Notice: _load_textdomain_just_in_time تمّ استدعائه بشكل غير صحيح. تم تشغيل تحميل الترجمة لنطاق td-cloud-library مبكرًا جدًا. عادةً ما يكون هذا مؤشرًا على تشغيل بعض التعليمات البرمجية في الإضافة أو القالب مبكرًا جدًا. يجب تحميل الترجمات عند خطاف الإجراء init أو بعده. من فضلك اطلع على تنقيح الأخطاء في ووردبريس لمزيد من المعلومات. (هذه الرسالة تمّت إضافتها في النسخة 6.7.0.) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
Blog | قناة نادوس | online news | Page 4
20 C
New York
الأحد, سبتمبر 6, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 4

موقف صمود بين الإصلاح الإجرائي وأزمة التأسيس:

بروفسور/خالد كودي

يعبّر بيان تحالف “صمود” الصادر في 12 فبراير 2026، عقب اجتماع مجلس السلم والأمن الإفريقي، عن موقف إيجابي من حيث الشكل السياسي والدبلوماسي؛ إذ يثمّن تمسّك الاتحاد الإفريقي برفض الانقلابات منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ويؤكّد غياب الحل العسكري، ويدعو إلى هدنة إنسانية شاملة، وإلى حلّ سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية.
ويمكن تلخيص أهم مضامين البيان/الموقف في النقاط التالية:
١/ الترحيب بموقف الاتحاد الإفريقي الرافض لرفع تعليق عضوية السودان.
٢/ التأكيد على عدم وجود حل عسكري للنزاع.
٣/ الدعوة إلى هدنة إنسانية عاجلة في جميع أنحاء البلاد.
٤/ المطالبة بحل سياسي توافقي بقيادة سودانية.
٥/ التأكيد على أهمية تنسيق المبادرات الدولية والإقليمية.
٦/ رفض المبادرات الأحادية، خاصة مبادرة سلطة بورتسودان.
٧/ إعلان الاستعداد للانخراط في الجهود الإفريقية والدولية لإحلال السلام.
٨/ التركيز على حماية المدنيين ومعالجة الأزمة الإنسانية.
غير أنّ هذا البيان/الموقف—على أهميته التكتيكية والمرحلية—يكشف، عند قراءته قراءة معمّقة، عن قصورٍ بنيوي في فهم طبيعة الأزمة السودانية رقم الادعاء. فهو يعكس استمرار قطاع واسع من النخب النيلية المدنية في الارتهان لمنطق الإصلاح الجزئي وإدارة الأزمة، بدل تبنّي أفق تأسيسي يعالج جذور الحروب وبنية الدولة معًا. بل إن هذا الخطاب، في بعض مستوياته، يساهم—عن قصد أو غير قصد—في تزييف أسباب الصراع، واختزالها في مظاهرها السياسية والأمنية المباشرة.
فالأزمة في السودان- يانخبه- ليست مجرّد انقلاب ينبغي إدانته، ولا نزاعًا مسلّحًا يجب وقفه، ولا مأساة إنسانية تستدعي الإغاثة وحسب. إنها، في جوهرها، أزمة نموذج دولة تشكّل تاريخيًا منذ الاستقلال على الإقصاء، وتفويض العنف، واحتكار السلطة، وتهميش الأطراف، وإنتاج مواطنة غير متكافئة. وأي خطاب سياسي لا ينطلق من هذا التشخيص الجذري يظلّ—مهما حسنت نواياه—جزءًا من إدارة الأزمة، لا من تفكيكها.

أولًا: الاكتفاء بالشرعية الإجرائية بدل مساءلة الدولة
يركّز موقف وبيان “صمود” على رفض الانقلاب، واحترام نظم الاتحاد الإفريقي، والدعوة إلى “حل سياسي توافقي”. غير أنّه يتجنّب السؤال المركزي: على ماذا يتمّ هذا التوافق؟ وأي دولة يُراد استعادتها؟ وأي نموذج حكم يُراد ترميمه؟ وأي شرعية يُعاد إنتاجها؟
فالحديث عن “التغييرات الدستورية” بمعزل عن نقد الدساتير نفسها، وعن السياق السلطوي الذي صيغت داخله، يعيد إنتاج وهمٍ قديم: وهم أن الأزمة تُحلّ بإرجاع المسار إلى ما قبل 2021، وكأنّ الدولة في تلك المرحلة كانت دولةً عادلة، أو مستقرة، أو قابلة للحياة لكل السودانيين.
والحقيقة أن المرحلة الراهنة تتطلّب شجاعة فكرية وسياسية تتجاوز ما تطرحه النخب الحالية، نحو مساءلة جذرية لبنية الدولة ذاتها، بدل الاكتفاء بترميم واجهاتها القانونية
وتُظهر التجارب التاريخية المقارنة أن النخب التي واجهت لحظات وجودية كبرى—كما في جنوب إفريقيا بعد الفصل العنصري، أو في الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، أو في رواندا بعد الإبادة—لم تكتفِ باستعادة الشرعية الإجرائية، بل ارتفعت إلى مستوى اللحظة التاريخية، وفرضت قطيعة دستورية وأخلاقية مع الماضي، وأعادت تعريف الدولة من جذورها، فلماذا تصر النخب في صمود على التكلس؟

الموقف الحاسم من التاريخ يقتضي تبنّي أفقٍ بديل يقوم على مبادئ فوق دستورية تقطع مع دولة القهر والعنف والعنصرية. فاللحظة الراهنة لا تحتمل حلولًا جزئية، لأن الأزمة ليست في خرق الدستور فحسب، بل في الدساتير ذاتها حين تُنتَج داخل “دولة الغَلَبة”، وتُوظَّف لتكريس الامتياز بدل ترسيخ المواطنة.
من هنا، يصبح الانطلاق من مفهوم المبادئ فوق الدستورية ضرورةً تاريخية لا تتطرفا ولا ترفًا نظريًا، باعتباره الشرط الجوهري لمنع إعادة إنتاج الانقلابات والحروب، وتحصين الدولة ضد الردّة والاستبداد.
وتقوم هذه المبادئ، في جوهرها، على:
١/ المواطنة المتساوية بلا تمييز،
والوحدة الطوعية، ٢/ علمانية الدولة،
٣/ اللامركزية الحقيقية،
٤/ العدالة التاريخية،
٥/ بناء مؤسسة عسكرية جديدة على أسس وطنية مهنية.
وتشكّل هذه المرتكزات، في منظور أي مشروع لسودان جديد، الأساس الواقعي لأي انتقال مستقر، لا مجرد العودة إلى ترتيبات سياسية هشّة سرعان ما تنهار عند أول اختبار.

ثانيًا: غموض مفهوم “الحلّ التوافقي” في لحظات التأسيس
يتحدّث بيان “صمود” عن “حلّ سياسي توافقي بقيادة وملكية سودانية” من دون تحديد طبيعته، أو أسسه، أو أفقه الدستوري. وهذا الغموض ليس مسألة لغوية، بل خلل بنيوي؛ لأن لحظات التأسيس لا تُدار بالشعارات العامة، بل بتحديد واضح لمشروع الدولة المراد بناؤها.
الإشكال ليس في “التوافق” بوصفه أداة سياسية، بل في التوافق داخل دولة لم تُفكَّك بنيتها السلطوية. ففي هذه الحالة، يتحوّل إلى صفقة بين نخب، لا إلى عقد اجتماعي بين مواطنين، ويغدو إعادة توزيع للسلطة داخل الإطار القديم، لا إعادة تعريف للإطار ذاته.
نبّه أنطونيو غرامشي إلى هذا النمط عبر مفهوم “الثورة السلبية”، حيث تُحتوى طاقة التغيير داخل تسويات فوقية تُبقي الهيمنة قائمة. وحذّر فرانز فانون من استبدال المستعمِر بنخبة محلية من دون تفكيك جهاز الدولة. وميّزت حنّة آرنت بين التأسيس والإدارة، مؤكدة أن لحظات الميلاد السياسي لا تُدار بمنطق التسويات التقنية، بل بإعادة تعريف المجال السياسي نفسه…ولكن نحب السودان للأسف، مكانك سر!

التجربة السودانية: توافق بلا قطيعة
يعكس التاريخ السوداني هذا المأزق بوضوح:
١/ بعد ثورة أكتوبر 1964 أُعيد ترتيب السلطة دون مساءلة بنية الدولة
٢/ بعد انتفاضة أبريل 1985 عادت التوازنات القديمة بصيغة معدّلة
٣/ بعد ثورة ديسمبر 2018 أُنتجت شراكة مدنية–عسكرية انتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021
في كل محطة، طُرح “التوافق” باعتباره حلًا واقعيًا، لكنه كان تسوية مؤقتة تؤجّل الانفجار البنيوي!

إفريقيا وآسيا: بين التسوية والتحوّل
تُظهر التجارب المقارنة نمطًا ثابتًا: فالتسويات التي أوقفت العنف دون تفكيك البنية السلطوية—كما في كينيا (2008) وزيمبابوي (2009)—أنتجت استقرارًا مؤقتًا وهشًّا. وفي إثيوبيا بعد 2018، قادت إصلاحات من داخل الدولة، دون معالجة إرث المركزية، إلى انفجار جديد للصراع.
في المقابل، ارتبط التحوّل الحقيقي بقطيعة دستورية ومؤسسية: في جنوب إفريقيا بدستور جديد أنهى الأبارتايد، وفي رواندا بإعادة هيكلة شاملة للدولة والهوية الوطنية، وفي إندونيسيا ونيبال بإصلاح دستوري ولا مركزية وتقييد دور الجيش. أما في ميانمار، فقد انتهى “التوافق الهجين” بانقلاب 2021 نتيجة الإبقاء على الموقع السياسي للمؤسسة العسكرية.
تؤكد هذه التجارب أن التوافق، بذاته، لا يصنع تحولًا ما لم يقترن بإعادة تأسيس.

حين يتحوّل “التوافق” إلى عائق
يبيّن التاريخ الحديث أن التوافق ليس قيمة مطلقة. ففي اللحظات التي تكون فيها الأزمة كامنة في بنية الدولة نفسها—كالعبودية، والاستعمار، والفصل العنصري، واحتكار الحزب الواحد، وعسكرة السياسة—يصبح “الحل الوسط” آلية لإدامة الظلم لا لتجاوزه.
في الولايات المتحدة، لم تُحَلّ معضلة الرق بتسوية، بل بقطيعة دستورية أعادت تعريف المواطنة والحقوق (1865–1870). وفي حركة الحقوق المدنية، لم تتحقق المساواة بإصلاحات جزئية، بل برفض المساومة على الحقوق الأساسية (1964–1965). وفي جنوب إفريقيا، لم يُصلَح الأبارتايد، بل أُسقِط قانونيًا ودستوريًا. وفي الهند، أنهى الاستقلال والدستور منطق “السيادة الناقصة” بدل ترميمه. أما في أوروبا الشرقية بعد 1989، فجاء التحول من تفكيك دولة الحزب الواحد لا من تقاسم شكلي للسلطة!
الخلاصة:
يصبح التوافق عائقًا حين تكون الأزمة أزمة تأسيس لا أزمة إدارة. ففي هذه الحالات، لا يكون الحل داخل البنية القديمة سوى اتفاق على استمرارها، ويغدو “الاستقرار” تسميةً مؤدّبة لتأجيل العدالة.
لقد أُنجزت التحولات الكبرى بمنطق إعادة التأسيس لا التهدئة: إما قطيعة تعيد تعريف الدولة والمواطنة والحقوق، أو توافق يمنح النظام القديم عمرًا إضافيًا—وغالبًا صراعًا إضافيًا!

الدرس النظري والسياسي
حذّرت روزا لوكسمبورغ من أن الإصلاح حين يحلّ محل التحول يؤجّل الانفجار. وميّز جون رولز بين توافق داخل إطار عادل وتسوية داخل إطار ظالم. وأكّد مانديلا أن المصالحة لا تعني الاحتفاظ بأدوات القمع، بل تفكيكها!

القاعدة العامة هي: حين تكون بنية الدولة مولّدة للظلم، فإن التوافق داخلها يعيد إنتاجه.

السودان والسؤال المفتوح
في الحالة السودانية، يظل السؤال الجوهري قائمًا:
على ماذا يتمّ التوافق؟
هل هو توافق على إعادة إنتاج دولة الغلبة بصيغة مخففة؟
أم توافق على مشروع دولة جديدة تفكك المركزية، وتعيد تعريف الجيش، وتؤسس لمواطنة متساوية؟
التوافق الحقيقي ليس اجتماع نخب، بل اتفاق مجتمعي على أسس جديدة: دولة علمانية، لا مركزية، ديمقراطية، قائمة على العدالة التاريخية.
من دون تحديد هذا الأفق بوضوح، سيبقى “الحل التوافقي” شعارًا فارغًا، وأداة لإدارة الأزمة لا لتفكيكها، وستظل الدائرة تعيد إنتاج نفسها مهما تغيّرت الواجهات.

ثالثًا: وهم “الحياد” وتشويش الحقيقة القانونية
يصف بيان “صمود” موقف الاتحاد الإفريقي بـ”الحياد”، متجاهلًا حقيقة قانونية واضحة: تجميد عضوية السودان منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 لم يكن موقفًا سياسيًا، بل تنفيذًا مباشرًا للوائح الاتحاد التي ترفض الاعتراف بأي سلطة جاءت عبر انقلاب. ووفقًا للميثاق التأسيسي، وإعلان لومي، والإطار الإفريقي للحكم، يقوم موقف الاتحاد على مبدأ عدم التسامح مع التغييرات غير الدستورية، ما يجعل التجميد التزامًا قانونيًا لا خيارًا دبلوماسيًا.
وكان الأجدر بجسم مدني مثل “صمود” أن ينطلق من هذا الأساس القانوني الواضح: تعليق عضوية السودان ليس محل تفاوض، بل نتيجة مباشرة لانعدام الشرعية الدستورية. ولا معنى للحديث عن حياد ما دامت المشكلة هي وجود سلطة انقلابية.
إن ما تجنيه بعض النخب من هذا الخطاب الملتبس هو إبقاء الأزمة في منطقة رمادية تسمح بالمساومة، وتجنّب القطيعة مع السلطة العسكرية، والحفاظ على مواقعها داخل معادلات قديمة، بدل الانحياز الثوري الصريح لإعادة بناء الدولة على أسس الشرعية والمواطنة.

رابعًا: تغييب العدالة التاريخية وتحويل المأساة إلى “ملف إنساني” بلا جذور
يلفت النظر أنّ بيان/موقف “صمود”—كعادته—يتجنّب تمامًا مفردات العدالة التاريخية: لا ذكر لتفكيك التهميش البنيوي، ولا لإرث العبودية والاسترقاق، ولا للعُنصرية الثقافية والسياسية، ولا للحروب الطويلة التي حوّلت الأطراف إلى مسارح دائمة للعنف، بينما ظلّ المركز يراكم السلطة والثروة ويحتكر تعريف “الوطن”.
هذا الغياب ليس سهوًا لغويًا، بل علامة على قصور مقصود في التشخيص: فالبيان يتحدّث عن “الأزمة الإنسانية” و”حماية المدنيين”—وهما قضيتان لا خلاف على مركزيتهما—لكنّه يعزلهما عن تاريخ إنتاجهما. كأنّ الجوع والنزوح والقتل أعراض طارئة لسوء إدارةٍ آنيّ، لا نتائج متراكمة لنموذج دولة قام منذ الاستقلال على الإقصاء، وتفويض العنف، وتراتبيات المواطنة، وتوزيع غير عادل للموارد والفرص.
وهنا يظهر الفارق الجوهري مع مقاربة “تأسيس”. فـ”تأسيس” لا ترى العدالة التاريخية ملفًا لاحقًا يُؤجَّل إلى ما بعد “وقف الحرب”، بل تعتبرها ركيزة تأسيسية تُكتب في صلب العقد الجديد: لأن الحرب نفسها—في السودان—ليست حادثًا منفصلًا عن الدولة، بل إحدى أدوات استمرارها حين تُدار بالاحتكار والتفاوت والعنصرية. لذلك لا معنى لحديثٍ عن سلامٍ مستدام دون الاتي:
١/ اعترافٍ صريح بالمظالم التاريخية وتسمية مصادرها لا تدويرها،
٢/ إعادة توزيع السلطة والثروة بوصفهما جوهر إعادة التأسيس لا هبةً تنموية،
٣/ إعادة بناء العلاقة بين المركز والهامش على قاعدة المواطنة المتساوية، لا على منطق الرعاية والوصاية،
٤/ وتفكيك اقتصاد الحرب الذي نشأ من التهميش وتحوّل إلى بنية مصالح.
بهذا المعنى، إن فصل “الإنساني” عن “التاريخي” لا يحمي المدنيين؛ بل يُبقي شروط استباحة المدنيين قائمة—فيسهل استئناف الحرب، حتى لو توقفت مؤقتًا.
خامسًا: الارتهان للمبادرات الدولية وتغييب مشروع إعادة البناء الداخلي
يرحّب بيان “صمود” بتنسيق المبادرات الدولية ويضع الخماسية والرباعية في واجهة الحل، بما يعكس ميلًا واضحًا إلى إدارة الأزمة عبر الوساطة الخارجية أكثر من معالجتها من جذورها. لا جدال في أهمية الدور الدولي في الإغاثة والضغط الدبلوماسي وضمانات التهدئة، غير أن الإشكال يبدأ حين يتحوّل هذا الدور إلى بديل عن مشروع وطني يعيد تأسيس الدولة من الداخل.
تُظهر التجربة السودانية أن المبادرات الخارجية تميل، بحكم منطقها، إلى إنتاج تسويات سريعة وقابلة للإدارة: وقف نار مؤقت، تقاسم سلطة هش، أو صيغ انتقالية رخوة. لكنها نادرًا ما تمسّ البنية التي صنعت الحروب: احتكار القوة، غياب الرقابة على المؤسسة العسكرية، اقتصاد الحرب، ومواطنة غير متساوية. لذلك لا تنتهي هذه التسويات إلى سلام، بل إلى هدنة تُرحِّل الانفجار التالي.
المقاربة الرشيدة لا تقوم على رفض الدعم الدولي، بل على ضبط وظيفته: أن يكون مساندًا، مسهلا وضامنًا، لا بديلًا عن الإرادة الوطنية. فإعادة بناء الدولة لا تُستورد عبر المبادرات، بل تُصاغ داخليًا عبر حسم أسئلة الشرعية، وطبيعة السلطة، وموقع الجيش، وأسس المواطنة.
جوهر الأزمة، إذن، ليس في غياب الوساطات، بل في غياب تبني مشروع داخلي واضح لإعادة صياغة العقد الاجتماعي. وما لم يُحسم هذا المسار من الداخل، ستظل كل مبادرة خارجية وان نجحت مجرّد إدارة مؤقتة لأزمة تتجدّد بصور مختلفة.

الخاتمة: لحظة تأسيس لا تحتمل التردّد
السودان اليوم لا يقف أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة تأسيسية تاريخية نادرة. الحروب الشاملة لا تترك الدول كما كانت؛ إمّا أن تُنتج قطيعة تُعيد تعريف الدولة والشرعية والجيش والمواطنة، أو تُعاد تدوير البنية القديمة بصيغ معدّلة، لتعود الدائرة من جديد.
إن خطاب الإصلاح الجزئي، والارتهان للتوافق الغامض، والاقتصار على إدارة الأعراض الإنسانية، قد يوفّر راحة سياسية مؤقتة، لكنه لا يرقى إلى مستوى التحدّي الوجودي الذي يواجهه السودان. المطلوب اليوم ليس تسوية تُرضي الجميع داخل الإطار القديم، بل شجاعة فكرية وسياسية للارتفاع إلى مستوى اللحظة: مساءلة الدولة ذاتها، لا فقط سلوك السلطة؛ إعادة تعريف الشرعية، لا فقط استعادتها؛ وبناء عقد جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، واللامركزية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، والعدالة التاريخية.
على نخب “صمود”—إن أرادت أن تكون جزءًا من المستقبل لا من إدارة الماضي—أن ترتقي إلى هذا الأفق، وأن تكفّ عن تعطيل الأسئلة التأسيسية أو تأجيلها. فهذه ليست لحظة حياد أو تردّد، بل لحظة اختيار تاريخي: إمّا الانخراط في مشروع إعادة بناء الدولة من جذورها، أو الإسهام—عن قصد أو غير قصد—في إطالة عمر الأزمة.

التحولات الكبرى لا تنتظر من يخشى القطيعة. والتاريخ لا يرحم النخب التي تُفوّت لحظات التأسيس.

النضال مستمر والنصر اكيد.

(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

محمد هاشمإنسان من المحروسةمسكون بحب الجنوب

بقلم: ياسر عرمان

في يوم الجمعة ١٢ ديسمبر ٢٠٢٥ ، غادر عالمنا قبل الآوان الإنسان والصديق محمد هاشم، الذي أطل على الحياة عام ١٩٥٨، ورحل عنها في العاصمة المصرية القاهرة. كان محمد هاشم مناضلاً ومثقفاً وناشراً للوعي، وقد أتاح لمئات الأصوات من الرصيف والهامش، ومن غمار المبدعين المحتجين على غياب عدالة الأرض، والذين أدركوا أن الفقر لم يكن حادثاً صدفيّاً محضاً، بل في معظمه مخططاً من مخططات الأنظمة البشرية بعناية واختيار.

في مطلع التسعينيات، كنتُ والصديق المبدع عبد الله محمد عبد الله في طريقنا من ضاحية المعادي بالقاهرة إلى دار المحروسة، وهي أحد مراكز الاستنارة والنشر وكان يديرها فريد زهران. وتعرفت في تلك الزيارة على فريد زهران ومحمد هاشم، وما ذهبت إلى القاهرة بعد ذلك إلا وبحثت عنهما حتى تكتمل رحلتي. واتذكر تماماً ونحن في طريقنا إلى دار المحروسة، أن عبد الله ذكر لي أننا سنلتقي بفريد ومحمد، ودخلت معه في حديث طويل عن سعد عبد القوي زهران، والد فريد وأحد قادة اليسار المصري في موجات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وتلك السنوات النضِرة.

وقد أسدى لنا الدكتور رفعت السعيد وآخرون ممن شاركوا في مراحل تلك الحقبة كتابات عظيمة للتعرف على شخوصها، والناس الجيدين الطامحين للعدالة والمساواة والحرية ونهوض المحروسة. ولاحقاً اطلعنا على العديد من مساهماتهم التي لم تسقط سهواً أو بالتقادم. وحينما كنت فتياً وطالباً في المرحلة الجامعية، أبدأ قراءة جريدة الأهالي إحدى إصدارات اليسار والتي يصدرها حزب التجمع بقراءة مقال صلاح عيسى أولاً، وما أدراك ما صلاح عيسى له الحب والتجلة وهو لازال يحلق بأجنحة خفاقة في عليائه السامق، ولا زلت احفظ عن ظهر قلب بعض عنوانين مقالاته ( ارفعوا ايديكم عن اسماعيل المهدوي) ( دقات جنائزية على دفوف الستينات) ( رجال مرج دابق)، وتلك حقبة رفدت الحياة بالعديد من المفكرين الرائعين ذوي المواهب المتعددة.

منذ ذلك المشوار إلى المحروسة توثقت صلتي بمحمد هاشم وفريد زهران، وقدمت محاضرة في المحروسة عن الحركة الشعبية ومسألتي السودان وجنوب السودان، صدرت لاحقاً في كتيب صغير عن دار المحروسة وقد حرّره محمد هاشم. بعد المحروسة أسس محمد هاشم دار «ميرت» عام ١٩٩٨ وبجدّه ومثابرته أصبحت داراً ذات شأن وأنياب في نشر المعرفة، وكان لها أثر واضح ومحسوس في إثراء المشهد الأدبي والثقافي داخل مصر وخارجها.

فاز محمد هاشم بجوائز عديدة من أوروبا والولايات المتحدة، واحتلت داره مكانة رئيسية. ولم يكتف بذلك بل كان فاعلاً في قلب اليسار المصري، وتعرّض للاعتقال والمضايقات، وشارك في تأسيس حركة (كفاية)، وتأسيس (أدباء وفنانون من أجل التغيير)، وهو علماً من أعلام ثورة ٢٥ يناير، وأصبحت دار (ميرت) مركزاً من مراكز الثورة.

نشرت دار ميرت لأسماء كبيرة بعيداً عن المؤسسة الرسمية ومؤلفات عصية على النسيان، مثل (عمارة اليعقوبيان) لعلاء الأسواني ومختارات من أشعار (سميح القاسم) و(السراسوة) لأحمد صبري، ولم يكن محمد هاشم مجرد ناشر بل كان بوابة من بوابات الثقافة، ودفع بأجيال جديدة إلى واجهة الحياة ومسرح الثقافة. كان جريئاً ومنتمياً لنهضة مصر وتقدمها، ورغم مضي بعض الوقت على رحيله، فإن مثله لا يطويه النسيان. ولا بد لي أن أكتب عنه، كصديق وإنسان مسكون بحب الجنوب، في السودان وجنوب السودان والجنوب العالمي.

في مساء ٢٩ يوليو ٢٠٢٣ ، وفي زيارتي لمصر بعد غيبة، اتصلت بمحمد هاشم لتحديد موعد ومكان للقائه ولم يرد، حينها تركتُ له رسالة وطلبتُ أن ألقاه في دار «ميرت»، وسرعان ما أجابني قائلاً،(مساء الفل والجمال – ٣٢ شارع صبري أبو علم، الدور الأول، شقة ٨) وكان ذلك لقائنا قبل الأخير. ولا أزال أحتفظ برسائله في هاتفي.

وحينما صعدت الدرج إلى مكتب محمد هاشم، الذي كان مشبعاً برائحة التبغ كالعادة، ومليئاً بخزائن الكتب التي إن لم تجد مكاناً على الأرفف جلست على الأرض، يحمل بعضها أسماء وصور أصحابها الحاضرين، وكثيراً من صور الغائبين في مختلف ضروب العلم والأدب والفنون، كان مكتبه مزدحماً بالإصدارات الجديدة. وقد لعبت اهتمامات محمد هاشم الأولى بقضايا التقدّم والعدالة والاستنارة، واهتمامه بالعالم كفضاء حيوي مترابط وعضوي، دوراً كبيراً في توجهاته في النشر.

تحدثنا طويلاً عن مصر والسودان وفلسطين وعن الكرة الأرضية. وفي تلك الأيام كانوا ينوي إخلاء مكتبه في العمارة التي يشغلها وسط القاهرة، ولم تكن تلك المرة الأولى، فقد ظل بدوياً دائم الترحال مرة بالقرب من ميدان التحرير وأخرى عند باب اللوق وتارة عند قصر النيل، وها هو الآن في رحلته الأبدية.
في ذلك اللقاء حاول مساعدتي للالتقاء بعدد من الفاعلين والمثقفين المصريين للحديث معهم عن أوضاع السودان، وتزوّدت منه بإصدارات وكمّ هائل من الكتب. وقبل أن اودعه تذكرت كتاب ( أنت السبب يابا) للأستاذة والمناضلة نوارة نجم، الذي تحكي فيه عن علاقتها بوالدها المبدع العظيم أحمد فؤاد نجم. وعرض علي النسخة الوحيدة لديه، والمزيّنة بإهداء من نوارة نجم، (إلى عمي وعمّ الدنيا كلها، عم هاشم)
نوارة –٢٩ يناير ٢٠٢٣، رفضتُ أن آخذها، لكنه أصر علي، وقال لي إنها ستوقّع له الإهداء نفسه في نسخة أخرى. كنتُ أرسل له كتاباتي عن حرب السودان، وكان دائماً متضامناً مع الشعب السوداني مهتماً بأمره، ومؤمناً بروابط المصير والكفاح المشترك، وغالباً ما كان يختم رسائله بجملة أثيرة (أمنياتي بالتوفيق ووقف هذا العبث بمصير الشعب السوداني).

في لقائي الأخير بمحمد هاشم عام ٢٠٢٤، أعدتُ له أمنية قديمة بأن ألتقيه في الخرطوم، وقلت له إن صديقنا المشترك فريد زهران قد زارني في منزلي بالخرطوم، وإنني أنتظر زيارته بعد نهاية الحرب في السودان. ضحك وأكد لي أنه سيكون أول من يأتي إلى الخرطوم بعد انتهاء الحرب.
لم تنتهي الحرب بعد ولن يأتِ محمد هاشم ولكن روحه المحبة للسلام ستحلق في سماء السودان، وسيتبادل إصدارات دار (ميرت) الديسمبريات والديسمبريين من شباب ثورة ديسمبر الباحثين عن السودان الجديد وعالماً جديد منصف.

سلام على محمد هاشم عند مليك رحيم

١٤ فبراير ٢٠٢٦

الشيوعيون والديمقراطيين بكمبالا يُؤبِّنون الراحل / المقيم.الميدان : كمبالا

  • نقلا عن صحيفة الميدان _
  • تقرير/محمد يوسف
    نظَّم الشيوعيّون السودانيين والديمقراطيين بدولة أوغندا أمسية الأحد 8 فبراير 2026م حفل تأبين للأستاذ المحامى والمدافع عن حقوقِ الإنسان / عبدالخالق محمد النويرى الذى توفى بتأريخ الإثنين 24 نوفمبر 2025م إثر علةٍ لم تُمهله طويلاً وهو فى طريق عودته من معسكر بيالى للاجئين إلى كمبالا ، وذلك بمطعم ريم البوادى ، حضره جمهورٌ غفير من السودانيين ، تقدّمهم الأستاذ ياسر سعيد عرمان رئيس الحركة الشعبية / التيّار الثورى والأستاذ جعفر حسن ممثلاً للتجمع الاتحادى ، اشتمل التأبين على فلمٍ وثائقى وكلماتٍ من الأجسام النقابية والحزبية التى عمِلَ بها وكلمة أسرة الراحل ، عدّدت مآثره وعكست سيرته الباذخة المحتشدةِ زخماً نضالياً سيبقى أثراً ونوراً وهّاجاً يُضئُ دياجير السودان الحالِكة.
    مِنصّةُ تقديمِ حفلُ التأبين :
    شارك مِنْ على المِنصّة فى تقديم فقرات حفل التقديم عُضْوى الجبهة الديمقراطية للمحامين ، الأستاذة / المحامية إسلام عمر التى أبدعتْ فى ربطِ فقرات التأبين بقراءاتٍ شعرية من دفترى الشاعرين الخالدين ( محجوب شريف ومحمد الحسن سالم حميد) والأستاذ / محمد نكروما الذى استهلّ برنامج التأبين بالترحيب بالحضور واسجاء الشكرَ لكلِّ مَن ساهمْ فى انجاح هذا اليوم ، خاصّاً بالشكرِ ( الجبهة الديمقراطية للمحامين والتحالف الديمقراطى بدولةِ أوغندا والاتحاد النسائى) ، تلى ذلك بأنْ طالب الحضور الكريم بالوقوفِ دقيقةَ صمتٍ حِداداً على روح الزميل الراحل. وقال ( هذا اليوم لاستلهام مَنْ هو عبدالخالق ، وعرّفه بأنّه إنسان زاملناه بمهنةِ المحاماة ، فهو رجلٌ مخلصٌ وأمينٌ ومنضبط ، حملَ فى داخله كلْ معانى الإنسانية ، فرّقتْ الحربُ العينة التى أُعتبِرتْ أسوأ المآسى الإنسانية فى العالم شملنا ، ونتطلعُ لتحقيق دولةٍ ديمقراطية ينشُدُها جموعُ السودانيين).
    عرضٌ لفلمٍ وثائقى عن سيرةٍ مُقتضبةٌ لحياةِ الراحل:
    أولى الفقرات جاءت بعرضِ فلمٍ وثائقى لمقتطفاتٍ عن حياةِ الراحل الذى عمل فى مجال الدفاع عن حقوقِ الإنسان وحماية الطفل سيِّما الأطفال القُصّر ، وتناول الفلم جهود الراحل فى الدفاعِ عن بائعات الخمور البلدية ومُعاناتهِنّ و أطفالهِنَّ الذين يعملون فى توزيعِ تلك الخمور أمام عسفْ الأجهزة الأمنية لنظام المؤتمر الوطنى المقبُور ، واستعرضَ الفلم جهود الراحل لإلحاق هؤلاء الأطفال بالتعليم البديل والمِهنى كحقٍّ إنسانىٍّ أصيل. وعكس الفلمُ مناداة الراحل بضرورةِ تدريب القُضاة ووكلاء النيابات ورفع قدراتهم فى مختلفِ مجالات حقوق الإنسان وتوعيتهم بإتفاقيات حماية الطفل، وتأهيل القُضاة العاملين فى مجالِ نيابةِ الطفل.
    وقفةْ لقراءة شعرية من دفتر أشعار الراحل / حميد:
    قرأتْ الأستاذة إسلام عمر الأبيات التاليات من دفترِ حميد :
    لا نُغنيكَ بباطل ولكنا نُناضل.
    هذه الأحزانُ أقدارَ شهيدٍ كلّفتُه الأرضَ أنْ يرحل.
    فاستأذنَ راحلاً.
    كُلنا للأرضِ والأرضُ لنا
    ولنا مُتسعٌ حتى السما.
    هذه الحربُ لِمَنْ؟!.
    ثمّ تواصل عرضُ الفلم بأشدّ لحظاته التراجيدية والتى كان الراحلُ يتحدّثُ فيها عن عدم تمنيهِ للموت فى أدغالِ إفريقيا ، وأنه يتمنى الموتَ بالسودان ولكن ( كانت الاقدارُ ومشيئة الرب أعجل).
    الأستاذة / إسلام عمر تُواصل الدّفقُ الشعرى :
    هادئاً كان أوانَ الموتِ
    وعادياً تماما
    وتماماً كالذى يمشى بخطوٍ مطمئنٍ كى يناما.
    قالَ مع السلامة
    لوّح بابتسامة
    ثم ارتمى وتسامى
    وتسامى وتساما
    وسيبقى رغم سجنِ الموت.
    غيرُ محدودِ الإقامة.
    كلمةُ زميلة الراحل بالجامعة وحتى الجبهة الديمقراطية للمحامين:
    تواصل عرضُ الفلم الوثائقى بعرض كلمة الأستاذة / محاسن عبدالقادر التى زاملت الراحل بفترة الدراسة الجامعية وحتى تأسيس تنظيم الجبهة الديمقراطية للمحامين، تحدّثت محاسن عن نضالاتِ عبدالخالق فى تأسيسِ دار الجبهة لتكون مقراً للمحامين ، ودفاعه المُستميت عن المحامين خارج إطارِ عضوية الجبهة . وتناولت حضوره الطاغى فى كل الفعاليات والمواكب التى نظّمتها الجبهة الديمقراطية للمحامين، وقالت أنّ عبدالخالق ( كان دائماً جزءً من هيئة الدفاع عن المظاليم فى المحاكم ، وكان دائماً جزءاً من لجان التحقيق) ، كما أبدى الراحل اهتماماً منقطع النظير بقضايا مشروع الجزيرة ، وله فى ذلك كتاباتٌ مبذولة على مواقعِ التواصل الإجتماعى. وأضافتْ محاسن ، بأنّ عبدالخالق كان مثقفاً وقارئاً نهِماً وأديباً صدرَ له ديوان شعرٍ بإسم ( السِّمبرِ الأسمر). وختمتْ محاسن حديثها بالقول بأنّ الراحل فقدٌ كبير للجبهة الديمقراطية للمحامين وللوطن عامةً.
    افاداتُ الأستاذ / أحمد محمود الحسن عضو الحزب الشيوعى السودانى والجبهة:
    تحدّث الأستاذ / أحمد محمود الحسن عضو الحزب الشيوعى السودانى والجبهة الديمقراطية للمحامين عن نزوحِ ولجوء عبدالخالق النويرى كواحدٍ من جموع السودانيين الذين شرّدتهم حرب الخامس عشر من أبريل 2023م ، وعبّر عن عزائه الخالص لعموم المحامين وكافة الشعب السودانى.
    افادةُ الأستاذ/ محمد حمزة عن الراحل:
    تناول الأستاذ / محمد حمزة ، زميل وصديق الراحل منذ أيام الدراسة الجامعية ، إضافةً إلى عمله معه بالجبهة ، جهود الراحل فى الاهتمام بالأطفال المشرّدين وفاقدى السند ، وقال بأنّ الراحل كان مناضلاً جسوراً ضد النظام البائد ، وأكدّ امتلاكه لمواهبَ أخرى فى مجالِ كتابة الشعر والقصة القصيرة.
    إفاداتٌ من مجلس لجنة مقاومة الطائف:
    الأستاذة / مها إمام على ممثلةُ اللجنة ، تحدّثتْ عن رجلٍ هامة واستقامة ، ستفتقده لجانُ المقاومة ، وذكرت بأنّ الراحل كان يستزرع الوعى وسط الشباب ويُناقش معهم مشاكل المجتمع ، وقالت بأنّه تركَ لنا فراغاً ، ولكنّا سنُواصل المسير على ذاتِ دربه وفاءً لمبادئه.
    الأستاذة/ إسلام عمر واستدرارٌ شعرى لرائعة الراحل / المقيم / محجوب شريف ( أموتُ لا أخاف):
    أقولُ دونِ رهبة
    أقولُ دونَ زيف
    أموتُ لا أخاف
    أين ومتى وكيف
    بغتةٌ … مُستمتعاً بأنجمِ
    السماءَ ليلَ صيف
    رصاصةٌ فى القلبِ
    طعنةٌ من سيف
    أموتُ فى الظلامِ
    فى الزحامِ
    تحتَ غفلةٍ
    فى ساحلِ الطريق
    حريقٌ ….غريق
    أموتُ لا أخاف
    كيفما يشاءُ لى مصيرى أموتُ لا أخاف
    قدرِ ما أخافُ
    أنْ يموتْ لحظةً ضميرى.
    تواصُل مدُّ التأبين بإفادة من الأستاذة منى:
    استهلتْ الأستاذة / منى عبدالمنعم سلمان افادتها عن الراحل بقراءة الآية ( ٢٣ ) من سورة الأحزاب ( مِنَ المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ماعاهدُوا اللهَ عليه ، فمنهم مَنْ قضَى نحْبَهُ ومنهم مَنْ ينتظر وما بدّلوا تبديلا ) ، وقالت ( لا نُؤبِّنْ مجرّد محامى ، بل قلباً مشى على قدمين) ، مهنةُ المحاماة لدى الراحل ، لم تكنْ مهنةٌ لجمع المال ، بل رسالةٌ مقدّسة ، وذكرتْ تصدِّى الراحل للدفاعِ عنها أمام نيابة المعلوماتية ، واصفةً ذلك بالموقف المُخْتزِن فى ذاكرتها ، واضافت بأنّ عبدالخالق كان دائم الدفاع عن ملفات المظلومين ، وكان حاضراً فى مواكبِ ثورةِ ديسمبر المجيدة ، لم تُكْسِرَه الأيام وظروف الحرب اللعينة ، وقالت ( عندما لجأنا إلى كمبالا ، جمعُنا سكناً واحداً ، فكان يتفقد الصغير والكبير ، غادرَنا جسداً ولكنه تركَ لنا سيرةً تُضئُ لنا عتمةَ الطريق ، فالطيِّبُونَ لا يرحلون ، بل يبْقُونَ نبراساً. وختمتْ بقولها :
    نُمْ قريرَ العينْ يا نصيرُ المظلومين.
    الأستاذ / عثمان صالح وكلمةُ التحالف الديمقراطى بأوغندا:
    ابتدرَ الأستاذ المحامى / عثمان صالح كلمتهِ مُمثِّلاً للتحالف الديمقراطى بدولةِ أوغندا حديثه ، بالترحيب بالحضورِ الكريم من قادةِ العمل السياسى والنقابى والمهنى ، وقال ( ما أصعبْ أنْ تُكلّف بالحديث عن صديقٍ عزيزٍ رحل) ، ثم قرأ الأبيات الشعرية لرائعة شاعر الشعب/ محجوب شريف ( أموتُ لا أخاف) وأردفها بقراءةِ أبيات شعرٍ من دفتر الشاعر الفلسطينى مُعين بسيسو :
    أنْ تموتْ واقفاً
    وأنتَ تتحدّى آلةُ القمعِ
    و لأواءِ الشدائدِ والمحن
    وتصمدُ فى وجهِ العواصفِ والأنواءُ
    إنّها أمنيةُ الحُرِّ
    وإنْ توارَى خلفُ الأسوار
    وإرتفعتْ من حواليه
    جداراتٌ أسمنتية
    وجداراتُ الصمتْ القائم
    ولكن أنْ تموتْ واقفاً
    إنّها أمنيةُ النبيل
    ذلك الفارسُ بلا جواد
    وكذلك تموتُ الأشجارُ واقفةً
    فى شُموخٍ وكِبرياءٍ
    واحترام.
    ثم قال الأستاذ / عثمان مخاطباً الحضور الكريم والمُتابعينَ عبر الأثير ( أقفْ أمامكم نيابةً عن التحالف الديمقراطى بدولةِ أوغندا ، إحياءً واحتفاءً بحياةِ وسِيرة إنسانٍ عظيم تتسِّمُ بكلِّ ما هو إنسانىٌّ وصادقٌ ونبيل).
    وأضاف : حينما نتحدّثُ عن حياةِ الراحل المقيم / عبدالخالق محمد النويرى ، فإننا نجدْ أنفُسِنا وسطَ مجموعةٍ من القيم والمُثُل والأخلاق ، تشابكتْ وامتزجتْ لتُقدِّم لنا سِيرةً ناصعةً ومقدِراتٌ ذاتية ، فردية ومواهبَ متعدِّدة ، فكان منتوجها إنساناً صادقاً ، ملتزماً ، مُخلصاً ، متواضعاً ، شجاعاً ، واضحاً وبسيطاً.
    وقال ، أنّ الراحل المقيم حملَ هموم الوطنَ مُبكِّراً ، فوجد الساحةَ السياسية تعُجُّ بالأحزاب السياسية والإنتماءاتُ الفكرية وتعدُّد المذاهب والمشارِب ، فنثَرَ كِنانته ، ثُمّ عجَمَ عِيدانِها ، فوجدَ أنّ أقواها وأصلبها وأصدقها ، هو الحزب الشيوعى السودانى ، فلم يتردّد فى الإنتماء إليه فكراً وتنظيماً ، انحيازاً للفقراء وقضايا العدالة والمساواة وقضايا الوطن فى ( الاستقلال والحرية والديمقراطية والسيادة الوطنية وسيادة حكم القانون). فساهمْ بكل ما يملك من أجلِ بثّ الوعى وتنظيم الصفوف ، فدفعَ تبِعات ذلك الإنتماء اعتقالاً وملاحقةً وتشريداً ، فلم يتراجع ولم ينكسِر وظلَّ مُتمسِّكاً بمبادئه وقيمه وأخلاقه حتى الرحيل.
    وأضاف الأستاذ / عثمان ، بأنّ الراحل امتهنَ مهنة المحاماة ، فلم يسعى لجمع المال وإكتساب الجاه الزّائف ، بل عمل على ترسيخِ معانى العدالة الحقيقية والإنصاف والحرية والديمقراطية من خلال انتمائه للجبهة الديمقراطية للمحامين ، فوقفَ مسانداً للمظلومين والبسطاء وضحايا محاكمُ التفتيش والطوارئ ، خسِرَ المالَ ولكنه اكتسبَ ماهو أقيم وأثمن وأغلى من المال وهو حُبُّ ورضاء جماهير الشعب السودانى ، فعاشَ غنيّاً بهذا الحُبّ وهذا الرِّضاء.
    وقال الأستاذ / عثمان ، أنّ الراحل المقيم تلمسّ كل وسائل المقاومة والتعبير عن الحياة ، فولجَ مجال الأدب والإبداع والفن ، فأنتجَ شعراً من أجل الحياة والوطن والمقاومة ، وكانت له دواوين شعرٍ منشورة وأخرى لم تجدْ حظّها من النشر.
    وظّف الراحل المقيم معرفته القانونية وإلتزامه السياسى للدفاع عن قضايا مشروع الجزيرة وقضايا المزارعين ، فخاضَ معاركَ لم تتوقفْ حتى لحظةَ رحيله ، فلم يمُرْ يومٌ لديه دونَ التحدُّث أو الكتابة عن قضايا المشروع وقضايا المزارعين.
    وعندما إندلعتْ حربُ الأشرار فى الخامس عشر من أبريل 2023م ، إختارَ دولة أوغندا ملجأً ، فجاءها يحملُ هموم الوطن والمواطنين باحثاً عن وسيلةٍ للتعبير عن القضايا الوطنية ، فكان من المُؤسسين للتحالف الديمقراطى بدولة أوغندا بفكره وعطائه ومشاركاته ، فأثمرَ تنظيماً سودانياً لحماً ودماً له دوره فى الساحة. وقال الأستاذ عثمان ، عندما أسّس السودانيُّون بالخارج ( تجمع السودانيين بالخارج لدعم الثورة ) ، أُنْتُخِبَ الراحل المقيم عضواً بالمكتب التنفيذى مسؤولاً عن العمل القانونى.
    وقال ، أنّ هذه السِّيرة لشخصٍ عادى ، خرجَ من وسط جماهير الشعب السودانى ، أدّى كاملَ رسالته إنتماءً ، إلتزاماً ، إخلاصاً ووفاءً لقضايا الشعب ، ولذلك فإنّ أول مَن يفتقده هو الشعب السودانى.
    وفى ختام كلمته : تقدّم الأستاذ عثمان بخالص التّعازى لجماهير الشعب السودانى ولأسرته الكبيرة والصغيرة ولرفيقةِ دربه الأستاذة / غادة عباس ولابنه مظفر وشقيقه نبيل النويرى ، ولزملائه المحامين والمحاميات ولزملائه وزميلاته بالحزب الشيوعى السودانى والجبهة الديمقراطية للمحامين.
    وختم بعهدٍ للراحل قائلاً (نُعاهِدُكْ على أنْ نسير على ذاتِ السكة والطريق ، وأنْ نُواصل إكمالَ مابدأته من مشوار وماغرسته من قيمٍ ومُثُل وأخلاق ، نُمْ فى سلامٍ ، فإنّ الرايةَ التى غرستها لن تسقُطْ).
    الأستاذ / رياك أموم وكلمة بإسم المركز السودانى للسلام والعدالة:
    افتتحَ الأستاذ / رياك أيوم مدير المركز السودانى للسلام والعدالة ، كلمته بالرحمة والسلام مع تمنيّاته للثائر المثقف والمحامى العتيد وعضو المركز بالسلام والطمأنينةَ فى عليائه.
    وقال رياك ، أتحدّثُ عن الراحل بكلِّ فخرٍ ونُبلٍ ، شاركناه فكراً فى دروبِ النضال والمقاومة ، صامداً لايعرفْ غير قيم العدالة والمساواة ، ناضلَ معنا فى المركز ضد الدولة الدينية ، والمركز كان احدى نفاجاته التى نفّذ من خلاله العديد من الأنشطة التى لا تحملْ سوى معانى الإنتماء إلى الإنسانية ، وأضاف ، كان عبدالخالق صوتاً مهنياً ونقابياً وضميراً قانونياً منضبطاً ، ظلّ حتى حياته الأخيرة مؤمناً بأنّ السودان بلدٌ يستحق أنْ نُناضل من أجله ، وقال أنّ الراحل كان يتطيَّر من أنْ يموت بشرق إفريقيا بعيداً عن الوطن ، فكان أنْ حدث ، فالراحل هو أكبرُ نزيف الحرب اللعينة.وقال ( سيبقى النويرى أحدَ قناديلِ الإنسانية التى لنْ تنطفئ).
    واختتم الأستاذ/ رياك بمقولات الفيلسوف الصينى كونفوشُيُوس ( عندما لاندرى ماهى الحياةَ ، فكيف يُمكِنُنا أنْ نعرف ماهو الموت) والشاعر محمود درويش ( الموتُ لا يُوْجِعْ الموتى ، الموتُ يُوْجِعُ الأحياء).
    إفاداتٌ من تجمع السودانيين بالخارج:
    قالت افادتهم ، بأنّ الراحل كان أحد أعضاء التجمع الفاعلين ، تمّ تكليفه سكرتيراً للمكتب القانونى للتجمع ، فساهمَ فى ترسيخ مفاهيم الدفاع عن حقوق الإنسان ، وكان مناضلاً جسوراً فى الدفاع عن مشروعِ الجزيرة ومزارعيها وحقهم فى أرضهم وحوّاشاتهم ، عرفته الحركة الحقوقية فى السودان ، وكان صوتاً جهيراً فى الدفاعِ عن عدم الانتقاص من حقوقِ الإنسان واحترام كرامته ، كان الراحل يُومنُ بأنّ الحربَ وسيلةُ الجبناء ، وكان يقولُ دوماً بأنّ طرفيها (لنْ ينجحوا مهما استطالَ أمدُها فى خنقِنا وسلبِنا حريتنا وتحقيق حُلمنا فى الدولةِ المدنية الديمقراطية).
    الأستاذ / معتز المدنى وكلمةُ الجبهة الديمقراطية للمحامين:
    إبتدأ الأستاذ / معتز المدنى السكرتير السياسى للجبهة الديمقراطية للمحامين كلمته ، بتحيةِ كل الذين تشرّدوا وذاقوا مرارةَ الهجرة القسريةِ نزوحاً ولجوءاً ، وترحّم على فُقداء الجبهة خلال فترة حرب الخامس عشر من أبريل 2023م ، وقال (( *إنّ الجبهةَ تقفْ إجلالاً لرجلٍ قضى حياته مناضلاً جسوراً ( *سياسياً وأدبياً وثقافياً*)). جمع بين الكلمة النبيلة والجسورة ، وكان فى قلبِ ثورة ديسمبر المجيدة ، كائناً فى قلب المواكب ومابين المتاريس واللساتك الديسمبرية ، كان أحد أعتاب الوعى والأدب ، كان يؤمنُ بأنّ ( *المعرفةُ حين تنحاز للضعفاء ، تُصْبِحُ قوةً لا تُقهر) ، كان أديباً ينشرُ الوعى بلا كللٍ أو ملل.اهتمّ بنشر الوعى القانونى ، وكان شديدُ الإيمان بالقاعدة (لا سياسة بلا معرفة ولا سياسة دونَ وعىٍ أو أخلاق).كان الراحلُ وعداً وتمنِّى لقضايا مشروع الجزيرة ومُعاناة سكان الكنابى الذين عانوا من سياساتِ الرأسمالية الطفولية ، كان مهتماً بقضايا الحريات ، وسيظل أثره باقياً فى تقاطعِ باشدار وكل مواقع تجمعات مواكب ثورة ديسمبر المجيدة ، وختم الأستاذ / معتز كلمته بالقول (سيبقى صوته مُفزِعاً لكلِّ طاغية*).
    *كلمةُ فرع الحزب الشيوعى السودانى بحى الطائف* :
    قدمت الأستاذة / فاطمة سعيد البدرى عضوة فرع الحزب الشيوعى بحى الطائف كلمةُ الفرع ، وقالت : كان الراحل المقيم حاضراً فى الساحاتِ الإجتماعية والسياسية والقانونية ، مدافعاً جسوراً عن المظلومين ، دافعَ عن قضايا شعبه فى الحرية والسلام والعيش الكريم. وأضافت : سنُعاهدُكَ على السّيرِ على دربك الذى رسمته ونقول ( حرية ، سلام وعدالة ، مدنية خيار الشعب ، لا للحرب ، نعم للسلام).
    الأستاذ / نبيل النويرى وكلمةُ أسرة الراحل:
    استهلّ الأستاذ/ نبيل محمد النويرى كلمة أسرة الراحل المقيم بالآيةِ الكريمة رقم ( 155) من سورةِ البقرة ( وبشِّر الصّابرينَ الذين إذا أصابتهُم مُصيبةٌ قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعُون) و ( لا تدرى نفسٌ بأىِّ أرضٍ تموت) ، ثمّ حيّا منظموا حفل التّأبين ، كما حيّا الرفيق ياسر عرمان والأستاذ/ جعفر حسن والحضور من زملائه بحزب المؤتمر السودانى. وقال : رغم اختلافى الفكرى مع الفقيد ، إلّا إنّه كان رجلاً شجاعاً وسنداً للمهمشين والمساكين وصوتاً صادقاً للمزارعين بمشروع الجزيرة . وقال بأنّ الفقيد (رفضَ رغدَ العيش ، وعندما أحضرته إلى دولةِ الإمارات العربية المتحدة ، رفضَ الإقامةَ هناك ، وكان يقولُ لى ، هنا لايوجد مهمشين ومساكين ، وفرّت له كل سُبل الراحة فى الإمارات ، ولكنه رفضَ وإختارَ العودةَ إلى السودان للوقوف بجانب الغلابة والمساكين والانحياز للعدل). وقال أنّ الفقيد رحلَ جسداً ولكن أثره سيبقى بيننا. وقال : كان الفقيد يُدافع عن قضايا الناس وعن معتقلى لجان المقاومة من مكتبه بالسجانة دونَ مُقابل وكان يُدافع عن أُناسٍ لا يعرفهم.
    وقال نبيل والدموع تنهمرُ مِدرارةً من مآقيه ( أىُّ فراغٍ هذا! ، وأىُّ موت! ، وأنتَ الذى لم تختار سوى العيشَ من أجلِ الآخرين ، رحلتَ بعيداً عن وطنك الذى أحببته ، غريبُ الجسد والرُّوح ، رحلتَ بعيداً عن مزارعى مشروع الجزيرة الذين بذلتْ نفسك دفاعاً عنهم ، مُؤلمٌ بأنْ ترحل بلا وداعٌ يُليقُ بك ، ما أقسى أنْ نفقدُكَ فى سماءٍ ليستْ بسمائكَ وفى بلدٍ ليس ببلدِكَ ، سامحنى يا أخى لأنى لم أكُنْ قريباً منكَ حينَ طلبتنى ، كانت الحربُ أشرسَ من قدرتى على الدفاعِ عنك ، سامحنى لأنى لم أكُنْ قريباً منك لحظةَ احتضارُك لأسمعَ أنينُك
    وأضاف نبيل شقيقُ الراحل ، أنّ الفقيد عاشَ يتيماً ، ولكنه كان يُؤمنُ بأنّ (الشعبُ الطيِّب والديه) كما قال محجوب شريف.
    قراءاتٌ شعرية من دفاتر أشعار الراحل المقيم:
    قرأتْ الزميلة / شجن صلاح مقتطعاتٍ شعرية ، جسّدتْ موهبةً شعرية فذّة تمتّع بها الراحل المقيم ، فقرأت : (يامريمُ السمراء فينا) و (السِّمبر الأسمر).
    وأُختُتِمْ حفلُ التأبين البهيج بأغنياتٍ من أداء تسابيح الأمين ( بيحا ) ومظفر سيف ، كما شارك الزميلين المعتصم كومان ومصطفى خميس بأداءٍ كورالى للعديد من الأغنيات الثورية أبرزها :
    عاش مُتّزِن ونبيل
    زيّوا زى أىِّ زميل.

بيان صحفي صادر عن الأمانة العامة لحركة الإصلاح والتجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء، نتقدم بخالص التقدير والشكر للسيد القائد الفريق أول محمد حمدان دقلو، ونائبه القائد عبد العزيز الحلو، على ما بذلاه من جهد في تأسيس هذا التحالف، وعلى سعيهما المعلن لقيام دولة جديدة تقوم على العدالة والوحدة ونبذ الإقصاء. ونحن على ثقة كاملة أن مثل هذا الخطاب، إذا وصل إليهما، لن يُقابل بالتجاهل، لأنهما يدركان أن قوة المشروع في قدرته على سماع مكوناته قبل خصومه.

تتابع حركة الإصلاح والتجديد بقلق بالغ المسار الذي يمضي فيه تحالف السودان التأسيسي، في لحظة تاريخية دقيقة كان يفترض أن تكون عنوانًا للوحدة، لا مدخلًا لإعادة إنتاج التجارب التي خرج الشعب السوداني عليها.

لقد وقعنا على ميثاق تأسيس الدولة العلمانية التي تقوم على الوحدة، ونبذ العنصرية، ورفض القبلية والجهوية، إيمانًا منا بأن السودان لا يُبنى إلا على قاعدة المواطنة والحقوق المتساوية. لم نكن شهود توقيع، بل كنا من المؤسسين. ولم نكن على هامش المعركة، بل كنا في مقدمتها.

نحن أول من وجّه قواته للالتحام في الميدان بعد الخامس عشر من أبريل، وأول من اتخذ موقفًا سياسيًا واضحًا قبل أن تتشكل الحسابات وتُوزن المصالح. لم ننتظر ضمانات، ولم نطلب مواقع، بل انحزنا إلى ما اعتقدناه معركة مصير ضد مشروع تاريخي نعرفه جيدًا، ونعرف كلفته على هذا الوطن.

لكن جوهر المشكلة اليوم أعمق من مجرد تأخر رد أو غياب تواصل.

المشكلة تكمن في ملامح بنية تتشكل بهدوء داخل التحالف، قوامها:

تمركز القرار في دوائر محدودة.

ضعف الشفافية المؤسسية.

غياب آلية واضحة لتوزيع الأدوار والمسؤوليات.

عدم وجود قناة مؤسسية منتظمة لسماع المكونات المؤسسة.

هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل مؤشرات على خلل في البناء.
والخلل في البناء، إن لم يُعالج مبكرًا، يتحول إلى أزمة ثقة، ثم إلى تصدعات داخلية، ثم إلى انقسام صامت، قبل أن يصبح صراعًا معلنًا.

إن إفرازات هذا الوضع بدأت تظهر في عدة صور:

إحباط وسط القواعد التي تشعر أن تضحياتها لا تُترجم إلى شراكة حقيقية.

تزايد الشكوك حول عدالة توزيع المهام والمواقع.

تنامي الهمس داخل المكونات حول “مركز” و”هامش” داخل التحالف نفسه.

فراغ تنظيمي تستغله أطراف معادية أو مندسة لبث الفتنة وإرباك القرار.

نحن لا نضخم الواقع، بل نقرأ علاماته.
فالتجارب السياسية تعلمنا أن التحالفات لا تنهار بسبب خصومها فقط، بل بسبب سوء إدارتها الداخلية.

لقد أرسلنا خطابات رسمية إلى جهات متعددة داخل حكومة تأسيس: إلى المستشارين، إلى حكام الأقاليم، إلى مدير مكتب رئيس الوزراء. لم نتلق ردًا.
ولم يكن هدفنا مالًا، ولا موقعًا، ولا حصة. كان هدفنا أن نقوم بدورنا، وأن نحذر مبكرًا، وأن نمنع شرارة صغيرة من أن تتحول إلى نار يصعب احتواؤها.

نقولها بوضوح:
الإقصاء لا يبدأ بقرار كبير، بل يبدأ بصمت طويل.
والانحراف لا يبدأ بانقلاب صريح، بل يبدأ بتهميش هادئ.
والتفكك لا يبدأ بإعلان انسحاب، بل يبدأ بإحساس داخلي بعدم الانتماء.

لدينا وثائق ومعطيات تؤكد وجود اختراقات داخل بعض دوائر التحالف. ونحن على استعداد لتسليمها عبر القنوات الرسمية متى ما توفرت الإرادة الجادة للاستماع. لأن حماية المشروع أولى من حماية الأشخاص، وصيانة المسار أهم من المجاملات المؤقتة.

نؤكد في هذا البيان:

أننا لسنا أعداء لتحالف تأسيس، بل جزء منه ومؤمنون بمبادئه.

أننا لا نساوم على ثوابتنا، ولن نبيع لحظة واحدة من نضالنا للفلول أو لأي مشروع يعيد إنتاج الدولة القديمة.

أننا نثق في القيادة العليا، ونوقن أن الإقصاء ليس منهجًا لديها، لكن التجارب علمتنا أن الخلل يبدأ أحيانًا من المستويات الأدنى إذا لم يُنتبه إليه مبكرًا.

اسمنا “حركة الإصلاح والتجديد” لم يكن عنوانًا عابرًا.
الإصلاح يعني مواجهة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
والتجديد يعني بناء مؤسسات لا أشخاص، ومسارات لا مزاجات.

نحن هنا لننصح إذا لم تتح لنا فرصة في الخاص.
ونتكلم في العلن لأن المشروع أكبر من أن يُدار في الغرف المغلقة.
ونرفع صوتنا لأننا نخشى السقوط السريع لتحالف كان يمكن أن يكون فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة.

إن التحالف الذي لا يسمع مكوناته يفقد توازنه.
والدولة التي لا تتسع لمؤسسيها تضيق بمواطنيها.
والمشروع الذي لا يُراجع نفسه مبكرًا، يُراجع نفسه متأخرًا تحت ضغط الانهيار.

نمد يدنا مرة أخرى للحوار المؤسسي الجاد، ولتصحيح المسار، ولإعادة توزيع الأدوار على أساس الكفاءة والشراكة الحقيقية، لا على أساس القرب والبعد.

هذا بيان مسؤولية، لا بيان خصومة.
وتحذير محب، لا تهديد غاضب.

والتاريخ لا يرحم من رأى الخلل في بدايته فسكت، ثم ندم بعد فوات الأوان.

والله من وراء القصد.

الأستاذ/ عماد الدين عمر أبكر
الأمين العام
حركة الإصلاح والتجديد
الخميس 12 فبراير 2026

حين يقاتل الهامش دفاعًا عن المركز : قراءة نقدية في تحالف بعض الحركات المسلحة مع الدولة القديمة

الاستاذ/شمس الدين ضو البيت

ليست كل البنادق متساوية في معناها السياسي، ولا كل الاصطفافات العسكرية قابلة للتبرير باسم «المرحلة» أو «الواقعية».

في الحرب السودانية الجارية، يبرز مشهد بالغ الخطورة:
حركات مسلحة نشأت من رحم التهميش التاريخي، ورفعت شعارات تفكيك دولة المركز، اختارت أن تقاتل اليوم إلى جانب القوات المسلحة بوصفها التعبير الأوضح عن الدولة القديمة وبنيتها الإسلاموعروبية.

هذا الخيار لا يمكن التعامل معه كتكتيك عابر، ولا كخطأ تقدير مؤقت، بل ينبغي قراءته بوصفه تحولًا بنيويًا في وظيفة السلاح ومعناه السياسي.

من خطاب التحرير إلى حماية الدولة القديمة

القوات المسلحة السودانية ليست مؤسسة محايدة في تاريخ الصراع الوطني.
هي، في بنيتها ووظيفتها، جزء أصيل من:
• إعادة إنتاج السلطة المركزية
• حماية الانقلابات
• عسكرة السياسة
• تكريس نموذج دولة أقصى الأقاليم، واحتكر تعريف الهوية والمواطنة

حين تختار حركات مسلحة، تأسست على نقد هذه البنية، أن تقاتل دفاعًا عنها، فإن السؤال لا يعود:
مع من تقاتل؟
بل: لماذا تخلّت عن المعنى الذي حملت السلاح من أجله أصلًا؟

التبعية ليست تحالفًا

التحالف السياسي يفترض الندية، وتبادل المصالح، ووضوح المشروع.
أما ما نشهده اليوم، فهو علاقة تبعية:
• قيادة مركزية تُحدِّد الأهداف
• خطاب رسمي يُستعار بلا مراجعة
• معارك تُخاض لحماية دولة لم تُعاد صياغتها، ولم تُخضع لمساءلة تاريخية

هذه الحركات لا تقاتل بوصفها شريكًا في مشروع جديد،
بل بوصفها قوة مُلحقة داخل منظومة لم تسمح لها يومًا بتغيير قواعدها.

وهنا يفقد السلاح:
• مضمونه التحرري
• شرعيته الأخلاقية
• أفقه السياسي

وهم الواقعية السياسية

يُقدَّم هذا الخيار أحيانًا بوصفه:
• «اختيار أخف الضررين»
• «مواجهة خطر أكبر»
• «واقعية سياسية تفرضها اللحظة»

لكن الواقعية التي تنتهي إلى حماية بنية القهر نفسها ليست واقعية، بل إعادة تموضع داخل النظام القديم.

التجربة السودانية، وتجارب الإقليم من حولنا، تُظهر بوضوح:
• أن المركز يستخدم قوى الهامش عند الحاجة
• ثم يعيد إقصاءها أو تفكيكها بعد انتهاء الدور

من يراهن على غير ذلك، يتجاهل التاريخ، أو يراهن على موقع مؤقت في معادلة لا يملك مفاتيحها.

المظلومية حين تُفرَّغ من معناها

أخطر نتائج هذا الاصطفاف هو تفريغ المظلومية من مضمونها الأخلاقي.

حين تُقاتل حركة مسلحة باسم:
• العدالة
• إنهاء التهميش
• بناء دولة جديدة

ثم تصطف مع مؤسسة:
• لم تُحاسَب على جرائمها
• ولم تُفكَّك بنيتها
• ولم تُخضع لسلطة مدنية

فإنها لا تخون خصومها السياسيين فقط،
بل تخون سرديتها، وذاكرة ضحاياها، والأساس الذي شرّع وجودها.

الهامش كاحتياطي بشري للحروب

ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل إعادة إنتاج لدور تاريخي مألوف:
• الهامش كمخزون بشري للقتال
• والمركز كمالك للقرار والشرعية

يُستدعى أبناء الأقاليم:
• في لحظة الخطر
• عند اشتداد المعارك
• حين تحتاج الدولة القديمة لمن يحارب نيابة عنها

ثم يُعادون إلى الهامش:
• بلا سلطة
• بلا ضمانات
• وبلا حق في تعريف مستقبل الدولة

السؤال الذي لا يمكن تجاوزه

ما الذي تغيّر فعليًا في الدولة التي يُقاتَل دفاعًا عنها؟
• هل أُعيد تعريف المواطنة؟
• هل فُكِّكت بنية المركز؟
• هل خضعت المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية؟
• هل سقطت الأيديولوجيا الإقصائية؟

إن لم يحدث شيء من ذلك،
فبأي منطق يُقدَّم هذا القتال بوصفه «نضالًا»؟

خلاصة

السلاح الذي:
• لا يخضع لمشروع سياسي مدني واضح
• ولا يستهدف تفكيك الدولة القديمة
• ولا ينحاز للمدنيين
• ولا يمنع إعادة إنتاج المركز

هو سلاح يعمل ضد القضية التي رُفع باسمها.

والحركات المسلحة التي اختارت أن تكون جزءًا من آلة الدولة التي ثارت عليها،
لن تُقرأ في تاريخ الهامش كقوى تحرير،
بل كقوى أُعيد توظيفها داخل نظام لم يتغير.

الهامش لا يحتاج إلى بنادق تحرس المركز،
بل إلى مشروع شجاع يقطع مع الدولة القديمة،
ولا يساوم على الدم،
ولا يبيع المظلومية مقابل موقع مؤقت في حرب لا تملك أفقًا وطنيًا.

صرخة من خلف القضبان: تفاصيل وفاة لاجئ سوداني حُرم من حق العلاج بالقاهرة –

صرخة من خلف القضبان: تفاصيل وفاة لاجئ سوداني حُرم من حق العلاج بالقاهرة
بقلم: عباس الخير – موقع نادوس
في واقعة صادمة تثير التساؤلات حول جدوى القوانين الجديدة في حماية الأرواح، غيّب الموت الأستاذ مبارك أبو حوة داخل قسم شرطة “الشروق” بالقاهرة. رحل مبارك قمر الدين مجذوب ابوحوة وهو يحمل في جيبه “بطاقة مفوضية اللاجئين”، تاركاً خلفه تساؤلاً مريراً: كيف يقتل الإهمال إنساناً منحه القانون حق الحماية؟
رحلة الساعات الأخيرة: من الشارع إلى الكفن
أكد الدكتور/ ناجي محمد مجزوب، ابن عم الفقيد، أن مبارك لم يكن مخالفاً لنظم الإقامة، بل كان يحمل وثائقه الرسمية الصادرة عن المفوضية. بدأت المأساة يوم 27 يناير الماضي، حين خرج الفقيد لشراء مستلزمات لأسرته، ليتم توقيفه ضمن حملة أمنية. ورغم محاولته إيضاح موقفه القانوني وإبراز وثائقه، جاء الرد الأمني قاطعاً ومجحفاً: “اصمت.. وناقش هذا الأمر في القسم”.
داخل قسم الشروق، صارع مبارك مرض السكري وسط ظروف احتجاز قاسية. وبحسب إفادة الأسرة، توسل الفقيد للسماح له بالتواصل مع ذويه لإحضار أدويته الضرورية، لكن طلبه قوبل بالرفض المتعنت. يروي الشاهد (س. ن)، الذي كان محتجزاً معه، أن الزنزانة كانت تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية؛ حيث سقط مبارك مغشياً عليه مساء الثلاثاء بعد أن عجز جسده عن الصمود واقفاً. ورغم احتجاجات المحتجزين التي دفعوا بها الحرس لإخراجه لساعات قليلة، إلا أنه لم يُعرض على طبيب، بل أُعيد لبيئة الاحتجاز المتهالكة ليتدهور وضعه ويصاب بالتهاب حاد أدى لوفاته يوم الخميس 5 فبراير.
مفارقة قانونية: نصوص تحمي.. وواقع يقتل
تأتي وفاة “أبو حوة” في وقت أقرت فيه مصر القانون رقم 164 لسنة 2024 بشأن لجوء الأجانب، وهو التشريع الذي نقل إدارة ملف اللجوء إلى “لجنة حكومية دائمة” تتبع مجلس الوزراء. وبينما تنص ملامح القانون الجديد (2024-2025) على كفالة حق الرعاية الصحية والحماية من المخاطر، إلا أن ما حدث يكشف عن “فجوة إجرائية” خطيرة؛ فالمتوفي كان يمتلك الأوراق القانونية، لكنه حُرم من أبسط حقوق البقاء وهو “الدواء”.
الموقف الحالي للأسرة
سلمت السلطات جثمان الفقيد لأسرته اليوم الجمعة 6 فبراير من مستشفى الشرطة. وفي ظل حالة الصدمة والذهول التي تخيم على المشهد، أفادت المصادر بأن أسرة الفقيد لم تصرح بعد باتخاذ أي إجراءات قانونية رسمية في مواجهة الشرطة أو السلطات بالقاهرة، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مشاورات قانونية.
يبقى السؤال قائماً: ما قيمة التشريعات إذا كان الإهمال الطبي وضيق الزنازين هما الحكم والجلاد؟ إن حالة مبارك أبو حوة هي جرس إنذار لمفوضية اللاجئين واللجنة الوطنية الجديدة، لضمان ألا تتحول إجراءات “توفيق الأوضاع” إلى فخاخ تخطف أرواح الأبرياء.

في حضرة الوفاء.. تأبين فارس الكلمة والقانون الأستاذ عبدالخالق النويري


​بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله، ومفعمة بمشاعر الوفاء لروحٍ فارقتنا جسداً وبقيت فينا أثراً، يدعوكم رفاق وأصدقاء الراحل المقيم، الأستاذ عبدالخالق النويري، لحضور يوم تأبينه؛ احتفاءً بمسيرةٍ حافلة جمعت بين رقة الشاعر الذي طوع الحرف، وجسارة المحامي الذي لم يخشَ في الحق لومة لائم، ونبل المدافع الذي جعل من حقوق الإنسان قضية وجود.
​لقد كان الراحل “أبو الأطفال” والشريان النابض بقضاياهم، صوتاً هادراً لمن لا صوت لهم، ومحامياً استثنائياً وهب حياته لترميم براءة الطفولة المخدوشة والدفاع عن قيم الحق والعدل. نلتقي لنستذكر معاً قصائده التي ما زالت تنبض بالحياة، ونضاله القانوني الذي حفر في سجلات العدالة اسماً لا يُمحى.
​لقد كان الفقيد جسراً من المحبة، ربط بين جفاف النصوص القانونية وعذوبة القوافي الشعرية، ليصنع منهما درعاً يحمي الضعفاء.
​المكان: كمبالا، مطعم ريم البوادي.
​الزمان: يوم 8 من فبراير، الساعة الرابعة مساءً.
​حضوركم ليس مجرد مشاركة، بل هو تجديد للعهد ووفاءٌ للقيم السامية التي عاش وناضل من أجلها.
​#عبدالخالقالنويري #فارسالكلمةوالقانون #نصيرالطفولة #حقوقالإنسان #قناةنادوس

النقطة (25) بين أنقرة والرياض؟!

بقلم: الجميل الفاضل
في ليلة خليجية مثقلة بالأسرار، اجتمع الملك السعودي غير المتوج رسمياً “محمد بن سلمان”، والسلطان العثماني المعاصر “طيب اوردغان”، في خلوة دبلوماسية طارئة، إختتماها ببيان مشترك، حمل في طياته (31) نقطة، بيد أن النقطة (25) من البيان، أتت تهمس في أذن الريح بقول مريب: “حكومة مدنية لا تشمل الجماعات المتطرفة”.
تري هل هي مجرد كلمات عابرة، أم أنها سيف علق فوق رقاب الإخوان السودانيين، ينتظر فقط لحظة مناسبة للهبوط؟.
النقطة (25) من هذا البيان اتخذت سبيلها في بحر الكلام سربا لتأتي هكذا: “الطرفان أكدا تمسكهما بالحفاظ على وحدة السودان.. ورفضا أي كيانات غير شرعية.. إلى جانب ضرورة حماية مؤسسات الدولة.. وإطلاق عملية سياسية بقيادة السودانيين تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية لا تشمل الجماعات والتنظيمات المتطرفة المتورطة في الجرائم بحق الشعب السوداني.”
إنها مفردات مفخخة، ليست بريئة تماما؛ بل إنها ربما تفتح أنفاقاً سرية نحو غزة أخري.
أولاً، الرفض لـ”الكيانات غير الشرعية”، عبارة يفهم بوضوح أنها تعني حكومة تأسيس التي أعلن عنها لتبني قضايا هوامش السودان البعيدة أو المبعدة، عن أعين ورعاية المركز.
ثانياً، الالتزام بإعلان جدة الذي فقد صلاحيته واستنفد أغراضه، ذلك العهد السعودي-الأمريكي الذي كان يعد بحماية المدنيين كما يعد الغيم بالمطر.
وأخيراً، الجزء الأكثر إثارة: استبعاد “الجماعات المتطرفة”، تلك الكلمة التي تطارد أشباح الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني ككابوس مزعج ظل علي الدوام يقض مضاجعهم ويقلق منامهم.
فالإخوان في السودان يلتصقون بجيشهم الخاص، الذي يقوده الآن إنابة عنهم بالطبع الجنرال البرهان، التصاق الظفر باللحم.
وللحقيقة فإن هذه النقطة في البيان السعودي التركي تتجاوز خطاً أحمراً بارزاً ومهماً عند الإخوان المسلمين في السودان.
إذ أن هذه الحركة الإسلامية، ظلت ترفض رفضاً باتاً ومطلقاً، أي إبعاد لها عن ترتيبات الإنتقال من نظامها الذي تسلط علي البلاد لأكثر من ثلاثة عقود.
ولهذا السبب رفض الإسلاميون المبادرة الرباعية في 2025، وقبلها إتفاق المنامة الذي وقعه الجنرال كباشي بالأحرف الأولي، معتبرين إن هذه المبادرات كلها تندرج في سياق مؤامرة كبري ترمي لاقصائهم وتهميشهم، ولإحالتهم إلى أشباح غير مرئية بالمرة، في صورة السودان المستقبلي.
بل إن الإخوان ربما يروا اليوم في اتفاق تركيا مع المملكة علي ضرورة إبعادهم، خيانة أكبر من دولة صديقة كانت بمثابة الملاذ الآمن لهم منذ السقوط الشكلي أو التمويهي لنظامهم.
فتنازل أردوغان الذي كان يدعم الإخوان كما يدعم الريح السحاب، جزئياً، أو براغماتيا عما يعتبرونه حقهم في المشاركة السياسية، ربما يذكرنا في هذه اللحظة بأغلاق أنقرة للمنصات الإعلامية للإخوان المصريين ولابعاد بعضهم، كعربون صداقة مع نظام السيسي، أو حتي علي شاكلة طلب قطر الحاضنة الأخري للإخوان، من قادة حماس المغادرة لتخفيف صبغة هذا الإتهام وظلال ذلك الوجود.
علي أية حال، فإن تركيا ما زالت تستضيف قادة الحركة الإسلامية، وتدعم جيشهم بالبريقدار وبغير ذلك من أسلحة دمار حديثة.
لكن في ظل ديناميات إقليمية نشطة، قد يلعب أيضا التقارب السعودي-التركي دور البطل الغامض.
إذ من غير المستبعد أن تسعي السعودية، بتكليف أمريكي ضمن الرباعية، لتليين موقف أنقرة، بإعتبار أن شمس المصالح الساخنة قادرة علي تذويب أي جليد مهما كان.
لكن السؤال الأهم هنا، تري هل ينجح استبعاد الإخوان من جهود إعادة تشكيل السودان في استقرار هذه البلاد، أم أنه سيوقظ أشباحاً وخلايا إرهابية نائمة تزيد هذا الوطن الجريح طامة علي طامته؟
المهم في نهاية هذه الحكاية، أتصور أن النقطة (25) علي غموضها، ربما تفتح بابا سريا على عالم غير مستقر، لا زالت تصنعه توازنات متغيرة هي كذلك.

ما الذي يجري اليوم بالضبط، في واشنطن؟

بقلم: الجميل الفاضل

الثانية صفر، واشنطن: في 3 فبراير 2026، ربما هنا الباب يُغلق، ومصير ما وراءه سيُكتب.
فالساعة في هذا اليوم الثلاثاء قد تقترب هي أيضا من الذروة في مكان ما بالعاصمة الأمريكية، تحاصره رائحة القهوة المرة والتوتر الخانق.
سفراء السعودية، مصر، الإمارات، بريطانيا، النرويج، الكويت، يتحولقون حول مائدة مستديرة، يتوسطهم مسعد بولس “رجل ترامب القوي”، الذي يسعي ل”صفقة سريعة” لأمن البحر الأحمر، تقوم علي طرد النفوذ الروسي والصيني عن هذا الممر الملاحي المهم.
عينا بولس تلمعان كمن يعرف النهاية قبل أن تبدأ.
هنا لا كرسي للبرهان، ولا دعوة لحميدتي.
فالسودان محذوف من علي هذه الطاولة.
لكن هل ما يبدو هو مجرد “مؤتمر مانحين”، ام أن ما يجري خلف أبوابه الموصدة، هو إنفاذ لحكم إعدام يُباشر في صمت بأقلام التعهدات المالية، تحت عنوان “التمويل الإنساني”.
وهل ثمة صفقة قرن أخري، تبرم اللحظة للسيطرة بالكامل، على ما تبقي خارج السيطرة من البحر الأحمر.
هذا الوعد بتوفير 2 مليار دولار، هل هو عبارة عن صدقة؟ أم إنه الرشوة الأخيرة لإسكات طموحات داخلية صغيرة، أم هو ثمن رأس البرهان السياسي، يقدم اليوم قربانا على طبق من ذهب لمن يريد ويرغب، في مزاد مفتوح.
للحقيقة، فإن هذا الجنرال المولع بالسلطة، يواجه في الواقع ما يشبه حكم إعدام معنوي.
فإنه إذا رفض ما يسمي “الهدنة الإنسانية”، سيُرمى لا محالة في سلة المهملات الدولية، أما إذا قبلها فهو يدرك تماماً، انه سيُصبح شاهداً بنفسه على لحظة تحرك نعشه، وعلي بدء مراسم دفنه سياسيا علي الأقل.
في ذات الوقت الذي يري فيه حليفه عبد الفتاح السيسي، النيل يُسرق من تحت أنفه، والحدود تُقسم بين يديه، ودور مصر التقليدي في السودان يُدفن حياً، بمعاول وجرافات مجلس ترامب للسلام العالمي.
هل تحاول مصر تارة أخرى قلب مثل هذه الطاولة ثقيلة الوزن، وهل تستطيع القاهرة مؤونة حملها أصلا؟ أم أنها ستُجبر على الجلوس بأدب في الصف الخلفي منها، لتكتفي فقط بنوع من المشاهدة المؤلمة، القاتلة لحلم تشبثها بحديقتها الخلفية المنزوعة بالقوة؟.
بل هل سيصل التوتر داخل هذه القاعة المتناقضة إلى نقطة الغليان التي تسبق عادة لحظة الإنفجار؟، وهل ستكون هنالك فرصة لأي إنفجار من أي نوع، في عصر كهذا يدار بالجنون.
عموما، في مثل هذه اللحظات الحاسمة، فإن الوجبة الرئيسية ستُقدم، والاجتماع سينتهي بمخرجات تصدر في صورة تعهدات من المانحين، وربما بإعلانات هدنة مفروضة، ثم بإطلاق وعد بانتقال يرتب أوضاع هذه الأقاليم المتصدعة من داخلها، تحت ستار دولة أكل عليها الدهر وشرب، فتركها قاعا صفصفا، منهارة وفاشلة.
هي هندسة إنتقال ربما تضع حتي موارد هذه الدولة قيد ما يشبه مراقبة وحراسة دولية مباشرة، من خلال صناعة حكومة سودانية انتقالية، “نظيفة ومُعقَّمة”، تُحمى بالدولارات لا بالرصاص.
25 مليون جائع، 10 ملايين نازح، مئات آلاف القتلي، كلها أرقام وإحصائيات في تقارير ستُقرأ داخل هذه الصالة ببرود.
لكن يبقي السؤال الذي يُطارد الجميع،
هل يُصبح السودان مجرد “ملف إنساني” في أدراج التاريخ؟ أم أن ما يحدث هو مقدمة لخروجه من مأزق هذا القبو التاريخي المظلم؟.
فالستار في الوقت الراهن يسقط، رغم أن الدماء لا تزال تسيل.

من “بيت الأشباح” إلى الذاكرة الجماعية: تشريح اغتيال علي فضل في ضوء المادية التاريخية

  1. اللحظة التأسيسية للإرهاب: اغتيال الطبيب في سياق الانقلاب الطبقي

انبثقت سلطة ما سمي بالإنقاذ من رحم تحالف غير متماسك جمع أجنحة عسكرية مأزومة وبيروقراطية طامعة وحركة سياسية دينية تواقة للسلطة. كان التحدي الجوهري لهذا الكيان الوليد يتمثل في ترجمة سيطرته العسكرية المباشرة إلى هيمنة سياسية واجتماعية قادرة على الاستمرار. واجه النظام هذا التحدي عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على تفكيك مؤسسات المجتمع المدني المنظمة بشكل منهجي، مع نشر الإرهاب المادي كأداة لفرض الصمت وإعادة تشكيل وعي الجماهير بالقوة.

جاء إضراب الأطباء في نوفمبر 1989 ليعبر عن أول مواجهة جماهيرية منظمة لهذا النظام الوليد، كاشفا عن هشاشته العميقة ونافذا حاجز الخوف الأولي. لم ينظر النظام إلى هذا الفعل النقابي باعتباره خلافا سياسيا قابلا للتفاوض، بل اعتبره تحديا وجوديا يهدد أسس حكمه في مرحلته الجنينية، مما استدعى ردا يتسم بوحشية استباقية تهدف إلى القطع النهائي مع أي إمكانية للمقاومة المنظمة.

وفي هذا السياق اكتسب اغتيال الدكتور علي فضل معناه التأسيسي الكامل. لم يكن الطبيب ضحية عشوائية ضمن حملة قمع عشوائية، بل كان هدفا محددا بدقة متناهية: ناشط نقابي بارز من خلفية يسارية، طبيب يمارس عمله في أوساط شعبية فقيرة، وابن لنقابي شيوعي معروف. حولت آلة النظام جسده إلى ساحة معركة رمزية، حيث مورس التعذيب الوحشي حتى الموت داخل ما عرف ببيوت الأشباح، بهدف إرسال رسالة مزدوجة: للأطباء والنقابيين بأن ثمن المقاومة هو الإبادة الجسدية، وللمجتمع بأكمله بأن السلطة الجديدة تمتلك أدوات لا حد لوحشيتها وقادرة على اختراق أي حرمة.

لكن الذروة الكاشفة في هذه الجريمة المؤسسة تجلت في لحظة ما بعد الوفاة. فمحاولة النظام فرض روايته عبر تقرير طبي مزور ينسب الوفاة لمرض الملاريا مثلت النواة الأولية لنمط حكم سيتطور لاحقا، قائم على تصنيع الحقيقة الرسمية كسلعة مغلوطة قسرا، وإخضاع المؤسسات المهنية الحارسة للحقيقة الموضوعية كالطب والقضاء لسلطة الجهاز الأمني. في المقابل، مثل رفض أسرة الشهيد لاستلام الجثمان والإصرار على تشريح مستقل أول اختراق عميق للرواية الرسمية، وبداية لتشكل ذاكرة مضادة ستتراكم طبقاتها عبر السنين.

يمثل استشهاد علي فضل بهذا المنظور لحظة التراكم الأولي للإرهاب كرأس مال سياسي للنظام الجديد. فقد برهنت الجريمة على قدرة السلطة الناشئة على توظيف أدوات الدولة ذاتها في تنفيذ عمليات تصفية خارج إطار القانون، وعلى استراتيجيتها في تجريد الخصم من إنسانيته كوسيلة لنزع شرعيته السياسية. تحولت بيوت الأشباح إلى مختبرات حقيقية لتقنيات الحكم القمعي، تقنيات ستتوسع نطاقا ووحشية في السنوات اللاحقة لتصبح سياسة ممنهجة في أقاليم السودان المهمشة، مؤكدة أن الدم الذي سال في أبريل 1990 كان مجرد الشرارة الأولى لعاصفة عنف منهجي اكتشفت خلاله السلطة أن جريمة القتل الفردي، عندما ترتكب بآلية الدولة وتغلف بقانونيتها الزائفة، تتحول إلى حجر أساس في صرح استبداد قادر على إعادة إنتاج نفسه.

“إن العنف هو القابلة القانونية لكل مجتمع قديم يحمل في أحشائه مجتمعا جديدا.”
كارل ماركس.


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493