الإلغاء”.

ولم تتجاوز الدولة الوطنية هذه الجدلية: التي يرى جانب من أطرافها بأن تطلعات السودانيين “مهدد أمني” يجب مواجهته بـ التوطين العسكري “قانونية الـمـ.ـليـشـيات”، وجانب أخر ينادي بالثورة لفتح المجال العام لاستحقاقات المواطنة “الديمقراطية” واحترافية المؤسسات الأمنية والدفاعية “جيش مهني”، وبالفعل قاد جيل الآباء المؤسسين انتفاضة دبلوماسية أدت لاستقلال البلاد في 19 ديسمبر\كانون الاول 1955، لكن سرعان ما دخل السودان في دائرة جهنمية (ديمقراطية – انقلاب – ثورة)، يرافق ذلك حروب لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.

لكن عمر البشير كان له مأرب آخر بذات السياسة، لقد عمل على إحياء أطروحة “السير ريجنالد وينجيت” بتقنين “الـمـ.ـليـشـيات” في إطار مشروع “تنظيم الإخوان المسلمين” لابتلاع الدولة، من خلال صناعة مـ.ـليـشـيات دينية “الدفاع الشعبي” و”هيئة العمليات”، وأخرى عرقية “القوات الصديقة” و”الـجـ.ـنـجـويـد”، مع إبقاء الجيش كذراع استشاري، وإقرار قانون يتطابق وخلاصات “السير هارولد مكمايكل” في محاصرة القوى المدنية، موسوم بـ “قانون النظام العام”.

وصولاً لـ “تصدير خدمات الـمـ.ـليـشـيات”، لا سيما بعد توقيع النظام لاتفاقية بيع خدمات أمنية مع الاتحاد الأوربي “عملية الخرطوم 2014″، وبعد مرور 100 عام بالضبط من ذكرى التأسيس الأول لـ “الـجـ.ـنـجـويـد”، أعلن الجسم التشريعي “المجلس الوطني” التابع له إجازة قانونها في 18 يناير\كانون الثاني 2017، ووسمها بقوات الدعم السريع (قدس).

هذه الفرصة الاستثمارية غير المسبوقة أسالت لعاب قادة الإخوان، مما جعل تصويتهم بالأغلبية على قانون الدعم السريع ممكناً، وتوقيع عمر البشير عليه في فبراير\شباط 2017 حدثاً مبهجاً لهم؛ فهناك ملايين اليوروهات في انتظار من يقطفها، ويضيف عليها “صوص” خاص مصنوع من دماء وعذابات ملايين من السودانيين، ويغفو بعد ذلك على أسرة منسوجة من مثلث الشر: الجوع، الفقر، والمرض.

قطعت ثورة ديسمبر 2018 هذه الإجراءات التخريبية، ووضعت مشروع الاستقلال مرة أخرى على طاولة النظام العالمي الجديد، ونادت بالسلام كغاية، والعدالة كأداة، والحرية كاستحقاق، ودفعت بموقف واضح من سلطة الـمـ.ـليـشـيات: العسكر للثكنات والـجـ.ـنـجـويـد ينحل، ومع ذلك واصلت الفترة الانتقالية في ذات الممارسات، تحت مبرر أن الأمن القومي مسؤولية المكون العسكري وأن النظام الجديد قائم على شراكة “مدنية-عسكرية” (النموذج السوداني)، وبعد انقلاب 25 اكتوبر\تشرين الاول 2021 تنامى التنافس بين الـمـ.ـليـشـيات على السلطة حتى وصل مرحلة المواجهات العسكرية.

وشكلت حرب 15 ابريل\نيسان 2023 أكبر فعالية ترويج لأطروحة “إسماعيل باشا أيوب” (التوطين الأمني) من خلال إظهار دور الـمـ.ـليـشـيات في تقويض\حفظ الأمن الداخلي في آن واحد، كما سوقت لسردية “عمر البشير: الـمـ.ـليـشـيا فوق الحكومة”، وبوصف أدق امتلاكها للدولة، وهذا ما يحدث الآن في “بورتسودان ونيالا”، وكلاهما يسعيان لإقرار هذا الوضع في أي اتفاق سلام قادم أو من خلال استمرار العمليات العسكرية مهما كانت التكلفة الإنسانية.

وبما أن الاتفاق المطروح الآن يتضمن “كتيبات تشغيل” مستوحاة من سردية ديسمبر، ويأسس لـ قطيعة تامة مع أطروحات التوطين العسكري، إلا أن طرفي الحرب يضغطان في اتجاه “ازدواج سيادي” على خطى التعديلات التي أدخلها البرهان على قانون الدعم السريع في 30 يوليو\تموز 2019م.

وفي هذا الوقت المفصلي لأمتنا، تقف القوى المدنية بيد تدفع في اتجاه إنهاء المأساة القائمة وبأخرى في ترسيخ انقسام سياسي يجعل من مهامها الأساسية شبه مستحيلة؛ فقد أتاحت هذه الحالة انقضاض العسكر على السلطة في 1958 – 1969 – 1989 – 2021، والآن الحرب تكمل تلك الشرور، مستفيدة من معاول “الـتـنـظـيـم” الكارهة للحياة الطبيعية والازدهار، وما لم يتم دفع المسار الأول باتجاه القطيعة مع سياسات “التوطين الأمني”، وصولاً لعملية سياسية تبني دولة مؤسسات، فإن البلاد مقبلة على اتفاق “ازدواجية سيادية” جديد، يضاعف الويلات على السودانيين.

وبعد 110 أعوام على أول وثيقة لقانونية ممارسات الـجـ.ـنـجـويـد، وأيضاً بذات التاريخ الذي وقع فيه عمر البشير على أول قانون يشرعن توحشهم قبل 9 أعوام، تتوجه الأنظار لواشنطن بكثير من الأمل والألم في انتظار مخرجات “المؤتمر الإنساني” و”صندوق إعمار السودان”، ومن المتوقع أن يوفر حزمة حوافز إتمانية، تدفع في إتجاه تطبيق الإتفاق.

منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الخميس 5 فبراير\شباط 2026
البريد munzer.ppi.sd@gmail.com

دولة 56 (المستقلة) .. سبعين سنة في انتظار (البركة).!؟

بقلم : شمس الدين ضوالبيت

أصبح بعضنا يتحرج من استخدام مصطلح دولة 56، ومن الحديث عن العودة إلى منصة التأسيس. السبب معروف. بالنسبة للبعض، فهذه هي اليوم مصطلحات الدعم السريع والحركات المسلحة، ومن يستخدمها فهو –بالنسبة لهؤلاء البعض- إما منهم أو داعم لهم.. كثيرون من هؤلاء يتجاهلون أن تاريخ هذه المصطلحات لم يبدأ بحرب أبريل أو ما قبلها من حروب أهلية.. فهذه في الأصل هي مصطلحات وتعابير الفكر السياسي والمجتمع المدني السوداني في تناوله لقضايا الدولة والسياسة منذ أمد، ووجودها في الحوار السوداني العام سابق لنشأة الدعم السريع وقبل تأسيس الحركات المسلحة.. ما حدث هو أن الدعم السريع أوالحركات المسلحة ربما (تبنت)، أو (استخدمت) هذه المفاهيم في خطابها السياسي.. حدث ذلك من قبل حتى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (الأم)، عندما تبنت شعار (السودان الجديد). لأن تعبير السودان الجديد كان أسم صحيفة سودانية تأسست عام 1944 (قبل عام من ميلاد د. جون قرنق)، لكي (تعالج .. وتصور حالة البلد الناشئ في طور الانتقال)، كما قال مؤسسها أحمد يوسف هاشم في عددها الأول.

موقفي، أن مجتمع الفكر السياسي والمجتمع المدني يجب ألا يتخلى عن مفردات خطابه لأن جهات أخرى صارت تستخدمها.. بل الواجب هو التمسك بها وبمعانيها المدنية، ومنع (حزبنتها)، أو (تسطيح) معانيها، أو إساءة استخدامها كأسلحة في الصراع الحزبي، أو كأدوات لتصنيف الناس والتنمر عليهم، أو لتحويل اللغة إلى معول لتقسيم السودانيين، بدلاً من أن تكون جسوراً للتواصل بينهم ..

السبب الثاني للحرج أن بعضاً آخر منا يرى في انتقاد دولة 56، انتقاداً لآبائنا المؤسسين، الذين رفعوا علم الاستقلال أو شعار “السودان للسودانيين”، باعتبار أن دولة 56 هي الدولة التي أسسها هؤلاء الآباء.. في الحقيقة أن هؤلاء الآباء هم جزء من حركة التحرر الوطني التي شملت كل المستعمرات في القرن العشرين، وقد انصب جهدهم على إخراج المستعمر من بلدانهم، ظهر ذلك في شعارهم (تحرير لا تعمير)، وهو ما أنجزوه بنجاح.. أما الاستقلال والتعمير فموضوع آخر تحكمت فيه، في حالات كثيرة، عوامل أكبر منهم، كما أن الموضوع يشمل مسئولية من جاءوا بعدهم للحكم والسلطة ..

لذلك فالحديث عن دولة 56 في هذا السياق هو حول مسار الدولة بعد إخراج المستعمر ورفع علم الاستقلال، وما تحقق من ذلك الاستقلال ومن التعمير أو لم يتحقق، ولماذا.. هو تجاوب مع الحديث المتكرر الناقد لدولة ما بعد الاستعمار، ومع المطالبات بإعادة هيكلة الدولة، والعودة لمنصة التأسيس، بعد سبعين سنة.. لماذا إعادة الهيكلة؟ ومالها منصة التأسيس؟ ما الخطأ فيها..!؟
ضرورة مساءلة هذه المسارات فأمر ماثل أمامنا اليوم، ليس فقط بسبب تعثر الاستقلال، ولكن أيضاً بسبب الانهيار الشامل للدولة ذاتها. لا يجوز أن يقف احترامنا لآبائنا المؤسسين وجهدهم في إخراج المستعمر حاجزا بيننا وبين نقد المسارات والمآلات التي انتهت إليها الدولة التي تأسست على أيديهم.. على العكس، فالواجب الوطني والاعتراف بجهدهم، يفرض على كل منا أن يتساءل: ما الذي حدث؟ وكيف؟ ومتى حدث؟، حتى تحولت تلك الآمال العريضة في الكرامة والعدالة ودولة لشعبها خادمة مطيعة لا قامعة، أوان رفع علم البلاد- كيف تحولت لتقضي هذه الدولة كل عمرها السبعيني المستقل تحارب نفسها بلا استراحة، وتقاتل شعبها بلا رحمة أو هوادة..لتنتهي كل تلك الآمال العريضة، أمام أعيننا، حطاما وركاما كبيرا..!؟

فما الذي حدث ليحوًل آمال النهضة والتعمير التي تغمر قلوب الناس في لحظات الانعتاق والتحرير إلى دمار، ما الذي انتهى بها في حالة السودان إلى جحيم السعير الذي نعيشه اليوم بعد 70 سنة من تلك اللحظة في تاريخنا ..!؟

سابدأ متابعتي لمسارات ومآلات دولة 56، بعد عام من رفع علم الاستقلال، في ذلك اليوم من أيام شهر فبراير 1957، حين نظر مجلس النواب في بند “طبيعة الدولة” في المسودة المقدمة من لجنة الدستور الدائم المشكلة من المجلس.. نقرأ في محضر تلك الجلسة، كما نقله لنا الأستاذ يوسف محمد علي في كتابه (السودان والوحدة الوطنية الغائبة)، وقد أشرتُ له في كتابات سابقة، أن الأستاذ أحمد خير المحامي اقترح أن يكون البند الأول في الدستور حول طبيعة الدولة، على النحو الآتي:
(السودان جمهورية برلمانية موحدة) ..
نهض عضو البرلمان السيد ميرغني النصري وأقترح إضافة كلمة (إسلامية) لهذا البند ليكون: (السودان جمهورية إسلامية موحدة)، وأيده العضو عمر البخيت العوض ممثل الهيئات الإسلامية ..
لكن بعد ذلك مباشرة قام محتجاً العضو ستانسلاوس بياساما عن كتلة جنوب السودان، وقال “أؤكد لكم أنكم لو أجزتم هذا التعديل فسوف أشعر أنا الأفريقي الأصيل صاحب هذا الوطن بأنني غريب في بلدي..؟ أنا أقترح أن يكون البند (السودان جمهورية ديمقراطية فيدرالية)”..

كان كل واحد من تلك المقتراحات الثلاثة يعبر عن قاعدة اجتماعية وسياسية سودانية ..
فمن جهة هناك تطلع جماهير السودانيين في القطاع الحديث نسبياً بوسط وشمال السودان للديمقراطية .. هذا هو المقترح الأول، وفي هذه القطاع الحديث كانت هناك أيضاً دعوات للاشتراكية ..
من جهة ثانية هناك قوى الدعوة للدولة الإسلامية، وكانت حجتها أن الإسلام هو دين الأغلبية، وفي رأيهم، أن من الطبيعي أن تحتكم الأغلبية لدينها ..
المجموعة الثالثة هي قوى الهامش السوداني العريض وأشواقها للفيدرالية والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة.

نعلم أن ذلك الدستور الدائم لم يرى النور أبداً ..لأن السودانيين لم يستطيعوا التوافق والتوفيق بين هذه القوى الاجتماعية السياسية الثلاث، حتى في الحد الأدنى، وإلى يومنا هذا. مثل السودان في هذه الحالة استثناء نادراً: مخالفاً لمجتمعات أخرى عدة كانت خارجة لتوها من الاستعمار وبإشكالات وقواعد اجتماعية سياسية شبيهة، ولكنها وجدت في غالبيتها، عند استقلالها أو بعد حين، سبلاً للتوافق والتوفيق، على الأقل على الحد الأدنى المقبول بينها ..

كل ما حدث في جلسة مناقشة مسودة الدستور تلك أنها أصبحت اللحظة التي جرى فيها تحرير عناصر الصراع الدائر الآن في بلادنا، حين دُشن غياب التوافق السياسي والدستوري بين المواقف المختلفة على أنه المنصة التي تأسست عليها دولة 56. وكان ذلك يعني أن الأمر الواقع وقتها، بانحيازاته الاقتصادية التنموية والاجتماعية التي أوجدها الاستعمار البريطاني المصري لخدمة مصالحه، ومن قبله الاستعمار التركي المصري بجرثومتي الهوية اللتين حقن بهما الجسد السياسي السوداني: السلفية الدينية وإرث الاسترقاق، هذا الواقع القديم المختل الشائه، بقوانينه ومؤسساته ودستوره المؤقت، أصبح هو المسرح الذي على خشبته وبين شخوصه دارت أحداث السبعين سنة اللاحقة..

سينتقل السؤال بعد هذه النتيجة الأولى، ليصبح: كيف عصف غياب التوافق الدستوري أو تلك المنصة التأسيسية المختلة آخر الأمر بالدولة، كما هو حادث الآن..!؟ كيف تبدت مجريات الصراع، وما تفاصيلها..؟ كيف دارت (المدافعة) السياسية غير المنظورة..؟ ماذا كان وقودها الدافع..؟ وما هي تجلياتها..!!؟

اول ما عناه غياب التوافق والتوفيق بين مجموعات المتساكنين السودانيين الثلاث كان هو غياب القبول –ناهيك عن الاحترام- المتبادل بين هؤلاء المتساكنين. وبذلك تأسست الدولة المستقلة وتقدمت بها الأيام ومواطنيها لا يعترفون ببعضهم البعض، بل لا يعرفونهم..!

وإذا كان قد حدث اندماج، ولو بعد فترة ليست بالقصيرة، اختصر عناصر الصراع المذكورة إلى أثنين بدلاً من ثلاثة.. وذلك عندما انضاف مقترح الدولة الديمقراطية الفيدرالية الذي قدمه ستانسلاوس بياساما إلى مقترح أحمد خير بالجمهورية البرلمانية، كما حدث على نحو ما في أتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005، بوصفهما غير متعارضان، بل يكملان بعضهما البعض في إطار الديمقراطية القائمة على المشاركة والتعددية- فقد ظل الصراع التأسيسي المخفي، غير محدد الأطراف، المنخفض الشدة أحيانا، مرتفعها أحياناً، بين توجه (تقليدي ثم عالم) يدعم (جمهورية إسلامية موحدة) ضد آخر يدعم (جمهورية ديمقراطية فيدرالية)، دائراً في السودان –ولا يزال- طوال سبعين عاماً هي عمر السودان منذ خروج المستعمر..

نعلم من محضر تلك الجلسة الأولى التي شكلت منصة التأسيس
المختلة لدولة 56، الحجج التي اعتمد عليها كل فريق في دعواه: السيد ميرغني النصري برر لمقترح الدولة الإسلامية بأن غالب السودانيين مسلمين، ومن حق الأغلبية أن تحكم .. هذا بينما قام اعتراض ممثل كتلة الجنوب على أن (في البلد مواطنيين أصليين لكنهم غير مسلمين)، وأن الدولة الإسلامية لا تستوعب تنوع المجتمع السوداني، وأن الفيدرالية هي التي تناسب ذلك التنوع.
السيد عمر البخيت العوض، ممثل الهيئات الإسلامية الذي أيد مقترح الجمهورية الإسلامية قدم حجة إضافية لدعم مقترح النصري، قال إن رفض المقترح بحجة أن غير المسلمين لا يرتضونه، هو تضحية برأي (الأغلبية المطلقة)، وهي مسلمة، من أجل غير المسلمين، وهم أقلية. وأضاف نحن نريد حكما إسلاميا، ثم قرأ بصوت عال الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}..

يمكننا بهذه التصريحات والدفوعات عن المقترحين، استقراء الدوافع والمنطلقات السياسية والعقدية النفسيىة خلف كل واحد منهما: في حالة المطالبة بالديمقراطية والفيدرالية فقد كان ذلك هو التيار الحقوقي العالمي الذي عبر عنه الفكر السياسي الحديث، عندما نص في المادة الأولى من ميثاق حقوق الإنسان على أن (جميع الناس يولدون أحراراً متساوون في الكرامة والحقوق وقد وهبوا ضميرا)، وتسند هذا التيار الحقوقي الدوافع والتطلعات الطبيعية لدى كل نفس بشرية للعدالة والمساواة، او يمكن القول بالمصطلح القرآني إنها {فطرة الله التي فطر الناس عليها}.
وقد صار معروفاً اليوم أن مكونات المجتمعات المتنوعة لديها تطلع كامن وقوي لرؤية نفسها مشاركة وممثلة في الفضاء العام لبلدانها، في السلطة والثروة والهوية .. وهو ما تعبر عنه قيم المشاركة والعدالة والمساواة المضمنة في الفيدرالية..

أما الدوافع النفسية والقناعات العميقة خلف الدعوة للجمهورية الإسلامية، فلقد رأينا أن ممثل الهيئات الإسلامية عندما ثنى مقترح الدولة الإسلامية، هتف بالآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. هذه الدعوة للحكم بما أنزل الله ترتبط عند أهل السنة والجماعة، وهي الجماعة المذهبية التي انتمى إليها مقدموا المقترح، وينتمي إليها السلفيون عامة، بمن فيهم الإخوان المسلمون- ترتبط بـ(إيمان متوارث) بأن الخير العميم الوفير يتنزل على الأمة إذا أقامت (شرع الله) .. وتستند هذه الدوافع على الفهم الظاهري المباشر للآية 96 من سورة الأعراف {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ..}. وأيضاً آية سورة المائدة {ولو أنهم أقاموا التواراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ..} ..

يتشكل وعي الأفراد الذين ينتظرون هذه البركات من (إيمان تقليدي) ومعتقد عميق بأن الخير والبركة، والتي هي في حالة بلداننا: التنمية والخروج من دائرة الفقر والتخلف والتبعية الحضارية والسياسية .. إلى التقدم والنهضة والازدهار- أن هذه البركات (تتنزل) على العباد والبلاد بمجرد إقامة شعائر وتطبيق أحكام معينة، غض النظر عن صلتها بالواقع أو بالأهداف المنتظرة. أي أن هذه البركة، في هذا الاعتقاد التقليدي لا تتعلق بالعمل والتخطيط وربط الأمور بأسبابها، وتوسل الطرائق والدروب العلمية السليمة للوصول إليها..

حول هذا (الوعد الأسطوري) تشكل (المخيال الديني)، كما أسماه محمد أركون، مغلفاً بالقداسة، مشحوناً بالعواطف والإشواق إلى أمجاد ماض تليد، مرسخة أحداثه وأشخاصه بعمق في مخيلة المسلمين، يملأ شعور المسلم وإحساسه، ويقدم له غايات دنيوية وأخروية ساحرة تلهب حماسه وتشعل آماله وتهيج مشاعره الدينية.. وعلى استغلال هذا (المخيال الديني)، استندت دعوات الحركات السلفية لإقامة شرع الله وبناء الجمهوريات الإسلامية، في كثير من الأحيان دون تفاصيل إضافية..

كانت هذه الدوافع الخام غير المعرًفة محركاً خفياً للفعل السياسي في السودان، وذلك في غياب الدستور الدائم والقيادة الوطنية الرشيدة: أي ما يُعرف عادة بـ(السياسة)، التي تعطي موجهات قيمية ومعايير سلوكية وأطر سياسية واعية لإدارة الشأن العام. في الواقع تعرض مفهوم السياسة ذاته للابتذال، فجرى التعامل معه على أنه المقدرة على الوصول إلى السلطة، بأي أسلوب، والاحتفاظ بها والاستمتاع بوجاهاتها وبالثروات التي تنفتح أبوابها بها، وليس على أنها (علم بناء الدول والمجتمعات)، مثل ما هي عليه في حقيقتها ..

صحيح كان هناك مؤتمر الخريجين، والأحزاب التي خرجت منه، وأحزاب جديدة بتأثيرات العالم أو الإقليم، وحركات مسلحة، ونقابات وإتحادات .. لكن لم يكن الفعل السياسي السوداني العام يتحرك وفق مشروع وطني جامع أو وبرامج مدروسة مقصودة تصب في مشروع ما، وإنما كان الفاعلون السياسيون والاجتماعيون (يرتجلون) السياسة، يتعاملون بالفعل ورد الفعل، وبحكم العادة والمصالح الحزبية والفردية و(الاجتهاد الشخصي)؛ كانت الطائفة والقبيلة والإثنيات والجهويات تشارك الاحزاب والمجتمع المدني في تقاذف كرة السلطة وإدارة الدولة، بل كانت هي الأقوي والأشد سيطرة أحياناً كثيرا..

وهكذا بينما كان شعب عظيم وعريق أضاف بإبائه إلى مجالات الفقه الإسلامي (دار الصلح)، عندما عجز الفاتحون العرب عن إضافته ل(دار الفتح)؛ وأختار بنفسه من الإسلام المذهب الصوفي الذي يناسب تنوعه؛ وطرد المستعمرين حين كانت معظم الشعوب مثله ترزح تحتهم؛ واستقل بأول دولة وطنية موحدة في أفريقيا جنوب الصحراء في القرن التاسع عشر؛ وسبق الشعوب بعدد من الثورات المدنية السلمية الديمقراطية قبل أن تصبح شائعة؛ شعب أكسبته نضالاته وتضحياته وأصالته وتنوعه صفات إنسانية عظيمة- بينما ظل الشعب السوداني يقدم في كل ثورة النفيس والنموذج والقدوة، متطلعا للانعتاق والتقدم والتنمية، كانت السياسة والمجتمع السياسي يقف عاجزا كل مرة، عن تحويل تلك التضحيات إلى وقود أو روافع للنهضة ..

شابه الوضع، بعد خروج المستعمر، عربة تركها صاحبها بعد أن أهلكها بالاستعمال طويلاً، ليقودها عامل كان معه، لكنه لم يتعلم قيادة السيارات ولا يعرف اتجاهات المدينة وما حولها .. أو كملعب كرة به لاعبون في مباراة لا يوجد فيها حكم للمباراة، ولا تخضع لقوانين أو قواعد معروفة.. يحاول كل لاعب فيها إحراز أهداف في شباك لخصوم متوهمين، يمكنهم من جانبهم استخدام كل الوسائل لعرقلة المهاجمين، بما في ذلك تغيير مكان الشباك وحجمها عندما يقترب منها غيرهم ..!

كان ذلك هو الوضع الذي تركه غياب المشروع الوطني المحفوظ في دستور دائم متوافق عليه يعطي الدولة نظما وقيماً وموجهات تحكم تحركها وتحدد أهدافها..
في وسط هذه (المعمعة) كان التيار الحقوقي السوداني، أولاً، بدوافع (الفطرة)، ولاحقاً بجهود برامجية خاصة من جانب الحركة الشعبية، من جانب، والتيار الديني الإسلامي، بدوافع (البركة) عامة، ثم بدءاً من سنة 87، بتخطيط حديث ومكثف، من الجانب الآخر- كانا هما الأكثر نشاطاً والأكبر أثراً في ما حدث للمجتمع والدولة في السبعين سنة منذ 56.

ويمكن التوثيق للسجال أو التضاد بين هذين التيارين، بإشعال تيار الديمقراطية الفيدرالية، سنة 1955، حرباً في الجنوب بقيادة حركة أنيانيا، كانت في كثير من مسبباتها احتجاجاً ناتجاً عن تعامل شماليين بإرث الرق القادم من مرحلة التركية السابقة، كما ذكرت لجنة التحقيق في أحداث توريت.. فجاءت الدعوة للدولة الإسلامية، سنة 1957، في البرلمان الأول، التي رفضها من البرلمان.

لكن الانقلاب العسكري الأول (1958 – 1964)، فرض بالقوة برنامجاً للأسلمة والتعريب على جنوب السودان غير المسلم.. ليس لأن عسكريي النظام كانوا إسلاميين، ولكن ظناً منهم أن تلك الإجراءات هي الحل لمشكلة الحرب في جنوب السودان، وذلك انطلاقاً من السردية الرسمية التي كانت سائدة حينها، عن أن السودان بلد عربي مسلم به (جيوب غير مسلمة)، تجب أسلمتها وتعريبها لتتنزل الوحدة والسلام.. معروف أن الذي حدث هو أن الحرب الأهلية مع الجنوب صارت أكثر حدة واستعاراً بسبب إجراءات ذلك النظام..!

رد التيار الحقوقي على مفاقمة الحكم العسكري للحرب في الجنوب بإسقاط ثورة اكتوبر 1964، لنظام نوفمبر بقيادة الجنرال إبراهيم عبود، وكانت الشرارة ندوة في جامعة الخرطوم حول الجنوب .. وثم بعقد مؤتمر المائدة المستديرة لحل مشكلة الجنوب، والخروج بتوصيات لجنة الإثني عشر الداعمة لحقوق جنوب السودان..

فجاء التحرك التالي للتيار الديني في الفترة الديمقراطية بعد اكتوبر 1964، بفعلين: حل الحزب الشيوعي، الذي سيطر على الحكومة الأولى بعد اكتوبر تحت مظلة جبهة الهيئات، بحجة أنه (يروج للإلحاد وعدم الاعتقاد في الأديان السماوية)، وكذلك شروع لجنة الدستور بالجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي.

كان رد اليسار على تحركات اليمين الديني في فترة اكتوبر تنظيم انقلاب مايو وإنهاء الفترة. كما تبنى نظام مايو، في بيان 9 يونيو، مقررات لجنة الإثني عشر لحل مشكلة الجنوب، واعترف بالخصوصية الثقافية لجنوب السودان، وانتقل هذا الاعتراف لاتفاقية أديس أبابا 1972، التي أوقفت الحرب في الجنوب وأعطت السودان سلاماً نسبيا لمدة عشر سنوات ..

عاد التيار الديني مع المصالحة عام 1977، ودفع نظام مايو لإلغاء أتفاقية أديس أبابا، ولتنصيب جعفر نميري نفسه إماماً للمسلمين، فأدخل جعفر نميري، لأول مرة أحكام العقوبات الشرعية (الحدود) في القانون الجنائي السوداني، ما عُرف بقوانين سبتمبر 1983، وأعدم الأستاذ محمود محمد طه على أساسها، يناير 1985..
كان الرد هو إسقاط الشعب السوداني نميري ونظام مايو في أبريل 1985، مطالباً بالديمقراطية.

قبل الانتفاضة، وبعد نقض نظام مايو لاتفاقية أديس أبابا وإعلان الشريعة 1983، نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان رافعة شعار (السودان الجديد)، الفيدرالي الديمقراطي؛ وانخرطت التنظيمات الحزبية والنقابية بعد أبريل 85’ في حوارات مكثفة مع الحركة الشعبية بحثا عن صيغة دستورية سليمة لإدارة التنوع وتحقيق المواطنة المتساوية؛ ثم جاء التوصل سنة 1988، إلى اتفاق الميرغني- قرنق، الذي رتب لوقف الحرب في الجنوب، وذلك عبر مؤتمر دستوري للاتفاق على نظام حكم يضمن حقوق شعوب السودان.

وإتفاق الميرغني – قرنق هذا، هو الإتفاق الذي استبقت مؤتمره الدستوري بالانقلاب الجبهة الإسلامية القومية –الفصيل العالم للمنظومة السلفية ولمعكسر البركة- وكان أول ما فعلته الجبهة بعد الانقلاب إدماج قوانين الشريعة في القانون والدستور والمؤسسات، وإعلان دولة دينية كاملة، ولكي تبقى في الحكم لمدة ثلاثين سنة ..

أثناء هذه الفترة دفع نظام الإنقاذ الديني جنوب السودان للانفصال، حتى “يخلص الأمر لتقويم المجتمع المسلم دون خلاف في أصل الملة”، بتعبير الدكتور حسن الترابي، أو ليصل التيار الديني بالدولة السودانية إلى نسبة ال98% التي ظل البعض يتباهى بها بعد انفصال الجنوب..

لم يقطع حكم الدولة الدينية إلا خروج الشعب السوداني عليها في ثورة غير مسبوقة هي ثورة ديسمبر 2018، ولكن لفترة قصيرة لم تستمر إلا عامين، لتعود الدولة الدينية مرة أخرى بانقلاب 2021، وبحرب أبريل 2023 الجارية، لتستقطع من سنوات الاستقلال السبعين حتى اليوم، 35 سنة في الحكم، أي نصفها كاملا..!

بهذا التسلسل التاريخي المختصر لما بعد رفع علم الاستقلال ربما تكون قد وضحت عشوائية واضطراب الفعل السياسي، و(ارتجاليته) الناتجة عن افتقار الدولة السودانية لضوابط دستورية وسياسية بل وأخلاقية لتنظيم العمل العام، وذلك فيما عدا تلك التجاذبات والديناميات المحكومة بالدوافع الدينية والطبيعية الكامنة، بداية، والمنظمة لاحقاً، التي أوردنا مجرياتها، والتي أنصبت في مجملها، وبحكم الحاضنة الاجتماعية المسلمة القابلة، إضافة إلى البذور السلفية التي بذرتها التركية السابقة في الدولة ورعتها من بعدها المصالح الاستعمارية البريطانية، وتماهي الحركات الدينية مع هذه المصالح- انصبت هذه التجاذبات في صالح المعسكر الديني وإقامة شرع الله، بصورته السلفية، بدافع أن ذلك، كما ذكرنا، سيؤدي تلقائيا إلى تنزل بركات السماء ..!

لمن أراد نموذجا إضافياً للسياسة الارتجالية وتجاذبات التيارين داخلها، فهناك حالة حل الحزب الشيوعي السوداني عام 1965..
تبدأ (الحكاية)، بأن طالباً في كلية التربية بجامعة الخرطوم، قال في ندوة يوم 8 نوفمبر 1965، إنه شيوعي، وتعرض في تلك الندوة للسيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم.. تلقف الحادثة، بعد عدة أيام، أحد قادة جبهة الميثاق الإسلامي مفرداً، ورأى فيها فرصة للتخلص من الحزب الشيوعي السوداني، باعتباره الغريم الرئيسي لجبهته. نجح الرجل في كسب وزير الداخلية آنذاك لجانبه، وفي إقناع عدد من الطلاب وعدد من أعضاء حزبه وأحزاب أخرى بالخروج في تظاهرات هاجمت دور الحزب الشيوعي وطالبت بحله.

يوم 15 نوفمبر تقدم زعيم جبهة الميثاق بمقترح لطرد أعضاء الحزب المنتخبين من الجمعية التأسيسية، فوافقت الجمعية التأسيسية على المقترح وطردت النواب.. لكن بعد ذلك القراراتضح أن المادة 5 من الدستور، لا تسمح بذلك، بل تنص على أن (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات).
فكان أن قُدم للجمعية بتاريخ 22 نوفمبر، أي بعد اسبوع من طرد النواب، مقترحا بتعديل المادة 5 (لطرد النواب بأثر رجعي) على النحو التالي (على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروَج أو يسعى لترويج الشيوعية سواء كانت محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الإلحاد أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية..)، وكان ذلك أول نص ديني يدخل الدستور، بعد حوالي 10 سنوات من رفع العلم..

أجيز التعديل يوم 8 ديسمبر بالأغلبية، لم يعارضه إلا نائب واحد (كمال الدين عباس)، الذي قال “إن هذا التعديل بطرد النواب، إنما هو طعنة نجلاء للنظام الديمقراطي .. الدساتير لم تقم لحماية الأغلبية من الأقلية، وإنما قامت وتقوم لحماية الأقلية من تغول الأغلبية”..! وذلك رداً على زعيم جبهة الميثاق، الدكتور حسن الترابي الذي كان يرى أن ليس للحقوق الأساسية في الدستور أي خاصية تميزها في التعديل على غيرها، ويمكن تعديلها بنصاب عادي، وأنه “لو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور، لكان فصل الحريات هو أضعفها لأنه يخضع للتشريع”..!

رد الاستاذ محمود محمد طه على الدكتور الترابي بأن المادة 5، مادة الحريات “غير قابلة للتعديل، لأنها جرثومة الدستور، التي يكون عليها التفريع .. إنها الدستور. فإذا عدلت تعديلاً يمكَن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي، فقد تقوض الدستور تقوضاً تاماً، ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي..”

رفع النواب المبعدون قضية دستورية لدي المحكمة العليا ضد تعديل الدستور..
بل عاد إثنان من أعلى قيادات الحزب الشيوعي (أحمد سليمان وعبد الخالق محجوب)، منتخبين كمستقلين إلى البرلمان، الذي طُرد منه زملاؤهم، أحدهما من دائرة رئيس مجلس السيادة ..!
حكمت المحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي بموجبها جرى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه..

فجاء الرد من رئيس الوزراء حينها، السيدالصادق المهدي بأن (الحكومة غير ملزمة بأن تأخذ بالحكم القضائي الخاص بالقضية الدستورية، لأنه حكم تقريري).

فاستقال رئيس القضاء أحتجاجاً على تغول الدولة على استقلال القضاء..!

شرعت الجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي..
فنظم اليسار في مواجهة تلك الإجراءات انقلاباً عسكرياً على الجمعية التأسيسية والفترة الديمقراطية ..

عاد رئيس القضاء المستقيل، سنة 1969، على ظهر دبابة مع نظام مايو، رئيساً للوزراء..!

مثلت حالة حل الحزب الشيوعي السوداني نموذجاً مصغرا للحالة السياسة السودانية في سياقها العام طوال السبعين عاما منذ رفع العلم: العشوائية والارتجال وبالتالي اضطراب الفعل السياسي، الناتجة عن افتقاره لضوابط دستورية وسياسية، بل وأخلاقية ملزمة لتنظيم العمل العام.. داخل ذلك الارتجال والعشوائية تواصلت الديناميات المدعومة بوعي الآن من جبهة الميثاق الإسلامي، فاسهمت (بتحريم الترويج للشيوعية والإلحاد وعدم الإيمان بالأديان السماوية)، في دعم خطوات تهيئة الأوضاع اللازمة، أو إزالة العقبات المعرقلة -في اعتقاد هذا التيار- لتنزل بركات السماء ..

يتضح من عدد السنوات التي قضتها الحركة الإسلامية بمسمياتها المختلفة في الحكم، وما تمكنت من فعله في السودان، أن التيار الديني، أو ما أسميناه هنا معسكر البركة، قد سجل، وبرغم مقاومة قوية من عناصر عديدة للتيار الديمقراطي الفيدرالي- قد سجل تفوقاً كبيراً قارب السيطرة على الوضع في السودان، خاصة في ظل قيادة حركة الأخوان المسلمين في نسختها العالمة، منذ عام 1977، لهذا التيار..

في المقابل كانت النتائج كارثية على الدولة والمجتمع السوداني من كافة الجوانب، كما هو ماثل أمام أعيننا في حالة الحرب الحالية هذه الأيام، المتناسلة من حروب سابقة شاركت الدولة كل أعياد ميلادها تقريباً ..

فبحكم طبيعة عمل التيار الديني والمرامي النهائية التي يسعى إليها، والتي كررنا أنها إقامة شرع الله، بصورته السلفية، لتهيئة أوضاع تؤدي لتنزل (البركات)، بحسب اعتقاد هذه الجماعة.. أن هذا الإيمان يفصل الأهداف عن وسائلها، والنتائج عن مسبباتها، وفاءاً للعقيدة الجبرية السلفية، كما فصلها أبو حامد الغزالي في مسائله الفلسفية في كتابه (تهافت الفلاسفة) ..

ومعلوم، بما في ذلك لدى الحركة الإسلامية، أن الخير الذي ينتظره السودانيون، و لأجله تعددت ثوراتهم، إنما هو الانعتاق من ربقة الفقر وتحقيق التقدم والتنمية والازدهار والنهضة، لكن التيار الديني لا يتخذ وسائلا وسياسات تؤدئ مباشرة إلى هذه الأهداف، أي أنه لا يتخذ العمل والتخطيط ولا يعتمد البرامج والاستراتيجيات العلمية للوصول للأهداف المذكورة، وإنما يتوسل طرقاً غير مباشرة، هي تطبيق أحكام الشريعة التي تنزلت لمجتمع مختلف وفي زمن سابق بقرون كثيرة، باعتبار أن تطبيق هذه الحكام هو (الإيمان والتقوى) المذكورة في الآية 96 من سورة الأعراف، (وما أنزل إليهم من ربهم..) المذكورة في الآية 66 من سورة المائدة، اللتين أشرنا إليهما على أنهما أساس هذا المعتقد الديني للجماعات السلفية ..

المفارقة الكبرى كانت أن الحركة الإسلامية كأكبر تجمع للمتعلمين السودانيين، وبعضويتها المليئة بكفاءات علمية رفيعة في كافة جوانب التخصصات العلمية والإنسانية، والمتميزة في أساليب العمل الملتزم المنظم القائم على التخطيط الاستراتيجي- كانت المفارقة الكبرى أنها ركزت استخدام هذه الكفاءات العلمية الحديثة ومهارات التخطيط الاستراتيجي، ليس في وضع برامج وسياسات مباشرة لتحقيق التنمية والتقدم والنهضة للمجتمع السوداني، وهو ما لكانت أنجزته بجدارة، وإنما استخدمت كل تلك الكفاءات العلمية في تأصيل وتمكين نفسها في السلطة، من أجل إقامة أحكام الشريعة السلفية، وتحقيق تلك الأهداف بصورة غير مباشرة..!

آخر الأمر، كانت النتيجة الكارثية التي انتهت إليها الأمور وليدة ديناميات رباعية الأبعاد. فمن جانب، وكما رأينا في نقاشات لجنة الدستور، وقف التوجه الديني السلفي عائقاً قوياً معرقلاً للتوافق على مشروع وطني مشترك يلبي تطلعات السودانيين جميعاً في المشاركة والهوية.. ومن جانب ثان، قاد الاعتقاد الإيماني الخام إلى استقالة السياسة وموتها: فتُركت إشكالات الدولة والمجتمع المعاصر في السودان دون معالجات، وتركز الاهتمام على مشكلات متوهمة لم تكن قائمة أو ليست بتلك الأولوية، حجاب النساء مثلاً. فتفاقمت وتراكمت المشكلات الحقيقية وانفجرت حروباً ونزاعات لم تتوقف ..

ثالث هذه الأبعاد، أن أحكام الشريعة السلفية، المفروضة بقوة مؤسسات الدولة، وبحكم طبيعتها المفارقة لطبيعة ووظائف الدولة الوطنية الحديثة قد أوجدت معها مشاكل جديدة مرتبطة بها، بآليات (الاستدعاء)، وهي أن منظومة القوانين المطبقة تستدعي معها مناخاتها الاجتماعية الأصلية، أو جوانب منها .. على سبيل المثال استعادت القبلية قوتها بعد أن كانت بدأت في الانحسار نوعا ما في السودان..

هذا إضافة إلى أن انتشار الاعتقاد التقليدي المغلف بالقداسة وسط المجتمعات المسلمة، وقابليته للإستغلال من الجماعات المنظمة، قد أوجد منظومة مصالح واسعة، استخدمته للوصول إلى السلطة والتمسك بها.. وتبذل كل ما في وسعها للإبقاء عليه وإعادة انتاجه، على حساب المجتمعات نفسها، والمجتمع السوداني هو النموذج الأبرز هنا.

وبذلك تكالب الضغث على الإبالة ليفضيا إلى الانهيار الشامل الماثل في السودان اليوم..

قصص من شبكة الغيب؟!

الجميل الفاضل يكتب

لفتني في مطلع شهر ديسمبر الماضي، وقبل أيام فقط من الأدوار النهائية لبطولة كأس الأمم الإفريقية، التي انطلقت في الفترة من 21 ديسمبر 2025 وحتى 18 يناير 2026، أن خبيرة الأبراج والفلك ليلي عبداللطيف، قد فجرت مفاجأة من العيار الثقيل، بقولها: «أتوقع أن كأس إفريقيا الذي سينظم في المغرب لن يفوز بها لا المنتخب المغربي ولا الجزائري ولا التونسي ولا المصري»،
ثم ولم تكتفِ «عبداللطيف» باستبعاد المنتخبات العربية، بل حددت البطل بدقة متناهية، حيث قالت: «توقعي يتجه بقوة نحو المنتخب السنغالي، سيكون هو البطل وسيحمل الكأس من قلب المغرب فأنا أتوقع أن يكون اللقب سنغاليًا هذه المرة»، وأرجعت ذلك إلى امتلاك السنغال مقومات الخبرة والقوة البدنية والانسجام والروح القتالية، وهو ما تجلى بالفعل في المباراة النهائية الدرامية أمام المنتخب المغربي.
وجاءت أحداث المباراة النهائية لتؤكد صدق هذه النبوءة التي حبست الأنفاس؛ فبعد صمود سنغالي وقتالية عالية، وضياع ركلة جزاء إبراهيم دياز في الثواني الأخيرة، تحقق السيناريو الذي رسمته ليلى عبداللطيف، ليعود منتخب السنغال بكأس القارة من قلب ملعب الأمير مولاي عبد الله.
رغم أني لا أعرف بالضبط من أي معين تغترف هذه العرافة توقعاتها الغريبة والمزعجة أحيانا، التي من بينها نبوءة ظلت تشغلني علي نحو خاص، لصلتها بحاضر بلادي ومستقبلها، خاصة وإننا نعيش في عالم عضلاته أكبر من عقله، وغرائزه أكبر من ضميره، كما قال البرت اينشتاين.
نبوءة انبثق بها صوت ليلى عبداللطيف كنداء من الغيب، قبل عام نصف من قيام هذه الحرب اللعينة، تقول: “أرى أن السودان مقبل على أحداث خطيرة باتت قريبة، ستضع البلاد على شفير حرب أهلية جديدة وقاسية، تؤدي إلى مجازر وتطهير عرقي للأسف الشديد، ولتهجير سكاني يتخطى الالاف.. مما يستدعي تدخل قوات اجنبية، برئاسة دولة عظمى في هذا النزاع، لاعادة السيطرة على هذه الحرب، واعادة السودان مجددا الي سكة الدستور والقانون والاستقرار، من خلال حكم مدني فاعل وجديد.”
وقديما قيل أن يحيى بن خالد البرمكي الذي كان عالماً بالتنجيم أيضا قد تنبأ بتاريخ نكبة البرامكة.
فقد أخبر إسماعيل بن صبيح، قائلا: “كنت يوماً بين يدي يحيى بن خالد فدخل عليه ابنه جعفر – وزير وصديق هارون الرشيد – .
فأشاح بوجهه عنه وتكره رؤيته، فلما انصرف عنه قلت له: أطال الله بقاءك، تفعل هذا بابنك وحاله عند الرشيد حالة لا يقوم عليها ولد ولا ولي.
فقال: إليك عني أيها الرجل، فوالله لا يكون هلاك أهل هذا البيت إلا بسببه.
ثم قال: أدن مني الدواة فأدنيتها، فكتب كلمات يسيرة في رقعة وختمها ودفعها إليّ وقال لي: لتكن عندك فإذا دخلت سنة سبع وثمانين ومضى المحرّم فانظر فيها.
فلما كان في صفر أوقع الرشيد بهم، فنظرت فيها فكان الوقت الذي ذكره”.
فيحيى بن خالد الذي سجنه الرشيد وقتل ابنيه جعفر والفضل مع ألف رجلٍ من البرامكة، كان قد طالع النجوم وتأكد من تاريخ النكبة بزمن طويل قبل أن يحن أوانها، لكنه لم يفعل شيئاً ولم يهرب مع أولاده، وجلس في انتظار القدر المحتوم.
إنها قصص ارويها رغم إيماني العميق، بأن مفاتح الغيب كلها، هي بيده وحده سبحانه، من غير ند وبلا شريك، لقوله تعالي: “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبةٌ في ظلمات الإرض ولا رَطبِ ولا يابسٍ إلا في كتاب مبين”.
ولقوله أيضاً: “قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون”.
بل وكما أمر سبحانه نبينا الكريم بقوله: “قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني مَلَكٌ إنْ اتبع إلا ما يوحى إليّ”.

مستقبل السودان في ظل تعدّد أزماته”

📁 المقدمة والإطار العام
يُشكّل هذا الكتاب مُساهمة جماعيّة مُتعدّدة التخصصات، أُعدّت تحت إشراف الدكتور جون قاي يوه، بهدف تشخيص الأزمات المُتعدّدة التي يعانيها السودان وتحليل سُبُل بناء مستقبله. يضمّ الكتاب مجموعة من الباحثين والمُفكرين والسياسيين السودانيين ودوليين، ينتمون إلى حقول معرفية متنوّعة: العلوم السياسية، التاريخ، القانون، العلاقات الدولية، الدراسات الاستراتيجية، والأدب. يُعالج الكتاب إشكالية أساسية: كيف يمكن للسودان أن يُعيد بناء دولته وأمّته في ظلّ تراكم أزمات الهُوية، والحروب الأهلية، وفشل النُخب، والتنوع العرقي والديني المُسيّس.

📖 الهيكل والمحاور الرئيسية
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول رئيسية، تُغطي الأبعاد التاريخية والسياسية والاجتماعية للأزمة السودانية:

◼️ الفصل الأول: الأزمة التاريخية والهُويّة
🔹️ يناقش إشكالية “الدولة المُختلة” وفشل النُخب في صياغة هُوية جامعة.
🔹️ يحلل ثورة 1924 كرائدة للتأهيل في القضايا الوطنية، ومقاومة العنصرية.
🔹️ يُقدّم قراءات في “العقل السياسي السوداني” وأزمة “دولة 56” بين الشرعنة السياسية والتاريخ.

◼️ الفصل الثاني: الأزمة الراهنة: الحرب والواقع
🔸️ يركز على حرب أبريل 2023 كمحطة مفصلية في مسار بناء الدولة.
🔸️ يُحلل أبعاد الصراع بين الجيش والقوى المدنية، وعسكرة العمران والعقيدة.
🔸️ يستعرض سيناريوهات الحلّ الممكنة، ودور المجتمع المدني والإقليمي والدولي.

◼️ الفصل الثالث: دور الفاعلين الإقليميين والدوليين
✏️يدرس تأثير الصراع السوداني على دول الجوار.
✏️ يحلل أدوار المجتمع المدني، والفاعلين الإقليميين (مثل إيغاد)، والدوليين في الأزمة.

  1. الحجج المركزية والإطارات النظرية
    التنوع كـ “لعنة” بدلاً من “نعمة”: يرى الدكتور لوكا بيونق دينق كوال أن إدارة التنوع في السودان فشلت بسبب نظام حكمٍ يستند إلى عقد اجتماعي يُكرّه الاختلاف. التنوع العرقي والديني، الذي كان يمكن أن يكون مصدر ثراء، تحوّل إلى وقود للصراعات بسبب سياسات الإقصاء والهيمنة.
    📘فشل النُخب والهُوية المُشوّهة: يُبرز الكتاب كيف أخفقت النُخب السودانية في تشخيص مشكلات البلاد، وساهمت في تشويه الهوية الوطنية عبر إبراز هوية أحادية (عربيةإسلامية) على حساب التنوع الحقيقي.
    📘 الدولة المُختلة والعقد الاجتماعي المنهار: تُوصف الدولة السودانية بأنها “مُختلة” بسبب غياب العقد الاجتماعي الجامع، وسيادة منطق الهيمنة المركزية (الخرطوم) على الأطراف.
    📘 الدور التاريخي للاستعمار وما بعده: يُحلّل الكتاب كيف ساهمت السياسات الاستعمارية (البريطانيةالمصرية) ثم سياسات الحكومات الوطنية المتعاقبة في تأجيج الانقسامات بين الشمال والجنوب، والمركز والأطراف.
    📘 اتفاقية السلام الشامل (CPA) كفرصة ضائعة: رغم أن الاتفاقية أنهت حرباً أهلية طويلة، إلا أنها فشلت في معالجة جذور الصراع، وخصوصاً في مناطق مثل أبيي وجبال النوبة والنيل الأزرق، مما أدى إلى اندلاع العنف من جديد. ⏺️السياق التاريخي والتحوّلات الكبرى
    يُقدّم الكتاب رؤية تاريخية متسلسلة تُفسّر تطور الأزمة السودانية:
    مرحلة ما قبل الاستعمار: تنوع الممالك والإمارات والهويات.
    ◾️ الحكم التركي المصري (18211885): بداية المركزية والإدارة الأجنبية.
    ◾️ الثورة المهدية (18851898): محاولة لتأسيس دولة دينية موحدة.
    ◾️ الفترة الاستعمارية (18981956): سياسات “فرّق تَسُد”، وعزلة الجنوب.
    ◾️ما بعد الاستقلال (1956-2023): سلسلة من الانقلابات، والحروب الأهلية (1955-1972، 1983-2005)، وحكم النظام الإسلامي (1989-2019)، وثورة ديسمبر 2019، ثم الحرب الأهلية الحالية (2023). 💎 الخلاصات والتوصيات
    🔸️ ضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعي: بناء سودان جديد يستند إلى الاعتراف بالتنوع كقوة، وتبنّي نظام حكم لا مركزي (فدرالي) عادل.
    🔸️إصلاح النظام السياسي والأمني: تفكيك هيمنة النخب النهرية، وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية لتعكس تنوع البلاد.
    🔸️ دور المجتمع المدني والفاعلين الخارجيين: تعزيز دور منظمات المجتمع المدني، وضمان أن يكون الدور الإقليمي والدولي داعماً للحلول السودانية وليس مُفرضاً من الخارج.
    🔸️ الانتقال من خطاب الهوية إلى خطاب المواطنة: إعادة تعريف الهوية السودانية لتكون هوية جامعة، قائمة على المواطنة المتساوية والحقوق المشتركة. 📖 القيمة العلمية والإضافة المعرفية
    يتميز هذا الكتاب بـ:
    ♻️ الطابع الجماعي والتعددي: يجمع بين أصوات سودانية مُتنوّعة، مما يخلق حواراً داخلياً غنياً.
    ♻️ الربط بين التاريخي والراهن: يقدّم تحليلاً متصلاً يُظهر كيف أن أزمات الحاضر هي نتاج تراكمات تاريخية.
    ♻️ الجمع بين النظرية والتطبيق: يقدم إطاراً نظرياً لتحليل إدارة التنوع والصراع، ويطبقه على الحالة السودانية بتفصيل.
    ♻️ الرؤية النقدية والانعكاسية: يتضمن مقالات نقدية (كمقالة الدكتور عبد الله النعيم “وَمَا أَبْرَئ نَفْسِي”) تعترف بمسؤولية النُخب الفكرية نفسها في الأزمة. ⭕️الخاتمة
    يُعدّ كتاب “مستقبل السودان في ظل تعدّد أزماته” مرجعاً مهماً لفهم التعقيدات البنيوية للأزمة السودانية. يُقدّم تشخيصاً عميقاً لجذور الصراع، ويؤكد أن الخروج من النفق يتطلب قطيعة مع أنماط الحكم والهُوية القديمة، وبناء مشروع وطني جديد، جامع، وقادر على تحويل التنوع من مصدر للصراع إلى ركيزة للقوة والاستقرار. النجاح في هذه المهمة ليس فقط مسؤولية السودانيين، بل هو أيضاً اختبار لإرادة المجتمع الدولي في دعم بناء دول متعددة ومستقرة.

أماكن توفر الكتاب :
📌يتوفر الكتاب في جمهورية جنوب السودان في مركز سينياس هاب .
📌في مصر العربية مقهى عندليب بمعرض الدور السودانية الدائم بمنطقة فيصل .
📌في السعودية يمكنكم الحصول عليه عبر الاتصال بالرقم 0508521035.
📌يمكنكم أيضا زيارة معرض القاهرة والحصول على الكتاب عبر الصالة 3جناح A38.

مذكرات الدكتاتور البشير فصل ( البلد دي ما بتشوفوها تاني ) كلاكيت عاشر مره

بقلم 🖋️ : د. أسعد أمين

أمين أمانة الإعلام بحزب المؤتمر السوداني بالخارج

مع إستمرار جولة تحالف صمود الأوروبية والتي وصلت محطة بريطانيا، في وقت تبدو فيه سلطة بورتسودان أكثر قلقاً وتوتراً من أي وقت مضى إزاء ما يتم من نقاشات وما يمكن ان تفضي اليه من ضغوط دولية، خاصة فيما يتعلق بملف اتهامات استخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية. وبالنظر لحالة العزلة التي تعيشها هذه السلطة ومساحات تحركها الدبلماسية الضيقة، فالجولة التي تهدف إلى حشد الدعم لوقف الحرب و مزيداً من الميزانيات ومضاعفة الجهود الإنسانية والدفع نحو مسار سياسي مدني، تحولت في نظر سلطة بورتسودان إلى منصة قد تفتح أبواب مساءلة قانونية وهو ما يخشاه البرهان والفلول.

هذا القلق لا ينفصل عن طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان، ووجود الجنرال على رأس سلطة تلهث وراء شرعية تنقصها، في ظل حرب كان بوابتها انقلابه المشؤوم برفقة قائد الدعم السريع ومن خلفهم تنظيم المؤتمر الوطني والحركة الاسلامية الاره…ابية، فاتسمت ردود الافعال باطلاق خطابات التخوين و التهديد، ذات النهج الشمولي المحفوظ المكرر والمعاد، فالبرهان قرأ في مذكرات الدكتاتور البشير فصل ( البلد دي ما بتشوفوها تاني ) ومن ثم امتطى صهوة المايكرفون بعد صلاة الجمعة الماضية مدججا بحراساته داخل المسجد نفسه، فانتفخت اوداجه وكال الويل والثبور وتهديدات الحرمان من العودة للوطن لدعاة السلام من قادة صمود، ونسي ان يرى ما آل اليه البشير نفسه.

ليأتي الرد بليغاً وفي قمة المسؤولية على شاكلة ما قاله م. خالد عمر ” نحن مهمومون بانهاء معاناة شعبنا ” وشتان بين هذا وذاك، ونقول ايضا للبرهان ان التعامل مع الاتهامات الكبرى لا يتم عبر الإنكار أو التهديد، بل عبر الشفافية وفتح المجال لتحقيقات دولية مستقلة، لأن أي محاولة لإسكات اصوات المطالبين بذلك تُفسَّر تلقائيا بانها دليلاً بيناً على الارتباك. كما ان الربط بين وقف الحرب ووقف الانتهاكات بات حقيقة عملية وضرورة ملحة.

فاستمرار القتال يعني اتساع رقعة المعاناة الإنسانية وتزايد احتمالات وقوع جرائم جديدة، بينما يفتح وقف إطلاق النار الباب أمام مراقبة ميدانية أفضل، ويسمح لجهات التحقيق بالوصول إلى المواقع والشهود والوثائق.

آخر كلمة :

تتزايد في الآونة الأخيرة حالة الاستنكار وسط أوساط السودانيات و السودانيين ومنظمات المجتمع المدني ( ما عدا الفلول ) إزاء ما يُوصف بمحاولات دفع أو إكراه اللاجئات واللاجئين في مصر على العودة إلى الخرطوم.

في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الأمنية والخدمية والبيئية والانسانية. فأي عودة لا تقوم على أسس طوعية وآمنة وكريمة تمثل مخاطرة إنسانية، والشرط الجوهري لعودة مستدامة يتمثل في وقف الحرب وتهيئة بيئة مستقرة تضمن الحد الأدنى من الأمان والخدمات وسبل العيش.

فإعادة الناس إلى مدن ما تزال تعاني من القتال أو آثار الدمار لا تعني إنهاء معاناتهم بقدر ما تنقلها من منفى قاسٍ إلى واقع أكثر هشاشة، بينما يبقى السلام الشامل ووقف إطلاق النار الضمان الحقيقي لأي عودة تحترم كرامة المواطنين وحقوقهم.

١ فبراير ٢٠٢٦م

فشل المؤتمر الوطني في التعبئة العامةداخل السودان واراد نقلها لجمهورية مصر

ياسر عرمان

في البدء لابد لنا ان نشكر جمهورية مصر العربية على استضافة اللاجئين السودانيين في ظروف دقيقة تمر بها مصر وجوارها، نحن السودانيون ممتنين لدول الجوار والفضاء العالمي الذي استضافنا في اسوأ أوقاتنا وقد تعلمنا دروساً هامة على مستوى اوسع من النخب وشعبنا سوف يرد جميل إنساني بعد ان يسترد هيبته وبلاده، ونحن شعب جْبل على استضافة اللاجئين.

أكدت دوائر مصرية ذات اطلاع ومعرفة ان الحملة ضد اللاجئين السودانيين تمت بطلب من السلطات السودانية وهو ما ذكرته أيضاً الدكتورة أماني الطويل، ومن المفيد للمسؤولين في مصر رفض الطلب، لانهم على اطلاع تام ودراية بأوضاع السودان ويعلمون ان الطلب قد جاء بعد فشل حملة التعبئة العامة داخل السودان التي يقف خلفها المؤتمر الوطني وهو يريد ان يعلق فشله على مشاجب مصرية مما لا يتناسب مع جهد مصر في استقبال اللاجئين السودانيين، ومن مصلحة مستقبل العلاقات بين الشعبين ان يتحمل المؤتمر الوطني وزر فشله معلقاً على عرقوبه فهو حزب نحس ولد وهو يحمل دكتوارة في الفشل.
اللاجئون السودانيون يدركون ان هذه الحرب عبثية وجاءوا إلى مصر بحثاً عن الامن والسلام لا الحرب سيما الشباب منهم، وهم لا صلة لهم بالسلطات السودانية ولديهم حقوق وواجبات كلاجئين ليس من بينها تسليمهم للسلطات التي فروا من وجهها.
اننا نناشد الحكومة المصرية لوقف هذه الحملات وان تلتقي بالقيادات الوطنية والمدنية السودانية لتناقش معهم كيفية التعامل مع اللاجئين السودانيين وتنظيم وجودهم دون إخلال أو ضرر.

٣٠ يناير ٢٠٢٦

كيف أصبح السوداني مستحقًا للحماية في مصر؟ فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني: دورٌ وطني صامت في حماية السودانيين

بقلم: مهدي داود الخليفة

على ضوء أوضاع السودانيين المقيمين في جمهورية مصر العربية، وما يحيط بملف وجودهم من نقاشات سياسية وإنسانية، يصبح من الضروري تسليط الضوء على المسار التاريخي والقانوني الذي جعل المواطن السوداني يتمتع بحق اللجوء في مصر، ليس بوصفه منحة طارئة، بل باعتباره استحقاقًا إنسانيًا وقانونيًا فرضته ظروف تاريخية قاسية.

حين فُتح باب اللجوء أمام السودانيين المقيمين في مصر، لم يكن ذلك حدثًا إداريًا عابرًا، ولا إجراءً قانونيًا تقنيًا، بل شكّل نقطة تحوّل جوهرية عكست اعترافًا دوليًا بحجم المعاناة التي عاشها السودانيون عبر عقود من القمع والحروب والانهيارات السياسية. جاء هذا التحول في لحظة تاريخية كان فيها الوطن يُسلب من أبنائه، ويُتركون بلا حماية، معرّضين للقمع والحرب والنزوح القسري.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: متى تحوّل الحق السوداني الطبيعي في الحماية إلى “طلب لجوء”؟ ومتى فُتح باب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أمام السودانيين في مصر؟ هذا سؤال ضروري، لأنه يعيد الاعتبار لتاريخ ظل طويلًا خارج التوثيق، رغم أن نتائجه غيّرت مصائر آلاف الأسر، بل وربما أجيال كاملة.

حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا قبل عام 1994، لم يكن يُسمح للسودانيين المقيمين في مصر بالتقدّم بطلب لجوء سياسي لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لم يكن ذلك لأن السودان كان بلدًا آمنًا أو مستقرًا، بل بسبب ترتيبات سياسية وقانونية خاصة بين مصر والسودان، وبسبب تصنيف إداري لم يعد يعكس الواقع السياسي والإنساني في السودان، حيث تعاملت المفوضية مع السودانيين بوصفهم “مقيمين” لا تنطبق عليهم صفة اللاجئ وفق اتفاقية عام 1951.

زاد من تعقيد الوضع اعتماد المفوضية شرطًا إجرائيًا صارمًا، يقضي بأن يكون طالب اللجوء قد دخل مصر بتأشيرة مسبقة، وهو شرط لم يكن ينطبق على السودانيين الذين دخلوا مصر استنادًا إلى اتفاقيات ثنائية قديمة، أبرزها اتفاقية التكامل، التي كانت تتيح الدخول دون تأشيرة و تمنح السوداني حق الإقامة الدائمة. وهكذا وجد السوداني نفسه في منطقة قانونية رمادية: بلا حماية قانونية، وبلا اعتراف دولي، رغم أن أسباب اللجوء كانت تتفاقم يومًا بعد يوم.

جاء انقلاب عام 1989 ليكشف زيف هذا التصنيف. فالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والحروب الأهلية المتصاعدة، جعلت من الاستمرار في توصيف السودانيين كـ“مقيمين عاديين” نوعًا من الإنكار القانوني للواقع. غير أن هذا التحوّل لم يكن تلقائيًا، ولم يكن قانونيًا بحتًا، بل كان ثمرة جهد سياسي–حقوقي واعٍ، قاده سودانيون آمنوا بأن الدفاع عن الإنسان لا يتجزأ، حتى وإن كان الثمن شخصيًا.

في تلك اللحظة الفارقة، برز الدور التاريخي للأستاذ فاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب آنذاك. لم يتعامل أبو عيسى مع القضية بوصفها شأنًا سودانيًا داخليًا، بل قدّمها باعتبارها قضية حقوق إنسان بامتياز، تستوجب مساءلة المفوضية الدولية عن معاييرها المزدوجة. وبفضل موقعه القانوني والنقابي، خاض معركة هادئة ولكنها عميقة، لإقناع مفوضية اللاجئين بضرورة إعادة توصيف وضع السودانيين في مصر، وفتح باب طلب اللجوء أمامهم، استنادًا إلى الواقع السياسي والانتهاكات الموثّقة.

إلى جانب هذا الجهد السياسي، جاء الدور المكمل والدقيق للدكتور أمين مكي مدني، الذي بحكم خبرته القانونية العميقة، وعمله السابق داخل منظومة مفوضية اللاجئين نفسها، تولّى صياغة المذكرات القانونية الداعمة لهذا المطلب. لم تكن تلك المذكرات خطابات إنشائية أو عرائض احتجاج، بل وثائق قانونية محكمة، فكّكت الحجج السابقة للمفوضية، وأثبتت – نصًا وروحًا – انطباق معايير الحماية الدولية على السودانيين المقيمين في مصر، وبذلك تحوّل المطلب من مناشدة أخلاقية إلى حق قانوني مُسنَد بالحجج والوقائع.

وبفضل هذا الجهد المشترك، فُتح الباب أمام استقبال طلبات لجوء السودانيين في مصر، ولم يكن ذلك اعترافًا قانونيًا مجردًا، بل تُرجم سريعًا إلى حماية فعلية وحقوق ملموسة انعكست مباشرة على حياة آلاف الأسر. فقد تمكّن السودانيون الذين نالوا صفة اللجوء من إلحاق أبنائهم بالمدارس داخل مصر بصورة منتظمة، إلى حين إتمام إجراءات إعادة التوطين، ما أنقذ جيلاً كاملًا من الانقطاع التعليمي. كما جرى صرف إعانة مالية شهرية لكل أسرة، ساعدت في توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وخفّفت من هشاشة الوجود اليومي.

تركّز الوجود السوداني خلال تلك الفترة بصورة أساسية في القاهرة والإسكندرية، حيث شكّل موظفو الدولة الذين أُحيلوا للصالح العام بعد انقلاب 1989 نسبة معتبرة من الوافدين مع أسرهم، إلى جانب طلاب، ونقابيين، وناشطين سياسيين. وتميّزت تلك المرحلة بتعامل إيجابي من مكاتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، التي كانت تستقبل السودانيين بصورة طيبة، وتسعى إلى تسهيل إجراءات التسجيل وتسريع المقابلات والبتّ في الملفات، بما يتناسب مع طبيعة الانتهاكات والظروف السياسية التي فرّوا منها. وكان كرت المفوضية الذي يحمله اللاجئ يشكّل مظلة حماية حقيقية، وفارقًا جوهريًا في علاقته بالدولة المضيفة وأجهزتها، ويمنحه قدرًا من الأمان القانوني المفقود سابقًا.

كما تميّزت تلك الفترة بوجود عدد مقدّر من أبناء جنوب السودان الذين نزحوا إلى مصر طلبًا للجوء السياسي، هربًا من الحرب والانتهاكات، قبل سنوات من انفصال الجنوب. وقد شكّلت تلك التجربة المشتركة لحظة إنسانية كاشفة لوحدة المعاناة، قبل أن تمزّق السياسة والجغرافيا ما جمعته المأساة.

وحصل آلاف السودانيين لاحقًا على صفة لاجئ، ثم على فرص إعادة التوطين في دول مختلفة مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وبريطانيا وغيرها. لم يكونوا أرقامًا في ملفات، بل بشرًا كُتبت لهم حياة أخرى، لأن هناك من دافع عن حقهم في الحماية دون أن يطلب شكرًا أو امتيازًا. واليوم، بعد مرور السنوات، يمكن القول بثقة إن هذا الجهد لم يغيّر وضعًا قانونيًا فحسب، بل غيّر مصائر أسر كاملة، استقرت، وتعلّم أبناؤها، وعاش كثيرون حياة أكثر أمنًا وكرامة.

تتجلى هنا مفارقة أخلاقية مهمة: لم يتقدم أي من أفراد أسرتي، فاروق أبو عيسى أو أمين مكي مدني، بطلب لجوء أو استفاد من حق إعادة التوطين، رغم توفر الظروف السياسية التي كانت تسمح بذلك. لم يكن ذلك ناتجًا عن عجز، بل كان قرارًا واعيًا يؤكد أن اللجوء يجب أن يكون حقًا للناس وليس وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية، وأن تُمارس السياسة كمسؤولية أخلاقية تلتزم بالمصلحة العامة بعيدًا عن المصالح الفردية.

إن استعادة هذا الدور اليوم ليست نبشًا في الماضي، بل ردّ اعتبار لتاريخٍ صامت، وتذكير بأن القضايا الكبرى لا تُصنع فقط في الغرف المغلقة أو المؤتمرات، بل أحيانًا في مكاتب قانونية متواضعة، وعلى أكتاف رجال اختاروا أن يكونوا حُرّاسًا للكرامة.

إن استعادة هذا الدور اليوم ليست حنينًا إلى الماضي، بل ردّ اعتبار لتاريخٍ صامت، ولرجال اختاروا أن تكون السياسة عندهم فعلَ حمايةٍ لا وسيلة مصلحة. فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني لم يفتحا باب اللجوء لأنفسهما، بل فتحاه للآخرين، ومضيا الي رحاب ربهما تاركينه مفتوحًا لكل من كان في أمسّ الحاجة إليه. وذلك في حد ذاته درسٌ وطني و ديني وأخلاقي، يذكّرنا بأن أعظم الأدوار تُؤدّى أحيانًا بلا ضجيج، وبأن حماية الكرامة الإنسانية هي أسمي أشكال الوطنية.

رحم الله أمين مكي مدني و رحم الله فاروق أبو عيسى،

خريف الوعود: كيف تتبخر تفاهمات السلام في السودان؟

بقلم: عباس الخير
منذ اندلاع الرصاصة الأولى في الخرطوم، لم يتوقف قطار المبادرات الدولية والإقليمية عن محاولة كبح جماح الحرب، إلا أن كل محطة وصول كانت تتحول في اللحظات الأخيرة إلى سراب. قصة البحث عن السلام في السودان ليست مجرد خلاف بين جنرالين، بل هي صراع بين إرادة الحل وتكتيكات “النقض” التي تتقنها مراكز القوى المرتبطة بالنظام السابق.
محطات في مهب الريح: من إيغاد إلى جدة
بدأت الجهود في المحيط الأفريقي عبر “الإيقاد” والاتحاد الأفريقي، ومع كل بادرة اتفاق تلوح في الأفق، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان يختار التراجع في اللحظة الحاسمة. انتقل الثقل بعدها إلى منبر جدة، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، لكن المنبر اصطدم بأسوار المطالب المتبادلة:التدخل السعودي-الأمريكي: وضع ولي العهد السعودي الملف السوداني على طاولة البيت الأبيض، مستنهضاً دور الرئيس ترامب. ورغم الترحيب الظاهري من قادة الإسلاميين (علي كرتي) والاحتفاء الشعبي والفني، إلا أن المشهد انتهى بذات النهاية؛ انسحاب مفاجئ من التفاهمات.
الخلاصة: من يقبض على كابح السلام؟
لقد طاف البرهان بين الرياض وأنقرة والقاهرة، وتلقى وعوداً بمليارات الإعمار، لكن في كل مرة يرتد فيها إلى الخرطوم، يجد “الفيتو” بانتظاره. إن المتتبع لهذا المسار يدرك أن الأزمة ليست في بنود الاتفاقيات، بل في الجهة التي ترى في السلام نهاية لامتيازاتها التاريخية، وهي القوى الإسلامية التي تصر على إبقاء البندقية هي الصوت الوحيد في السودان.

بورتسودان-القضارف-ام درمان الثورة أبقي من الحرب تحت ديسمبر وميض نار يخيف طرفي الحرب

ياسر عرمان

رغم تراجع قوى الثورة نحو تكتيكات دفاعية بحكم الحرب وتشتت المجتمع، وهو في مرمى البندقية مصوبة نحو إنسانه المدني، والناس يدافعون عن حقوقهم الطبيعية قبل السياسية والمدنية وأولها حق الحياة ومتطلباته من أمن وطعام وسكن وعلاج، رغم توجه القوة المدخرة والمنهكة في نفس الوقت في الاتجاه للتصدي للكارثة الإنسانية والانتظام في توفير قدح التكايا والطوارئ واستضافة النازحين في دور ابي سفيان، وبسالة القطاع الصحي في تقديم ما استطاع إليه سبيلا، والعمل المستمر في كشف جرائم الحرب.

ظلت ذاكرة الثورة حية ومتقدة فديسمبر مطمورة في تربة الواقع الامينة بشهدائها وتضحياتها، والثورة فكرة والفكرة لا تموت. فلا زالت صورة عبد العظيم وست النفور وكشة وقصى و (يا هزاع حقك ما ضاع) ورفاقهم وهم عصيين على النسيان، لم يهزمهم من قبل الإنقلاب وهم أكثر خلودا من مدفع الحرب.

ندرك التخريب والاختراقات المبرمجة ومحاولة استباق تراكم وتصاعد المد الثوري المستقبلي والإعداد لتخريبه والخوف من القدرات الكامنة للحركة الجماهيرية رغم حصار الحرب ونيرانها ومحاولات القوى المضادة للثورة لحجز مقعد التخريب المبكر، ولكن الثورة أكبر من محاولاتهم وعليهم تذكر مارد القيادة العامة الذي ارعبهم حتي تم هدمه بقوة السلاح في مواجهة ايادي عارية ممسكة بالثورة ولا تزال، ولله والثورة في خلقها شؤون وخرافة الثورة بديعة.

ما يجمع قوى الحرب هو الخوف من ثورة ديسمبر وطريقها نحو بناء دولة الناس لا دولة البنادق، وسيادة حكم القانون والمحاسبة لا سيادة البنادق ومدافع الخوف والإرهاب.

في بورتسودان المدججة بالأمن والسلاح التي لا تشقها إلا مسيرة تطلق من على البعد فإن شجعان من المناهضين للحرب كانوا اقرب إليها من حبل الوريد، وعلى راسهم مغني السلام وداعية المصالحة المبدع البجاوي والسوداني سيدي دوشكا، شقوا طريقهم في قلب المدينة داعين للسلام ووقف الحرب، فشكرا لسيدي دوشكا ورفاقه. وفي القضارف اعتقل الديسمبريات والديسمبريين من لجان المقاومة دون ذنب سوى الدعوة إلى السلام.

في ام درمان التي وطأ ثراها منذ (١٠٠) علي عبداللطيف ورفاقه من ثوار ١٩٢٤، والتي دشنت اول مظاهرة سلمية في تاريخ الدولة الحديثة وعلى طريق الترام الذي مر عليه خليل فرح وعرفات محمد عبد الله، فهاهي ام درمان مرة اخرى تزين ١٩ ديسمبر رافعة رآية المقاومة تحت رماد الحرب فإن هنالك وميض نار سيعم لاحقا كل السودان. إن ديسمبر وجدت لتوحد الناس ولتحتفي بالتنوع والمواطنة بلا تمييز وعدم الافلات من العقاب، والسلطة للجماهير لا بطول البندقية.

المجد للشهداء ذاكرة الثورة التي لا تغيب، بالامس لم يهزموا ثالوث الثورة الفرنسية في الحرية والعدالة والإخاء بعد عشر سنوات من الحرب وعادت الثورة الفرنسية، وفي بلادنا لن يهزموا ثالوث ثورة ديسمبر المقدس في الحرية والسلام والعدالة، والثورة خيار الشعب.

الشعب ليس بغافل
والثورة أبقى من الحرب

٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493