بقلم: مهدي داود الخليفة
على ضوء أوضاع السودانيين المقيمين في جمهورية مصر العربية، وما يحيط بملف وجودهم من نقاشات سياسية وإنسانية، يصبح من الضروري تسليط الضوء على المسار التاريخي والقانوني الذي جعل المواطن السوداني يتمتع بحق اللجوء في مصر، ليس بوصفه منحة طارئة، بل باعتباره استحقاقًا إنسانيًا وقانونيًا فرضته ظروف تاريخية قاسية.
حين فُتح باب اللجوء أمام السودانيين المقيمين في مصر، لم يكن ذلك حدثًا إداريًا عابرًا، ولا إجراءً قانونيًا تقنيًا، بل شكّل نقطة تحوّل جوهرية عكست اعترافًا دوليًا بحجم المعاناة التي عاشها السودانيون عبر عقود من القمع والحروب والانهيارات السياسية. جاء هذا التحول في لحظة تاريخية كان فيها الوطن يُسلب من أبنائه، ويُتركون بلا حماية، معرّضين للقمع والحرب والنزوح القسري.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: متى تحوّل الحق السوداني الطبيعي في الحماية إلى “طلب لجوء”؟ ومتى فُتح باب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أمام السودانيين في مصر؟ هذا سؤال ضروري، لأنه يعيد الاعتبار لتاريخ ظل طويلًا خارج التوثيق، رغم أن نتائجه غيّرت مصائر آلاف الأسر، بل وربما أجيال كاملة.
حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديدًا قبل عام 1994، لم يكن يُسمح للسودانيين المقيمين في مصر بالتقدّم بطلب لجوء سياسي لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. لم يكن ذلك لأن السودان كان بلدًا آمنًا أو مستقرًا، بل بسبب ترتيبات سياسية وقانونية خاصة بين مصر والسودان، وبسبب تصنيف إداري لم يعد يعكس الواقع السياسي والإنساني في السودان، حيث تعاملت المفوضية مع السودانيين بوصفهم “مقيمين” لا تنطبق عليهم صفة اللاجئ وفق اتفاقية عام 1951.
زاد من تعقيد الوضع اعتماد المفوضية شرطًا إجرائيًا صارمًا، يقضي بأن يكون طالب اللجوء قد دخل مصر بتأشيرة مسبقة، وهو شرط لم يكن ينطبق على السودانيين الذين دخلوا مصر استنادًا إلى اتفاقيات ثنائية قديمة، أبرزها اتفاقية التكامل، التي كانت تتيح الدخول دون تأشيرة و تمنح السوداني حق الإقامة الدائمة. وهكذا وجد السوداني نفسه في منطقة قانونية رمادية: بلا حماية قانونية، وبلا اعتراف دولي، رغم أن أسباب اللجوء كانت تتفاقم يومًا بعد يوم.
جاء انقلاب عام 1989 ليكشف زيف هذا التصنيف. فالانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، والحروب الأهلية المتصاعدة، جعلت من الاستمرار في توصيف السودانيين كـ“مقيمين عاديين” نوعًا من الإنكار القانوني للواقع. غير أن هذا التحوّل لم يكن تلقائيًا، ولم يكن قانونيًا بحتًا، بل كان ثمرة جهد سياسي–حقوقي واعٍ، قاده سودانيون آمنوا بأن الدفاع عن الإنسان لا يتجزأ، حتى وإن كان الثمن شخصيًا.
في تلك اللحظة الفارقة، برز الدور التاريخي للأستاذ فاروق أبو عيسى، الأمين العام لاتحاد المحامين العرب آنذاك. لم يتعامل أبو عيسى مع القضية بوصفها شأنًا سودانيًا داخليًا، بل قدّمها باعتبارها قضية حقوق إنسان بامتياز، تستوجب مساءلة المفوضية الدولية عن معاييرها المزدوجة. وبفضل موقعه القانوني والنقابي، خاض معركة هادئة ولكنها عميقة، لإقناع مفوضية اللاجئين بضرورة إعادة توصيف وضع السودانيين في مصر، وفتح باب طلب اللجوء أمامهم، استنادًا إلى الواقع السياسي والانتهاكات الموثّقة.
إلى جانب هذا الجهد السياسي، جاء الدور المكمل والدقيق للدكتور أمين مكي مدني، الذي بحكم خبرته القانونية العميقة، وعمله السابق داخل منظومة مفوضية اللاجئين نفسها، تولّى صياغة المذكرات القانونية الداعمة لهذا المطلب. لم تكن تلك المذكرات خطابات إنشائية أو عرائض احتجاج، بل وثائق قانونية محكمة، فكّكت الحجج السابقة للمفوضية، وأثبتت – نصًا وروحًا – انطباق معايير الحماية الدولية على السودانيين المقيمين في مصر، وبذلك تحوّل المطلب من مناشدة أخلاقية إلى حق قانوني مُسنَد بالحجج والوقائع.
وبفضل هذا الجهد المشترك، فُتح الباب أمام استقبال طلبات لجوء السودانيين في مصر، ولم يكن ذلك اعترافًا قانونيًا مجردًا، بل تُرجم سريعًا إلى حماية فعلية وحقوق ملموسة انعكست مباشرة على حياة آلاف الأسر. فقد تمكّن السودانيون الذين نالوا صفة اللجوء من إلحاق أبنائهم بالمدارس داخل مصر بصورة منتظمة، إلى حين إتمام إجراءات إعادة التوطين، ما أنقذ جيلاً كاملًا من الانقطاع التعليمي. كما جرى صرف إعانة مالية شهرية لكل أسرة، ساعدت في توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، وخفّفت من هشاشة الوجود اليومي.
تركّز الوجود السوداني خلال تلك الفترة بصورة أساسية في القاهرة والإسكندرية، حيث شكّل موظفو الدولة الذين أُحيلوا للصالح العام بعد انقلاب 1989 نسبة معتبرة من الوافدين مع أسرهم، إلى جانب طلاب، ونقابيين، وناشطين سياسيين. وتميّزت تلك المرحلة بتعامل إيجابي من مكاتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، التي كانت تستقبل السودانيين بصورة طيبة، وتسعى إلى تسهيل إجراءات التسجيل وتسريع المقابلات والبتّ في الملفات، بما يتناسب مع طبيعة الانتهاكات والظروف السياسية التي فرّوا منها. وكان كرت المفوضية الذي يحمله اللاجئ يشكّل مظلة حماية حقيقية، وفارقًا جوهريًا في علاقته بالدولة المضيفة وأجهزتها، ويمنحه قدرًا من الأمان القانوني المفقود سابقًا.
كما تميّزت تلك الفترة بوجود عدد مقدّر من أبناء جنوب السودان الذين نزحوا إلى مصر طلبًا للجوء السياسي، هربًا من الحرب والانتهاكات، قبل سنوات من انفصال الجنوب. وقد شكّلت تلك التجربة المشتركة لحظة إنسانية كاشفة لوحدة المعاناة، قبل أن تمزّق السياسة والجغرافيا ما جمعته المأساة.
وحصل آلاف السودانيين لاحقًا على صفة لاجئ، ثم على فرص إعادة التوطين في دول مختلفة مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وبريطانيا وغيرها. لم يكونوا أرقامًا في ملفات، بل بشرًا كُتبت لهم حياة أخرى، لأن هناك من دافع عن حقهم في الحماية دون أن يطلب شكرًا أو امتيازًا. واليوم، بعد مرور السنوات، يمكن القول بثقة إن هذا الجهد لم يغيّر وضعًا قانونيًا فحسب، بل غيّر مصائر أسر كاملة، استقرت، وتعلّم أبناؤها، وعاش كثيرون حياة أكثر أمنًا وكرامة.
تتجلى هنا مفارقة أخلاقية مهمة: لم يتقدم أي من أفراد أسرتي، فاروق أبو عيسى أو أمين مكي مدني، بطلب لجوء أو استفاد من حق إعادة التوطين، رغم توفر الظروف السياسية التي كانت تسمح بذلك. لم يكن ذلك ناتجًا عن عجز، بل كان قرارًا واعيًا يؤكد أن اللجوء يجب أن يكون حقًا للناس وليس وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية، وأن تُمارس السياسة كمسؤولية أخلاقية تلتزم بالمصلحة العامة بعيدًا عن المصالح الفردية.
إن استعادة هذا الدور اليوم ليست نبشًا في الماضي، بل ردّ اعتبار لتاريخٍ صامت، وتذكير بأن القضايا الكبرى لا تُصنع فقط في الغرف المغلقة أو المؤتمرات، بل أحيانًا في مكاتب قانونية متواضعة، وعلى أكتاف رجال اختاروا أن يكونوا حُرّاسًا للكرامة.
إن استعادة هذا الدور اليوم ليست حنينًا إلى الماضي، بل ردّ اعتبار لتاريخٍ صامت، ولرجال اختاروا أن تكون السياسة عندهم فعلَ حمايةٍ لا وسيلة مصلحة. فاروق أبو عيسى وأمين مكي مدني لم يفتحا باب اللجوء لأنفسهما، بل فتحاه للآخرين، ومضيا الي رحاب ربهما تاركينه مفتوحًا لكل من كان في أمسّ الحاجة إليه. وذلك في حد ذاته درسٌ وطني و ديني وأخلاقي، يذكّرنا بأن أعظم الأدوار تُؤدّى أحيانًا بلا ضجيج، وبأن حماية الكرامة الإنسانية هي أسمي أشكال الوطنية.
رحم الله أمين مكي مدني و رحم الله فاروق أبو عيسى،