Notice: _load_textdomain_just_in_time تمّ استدعائه بشكل غير صحيح. تم تشغيل تحميل الترجمة لنطاق td-cloud-library مبكرًا جدًا. عادةً ما يكون هذا مؤشرًا على تشغيل بعض التعليمات البرمجية في الإضافة أو القالب مبكرًا جدًا. يجب تحميل الترجمات عند خطاف الإجراء init أو بعده. من فضلك اطلع على تنقيح الأخطاء في ووردبريس لمزيد من المعلومات. (هذه الرسالة تمّت إضافتها في النسخة 6.7.0.) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
Blog | قناة نادوس | online news
20 C
New York
الأحد, سبتمبر 6, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog

د. الهادي إدريس: الحسم العسكري وهم والحروب خيار صفري.. ولا بديل عن الجبهة المدنية لإيقاف الحرب وإنهاء أزمة الشرعية

بقلم: عباس الخير – موقع نادوس الإلكتروني

يواجه السودان اليوم إحدى أعقد الأزمات الوطنية في تاريخه الحديث؛ حيث لم يعد الاستمرار في الحرب مجرد صراع بين طرفين، بل بات يهدد بتفكيك جغرافية الدولة ونسيجها الاجتماعي. وفي ظل هذا المشهد المأساوي، تبرز الحاجة الماسة إلى رؤية سياسية حاسمة تتجاوز أدوات الماضي وتطرح حلولاً شجاعة تنقذ البلاد من الانزلاق إلى الهاوية.
تأتي خطوة تدشين مكتب حركة/ تحرير السودان – المجلس الانتقالي في منطقة شرق أفريقيا لترسيخ حضور ميداني ودبلوماسي قادر على التعاطي مع تعقيدات الأزمة السودانية. ولا يقتصر هدف هذه الخطوة على مد الجسور بين القيادة والقواعد المدنية والسياسية المتواجدة في دول الجوار فحسب، بل تمتد لتكون منصة حيويّة للدبلوماسية الشعبية بين السودانيين والشعوب الأفريقية.
وقال د. الهادي في كلمته إن هذا التواجد الإقليمي في دول مثل كينيا وأوغندا ورواندا يهدف إلى إيصال صوت السودانيين ومتابعة ملفات حماية اللاجئين والفارين من القتال بشكل مباشر، وضمان إبقاء قضية السودان في صدارة الأجندة الإقليمية. وأضاف أن الوضع الراهن يتطلب تشخيصاً شفافاً؛ فالنزاع المسلح المتواصل بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع أدى إلى أزمة شرعية حادة حول الدولة.
وعلى الجانب الإنساني، تحدث د. الهادي إدريس عن أن البلاد تعيش كارثة غير مسبوقة تتمثل في النزوح القسري لملايين المواطنين، والانهيار الشامل للقطاعين الصحي والخدمي، فضلاً عن أشباح المجاعة التي تتمدد في مناطق واسعة. هذه المعطيات تؤكد أن استمرار الحرب هو “خيار صفري” لن ينتج عنه سوى المزيد من الدمار.
و يرى د. الهادي إدريس ضرورة الرفض القاطع للحسم العسكري؛ إذ أثبتت الوقائع عدم قدرة أي طرف على تحقيق استقرار دائم عبر السلاح، كما أن إطالة أمد الصراع تقود إلى مزيد من التشظي وتفريخ المليشيات.
ويؤكد ان حل الأزمة يتطلب:
تأسيس عملية سياسية شاملة تخاطب الاختلالات الهيكلية التاريخية، وفي مقدمتها المواطنة المتساوية، والتنمية المتوازنة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وفق عقيدة وطنية جامعة.
الابتعاد عن مسكنات الحلول الجزئية أو الاتفاقيات التقديرية التي تعيد إنتاج الأزمة.
وبخصوص دور القوى المدنية والمجتمع الدولي: يرى رئيس الحركة أن الخروج من هذه المحنة يتطلب تضافر الجهود على مستويين أساسيين:
1/توحيد الجبهة المدنية: وجه دعوة صريحة للتحالفات والقوى السياسية والمدنية لتجاوز الخلافات الأيديولوجية والمكاسب الحزبية الضيقة، وبناء جبهة عريضة قادرة على فرض خيار السلام وإيقاف أتون الحرب.
2/تفعيل المبادرات الإقليمية والدولية: الاستفادة من التكامل بين الدور الأفريقي (عبر منظمة الإيغاد والاتحاد الأفريقي) والمبادرات الدولية لممارسة ضغط حقيقي على أطراف الصراع، بما يضمن وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ويختتم حديثه بأن الرهان الحقيقي متوقفٌ على الإرادة الوطنية والقدرة على تحويل خيار السلام من شعار نظري إلى مشروع سياسي عملي يعيد للسودان استقراره وسيادته ووحدته، ويضع حدا لمعاناة المواطن السوداني بإزالة نظام الجبهة الإسلامية نهائياً دون عودة.

شبكة النساء السودانيات: نؤيد مخرجات أديس أبابا ونُجدد التزامنا بإنهاء الحرب وتحقيق السلام الشامل

شبكة النساء السودانيات

في إطار مساعيها المستمرة لدعم الأمن واستقرار السودان، وإعلاء صوت السلام فوق أصوات البنادق، تشيد الشبكة في بيان لها بالجهود التي بذلت لأجل نجاح انعقاد اجتماعات أديس أبابا في الفترة من 22 – 23 أغسطس 2026 للقوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع أطرافها، وبالوصول إلى وثيقة موقف مشترك بعنوان “عملية السلام التي نريد”.

“شبكة النساء السودانيات” تجدد رفضها القاطع لدعوة قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان “الحوار السوداني-السوداني” والمزمع عقده بمعزل عن وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة، وتؤكد على ما جاء في البيان الختامي بأن دعوة البرهان في جوهرها تسعى لإضفاء شرعية سياسية على الحكم العسكري وتمكين عناصر النظام البائد.

كما اكدت على الاستبعاد الكامل للمؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية وواجهاتهما من عملية السلام.

“شبكة النساء السودانيات” تؤمن على ما جاء في البيان الختامي، وتتقدم بفائق الشكر والتقدير للآلية التنسيقية ولقيادة وإدارة الاجتماع باختيار ممثلة “شبكة النساء السودانيات” الأستاذة/ منى بلة لتقديم البيان الختامي نيابةً عن القوى المشاركة في هذا الاجتماع التاريخي الهام. ويعتبر هذا التكليف قد صادف أهله؛ فالشبكة تعتبر أكبر كيان نسوي لمناهضة الحرب لاحتوائها على 9 أحزاب سياسية و28 منظمة مجتمع مدني فاعلة ومؤثرة.

واضافت في بيانها ان تشريف الأستاذة/ منى بلة بإلقاء البيان الختامي لا يمثل تكليفاً لشبكة النساء السودانيات فحسب، بل هو اعتراف حيّ ومستحق بالدور الريادي والمركزي للمرأة السودانية في صناعة السلام وإيقاف النزاعات.

قبل أن نصفق لمجلس الأمن!هل يعمل المجلس والرباعية على إدارة الحرب ام وقفها؟ما أهمية الاجتماع المشترك لمجلسي الأمن الأفريقي والدولي؟

ياسر عرمان
 
لنا أن نحتفي بكل جهد يعيد الاهتمام بقضية الحرب في السودان على طاولة المحافل الإقليمية والدولية ولكن بعد تجارب السودان المريرة مع الحروب علينا أن نأخذ كل ما يطرح بعمق وعقل ناقد.

إجتماع مجلس الامن الدولي مساء الأمس ٢٤ اغسطس ٢٠٢٦، والمقترحات الجزئية التي قدمت تقع في خانة إدارة الحرب، واتخذت من نهاية قانون حظر الطيران والسلاح في دارفور الذي ينتهي الشهر القادم وضرورة تجديده مع إضافة خطوات جزئية تعمل على تعميمه في كل السودان، ولكن اذا رجعنا وطرحنا الاسئلة الصحيحة حول القرار  (١٥٤١)
الذي استمر لمدة ٢٢ عاما، هل تم تطبيق هذا القرار في دارفور؟ وهل استطاع حماية المدنيين في دارفور خلال ٢٢ عاما؟
هل افادت الحلول الجزئية للمجتمع الدولي حول دارفور في وقف الحرب في دارفور؟ وهل توقف الطيران واستيراد السلاح منذ أن صدر هذا القرار في عهد البشير؟ الم تنتقل الحرب إلى باقي السودان؟ وهل المسكنات تكفي لحل كارثة بحجم حرب ١٥ ابريل؟
هل الذي يجري في مجلس الامن يصب في اطار إدارة الازمة ام حلها؟ ما هي الفائدة الجدية للقرار (١٥٤١ ) في ظل استمرار الحرب؟ نحن نعلم استعداد بعض الدول لاستخدام الفيتو ضده، فما جدوى تقديمه في ظل الانقسام الدولي؟ ما هي آليات تطبيقه ان تم اجازته؟

لماذا تخلت الرباعية عن طرح ما ورد في إعلان المبادىء الصادر عنها في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥ الذي دعا إلى هدنة إنسانية فورية خلال ٣ أشهر وعملية انتقالية تبدأ وتنتهي خلال ٩ أشهر تؤدي إلى حكومة بقيادة مدنية مع استبعاد الحركة الإسلامية. الا يعد ما يجري الآن في مجلس الامن تراجعا عن كل ذلك؟ والركون إلى اجراءات جزئية ما دون وقف الحرب، هل افادت هذه الإجراءات الجزئية في العراق سابقا؟ بل وفي السودان نفسه- وفي دارفور على وجه الخصوص!

القضية الرئيسية هي وقف الحرب وليس اطالتها باداراتها وخلق أمل زائف عند السودانيين عبر اجراءات جربت على مدى ٢٢ عاما ولم تؤدي إلى وضع نهاية لكارثة دارفور أو السودان!

منذ أكثر من عامين كتبت مقالة مسترجعا تجربة الحركة الشعبية وتمكنها من عقد اجتماع مشترك بين الإتحاد الأفريقي ومجلس الامن الدولي في نيروبي، خاطبه القائد الكبير دكتور جون قرنق وعلي عثمان، وتمكن من الدفع بقضية إنهاء الحرب رغم ممطالة المؤتمر الوطني، والآن الا يقع على عاتق القوى الديمقراطية أن تدفع بمبادرة تحتاج لمجهود واسع يبدأ بافريقيا ودول الجوار وأعضاء مجلس الامن الأفريقي والدولي في تقديم خارطة شاملة لوقف وانهاء الحرب وعقد اجتماع مشترك بين مجلسي الامن الأفريقي والدولي يؤدي الى جلب الدعم الروسي والصيني طالما إن الاقتراح مقدم من مجلس الامن الأفريقي إلى مجلس الامن الدولي. هذا القرار يجب ان يكون متكاملا يحافظ على وحدة السودان وسيادته ويوقف وينهي الحرب ولا يعمل على إدارتها.

إن اعلان مبادئ الرباعية يتراجع وتحتل مكانه الإجراءات الجزئية التي تخلي ساحة المجتمع الاقليمي والدولي من وجع الضمير في فشله التعامل مع اكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم، وهي تزداد يوميا ولا بواكي لضحايا الحرب الدائرة الآن في كردفان ودارفور والنيل الازرق، ولا مساعدات للذين عادوا إلى مناطقهم في كل أنحاء السودان. لا يمكن حماية المدنيين دون وقف الحرب ولا يمكن اقامة عملية سياسية للاهثين خلفها دون وقف الحرب.

البحث عن فردوس العملية السياسية لن يتاتي بمعزل عن وقف جحيم الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية وحماية المدنيين وحق الحياة والكرامة للجميع.

دون ثبات إستراتيجي يبني كتلة وازنة على اساس الحلول المستدامة التي لا يمكن الوصول إليها الا بجبهة عضوية ملتزمة بقضايا التغيير وثورة ديسمبر وأن تكون هذه الحرب آخر الحروب، وان نرفض الحلول الهشة وان نعمل على بناء تحالف قادر على جذب المتضررين من الحرب ولا يقبل المساومة مع أطراف الحرب في اطار قسمة السلطة واغفال مخاطبة جذور الازمة.

إن السودان قد فتر من الحلول الجزئية والهشة التي دفع ثمنها شعبه ووحدته ونحتاج للاستفادة من تجارب الماضي الفاشلة والتوجه نحو طريق جديد للنهضة والبناء.

٢٥ اغسطس، ٢٠٢٦

رؤية د. عبدالناصر علي الفكي لـ «صناعة بناء الكراهية في السودان»

بناءً على مقالاته، لقاءاته الإعلامية، ومحاضراته الأكاديمية، يقدم د. عبدالناصر علي الفكي تحليلاً بنيوياً وتاريخياً متكاملاً لظاهرة صناعة الكراهية في السودان، باعتبارها ليست نابعة من طبيعة المجتمع أو تنوعه، بل هي نتاج عمليات ممنهجة ومتراكمة، تمتد لعقود، تقوم بها النظم السياسية، النخب، والقوى الخارجية لتحقيق مصالح ضيقة، وتستخدم فيها الهوية، الموارد، والمعلومات كأدوات للانقسام. وفيما يلي تفاصيل رؤيته الموسعة:
المفهوم الأساسي: الكراهية كـ «صناعة» وليست مشاعر عفوية
يؤكد د. الفكي أننا لا نتحدث عن خلافات طبيعية أو تنوع في الآراء، بل عن «عملية إنتاج وتوزيع منظمة»:
تبدأ ببناء صور نمطية سلبية وتعميمات خاطئة عن مكونات معينة (عرقية، جهوية، دينية، أو سياسية)، ثم تحويلها إلى قناعات راسخة، وتغذيتها بالشك والخوف، وصولًا إلى تبرير العنف والإقصاء.
هذه الصناعة لها أصحاب مصلحة ومحركون، ولا تحدث صدفة؛ فكلما شعرت النخب بتهديد لمصالحها، لجأت إلى تأجيج الكراهية لتحويل انتباه الناس عن مشاكل الحياة والعدالة الاجتماعية إلى عدو «مفترض» من الداخل.
يربط بينها وبين تدمير مفهوم المواطنة المتساوية؛ فالكراهية تُبنى حين يُقسم الشعب إلى «أصحاب حق» و«دخلاء»، أو «أصليين» و«تابعين»، وتُربط الولاء بالقبيلة أو الجهة أو الحزب بدلاً من الوطن ككل.
الجذور التاريخية والبنيوية: أساس تم وضعه مبكرًا
يرجع د. الفكي جذور هذه الصناعة إلى ما قبل الاستقلال، ويرى أنها تراكمت عبر أنظمة الحكم المتعاقبة:
الإرث الاستعماري: ركزت إدارة الحكم البريطاني على سياسة «فرق تسد»، حيث عززت الانتماءات القبلية والجهوية كوسيلة للسيطرة، وأهملت بناء هوية وطنية موحدة، وخلقت فجوات تنموية كبيرة بين المركز والأطراف، مما ولّد شعورًا عميقًا بالتهميش يُستخدم لتأجيج الحقد لاحقًا.
فشل مشاريع الهوية الوطنية: بعد الاستقلال، تبنى النخب الحاكمة رؤى أحادية للهوية (عربية، إسلامية، أو جهوية)، وألغت التنوع الغني للسودان، واعتبرت ما لا يتوافق معها «غريبًا» أو «تهديدًا»، مما عمّق الانقسام بين من يُقبل في «الوطن الرسمي» ومن يُستبعد منه.
تسييس الهوية والانتماء: حولت الأحزاب والقوى السياسية الانتماءات الطبيعية (القبيلة، المنطقة، الدين) إلى قواعد انتخابية وشرائح تصويت، حيث يُعطى الولاء القبلي أو الجهوي أولوية على المصلحة العامة، ويُستخدم الخلاف مع الآخر كأداة لكسب الدعم، حتى لو كان ذلك ببث الكراهية.
الآليات والجهات التي تقود «صناعة الكراهية»
يحدد د. الفكي أطرافًا وأدوات رئيسية تعمل معًا لإنتاج ونشر الكراهية:
النظم السياسية والسلطة
وظفت الأنظمة الديكتاتورية، وخاصة نظام الإنقاذ، خطاب الكراهية لضمان البقاء في السلطة؛ فخلقت عدوًا داخليًا وخارجيًا لتبرير القمع، ووزعت المناصب والموارد على أساس الولاء لا الكفاءة، وأسست لثقافة «من ليس معنا فهو ضدنا».
استخدمت الدولة مؤسساتها كالتعليم والإعلام الرسمي لطمس التاريخ المشترك، وتقديم رواية واحدة تخدم أجندتها، وتشويه صورة المكونات الأخرى.
الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي
أصبحت منصات التواصل اليوم أقوى مصانع الكراهية؛ فبفضل سرعة الانتشار وغياب المراقبة، تُنشر الشائعات والمعلومات المضللة والصور المزيفة، وتُعزز الخوارزميات ما يثير الغضب والانقسام، بدلاً من الحقائق.
الصحف والقنوات الخاصة التي تتبع أجندات حزبية أو خارجية تساهم بدور كبير عبر التبسيط المخل، والتحريف، واستخدام لغة التخوين والتشويه، بدلاً من التحليل الموضوعي.
النخب والقوى المتنفذة
النخب السياسية والقبلية والاقتصادية التي تستفيد من استمرار الانقسام؛ فهي تحافظ على نفوذها ببث الخوف بين مكوناتها من «الآخر»، وتمنع أي تقارب قد يفضح مصالحها الخاصة.
بعض القوى الدينية أو الفكرية التي تُسوغ العنف باسم الدين أو القيم، وتعتبر رأيها هو الحق المطلق، وما سواه باطل أو خيانة.
التدخلات الخارجية
يستغل أطراف إقليمية ودولية الانقسامات السودانية لتحقيق أهدافها، فتمول أو تدعم خطابات تخدم رؤاها، وتُغذي الصراعات لتجعل السودان ساحة تنافس، مما يعزز نزعات العداء بين أبناء الوطن الواحد.
العوامل المسرعة وتأثير الحرب الحالية
يرى د. الفكي أن حرب أبريل 2023 مثلت نقطة تحول خطيرة في تطور هذه الصناعة، حيث:
تُربط الأحداث العسكرية والفظائع بشكل آلي وعشوائي بمجموعات بأكملها، فيُعاقب الفرد على ما فعله غيره، ويتحول الخلاف بين قوتين عسكريتين إلى حرب شاملة بين مكونات المجتمع.
تزايدت الشكوك المتبادلة، وانهارت شبكات الثقة، وانتشرت ثقافة الانتقام الجماعي، مما جعل الكراهية تتجذر في الأجيال الجديدة وتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية.
تدهور مستوى المعيشة والفقر والحرمان يزيد من القابلية لقبول خطابات التخويف والكراهية، حيث يبحث الناس عن مبرر لمعاناتهم، فيُوجهون غضبهم نحو طرف آخر بدلاً من الأسباب الحقيقية.
مظاهر المخاطر والآثار المدمرة
تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار روابط التكافل التي كانت تحمي المجتمع في الأزمات، وانتشار العنف المجتمعي والثأر القبلي.
تعطيل أي فرصة للسلام والتحول الديمقراطي؛ فلا يمكن بناء دولة المواطنة والعدالة على أنقاض الكراهية، بل يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام وربما تفكك الدولة.
تشويه صورة السودان وتاريخه، وطمس الهوية السودانية المتنوعة والغنية التي شكلتها قرون من التفاعل بين مكونات الوطن.
تجهيل الأجيال القادمة وتعليمهم العداء بدلاً من المعرفة والحوار، مما يضمن استمرار حلقة الصراع لعقود قادمة.
رؤيته للمعالجة والتصدي لصناعة الكراهية
يؤكد د. الفكي أن الحل لا يقتصر على معاقبة المتطرفين، بل يتطلب تفكيك البنية التي تُنتج الكراهية، عبر خطوات شاملة:
إعادة بناء مفهوم المواطنة: أساس كل حل هو المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، بحيث لا يُعطى أي امتياز أو يُفرض أي نقص بسبب الانتماء العرقي أو الجهوي أو الديني، واعتبار التنوع ثروة لا تهديدًا.
إصلاح جذري للتعليم: تغيير المناهج لتركز على التاريخ المشترك، قيم التعايش السلمي، الحوار، واحترام الاختلاف؛ وتدريب المعلمين على نشر هذه القيم، وإيقاف أي محتوى يرسخ التحيز أو الكراهية.
مساءلة ومحاسبة: محاسبة من يحرض على الكراهية أو يرتكب الجرائم باسمها، وإصدار تشريعات صارمة تجرم التحريض العنصري والجهوي، مع ضمان حرية الرأي المسؤول لا الحرية المدمرة.
دور الإعلام والمجتمع المدني: إلزام الإعلام بالموضوعية والتحقق، وتشجيع المبادرات التي تجمع بين مكونات المجتمع، وتُعرف الناس ببعضهم البعض، وتكسر الصور النمطية الخاطئة.
عدالة توزيع الموارد: معالجة جذور التهميش والفقر، فالكراهية تنمو حيث يُحرم الناس من العدالة والتنمية؛ فالتنمية المتوازنة هي أقوى جدار ضد الانقسام.
حوار وطني شامل: لا يستثني أحدًا، يعترف بكل المظالم، ويصنع رواية وطنية جامعة تجمع كل السودانيين على قاعدة «سودان واحد، وشعب واحد، ومستقبل مشترك».
الخلاصة
يختتم د. الفكي رؤيته بالتأكيد على أن صناعة الكراهية ليست قدرًا محتومًا، بل هي خيار اتخذته أطراف لها مصلحة في استمرار التخلف والانقسام، ويمكن كسرها إذا اتخذ السودانيون خيارًا آخر: خيار الاعتراف ببعضهم، والعدالة للجميع، والبناء على ما يجمعهم لا ما يفرقهم. فالوطن لا يُبنى بكراهية الآخر، بل بالعمل معه لتحقيق حياة كريمة لكل أبنائه.
هذه الرؤية مستخلصة من مقالاته المنشورة في صحيفة الجماهير، ولقاءاته في راديو دبنقا، ومداخلاته في الفعاليات الأكاديمية والوطنية، وتتوافق تمامًا مع توجهاته في علم الاجتماع السياسي والتحولات المجتمعية.

الثورة فن المستحيلاجتماع اديس ابابا بعيدا عن فن إتقان التنازلات

ياسر عرمان

قيل في الحكي القديم (السياسة فن الممكن) وفي حكي الثورة المستمر فإن (الثورة فن المستحيل) أما حرب ١٥ أبريل فهي (فن هدم الثورة) والحرب هي سقالتها الخشنة، وسقالتها الناعمة هي العملية السياسية، ولان الناس يبحثون عن السلام فإن اشواقهم يمكن توظيفها في عملية سياسية معطوبة بالهشاشة، ومفتوحة نحو حروب جديدة، ونحن نحتاج العملية السياسية ونرفض الهشاشة.

تم توزيع رقاع دعوة الخماسية لاجتماع العملية السياسية في اديس ابابا في ٣ يونيو الجاري لقوى إعلان المبادىء السوداني وقوى تحالف الخرطوم وقوي تحالف تأسيس، والرقاع الموزعة تطرح أسئلة أكثر من إجابات!

اول الاسئلة: هل تبني الخماسية العملية على إعلان برلين وتستمر في اسقاط إعلان الرباعية؟ هل قوي الخرطوم تمثل راي القوات المسلحة؟ هل القادمين من الخرطوم غير متفقين ويرغبون في التمثيل باكثر من كتلة واحدة؟ هل الهدف هو اغراق العملية السياسية؟ هل يريدون تمثيل المؤتمر الوطني وواجهاته؟ ما صلة العملية بضحايا وجرائم دار حامد في شمال كردفان التي لم يجف دمها بعد؟ ما صلة العملية بالكارثة الإنسانية والمدن المحاصرة؟
هل تصميم العملية السياسية يسبق الصور التذكارية؟
هل تنتهي مراسم العملية السياسية بصورة تذكارية ولمة وفواتير جيدة الاعداد للمانحين وقاعات واضواء وحجز مقعد للوسطاء والمدعوين قبل ان يتم تصميم العملية السياسية؟ اليس من واجبنا في القوى المناهضة للحرب التاكد والتأكيد اولا من الهدف النهائي للعملية وإجراءات تهيئة المناخ من طرفي الحرب وماهي اطرافها ومعايير اختيارهم؟ وكيف تدار العملية وصلتها بالكارثة بالانسانية والترتيبات الامنية وحماية المدنيين؟ هل هي عملية ذات مقاربة متكاملة لوقف وانهاء الحرب؟ الا تستدعي كل هذه الأسئلة واخريات لم يتم ذكرها الإتفاق على تصميم العملية قبل دعوة الأطراف والدخول في حوار لا يحمل مقاربة متكاملة ولا يخاطب جذور الحرب؟

نعم للقاء الخماسية والرباعية، ونعم للحذر من الدخول في عملية لا تحمل مقاربة متكاملة وتصميم مكتمل الأركان حتي نضمن استدامة الحلول واستعادة روح الثورة، وهو الشعار الذي رفعته قوى إعلان المبادىء السوداني. ونعم للحفاظ على إعلان المبادىء وإعلان الرباعية واستبعاد المؤتمر الوطني وواجهاته وعدم مكافأة قوى الحرب.

التصميم يجب أن يكون قبل جلوس الأطراف لانه هو الذي يحدد تلك الأطراف، والاغاثة هي المدخل نحو السياسة وحق الحياة والمقاربة المتكاملة هي التي تضمن مصالح الناس في العملية السياسية وعلينا أن نتقن فن الحفاظ على المبادىء والمرونة والثبات الاستراتيجي قبل إتقان فن التنازلات.

بالأمس كانت ثورة ديسمبر تبدو مستحيلة، وبالامس ظن البعض أن الحرب الأهلية ستغرق الثورة الفرنسية، انتهت الحرب وخرجت فرنسا بدولة مدنية ديمقراطية، والصبر مفتاح الثورة والنصر للجماهير والثورة فن المستحيل، وعلى التكتيكات أن لا تبتلع الاستراتيجية.

١ يونيو ٢٠٢٦

🔸حكومةٌ تبحث عن دولة .. وَهْمُ التأسيس وخيبةُ الهامش

🖋️ د. محمـد عثمـان عبـدالله

حينَ يصبح كرسيُّ السلطة أهمَّ وأَقْيَمَ من المجتمع، تبدأُ الهزيمةُ الحقيقية حتى لو رُفِعَتْ آلافُ الشعارات.

عندما أعلن تحالف قوى “التأسيس” حكومته الموازية، بدا الأمر أقرب إلى محاولة للقفز على الواقع منه إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. فالحكومة، في معناها الأساسي قبل أي تعريف دستوري، ليست مجرد بيان سياسي أو توزيع مناصب، بل هي قدرة يومية على تدبير حياة الناس: أن تفتح مدرسة مستقرة بأساتذتها وكتبها، وجامعات تعيد بناء الأجيال، ومستشفى يعالج المرضى بدلاً من أن يموتوا على أبوابه، وبئر ماء تحفظ حياة الناس ومواشيهم، وشرطة تحمي الناس من الفوضى، واقتصاد يؤمن لهم الحد الأدنى من الكرامة.

في ضوء ما كشفته تجربة “التأسيس” خلال الفترة السابقة من أخطاء فادحة وتعثرٍ واضحٍ، وانعدام رؤية، وبنية هشة ووعودٍ لم تصمد أمام الواقع، كان يمكن لهذا التحالف أن يكون أكثر صدقاً مع ذاته ومجتمعاته وأكثر انسجاماً مع الواقع، لو قدّم نفسه باعتباره حركةً سياسيةً عسكريةً ثوريةً تناضل من أجل حقوق الهامش التاريخي، وتضغط لتحقيق العدالة والتنمية وإنهاء احتكار السلطة والثروة، مع السعي الجاد لإسقاط سلطة المركز وطرح مشروعٍ بديلٍ للدولة القديمة في الخرطوم. عندها كان سيبدو أقرب إلى الواقع، وأقلَّ اصطداماً بالحقائق على الأرض وتعقيداتها، بدل القفز مباشرةً إلى مرتبة الدولة دون امتلاك مقوماتها الفعلية.

لذلك كان الأجدر بهذا التحالف، وهو يدرك محدودية إمكانياته وهشاشة البيئة المحيطة به، أن يعرِّف نفسه كحركة معارضة أو قوة مسلحة تدافع عن المجتمعات الواقعة تحت سيطرتها، لا كحكومة كاملة السيادة. فالدولة ليست اسماً يُعلن، بل قدرة فعلية على الإدارة والسيطرة وتقديم الخدمات وحماية المجتمع. والمشكلة أن السياسة، حين تنفصل عن الواقع، لا تنتج دولةً حقيقيةً، بل تصنع أوهاماً ثقيلة الكلفة يدفع الناس ثمنها لاحقاً، وهذا ما يحدث غالباً عندما يتصدر المشهد الناشطون والمغامرون السياسيون أكثر من رجال الدولة وأصحاب الرؤية الواقعية.

وتشير كثيراً من الوقائع والمؤشرات إلى أن هذه الحكومة قد لا تسعى أصلاً إلى أن تكون بديلاً لحكومة الخرطوم، بل يبدو أنها تريد أن تكون حكومة مستقلة تمهد لقيام دولة جديدة. فمنذ انسحاب قواتها من الخرطوم قبل أكثر من عام كامل، لم تشن أي هجوم بري جاد باتجاه مناطق سيطرة الجيش، ولم تحاول كسب أي أراضٍ جديدة على الإطلاق. بل ركزت جميع عملياتها داخل مناطق نفوذها فقط، وكأنها تعمل على ترسيخ كيان منفصل. هذا السلوك يوحي بأنها قد تكون تخدع المواطنين وتبيعهم وهماً كبيراً: وَهْم أنها تقاتل من أجل السودان كله، بينما هي في الواقع على الأرجح تبني كياناً انفصالياً ببطء.

والأعمق من ذلك أن هذه السلطة المعلنة تفتقر إلى بنية تحتية حقيقية، وإلى اقتصاد مستدام، وإلى جهاز إداري متماسك، وحتى إلى اعتراف دولي ذي وزن. كما أنها لم تستطع حتى الآن فرض احتكارها على القوة داخل مناطق سيطرتها، حيث تتحرك التشكيلات المسلحة المختلفة بحرية دون قيادة موحدة أو عقيدة عسكرية مشتركة. وكان لافتاً أن كثيراً من التعيينات الهزيلة التي رُوِّج لها على أنها “بداية عهد جديد” حملت الاسلوب ذاته للمحاصصات والتوازنات غير المهنية التي طالما انتقدتها في نخب المركز وحملت السلاح ضدها.

وربما لهذا السبب بدأ كثير من أبناء الهامش يشعرون بخيبة أمل ثقيلة. فبعد عقود طويلة من انتظار الخلاص من تهميش المركز، اكتشفوا أن الذين تحدثوا باسمهم من بني جلدتهم لم يكونوا فيما يبدو يبحثون عن وطن مختلف، بقدر ما كانوا يتهافتون بحثاً عن طريق مختلف وقصير إلى السلطة.

فكثير من المثقفين والسياسيين والناشطين الذين رأوا في دعم “حكومة التأسيس” فرصة لكسر احتكار المركز التاريخي للسلطة، بدأوا يشعرون أن القضية قد تنحرف تدريجياً من مشروع عدالة إلى مشروع حُكم. وهذه قد تكون اللحظة التي تبدأ فيها أي فكرة كبيرة بفقدان معناها الأخلاقي؛ حين تتحول معاناة الناس إلى رأسمال سياسي، وحين تصبح دماء المجتمعات وسيلة للصعود لا قضية للتحرر.

قبل الإعلان عن الحكومة، جرى الترويج الكثيف لوجود وعود باعتراف دولي فوري بها، كأن الشرعية يمكن استيرادها بالشائعات. غير ان الأيام مضت متثاقِلة، ولم يتحقق من ذلك شيء بالصورة التي بُشِّر بها الناس، فانكشفت هشاشة تلك الوعود. لم تندفع اي دولة من العالم للاعتراف بها، ولم تتعامل دول الإقليم معها كحكومة حقيقية. وحتى تلك الدول التي تُبدي تعاطفاً معها ما تزال تنظر إليها كحركة سياسية أو عسكرية بلا تمثيل دبلوماسي.
والسبب فيما يظهر بسيط: العالم لا يعترف بالشعارات، بل بوقائع القوة والاستقرار والقدرة على إدارة الأرض والناس. وواقع هذه السلطة يشير إلى أنها عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية في مناطق نفوذها، ناهيك عن تحقيق اختراقات دبلوماسية خارجية معقولة. فلا اعتراف يُمنح لكيان يفتقر إلى مؤسسات مستقرة، أو اقتصاد فاعل، أو قدرة حقيقية على فرض الأمن وإدارة حياة المدنيين؛ وهو ما فشلت “حكومة التأسيس” في إثبات عكسه للعالم حتى الآن.

الناس قد تنخدع لفترة بالخطابات الحماسية، لكنها سرعان ما تعود لتقييم الأمور بحسب واقع حياتها اليومية. عندها، لا أحد من المواطنين يهتم بخطابات القادة الثورية ووعودها البرَّاقة حين تنعدم المياه والدواء والامن، ولا يهمّه المؤتمرات الاعلامية او بالبيانات الصحفية إذا كانت الطرق مليئة بالنازحين والأطفال الجائعين والمرضى الذين لا يجدون الرعاية الصحية.

هناك لحظة في كل حرب يصبح فيها الكلام عاجزاً عن إخفاء الحقيقة. حقيقة غرب السودان اليوم، بحسب ما تظهره المؤشرات، أن المجتمعات المنهكة هناك لم تعد تبحث عن حكومات شكلية أو انتصارات إعلامية، بل عن أي فرصة حقيقية لاستعادة حياة طبيعية: مدارس وجامعات مفتوحة، مزارع وطرق آمنة، ومستشفيات متخصصة ومتوفرة. أما أي حلم سياسي مثالي لا يستطيع حماية الإنسان العادي أو تقديم الخدمات له، فإنه مع الوقت قد يتحول إلى كابوس بطيء، وخدعة مؤلمة، مهما بدت شعاراته برَّاقة في البداية.

البيان الختامي لإجتماعات قوى إعلان المباديء السوداني نحو بناء وطن جديد


قوى إعلان المبادئ السوداني
نحو بناء وطن جديد

طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة
الاجتماع الثاني
22- 23 مايو 2026
البيان الختامي

تنبثق الإرادة من رحم الألم
في ظلّ حربٍ ثقيلة الوطأة، وعلى وقع نيران تُحرق وتُزهق الأرواح، ومع كلِّ صرخة طفلٍ ييّتم وامرأةٍ اقتُلعت من بيتها، ورجلٍ استبيحت كرامته، في هذا الجو الآسن، اجتمعت قوى إعلان المبادئ السوداني- نحو بناء وطنٍ جديد في لقائها الثاني، رافعة لراية الثورة والتي ظل يرفعها الشعب السوداني، حتى تُوجت بثورة ديسمبر المجيدة، والتي لم تزدد إلا اشتعالاً كلما أراد أعداؤها إطفاءها.
أكثر من ثلاثة أعوام مضت على حرب الخامس عشر من أبريل اللعينة، التي اشعلها نظام المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية، وأطال أمدها طرفان يتناحران على أجساد بنيّ السودان، وهما من دبرا مؤامرات اقتلاع ثورة ديسمبر لاستئصال تطلعات الشعب نحو الحرية والسلام والعدالة. حرب أنتجت أكبر أزمة نزوح في العالم، وأمعنت في تمزيق النسيج الوطني، ووظّفت خطاب الكراهية والعنصرية والنعرات القبلية والمناطقية سلاحاً خبيثاً لتفتيت ما بقي من الوطن. حرب حصدت أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء، وشرّدت الملايين من اهل السودان بين نازح في الداخل ولاجئ في بلدان الجوار، وأفضت إلى انهيار المنظومة الصحية والتعليمية والمعيشية والخدمات الأساسية، وشبح المجاعة كل يوم يطرق أبواب ملايين الأسر العفيفة، في مشهد إنساني لم تعرف له بلادنا مثيلاً في تاريخها. غير أن السودان — شعبه وأرضه وإرادته — أكبر من كل المؤامرات وأصلب من كل الحرائق.

الوثائق الاستراتيجية: نحو بناء وطن جديد
خرج اجتماع قوى إعلان المبادئ السوداني الثاني بما يليق بثقل المرحلة؛ إذ أجاز الاجتماع واعتمد عدداً من الوثائق التي تشكّل استراتيجية متكاملة لوقف الحرب وإنهائها، والانتقال المدني الديمقراطي، وبناء سودان الحرية والسلام والعدالة.
فقد أجاز الاجتماع:
أولاً: ميثاق قوى اعلان المبادئ السوداني، والذي يمثّل تطويراً وتعميقاً لإعلان المبادئ الصادر في الاجتماع الأول للقوى المجتمعة في نيروبي في السادس عشر من ديسمبر 2025.
ثانياً: خارطة طريق وقف وإنهاء الحرب – نحو طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة- والتي تُترجم في مسارات عملية متزامنة ومتشابكة قضايا العملية الإنسانية، وقف اطلاق النار المؤقت والنهائي، والعملية السياسية.

العملية السياسية: شرط المصداقية والملكية الوطنية
أكد المجتمعون أن العملية السياسية التي تسعى إليها قوى اعلان المبادئ السوداني ليست مجرد تسوية أخرى بين الأطراف المتناحرة، بل هي عملية عميقة تعالج أسباب الحروب السودانية من جذورها، وتحقق قطيعة نهائية مع منطق الحلول الهشة والمصالحات الزائفة التي أفرزت حرب الخامس عشر من أبريل الكارثية. وتقوم هذه العملية على عدة محاور لا تنازل عنها.
في مقدمتها، أن تكون العملية السياسية مصممة بإرادة سودانية خالصة، بمشاركة واسعة من القوى المدنية المناهضة للحرب، وان نجاحها يتطلب اعتماد مقاربة ونهج متكاملين في تصميمها، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول مستدامة، ويحميها من التخريب، وان تقوم على إجراءات وخطوات واضحة لتهيئة المناخ، وإعلان للمبادئ، وأسس للمشاركة، وتحديد دقيق للأطراف، والآليات. وشدد المشاركون في الاجتماع بألا تُكافئ العملية السياسية من أشعلوا هذه الحرب — وفي مقدمتهم المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما — بل محاسبتهم على ما اقترفوه من دمار، إذ إن الإفلات من العقاب لن يُنتج إلا مزيداً من الحروب، وأن تُفضي العملية السياسية إلى نتائج ملزمة وواضحة لكل الاطراف تشمل اتفاق سلام نهائي شامل، ودستوراً انتقالياً، ومنظومة أمنية وعسكرية وطنية موحدة تذوب فيها كل الميليشيات والجيوش.
شدّد الاجتماع على أهمية التشاور المنظم مع آليات الوساطة الدولية والإقليمية في كافة خطوات تصميم العملية السياسية، وضرورة توحيد المنابر الخارجية في منبر واحد مستند إلى خارطة طريق الرباعية الصادرة في سبتمبر 2025، رافضاً منهج تسوق وشتات المنابر المتعددة التي أضعفت مساعي السلام وأطالت معاناة المواطن والوطن.

وحدة السودان: الثابت الذي لا يُمَسّ
مواجهة الخطر الأشد فتكاً على مستقبل السودان — خطر التقسيم والتشظي والتفكك الذي تسير نحوه البلاد بعد تبعثر المجتمع وانهيار الدولة، أعلن اجتماع قوى اعلان المبادئ السوداني بصوت لا لبس فيه ولا مواربة: ان وحدة السودان شعباً وأرضاً وسيادةً كاملة على أرضه ومواردِه ومجاله الجوي والبحري ثابتٌ راسخ لا تجوز المساومة عليه، ولا يقبل نقاشاً أو مناورة.
واكدت القوى المجتمعة وقوفها على التضاد من خطاب الكراهية والعنصرية والتحريض القبلي والمناطقي المُستخدم لتمزيق الوجدان والضمير السوداني وزرع الأحقاد بين أبناء الوطن الواحد — واعلنت موقفها الرافض له ومقاومته الشاملة وبكل السبل. فالسودان وطنٌ تعدّده ثروةٌ وغنى، وتنوعه الإثني والثقافي واللغوي والديني كنزٌ تاريخي تتباهى به الأجيال؛ وكل من يستثمر في الكراهية لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية فإنه يرتكب جريمة بحق الوطن والمواطن(ة) والتاريخ، وسيُساءل عن هذه الجريمة أمام الشعب السوداني وأمام محاكم العدالة— ولنا في ذهاب جنوب السودان عنا خسارة فادحة.
نقول لهؤلاء جميعاً: ان السودان لن يكون مشروع تقسيم من أي جهة كانت. هو وطن يتّسع للجميع ويحتضن التنوع دون أن يذوب فيه، ويحتفي بالاختلاف دون أن ينقسم عليه. وهذا ما تدافع عنه قوى إعلان المبادئ السوداني بكل ما أوتيت من قوة وإرادة.
الجبهة المدنية: فريضة عين
حين تكون الحرب في بيتك وعلى أرضك، وعرضك، وحين تمسّ نيرانها المستعرة الظالمة الأخضر واليابس دون تمييز — يصبح العمل المشترك والتنسيق فريضةً لا تقبل التأجيل، وواجباً وطنياً لا تتسع له الخلافات الفرعية والمصالح الضيقة.
لذا، فقد قرّر اجتماع قوى اعلان المبادئ السوداني أن تعزيز وتمتين التنسيق بين قواه قد غدا فرض عين على كل التنظيمات السياسية والمدنية وفئات المجتمع الرافضة لهذه الحرب والمكتوية بنيرانها. والطريق يستوجب ببناء الكتلة الثالثة، الجبهة المدنية الواسعة لمناهضة الحرب، التي تجمع كل قوى الثورة والسلام والديمقراطية في صفٍّ واحد متماسك، يُلاحق أطراف الحرب وحلفائهما جماهيرياً وسياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً، وبكل وسائل العمل السلمي المدني المجرب. فصوت الجماهير الرافضة للحرب هو السلاح الحقيقي في بناء حركة السلام السوداني. وشدد المجتمعون بانهم(ن) سيعملون بلا كلل على استكمال هذا البناء المصيري.
اكدت قوى اعلان المبادئ السوداني، في هذا السياق، أنها ليست نادياً مغلقاً تحتكر فيه الرأي وتستأثر بالقرار، بل بيتٌ مفتوح لكل القوى المدنية الديمقراطية التي تشاطرها رفض الحرب والالتزام بمبادئ الانتقال المدني الديمقراطي والتمسك بروح واهداف الثورة. وفي هذا الإطار، ناقش الاجتماع تقرير لجنة متابعة طلبات الانضمام إلى إعلان المبادئ السوداني، وكلّف لجنته التحضيرية بالتواصل مع التنظيمات والقوى التي تقدمت بطلبات الانضمام، تمهيداً للبتّ فيها عبر الإجراءات والمعايير المتفق عليها. فالجبهة التي نبنيها إنما تكبر وتتعاظم بكل من يؤمن بالسودان وطناً جديداً موحداً للجميع.

للسودانيين الصامدين: أنتم قلب الثورة وروحها
إلى كل سوداني وسودانية يحمل ثقل هذه الحرب على روحه وكتفيه — في مخيمات النزوح المكتظة، وفي أحياء المدن المحاصرة، وفي القرى التي لم يبقَ فيها إلا الصمت، وفي المنافي البعيدة — تُعلن قوى إعلان المبادئ السوداني تضامنها الكامل وغير المنقوص مع كل ضحية سقطت في هذه الحرب الظالمة، ومع كل أسرة شُتِّتت، وكل طفل حُرم من طفولته، وكل امرأة انتُهكت كرامتها، وكل رجل أُذلّ.
صمودكم الأسطوري طيلة هذه السنوات الثقيلة هو الحجة الدامغة على أن إرادة شعب السودان أكبر من كل الحروب. أنتم الذين حافظتم على إنسانيتكم بالتكافل واقتسام النبقة؛ أنتم الذين شكّلتم وعبأتم لجانكم ومبادراتكم المجتمعية، وأضأتم شموع الأمل في عتمة الدخان وزعيق المدافع والمسيرات — أنتم روح الثورة التي لا تموت وعماد الوطن الجديد الذي نبنيه معاً.
اننا نقدم الدعوةً صادقة، إلى القوى والتنظيمات المدنية الديمقراطية كافة، وإلى الشعب السوداني المكتوي والرافض لهذه الحرب اللعينة، للانخراط في مسار موحّد ، تسعى في تطويره قوى اعلان المبادئ السوداني، يجمع الإرادات ويوحّد الجهود لوقف وإنهاء هذه الحرب، بتكامل مساراتنا معاً نحو الوطن الجديد الذي يستحقه شعبنا.
ونناشد كل القوى الإقليمية والدولية والمنظمات الإنسانية وقوى السلام في كل مكان أن تقف في صفّ واحد مع انسان وشعب السودان المنكوب، وأن تُسخِّر كل طاقتها الدبلوماسية والإنسانية لوقف هذا النزيف المستمر. فالتاريخ لا يرحم المتفرجين على جرائم الحرب.
الطريق طويل لكنه ليس مجهولاً. الإرادة حية ولن تموت. السودان الذي نريده — وطن جديد، سودان الحرية والسلام والعدالة، كما خلدته ثورة ديسمبر المنتصرة.


قوى إعلان المبادئ السوداني- نحو بناء وطن جديد
مايو 2026

خارطة طريق: طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة

الاستاذ/ياسر عرمان

رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان التيار الثوري

في الجلسة الثالثة من اليوم الثاني لاجتماعات القوى الموقعة على إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد بالعاصمة الكينية نيروبي، قدّم الورقة الاستاذ ياسر عرمان و عقب عليها الأستاذ بابكر فيصل ورقة بعنوان “خارطة طريق: طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة”، تناولت أسس العملية السياسية المطلوبة لإنهاء الحرب وبناء دولة مدنية ديمقراطية في السودان.

وأكدت الورقة أن الأزمة السودانية لا يمكن معالجتها عبر تسويات جزئية أو صفقات بين أطراف الحرب، بل من خلال عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتستند إلى العدالة والديمقراطية والمواطنة المتساوية، مع ضمان المشاركة الواسعة للقوى المدنية والشباب والنساء.

وطرحت الورقة ثلاثة مسارات متزامنة لإنهاء الحرب، تشمل المسار الإنساني لفتح الممرات الآمنة وحماية المدنيين وعودة النازحين، ومسار وقف إطلاق النار تمهيدًا لاتفاق شامل ومستدام، إلى جانب المسار السياسي الذي يناقش قضايا الحكم والدستور والعلاقة بين الدين والدولة وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية.

وشددت الورقة على ضرورة تهيئة المناخ للعملية السياسية عبر إجراءات عاجلة، من بينها إطلاق سراح المعتقلين، ورفع الحصار عن المدن، ووقف الانتهاكات، وضمان حرية الحركة والعمل السياسي، إضافة إلى توسيع الفضاء المدني وإشراك القوى المناهضة للحرب في تصميم العملية السياسية.

كما أكدت أن أي عملية سياسية ذات مصداقية يجب أن تقوم على محاسبة المتورطين في جرائم الحرب وعدم الإفلات من العقاب، مع تفكيك منظومة الحرب وبناء جيش وطني مهني موحد، ورفض عودة هيمنة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني على الدولة.

وتضمنت الخارطة مقترحًا لتشكيل لجنة تحضيرية تضم ممثلين للأطراف المختلفة، تتولى وضع أسس الحوار السياسي وتحديد معايير المشاركة وآليات التفاوض، وصولًا إلى اتفاق يؤسس لفترة انتقالية مدنية ودستور دائم.

وشدد مقدما الورقة على أن نجاح العملية السياسية يتطلب توحيد المنابر والمبادرات المدنية، وبناء شراكة إقليمية ودولية داعمة، إلى جانب توسيع المشاركة الشعبية باعتبارها الضامن الحقيقي لأي اتفاق سياسي مستدام يقود إلى السلام واستعادة مسار الثورة.

الوطن ليس حضنا لأحد

بقلم/عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان

هل اختصر السودان الذي كان يسمى بلد المليون ميل مربع في مساحة حضن سياسي ضيق؟
وهل صار الوطن بعد انفصال الجنوب مجرد غرفة بيانات ومؤتمرات صلح وخطابات ولاء؟

وهل فقد السودان ما فقده من ارض وتاريخ ثم لم يتعلم شيئا من نزيف الانقسام؟

وهل اصبح السؤال عن حلايب وشلاتين تهمة بينما يسمح باختزال الوطن كله في اشخاص؟

وهل الوطن الذي عجزت الحرب عن حمايته يمكن ان تحميه المصطلحات؟

وهل الذي يتحدث عن حضن الوطن يشعر بوجع الامهات في معسكرات النزوح؟
وبصوت الجوعى والمشردين تحت سماء السودان المفتوحة؟

وهل ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم واهلهم خارج هذا الحضن ام ان الوطن الحقيقي ما زال يسكن في قلوب البسطاء لا في مكاتب السلطة؟

وهل الوطنية اصبحت بطاقة تمنح لمن يقترب من الحاكم وتسحب ممن يختلف معه؟
وهل الوطن ملك لشعب كامل ام صار امتيازا سياسيا يمنح باسم الولاء؟

في زمن الحرب السودانية ظهرت مصطلحات كثيرة تحاول ان تعيد تعريف الدولة والوطن والمواطنة خارج معناها الحقيقي وواحد من اخطر هذه المصطلحات هو مصطلح حضن الوطن ذلك التعبير الذي يتم استخدامه سياسيا واعلاميا وكأنه بوابة تمنح صك الوطنية وتسقط عن البعض صفات الاتهام والخيانة والتمرد بمجرد اعلان الولاء للسلطة او الاقتراب من مركز القوة

لكن السؤال الذي يجب ان يطرح نفسه بوضوح
من يملك الوطن حتى يفتح له حضنا ويغلقه في وجه الآخرين؟

وهل السودان وطن كامل بحدوده المعروفة وشعبه وثقافته وتاريخه ام انه اصبح مجرد مساحة سياسية مرتبطة بشخص القائد او السلطة الحاكمة؟

الوطن في المفهوم الدستوري والسياسي ليس قائدا ولا مؤسسة عسكرية ولا حزبا سياسيا الوطن هو السودان بكل جغرافيته وهو الشعب السوداني بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية والاثنية والدينية وهو الارض والتاريخ والسيادة والقانون والحقوق العامة

لذلك يصبح من الخطير جدا اختزال الوطن في حضن قائد الجيش او في دائرة الولاء السياسي لأن هذا الاختزال لا يصنع دولة بل يصنع سلطة فوق الدولة ويحول الوطنية من حق دستوري متساو لكل المواطنين الى امتياز يمنح لمن يقترب من مركز النفوذ

فهل الوطنية تقاس بالقرب من السلطة ام بالالتزام بالقانون؟

وهل المواطن الذي يعيش في معسكر نزوح او تحت القصف او في مخيم لجوء يفقد وطنيته لأنه لا يملك صورة مع مسؤول او بيانا سياسيا يعلن فيه الولاء؟

وهل الذين تشردوا وفقدوا منازلهم واهلهم اقل وطنية من الذين يظهرون في مؤتمرات الصلح والاعلام؟

اذا كان الوطن هو السودان فكيف يصبح باب الوطن محصورا في مكتب قائد
وكيف تتحول العودة للوطن الى اجراء سياسي بدلا من ان تكون حقا طبيعيا لكل سوداني؟
ومن منح اي جهة الحق في توزيع شهادات الوطنية واتهامات الخيانة حسب المواقف السياسية والانتماءات؟

الاخطر من ذلك ان مصطلح حضن الوطن اصبح يستخدم احيانا كبديل غير معلن لفكرة العدالة والمحاسبة فبدلا من السؤال عن الجرائم والانتهاكات والمسؤولية القانونية يجري تقديم مشهد المصالحة السياسية باعتباره نهاية كافية لكل شيء وكأن الدماء والضحايا والنازحين مجرد تفاصيل يمكن تجاوزها بخطاب عاطفي او مؤتمر صحفي

لكن هل تسقط الجرائم السياسية والجنائية بالولاء؟
وهل يمكن للقانون ان يعمل على الضعفاء فقط بينما تتحول الحماية السياسية الى وسيلة لاعفاء البعض من المحاسبة؟
واي دولة يمكن ان تقوم اذا شعر المواطن ان العدالة لا تتحقق بالقانون بل بالقرب من السلطة؟

القانون الجنائي لا يعرف مصطلح حضن الوطن ولا يمنح حصانات على اساس الولاء السياسي بل يقوم على مبدأ المسؤولية الفردية والمحاسبة وسيادة القانون لذلك فإن تحويل المصطلحات السياسية الى بديل للقضاء يمثل خطرا مباشرا على فكرة الدولة نفسها لأن الدولة التي لا تحاسب الجميع بمعيار واحد تتحول تدريجيا الى ساحة نفوذ لا وطن مؤسسات

ثم ماذا عن اللغة التي صاحبت الحرب
لماذا انتشرت مفردات التخوين والعنصرية والجهوية والقبلية بصورة غير مسبوقة
ولماذا اصبح السوداني يتهم في وطنيته على اساس قبيلته او منطقته او موقفه السياسي
ومن الذي استفاد من تحويل الخلاف السياسي الى معركة هوية وانتماء

الذي يدعي الوطنية الحقيقية لا يستخدم خطاب الكراهية ولا يصنف السودانيين الى وطني وخائن على اساس الجهة او القبيلة او الانتماء السياسي لأن الوطنية ليست ملكا لمجموعة ولا لمدينة ولا لمؤسسة عسكرية بل هي رابطة قانونية واخلاقية تجمع كل السودانيين دون تمييز

الوطنية لا تعني التصفيق للحرب ولا تبرير الانتهاكات ولا اسكات الاسئلة الوطنية الكبرى
الوطنية الحقيقية تعني الدفاع عن وحدة السودان وكرامة انسانه وحقه في العدالة والمساواة والامن والسلام
والوطنية الحقيقية لا تحتاج الى حضن قائد حتى تثبت وجودها لأن من يحب وطنه لا ينتظر شهادة من سلطة ولا مباركة من مسؤول

السودان لا يحتاج الى مصطلحات تجميلية تخفي الازمة بل يحتاج الى مشروع وطني حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على اساس الحقوق لا الولاء وعلى اساس العدالة لا الحماية السياسية وعلى اساس المواطنة لا الجهوية والاقصاء

فالاوطان لا تبنى بالاحضان السياسية ولا بالخطابات العاطفية ولا بتوزيع صفات الوطنية والخيانة
الاوطان تبنى حين يشعر المواطن ان القانون يحميه مهما كان ضعيفا ويحاسب غيره مهما كان قويا
وتبنى حين يصبح السوداني سودانيا بحق الدستور لا بحق القرب من السلطة
وحين يدرك الجميع ان السودان اكبر من الاشخاص واكبر من الحكومات واكبر من الحرب نفسها

وحتى يحدث ذلك سيظل السؤال قائما
هل الوطن وطن لكل السودانيين
ام انه ما زال محصورا داخل حضن السلطة بينما يقف ملايين السودانيين خارج الباب ينتظرون دولة تعترف بهم مواطنين لا تابعين

نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ
22 /مايو /2026

حرب بلا قانون ولا كرامة

بقلم

عبدالعزير بخات المحامي
والمدافع عن حقوق الإنسان

في ظل نزاع طال امده وتفاقمت فيه معاناة المدنيين لم يعد الحديث عن الحرب مجرد توصيف عسكري بل اصبح مسألة قانون وعدالة وحق في الحياة استمرار العمليات القتالية في السودان منذ 15 04 2023 ادى الى انهيار منظومات الحماية المدنية وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة وتوسع نطاق الانتهاكات الجسيمة التي تمس جوهر الكرامة الانسانية ان القاعدة الاصل في القانون الدولي الانساني تقوم على حماية المدنيين وتقليل اثار النزاع لا تحويله الى وسيلة للفناء الجماعي وعليه فان وقف الحرب لم يعد خيارا سياسيا قابلا للتأجيل بل التزام قانوني واخلاقي تفرضه نصوص اتفاقيات جنيف ومبادئ حقوق الانسان ويستدعي ارادة حقيقية لوقف اطلاق النار وفتح مسارات الاغاثة وضمان المساءلة وعدم الافلات من العقاب باعتبار ان اي سلام لا يقوم على العدالة يظل هدنة هشة قابلة للانهيار

ملف قانوني سياسي حول الجرائم المرتكبة في النزاع المسلح الذي اندلع في 15 04 2023 يقوم على توصيف الانماط الاجرامية استنادا الى قواعد القانون الوطني والقانون الدولي الانساني والقانون الجنائي الدولي مع التأكيد ان تحديد المسؤولية الجنائية الفردية يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة

تحديد الفاعلين يتم وفق مبادئ المسؤولية الجنائية المعترف بها دوليا حيث تخضع القوات المسلحة السودانية بمختلف تشكيلاتها لمبدأ مسؤولية القيادة وفقا للمادة 28 من نظام روما الاساسي التي تقرر مساءلة القائد اذا علم او كان ينبغي ان يعلم بوقوع الجرائم ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها او معاقبة مرتكبيها كما تنطبق احكام المسؤولية الجنائية الفردية والمساهمة المشتركة وفقا للمادة 25 من النظام ذاته على كل من شارك او ساهم في جماعة تعمل بقصد اجرامي مشترك بما في ذلك التشكيلات ذات الطابع الايديولوجي او شبه النظامي المرتبطة بالحركة الاسلامية

الانماط الموثقة للجرائم خلال الفترة من 2023 الى 2026 تتسق مع اوصاف جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية كما وردت في نظام روما الاساسي حيث يشكل القتل العمد للمدنيين جريمة بموجب المادة 130 من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991 ويقابله في القانون الدولي نص المادة 8 2 ا 1 من نظام روما التي تجرم القتل العمد في سياق النزاع المسلح كما قد يندرج الفعل تحت المادة 6 اذا ثبت القصد الخاص بتدمير جماعة محمية كليا او جزئيا

كما ان الاستهداف العشوائي او المتعمد للمناطق المدنية يخالف احكام القانون الوطني بما في ذلك القواعد المنظمة لسلوك القوات المسلحة ويقع تحت طائلة المادة 8 2 ب 1 من نظام روما التي تحظر توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين ويتعارض مع المادة 51 من البروتوكول الاضافي الاول لاتفاقيات جنيف التي تقرر مبدأ التمييز وحظر الهجمات العشوائية

التعذيب والاختفاء القسري يشكلان انتهاكا للاحكام الدستورية والقانونية الوطنية التي تحظر المساس بالحرية الشخصية والكرامة الانسانية كما يندرجان ضمن الجرائم ضد الانسانية وفقا للمادة 7 1 و من نظام روما وكذلك يخالفان اتفاقية مناهضة التعذيب لسنة 1984 التي تلزم الدول بمنع التعذيب والمعاقبة عليه

العنف الجنسي الممنهج بما في ذلك الاغتصاب والاستعباد الجنسي مجرم وطنيا بموجب المادة 149 من القانون الجنائي السوداني ويشكل جريمة ضد الانسانية وجريمة حرب بموجب المادتين 7 1 ز و 8 2 هـ 6 من نظام روما عندما يرتكب في اطار هجوم واسع النطاق او منهجي ضد السكان المدنيين او في سياق نزاع مسلح

تدمير الاعيان المدنية والمحمية بما في ذلك المنشآت الصحية والتعليمية والثقافية يخالف احكام القانون الجنائي الوطني المتعلقة بالاتلاف الجنائي ويتعارض مع المادة 8 2 ب 9 من نظام روما التي تحظر توجيه الهجمات ضد المباني المخصصة للاغراض المدنية والثقافية كما يخالف اتفاقية لاهاي لسنة 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية

تجنيد الاطفال دون السن القانوني يمثل انتهاكا لقانون الطفل لسنة 2010 ويشكل جريمة حرب بموجب المادة 8 2 هـ 7 من نظام روما والبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الاطفال في النزاعات المسلحة

النهب واستخدام التجويع كسلاح حرب يعدان من الجرائم المعاقب عليها وطنيا بموجب احكام النهب في القانون الجنائي ويقعان تحت طائلة المادة 8 2 ب 25 من نظام روما التي تجرم تعمد تجويع المدنيين بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم كما يخالفان المادة 54 من البروتوكول الاضافي الاول

من حيث مستويات المساءلة يظل القانون الوطني السوداني الاطار الاصلي للملاحقة الجنائية عبر نصوص القانون الجنائي لسنة 1991 وقانون القوات المسلحة لسنة 2007 ووثيقة الحقوق لسنة 2005 غير ان فعالية هذا المسار تتأثر بمدى استقلال القضاء وقدرته على الاضطلاع بوظيفته في ظل النزاع

القانون الدولي الانساني الملزم للسودان بموجب اتفاقيات جنيف الاربع لسنة 1949 وخاصة المادة 3 المشتركة يحظر القتل والتعذيب والاعتداء على الكرامة والمعاملة القاسية والاحكام دون محاكمة عادلة وكل انتهاك جسيم لهذه القواعد يشكل جريمة حرب تستوجب المساءلة

القانون الجنائي الدولي ممثلا في نظام روما الاساسي يوفر اطارا للمساءلة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية وعلى الرغم من ان السودان ليس طرفا في النظام فان احالة مجلس الامن لملف دارفور بموجب القرار 1593 تتيح للمحكمة الجنائية الدولية ولاية على الجرائم ذات الصلة كما ان مبدأ الولاية القضائية العالمية يتيح لبعض الدول ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة

الدفع بتنفيذ اوامر الرؤساء لا يعفي من المسؤولية الجنائية عندما تكون عدم مشروعية الامر ظاهرة وذلك وفقا للمادة 33 من نظام روما كما لا يشكل الامر بارتكاب افعال مجرمة واجبا قانونيا وفقا للمادة 11 من القانون الجنائي السوداني وبالتالي تظل المسؤولية قائمة على المنفذ والآمر على السواء

التوثيق الذي اضطلعت به آليات اممية ومنظمات حقوقية وطنية ودولية حتى عام 2026 بما في ذلك تقارير بعثات تقصي الحقائق واعلانات مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية يشكل اساسا موضوعيا لبناء ملفات الادعاء ويعزز فرص المساءلة مستقبلا عبر القضاء الوطني او الدولي

الخلاصة ان الانماط الموصوفة تمثل وفق التكييف القانوني جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وقد ترقى في بعض السياقات الى ابادة جماعية متى توافر القصد الخاص وان عدم تحقق العدالة الفورية لا يسقط المسؤولية ولا يمحو الحق اذ تظل هذه الجرائم غير قابلة للتقادم وتبقى خاضعة للملاحقة الى حين تحقق المساءلة القضائية وفقا للقانون الوطني او الدولي

نواصل
بمشيئة الله
بتاريخ
4/مايو /2026


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493