9.2 C
New York
الإثنين, أبريل 20, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 3

بيان صحفي صادر عن الأمانة العامة لحركة الإصلاح والتجديد

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء، نتقدم بخالص التقدير والشكر للسيد القائد الفريق أول محمد حمدان دقلو، ونائبه القائد عبد العزيز الحلو، على ما بذلاه من جهد في تأسيس هذا التحالف، وعلى سعيهما المعلن لقيام دولة جديدة تقوم على العدالة والوحدة ونبذ الإقصاء. ونحن على ثقة كاملة أن مثل هذا الخطاب، إذا وصل إليهما، لن يُقابل بالتجاهل، لأنهما يدركان أن قوة المشروع في قدرته على سماع مكوناته قبل خصومه.

تتابع حركة الإصلاح والتجديد بقلق بالغ المسار الذي يمضي فيه تحالف السودان التأسيسي، في لحظة تاريخية دقيقة كان يفترض أن تكون عنوانًا للوحدة، لا مدخلًا لإعادة إنتاج التجارب التي خرج الشعب السوداني عليها.

لقد وقعنا على ميثاق تأسيس الدولة العلمانية التي تقوم على الوحدة، ونبذ العنصرية، ورفض القبلية والجهوية، إيمانًا منا بأن السودان لا يُبنى إلا على قاعدة المواطنة والحقوق المتساوية. لم نكن شهود توقيع، بل كنا من المؤسسين. ولم نكن على هامش المعركة، بل كنا في مقدمتها.

نحن أول من وجّه قواته للالتحام في الميدان بعد الخامس عشر من أبريل، وأول من اتخذ موقفًا سياسيًا واضحًا قبل أن تتشكل الحسابات وتُوزن المصالح. لم ننتظر ضمانات، ولم نطلب مواقع، بل انحزنا إلى ما اعتقدناه معركة مصير ضد مشروع تاريخي نعرفه جيدًا، ونعرف كلفته على هذا الوطن.

لكن جوهر المشكلة اليوم أعمق من مجرد تأخر رد أو غياب تواصل.

المشكلة تكمن في ملامح بنية تتشكل بهدوء داخل التحالف، قوامها:

تمركز القرار في دوائر محدودة.

ضعف الشفافية المؤسسية.

غياب آلية واضحة لتوزيع الأدوار والمسؤوليات.

عدم وجود قناة مؤسسية منتظمة لسماع المكونات المؤسسة.

هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل مؤشرات على خلل في البناء.
والخلل في البناء، إن لم يُعالج مبكرًا، يتحول إلى أزمة ثقة، ثم إلى تصدعات داخلية، ثم إلى انقسام صامت، قبل أن يصبح صراعًا معلنًا.

إن إفرازات هذا الوضع بدأت تظهر في عدة صور:

إحباط وسط القواعد التي تشعر أن تضحياتها لا تُترجم إلى شراكة حقيقية.

تزايد الشكوك حول عدالة توزيع المهام والمواقع.

تنامي الهمس داخل المكونات حول “مركز” و”هامش” داخل التحالف نفسه.

فراغ تنظيمي تستغله أطراف معادية أو مندسة لبث الفتنة وإرباك القرار.

نحن لا نضخم الواقع، بل نقرأ علاماته.
فالتجارب السياسية تعلمنا أن التحالفات لا تنهار بسبب خصومها فقط، بل بسبب سوء إدارتها الداخلية.

لقد أرسلنا خطابات رسمية إلى جهات متعددة داخل حكومة تأسيس: إلى المستشارين، إلى حكام الأقاليم، إلى مدير مكتب رئيس الوزراء. لم نتلق ردًا.
ولم يكن هدفنا مالًا، ولا موقعًا، ولا حصة. كان هدفنا أن نقوم بدورنا، وأن نحذر مبكرًا، وأن نمنع شرارة صغيرة من أن تتحول إلى نار يصعب احتواؤها.

نقولها بوضوح:
الإقصاء لا يبدأ بقرار كبير، بل يبدأ بصمت طويل.
والانحراف لا يبدأ بانقلاب صريح، بل يبدأ بتهميش هادئ.
والتفكك لا يبدأ بإعلان انسحاب، بل يبدأ بإحساس داخلي بعدم الانتماء.

لدينا وثائق ومعطيات تؤكد وجود اختراقات داخل بعض دوائر التحالف. ونحن على استعداد لتسليمها عبر القنوات الرسمية متى ما توفرت الإرادة الجادة للاستماع. لأن حماية المشروع أولى من حماية الأشخاص، وصيانة المسار أهم من المجاملات المؤقتة.

نؤكد في هذا البيان:

أننا لسنا أعداء لتحالف تأسيس، بل جزء منه ومؤمنون بمبادئه.

أننا لا نساوم على ثوابتنا، ولن نبيع لحظة واحدة من نضالنا للفلول أو لأي مشروع يعيد إنتاج الدولة القديمة.

أننا نثق في القيادة العليا، ونوقن أن الإقصاء ليس منهجًا لديها، لكن التجارب علمتنا أن الخلل يبدأ أحيانًا من المستويات الأدنى إذا لم يُنتبه إليه مبكرًا.

اسمنا “حركة الإصلاح والتجديد” لم يكن عنوانًا عابرًا.
الإصلاح يعني مواجهة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة.
والتجديد يعني بناء مؤسسات لا أشخاص، ومسارات لا مزاجات.

نحن هنا لننصح إذا لم تتح لنا فرصة في الخاص.
ونتكلم في العلن لأن المشروع أكبر من أن يُدار في الغرف المغلقة.
ونرفع صوتنا لأننا نخشى السقوط السريع لتحالف كان يمكن أن يكون فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة.

إن التحالف الذي لا يسمع مكوناته يفقد توازنه.
والدولة التي لا تتسع لمؤسسيها تضيق بمواطنيها.
والمشروع الذي لا يُراجع نفسه مبكرًا، يُراجع نفسه متأخرًا تحت ضغط الانهيار.

نمد يدنا مرة أخرى للحوار المؤسسي الجاد، ولتصحيح المسار، ولإعادة توزيع الأدوار على أساس الكفاءة والشراكة الحقيقية، لا على أساس القرب والبعد.

هذا بيان مسؤولية، لا بيان خصومة.
وتحذير محب، لا تهديد غاضب.

والتاريخ لا يرحم من رأى الخلل في بدايته فسكت، ثم ندم بعد فوات الأوان.

والله من وراء القصد.

الأستاذ/ عماد الدين عمر أبكر
الأمين العام
حركة الإصلاح والتجديد
الخميس 12 فبراير 2026

حين يقاتل الهامش دفاعًا عن المركز : قراءة نقدية في تحالف بعض الحركات المسلحة مع الدولة القديمة

الاستاذ/شمس الدين ضو البيت

ليست كل البنادق متساوية في معناها السياسي، ولا كل الاصطفافات العسكرية قابلة للتبرير باسم «المرحلة» أو «الواقعية».

في الحرب السودانية الجارية، يبرز مشهد بالغ الخطورة:
حركات مسلحة نشأت من رحم التهميش التاريخي، ورفعت شعارات تفكيك دولة المركز، اختارت أن تقاتل اليوم إلى جانب القوات المسلحة بوصفها التعبير الأوضح عن الدولة القديمة وبنيتها الإسلاموعروبية.

هذا الخيار لا يمكن التعامل معه كتكتيك عابر، ولا كخطأ تقدير مؤقت، بل ينبغي قراءته بوصفه تحولًا بنيويًا في وظيفة السلاح ومعناه السياسي.

من خطاب التحرير إلى حماية الدولة القديمة

القوات المسلحة السودانية ليست مؤسسة محايدة في تاريخ الصراع الوطني.
هي، في بنيتها ووظيفتها، جزء أصيل من:
• إعادة إنتاج السلطة المركزية
• حماية الانقلابات
• عسكرة السياسة
• تكريس نموذج دولة أقصى الأقاليم، واحتكر تعريف الهوية والمواطنة

حين تختار حركات مسلحة، تأسست على نقد هذه البنية، أن تقاتل دفاعًا عنها، فإن السؤال لا يعود:
مع من تقاتل؟
بل: لماذا تخلّت عن المعنى الذي حملت السلاح من أجله أصلًا؟

التبعية ليست تحالفًا

التحالف السياسي يفترض الندية، وتبادل المصالح، ووضوح المشروع.
أما ما نشهده اليوم، فهو علاقة تبعية:
• قيادة مركزية تُحدِّد الأهداف
• خطاب رسمي يُستعار بلا مراجعة
• معارك تُخاض لحماية دولة لم تُعاد صياغتها، ولم تُخضع لمساءلة تاريخية

هذه الحركات لا تقاتل بوصفها شريكًا في مشروع جديد،
بل بوصفها قوة مُلحقة داخل منظومة لم تسمح لها يومًا بتغيير قواعدها.

وهنا يفقد السلاح:
• مضمونه التحرري
• شرعيته الأخلاقية
• أفقه السياسي

وهم الواقعية السياسية

يُقدَّم هذا الخيار أحيانًا بوصفه:
• «اختيار أخف الضررين»
• «مواجهة خطر أكبر»
• «واقعية سياسية تفرضها اللحظة»

لكن الواقعية التي تنتهي إلى حماية بنية القهر نفسها ليست واقعية، بل إعادة تموضع داخل النظام القديم.

التجربة السودانية، وتجارب الإقليم من حولنا، تُظهر بوضوح:
• أن المركز يستخدم قوى الهامش عند الحاجة
• ثم يعيد إقصاءها أو تفكيكها بعد انتهاء الدور

من يراهن على غير ذلك، يتجاهل التاريخ، أو يراهن على موقع مؤقت في معادلة لا يملك مفاتيحها.

المظلومية حين تُفرَّغ من معناها

أخطر نتائج هذا الاصطفاف هو تفريغ المظلومية من مضمونها الأخلاقي.

حين تُقاتل حركة مسلحة باسم:
• العدالة
• إنهاء التهميش
• بناء دولة جديدة

ثم تصطف مع مؤسسة:
• لم تُحاسَب على جرائمها
• ولم تُفكَّك بنيتها
• ولم تُخضع لسلطة مدنية

فإنها لا تخون خصومها السياسيين فقط،
بل تخون سرديتها، وذاكرة ضحاياها، والأساس الذي شرّع وجودها.

الهامش كاحتياطي بشري للحروب

ما يحدث اليوم ليس استثناءً، بل إعادة إنتاج لدور تاريخي مألوف:
• الهامش كمخزون بشري للقتال
• والمركز كمالك للقرار والشرعية

يُستدعى أبناء الأقاليم:
• في لحظة الخطر
• عند اشتداد المعارك
• حين تحتاج الدولة القديمة لمن يحارب نيابة عنها

ثم يُعادون إلى الهامش:
• بلا سلطة
• بلا ضمانات
• وبلا حق في تعريف مستقبل الدولة

السؤال الذي لا يمكن تجاوزه

ما الذي تغيّر فعليًا في الدولة التي يُقاتَل دفاعًا عنها؟
• هل أُعيد تعريف المواطنة؟
• هل فُكِّكت بنية المركز؟
• هل خضعت المؤسسة العسكرية لسلطة مدنية؟
• هل سقطت الأيديولوجيا الإقصائية؟

إن لم يحدث شيء من ذلك،
فبأي منطق يُقدَّم هذا القتال بوصفه «نضالًا»؟

خلاصة

السلاح الذي:
• لا يخضع لمشروع سياسي مدني واضح
• ولا يستهدف تفكيك الدولة القديمة
• ولا ينحاز للمدنيين
• ولا يمنع إعادة إنتاج المركز

هو سلاح يعمل ضد القضية التي رُفع باسمها.

والحركات المسلحة التي اختارت أن تكون جزءًا من آلة الدولة التي ثارت عليها،
لن تُقرأ في تاريخ الهامش كقوى تحرير،
بل كقوى أُعيد توظيفها داخل نظام لم يتغير.

الهامش لا يحتاج إلى بنادق تحرس المركز،
بل إلى مشروع شجاع يقطع مع الدولة القديمة،
ولا يساوم على الدم،
ولا يبيع المظلومية مقابل موقع مؤقت في حرب لا تملك أفقًا وطنيًا.

صرخة من خلف القضبان: تفاصيل وفاة لاجئ سوداني حُرم من حق العلاج بالقاهرة –

صرخة من خلف القضبان: تفاصيل وفاة لاجئ سوداني حُرم من حق العلاج بالقاهرة
بقلم: عباس الخير – موقع نادوس
في واقعة صادمة تثير التساؤلات حول جدوى القوانين الجديدة في حماية الأرواح، غيّب الموت الأستاذ مبارك أبو حوة داخل قسم شرطة “الشروق” بالقاهرة. رحل مبارك قمر الدين مجذوب ابوحوة وهو يحمل في جيبه “بطاقة مفوضية اللاجئين”، تاركاً خلفه تساؤلاً مريراً: كيف يقتل الإهمال إنساناً منحه القانون حق الحماية؟
رحلة الساعات الأخيرة: من الشارع إلى الكفن
أكد الدكتور/ ناجي محمد مجزوب، ابن عم الفقيد، أن مبارك لم يكن مخالفاً لنظم الإقامة، بل كان يحمل وثائقه الرسمية الصادرة عن المفوضية. بدأت المأساة يوم 27 يناير الماضي، حين خرج الفقيد لشراء مستلزمات لأسرته، ليتم توقيفه ضمن حملة أمنية. ورغم محاولته إيضاح موقفه القانوني وإبراز وثائقه، جاء الرد الأمني قاطعاً ومجحفاً: “اصمت.. وناقش هذا الأمر في القسم”.
داخل قسم الشروق، صارع مبارك مرض السكري وسط ظروف احتجاز قاسية. وبحسب إفادة الأسرة، توسل الفقيد للسماح له بالتواصل مع ذويه لإحضار أدويته الضرورية، لكن طلبه قوبل بالرفض المتعنت. يروي الشاهد (س. ن)، الذي كان محتجزاً معه، أن الزنزانة كانت تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية؛ حيث سقط مبارك مغشياً عليه مساء الثلاثاء بعد أن عجز جسده عن الصمود واقفاً. ورغم احتجاجات المحتجزين التي دفعوا بها الحرس لإخراجه لساعات قليلة، إلا أنه لم يُعرض على طبيب، بل أُعيد لبيئة الاحتجاز المتهالكة ليتدهور وضعه ويصاب بالتهاب حاد أدى لوفاته يوم الخميس 5 فبراير.
مفارقة قانونية: نصوص تحمي.. وواقع يقتل
تأتي وفاة “أبو حوة” في وقت أقرت فيه مصر القانون رقم 164 لسنة 2024 بشأن لجوء الأجانب، وهو التشريع الذي نقل إدارة ملف اللجوء إلى “لجنة حكومية دائمة” تتبع مجلس الوزراء. وبينما تنص ملامح القانون الجديد (2024-2025) على كفالة حق الرعاية الصحية والحماية من المخاطر، إلا أن ما حدث يكشف عن “فجوة إجرائية” خطيرة؛ فالمتوفي كان يمتلك الأوراق القانونية، لكنه حُرم من أبسط حقوق البقاء وهو “الدواء”.
الموقف الحالي للأسرة
سلمت السلطات جثمان الفقيد لأسرته اليوم الجمعة 6 فبراير من مستشفى الشرطة. وفي ظل حالة الصدمة والذهول التي تخيم على المشهد، أفادت المصادر بأن أسرة الفقيد لم تصرح بعد باتخاذ أي إجراءات قانونية رسمية في مواجهة الشرطة أو السلطات بالقاهرة، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة من مشاورات قانونية.
يبقى السؤال قائماً: ما قيمة التشريعات إذا كان الإهمال الطبي وضيق الزنازين هما الحكم والجلاد؟ إن حالة مبارك أبو حوة هي جرس إنذار لمفوضية اللاجئين واللجنة الوطنية الجديدة، لضمان ألا تتحول إجراءات “توفيق الأوضاع” إلى فخاخ تخطف أرواح الأبرياء.

في حضرة الوفاء.. تأبين فارس الكلمة والقانون الأستاذ عبدالخالق النويري


​بقلوبٍ مؤمنة بقضاء الله، ومفعمة بمشاعر الوفاء لروحٍ فارقتنا جسداً وبقيت فينا أثراً، يدعوكم رفاق وأصدقاء الراحل المقيم، الأستاذ عبدالخالق النويري، لحضور يوم تأبينه؛ احتفاءً بمسيرةٍ حافلة جمعت بين رقة الشاعر الذي طوع الحرف، وجسارة المحامي الذي لم يخشَ في الحق لومة لائم، ونبل المدافع الذي جعل من حقوق الإنسان قضية وجود.
​لقد كان الراحل “أبو الأطفال” والشريان النابض بقضاياهم، صوتاً هادراً لمن لا صوت لهم، ومحامياً استثنائياً وهب حياته لترميم براءة الطفولة المخدوشة والدفاع عن قيم الحق والعدل. نلتقي لنستذكر معاً قصائده التي ما زالت تنبض بالحياة، ونضاله القانوني الذي حفر في سجلات العدالة اسماً لا يُمحى.
​لقد كان الفقيد جسراً من المحبة، ربط بين جفاف النصوص القانونية وعذوبة القوافي الشعرية، ليصنع منهما درعاً يحمي الضعفاء.
​المكان: كمبالا، مطعم ريم البوادي.
​الزمان: يوم 8 من فبراير، الساعة الرابعة مساءً.
​حضوركم ليس مجرد مشاركة، بل هو تجديد للعهد ووفاءٌ للقيم السامية التي عاش وناضل من أجلها.
​#عبدالخالقالنويري #فارسالكلمةوالقانون #نصيرالطفولة #حقوقالإنسان #قناةنادوس

النقطة (25) بين أنقرة والرياض؟!

بقلم: الجميل الفاضل
في ليلة خليجية مثقلة بالأسرار، اجتمع الملك السعودي غير المتوج رسمياً “محمد بن سلمان”، والسلطان العثماني المعاصر “طيب اوردغان”، في خلوة دبلوماسية طارئة، إختتماها ببيان مشترك، حمل في طياته (31) نقطة، بيد أن النقطة (25) من البيان، أتت تهمس في أذن الريح بقول مريب: “حكومة مدنية لا تشمل الجماعات المتطرفة”.
تري هل هي مجرد كلمات عابرة، أم أنها سيف علق فوق رقاب الإخوان السودانيين، ينتظر فقط لحظة مناسبة للهبوط؟.
النقطة (25) من هذا البيان اتخذت سبيلها في بحر الكلام سربا لتأتي هكذا: “الطرفان أكدا تمسكهما بالحفاظ على وحدة السودان.. ورفضا أي كيانات غير شرعية.. إلى جانب ضرورة حماية مؤسسات الدولة.. وإطلاق عملية سياسية بقيادة السودانيين تؤدي إلى تشكيل حكومة مدنية لا تشمل الجماعات والتنظيمات المتطرفة المتورطة في الجرائم بحق الشعب السوداني.”
إنها مفردات مفخخة، ليست بريئة تماما؛ بل إنها ربما تفتح أنفاقاً سرية نحو غزة أخري.
أولاً، الرفض لـ”الكيانات غير الشرعية”، عبارة يفهم بوضوح أنها تعني حكومة تأسيس التي أعلن عنها لتبني قضايا هوامش السودان البعيدة أو المبعدة، عن أعين ورعاية المركز.
ثانياً، الالتزام بإعلان جدة الذي فقد صلاحيته واستنفد أغراضه، ذلك العهد السعودي-الأمريكي الذي كان يعد بحماية المدنيين كما يعد الغيم بالمطر.
وأخيراً، الجزء الأكثر إثارة: استبعاد “الجماعات المتطرفة”، تلك الكلمة التي تطارد أشباح الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني ككابوس مزعج ظل علي الدوام يقض مضاجعهم ويقلق منامهم.
فالإخوان في السودان يلتصقون بجيشهم الخاص، الذي يقوده الآن إنابة عنهم بالطبع الجنرال البرهان، التصاق الظفر باللحم.
وللحقيقة فإن هذه النقطة في البيان السعودي التركي تتجاوز خطاً أحمراً بارزاً ومهماً عند الإخوان المسلمين في السودان.
إذ أن هذه الحركة الإسلامية، ظلت ترفض رفضاً باتاً ومطلقاً، أي إبعاد لها عن ترتيبات الإنتقال من نظامها الذي تسلط علي البلاد لأكثر من ثلاثة عقود.
ولهذا السبب رفض الإسلاميون المبادرة الرباعية في 2025، وقبلها إتفاق المنامة الذي وقعه الجنرال كباشي بالأحرف الأولي، معتبرين إن هذه المبادرات كلها تندرج في سياق مؤامرة كبري ترمي لاقصائهم وتهميشهم، ولإحالتهم إلى أشباح غير مرئية بالمرة، في صورة السودان المستقبلي.
بل إن الإخوان ربما يروا اليوم في اتفاق تركيا مع المملكة علي ضرورة إبعادهم، خيانة أكبر من دولة صديقة كانت بمثابة الملاذ الآمن لهم منذ السقوط الشكلي أو التمويهي لنظامهم.
فتنازل أردوغان الذي كان يدعم الإخوان كما يدعم الريح السحاب، جزئياً، أو براغماتيا عما يعتبرونه حقهم في المشاركة السياسية، ربما يذكرنا في هذه اللحظة بأغلاق أنقرة للمنصات الإعلامية للإخوان المصريين ولابعاد بعضهم، كعربون صداقة مع نظام السيسي، أو حتي علي شاكلة طلب قطر الحاضنة الأخري للإخوان، من قادة حماس المغادرة لتخفيف صبغة هذا الإتهام وظلال ذلك الوجود.
علي أية حال، فإن تركيا ما زالت تستضيف قادة الحركة الإسلامية، وتدعم جيشهم بالبريقدار وبغير ذلك من أسلحة دمار حديثة.
لكن في ظل ديناميات إقليمية نشطة، قد يلعب أيضا التقارب السعودي-التركي دور البطل الغامض.
إذ من غير المستبعد أن تسعي السعودية، بتكليف أمريكي ضمن الرباعية، لتليين موقف أنقرة، بإعتبار أن شمس المصالح الساخنة قادرة علي تذويب أي جليد مهما كان.
لكن السؤال الأهم هنا، تري هل ينجح استبعاد الإخوان من جهود إعادة تشكيل السودان في استقرار هذه البلاد، أم أنه سيوقظ أشباحاً وخلايا إرهابية نائمة تزيد هذا الوطن الجريح طامة علي طامته؟
المهم في نهاية هذه الحكاية، أتصور أن النقطة (25) علي غموضها، ربما تفتح بابا سريا على عالم غير مستقر، لا زالت تصنعه توازنات متغيرة هي كذلك.

ما الذي يجري اليوم بالضبط، في واشنطن؟

بقلم: الجميل الفاضل

الثانية صفر، واشنطن: في 3 فبراير 2026، ربما هنا الباب يُغلق، ومصير ما وراءه سيُكتب.
فالساعة في هذا اليوم الثلاثاء قد تقترب هي أيضا من الذروة في مكان ما بالعاصمة الأمريكية، تحاصره رائحة القهوة المرة والتوتر الخانق.
سفراء السعودية، مصر، الإمارات، بريطانيا، النرويج، الكويت، يتحولقون حول مائدة مستديرة، يتوسطهم مسعد بولس “رجل ترامب القوي”، الذي يسعي ل”صفقة سريعة” لأمن البحر الأحمر، تقوم علي طرد النفوذ الروسي والصيني عن هذا الممر الملاحي المهم.
عينا بولس تلمعان كمن يعرف النهاية قبل أن تبدأ.
هنا لا كرسي للبرهان، ولا دعوة لحميدتي.
فالسودان محذوف من علي هذه الطاولة.
لكن هل ما يبدو هو مجرد “مؤتمر مانحين”، ام أن ما يجري خلف أبوابه الموصدة، هو إنفاذ لحكم إعدام يُباشر في صمت بأقلام التعهدات المالية، تحت عنوان “التمويل الإنساني”.
وهل ثمة صفقة قرن أخري، تبرم اللحظة للسيطرة بالكامل، على ما تبقي خارج السيطرة من البحر الأحمر.
هذا الوعد بتوفير 2 مليار دولار، هل هو عبارة عن صدقة؟ أم إنه الرشوة الأخيرة لإسكات طموحات داخلية صغيرة، أم هو ثمن رأس البرهان السياسي، يقدم اليوم قربانا على طبق من ذهب لمن يريد ويرغب، في مزاد مفتوح.
للحقيقة، فإن هذا الجنرال المولع بالسلطة، يواجه في الواقع ما يشبه حكم إعدام معنوي.
فإنه إذا رفض ما يسمي “الهدنة الإنسانية”، سيُرمى لا محالة في سلة المهملات الدولية، أما إذا قبلها فهو يدرك تماماً، انه سيُصبح شاهداً بنفسه على لحظة تحرك نعشه، وعلي بدء مراسم دفنه سياسيا علي الأقل.
في ذات الوقت الذي يري فيه حليفه عبد الفتاح السيسي، النيل يُسرق من تحت أنفه، والحدود تُقسم بين يديه، ودور مصر التقليدي في السودان يُدفن حياً، بمعاول وجرافات مجلس ترامب للسلام العالمي.
هل تحاول مصر تارة أخرى قلب مثل هذه الطاولة ثقيلة الوزن، وهل تستطيع القاهرة مؤونة حملها أصلا؟ أم أنها ستُجبر على الجلوس بأدب في الصف الخلفي منها، لتكتفي فقط بنوع من المشاهدة المؤلمة، القاتلة لحلم تشبثها بحديقتها الخلفية المنزوعة بالقوة؟.
بل هل سيصل التوتر داخل هذه القاعة المتناقضة إلى نقطة الغليان التي تسبق عادة لحظة الإنفجار؟، وهل ستكون هنالك فرصة لأي إنفجار من أي نوع، في عصر كهذا يدار بالجنون.
عموما، في مثل هذه اللحظات الحاسمة، فإن الوجبة الرئيسية ستُقدم، والاجتماع سينتهي بمخرجات تصدر في صورة تعهدات من المانحين، وربما بإعلانات هدنة مفروضة، ثم بإطلاق وعد بانتقال يرتب أوضاع هذه الأقاليم المتصدعة من داخلها، تحت ستار دولة أكل عليها الدهر وشرب، فتركها قاعا صفصفا، منهارة وفاشلة.
هي هندسة إنتقال ربما تضع حتي موارد هذه الدولة قيد ما يشبه مراقبة وحراسة دولية مباشرة، من خلال صناعة حكومة سودانية انتقالية، “نظيفة ومُعقَّمة”، تُحمى بالدولارات لا بالرصاص.
25 مليون جائع، 10 ملايين نازح، مئات آلاف القتلي، كلها أرقام وإحصائيات في تقارير ستُقرأ داخل هذه الصالة ببرود.
لكن يبقي السؤال الذي يُطارد الجميع،
هل يُصبح السودان مجرد “ملف إنساني” في أدراج التاريخ؟ أم أن ما يحدث هو مقدمة لخروجه من مأزق هذا القبو التاريخي المظلم؟.
فالستار في الوقت الراهن يسقط، رغم أن الدماء لا تزال تسيل.

من “بيت الأشباح” إلى الذاكرة الجماعية: تشريح اغتيال علي فضل في ضوء المادية التاريخية

  1. اللحظة التأسيسية للإرهاب: اغتيال الطبيب في سياق الانقلاب الطبقي

انبثقت سلطة ما سمي بالإنقاذ من رحم تحالف غير متماسك جمع أجنحة عسكرية مأزومة وبيروقراطية طامعة وحركة سياسية دينية تواقة للسلطة. كان التحدي الجوهري لهذا الكيان الوليد يتمثل في ترجمة سيطرته العسكرية المباشرة إلى هيمنة سياسية واجتماعية قادرة على الاستمرار. واجه النظام هذا التحدي عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على تفكيك مؤسسات المجتمع المدني المنظمة بشكل منهجي، مع نشر الإرهاب المادي كأداة لفرض الصمت وإعادة تشكيل وعي الجماهير بالقوة.

جاء إضراب الأطباء في نوفمبر 1989 ليعبر عن أول مواجهة جماهيرية منظمة لهذا النظام الوليد، كاشفا عن هشاشته العميقة ونافذا حاجز الخوف الأولي. لم ينظر النظام إلى هذا الفعل النقابي باعتباره خلافا سياسيا قابلا للتفاوض، بل اعتبره تحديا وجوديا يهدد أسس حكمه في مرحلته الجنينية، مما استدعى ردا يتسم بوحشية استباقية تهدف إلى القطع النهائي مع أي إمكانية للمقاومة المنظمة.

وفي هذا السياق اكتسب اغتيال الدكتور علي فضل معناه التأسيسي الكامل. لم يكن الطبيب ضحية عشوائية ضمن حملة قمع عشوائية، بل كان هدفا محددا بدقة متناهية: ناشط نقابي بارز من خلفية يسارية، طبيب يمارس عمله في أوساط شعبية فقيرة، وابن لنقابي شيوعي معروف. حولت آلة النظام جسده إلى ساحة معركة رمزية، حيث مورس التعذيب الوحشي حتى الموت داخل ما عرف ببيوت الأشباح، بهدف إرسال رسالة مزدوجة: للأطباء والنقابيين بأن ثمن المقاومة هو الإبادة الجسدية، وللمجتمع بأكمله بأن السلطة الجديدة تمتلك أدوات لا حد لوحشيتها وقادرة على اختراق أي حرمة.

لكن الذروة الكاشفة في هذه الجريمة المؤسسة تجلت في لحظة ما بعد الوفاة. فمحاولة النظام فرض روايته عبر تقرير طبي مزور ينسب الوفاة لمرض الملاريا مثلت النواة الأولية لنمط حكم سيتطور لاحقا، قائم على تصنيع الحقيقة الرسمية كسلعة مغلوطة قسرا، وإخضاع المؤسسات المهنية الحارسة للحقيقة الموضوعية كالطب والقضاء لسلطة الجهاز الأمني. في المقابل، مثل رفض أسرة الشهيد لاستلام الجثمان والإصرار على تشريح مستقل أول اختراق عميق للرواية الرسمية، وبداية لتشكل ذاكرة مضادة ستتراكم طبقاتها عبر السنين.

يمثل استشهاد علي فضل بهذا المنظور لحظة التراكم الأولي للإرهاب كرأس مال سياسي للنظام الجديد. فقد برهنت الجريمة على قدرة السلطة الناشئة على توظيف أدوات الدولة ذاتها في تنفيذ عمليات تصفية خارج إطار القانون، وعلى استراتيجيتها في تجريد الخصم من إنسانيته كوسيلة لنزع شرعيته السياسية. تحولت بيوت الأشباح إلى مختبرات حقيقية لتقنيات الحكم القمعي، تقنيات ستتوسع نطاقا ووحشية في السنوات اللاحقة لتصبح سياسة ممنهجة في أقاليم السودان المهمشة، مؤكدة أن الدم الذي سال في أبريل 1990 كان مجرد الشرارة الأولى لعاصفة عنف منهجي اكتشفت خلاله السلطة أن جريمة القتل الفردي، عندما ترتكب بآلية الدولة وتغلف بقانونيتها الزائفة، تتحول إلى حجر أساس في صرح استبداد قادر على إعادة إنتاج نفسه.

“إن العنف هو القابلة القانونية لكل مجتمع قديم يحمل في أحشائه مجتمعا جديدا.”
كارل ماركس.

ذكري استشهاد د. علي فضل ٢١ ابريل ١٩٩٠.خمس وثلاثون عاماً على جريمتهم ولم يحاسب القاتل بعد ..توثيق جرائم الحركة الإسلامية السودانية

كتب سيد الطيب بعام ٢٠١٧ هذا البوست للتذكير

الشهيد الدكتور علي فضل كان مطلوب القبض عليه حيآ او ميتآ بسبب انه كان عضوآ بارزآ في لجنة تنظيم الاضراب الذي نفذه الأطباء السودانيون إبتداء من يوم الأحد 26 نوفمبر 1989 وترك أثراً قوياً في كسر حاجز المواجهة مع النظام، أثار هذا الاضراب الذعر وسط سلطات النظام الإنقلابي ، استطاع علي فضل الاختفاء وظل عناصر امن نظام الجبهة الاسلامية يبحثون عنه في كل مكان دون جدوى. امر الطيب (سيخة) بالقبض على شقيق الدكتور علي فضل وابقاؤه في احد بيوت الاشباح حتي يسلم علي فضل نفسه للسلطات الأمنية، عندها قام علي فضل بالظهور في منزله لتسليم نفسه وتم اعتقاله وكان هذا يوم الفرح والسرور عند الطيب (سيخة)! وبدأت حفلة التعذيب علي يد الطيب سيخة واخرين ومع تزايد وتائر التعذيب البشع وتسببت ضربات تلقاها في رأسه تسببت في نزيف داخلي حاد في الدماغ أدى الى تدهور حالته الصحية واصبح غير قادراً على الحركة ، وفي مثل هذا اليوم عند الساعة الخامسة من صبيحة 21/ابريل/1990 فاضت روحه الطاهرة .
صدر التقرير الطبي ان الوفاة حدثت بسبب “الملاريا” شهادة الوفاة (رقم166245) ،
حاول قادة النظام اجبار اسرته على تسلم الجثمان ودفنه فرفض والده وأصر على تشريح الجثمان فكانت النتيجة كما يلي:
*مساحة تسعة بوصات مربعة نُزع منها شعر الرأس إنتزاعاً ،جرح غائر ومتقيّح بالرأس ، نزيف داخل البطن ، سبب الوفاة نزيف حاد بالرأس نتيجة الاصطدام بجسم حاد وصلب ، فتح بلاغ رقم 903 بالتفاصيل الاتية :
المجني عليه: الدكتور علي فضل احمد ، المتهم: جهاز امن النظام، المادة : 251 من قانون العقوبات لسنة 1983 ، التهمة: القتل العمد مع سبق الاصرار والترصد.
قبل عامين رحلت الحاجة كلثوم والدة الشهيد على فضل بعد ان عاشت حياتها حزينة وهي تنتظر القصاص ورحلت حزينة الى جوار ابنها الشهيد واكتملت حلقة الظلم ودائرة الخذلان
في مثل هذا اليوم من كل عام نذكر كل من يدعوا للحوار او التقارب مع القتلة ان اي عمل تقومون به لا يعلق قتلة الشهداء على اعواد المشانق مرفوض ومردود عليكم
لا حوار .. لا استسلام.
اخر كلمات الشهيد د. على فضل “أنا علي فضل أحمد.. أسرتي في حي الديوم الشرقية بالخرطوم.. ظللت أتعرض للتعذيب المتصل وأعتقد بأنني شارفت علي الموت.. لقد كان ذلك بسبب أفكار وطريق إخترته عن قناعة ولن أتراجع عنه.. وانني علي ثقة بأن هنالك من سيواصل بعدي علي هذا الدرب”

الذكرى الـ110 لـ تأسيس الـجـ.ـنـجـويـد: “قانونية اللا-قانون”، وأتفاق “ازدواجية سيادية” جديد

طرحت الآلية الإستشارية المعنية بالسودان في 15 يناير\كانون الثاني 2026، نسخة “سرية” مطورة من مبادرة الرباعية، مكونة من 3 مسارات، وموضوعة على طاولة التفاوض أو بالأحرى التوقيع، تبدأ بتأميم القوات العسكرية “جيش مهني”، ونفاذ شامل للمساعدات الإنسانية، على غرار عملية شريان الحياة التي قادت لاتفاق نيفاشا، وعملية سياسية محددة الغايات والأطراف، وصولاً لانتقال جديد، بصندوق تمويل تنموي.

ويتوقع أن تقود لتسوية شاملة للنزاع العسكري الذي بدأ في 15 ابريل\نيسان 2023، وتعجل بوصول المساعدات الإنسانية، وسط تحفظ أطراف النزاع عليها، ومعارضة محمومة من مجموعات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وتدعمها قوى مدنية وفئوية، بينما يظل موقف أقصى اليسار مرتبكاً حيالها، وتعمل واشنطون على تعبئة التمويل من خلال مؤتمر إنساني على مستوى وزراء خارجية للدول المنخرطة في الآلية.

لقد أثارت المرحلة الأولى منها مواقف متزمتة من قبل طرفي الحرب واللذين يتفقان على ضرورة مواصلة “التوطين الأمني” وتقديمهما بالمسار الأخير للمبادرة كأطراف أساس على غرار اتفاقية السلام الشامل 2005، مما يثير تخوف رعاة منبر “جدة” من تحول الحل لبداية جديدة للحرب، ويفضلان فتح الطريق أمام الانتقال لدولة المؤسسات بدل تقاسم السلطة بين الـمـ.ـليـشـيات.

ويعود هذا التحدي لـ “السير ريجنالد وينجيت” حاكم الخرطوم آنذاك والذي طرح تطبيق سياسة “توطين العسكرية” في دارفور وكردفان، من خلال إعادة بناء “أورطة العرب الغربية” في يناير\كانون الثاني 1916، لا سيما بعد نجاح تجربة “الهجانة وأورطة العرب الشرقية 1906″، وهذه السياسة مستلفة من حقبة “إسماعيل باشا أيوب” والذي يعتبر المؤسس الأول لها في “1873م – 1874م” ومن ثم نجاحها في خدمة “سياسات الخديوي” لأكثر من عقد من الزمان، حيث أسقطت الثورة المهدية تلك الحقبة.

ولإدراك مآلات سردية “التوطين العسكري”، لابد من فهمها في سياقها التاريخي والراهن، والتي طالما عنت أن تكون للمجموعات العسكرية ذات التكوين العرقي والديني، أدوار في تطوير وتطبيق استراتيجية “الأمن الداخلي”، ويظهر ذلك جلياً عندما قرر “السير جيفري آرتشر” في 17 يناير\كانون الثاني 1925م، إصدار قانون لـ “تحالف مـ.ـليـشـيات” يضم أورطة العرب الشرقية والغربية والهجانة بالإضافة لتشكيلات فنية محدودة، وسمها بـ “قوة دفاع السودان”، وحدد المادة (5) أهدافها حيث نصت على أن “تُنشأ هذه القوة لغرض الدفاع عن السودان، ولحفظ النظام العام، ومعاونة السلطات المدنية في إنفاذ القوانين والأوامر الحكومية”، وبالفعل كانت تتحرك في رحلات سنوية تُسمى “رحلات الاستطلاع والجباية”، لجمع الضرائب وقمع الثورة التي تنامت بدفع من حركة اللواء الأبيض.

ولتسهيل مهمة “قوة دفاع السودان” في توطين العنف، دفع السير هارولد مكمايكل بـ “مقترح محاكم تفتيش”، أقره السير جون مافي في تعديل “قانون سلطات المشائخ سبتمبر\أيلول 1927″، ونصت المادة (6) الفقرة (أ) على أن “يكون للشيخ المفوض سلطة الفصل في الدعاوى الجنائية والمدنية التي تقع ضمن اختصاصه الإقليمي، وله الحق في فرض عقوبة الغرامة أو السجن، أو كليهما، وفقاً للجداول الملحقة بهذا القانون”، ونصت المادة (9) على أنه “لا يجوز الطعن في أحكام المشايخ أمام المحاكم النظامية، ويكون للمفتش الإداري وحده حق المراجعة أو الإلغاء”.

ولم تتجاوز الدولة الوطنية هذه الجدلية: التي يرى جانب من أطرافها بأن تطلعات السودانيين “مهدد أمني” يجب مواجهته بـ التوطين العسكري “قانونية الـمـ.ـليـشـيات”، وجانب أخر ينادي بالثورة لفتح المجال العام لاستحقاقات المواطنة “الديمقراطية” واحترافية المؤسسات الأمنية والدفاعية “جيش مهني”، وبالفعل قاد جيل الآباء المؤسسين انتفاضة دبلوماسية أدت لاستقلال البلاد في 19 ديسمبر\كانون الاول 1955، لكن سرعان ما دخل السودان في دائرة جهنمية (ديمقراطية – انقلاب – ثورة)، يرافق ذلك حروب لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.

لكن عمر البشير كان له مأرب آخر بذات السياسة، لقد عمل على إحياء أطروحة “السير ريجنالد وينجيت” بتقنين “الـمـ.ـليـشـيات” في إطار مشروع “تنظيم الإخوان المسلمين” لابتلاع الدولة، من خلال صناعة مـ.ـليـشـيات دينية “الدفاع الشعبي” و”هيئة العمليات”، وأخرى عرقية “القوات الصديقة” و”الـجـ.ـنـجـويـد”، مع إبقاء الجيش كذراع استشاري، وإقرار قانون يتطابق وخلاصات “السير هارولد مكمايكل” في محاصرة القوى المدنية، موسوم بـ “قانون النظام العام”.

وصولاً لـ “تصدير خدمات الـمـ.ـليـشـيات”، لا سيما بعد توقيع النظام لاتفاقية بيع خدمات أمنية مع الاتحاد الأوربي “عملية الخرطوم 2014″، وبعد مرور 100 عام بالضبط من ذكرى التأسيس الأول لـ “الـجـ.ـنـجـويـد”، أعلن الجسم التشريعي “المجلس الوطني” التابع له إجازة قانونها في 18 يناير\كانون الثاني 2017، ووسمها بقوات الدعم السريع (قدس).

هذه الفرصة الاستثمارية غير المسبوقة أسالت لعاب قادة الإخوان، مما جعل تصويتهم بالأغلبية على قانون الدعم السريع ممكناً، وتوقيع عمر البشير عليه في فبراير\شباط 2017 حدثاً مبهجاً لهم؛ فهناك ملايين اليوروهات في انتظار من يقطفها، ويضيف عليها “صوص” خاص مصنوع من دماء وعذابات ملايين من السودانيين، ويغفو بعد ذلك على أسرة منسوجة من مثلث الشر: الجوع، الفقر، والمرض.

قطعت ثورة ديسمبر 2018 هذه الإجراءات التخريبية، ووضعت مشروع الاستقلال مرة أخرى على طاولة النظام العالمي الجديد، ونادت بالسلام كغاية، والعدالة كأداة، والحرية كاستحقاق، ودفعت بموقف واضح من سلطة الـمـ.ـليـشـيات: العسكر للثكنات والـجـ.ـنـجـويـد ينحل، ومع ذلك واصلت الفترة الانتقالية في ذات الممارسات، تحت مبرر أن الأمن القومي مسؤولية المكون العسكري وأن النظام الجديد قائم على شراكة “مدنية-عسكرية” (النموذج السوداني)، وبعد انقلاب 25 اكتوبر\تشرين الاول 2021 تنامى التنافس بين الـمـ.ـليـشـيات على السلطة حتى وصل مرحلة المواجهات العسكرية.

وشكلت حرب 15 ابريل\نيسان 2023 أكبر فعالية ترويج لأطروحة “إسماعيل باشا أيوب” (التوطين الأمني) من خلال إظهار دور الـمـ.ـليـشـيات في تقويض\حفظ الأمن الداخلي في آن واحد، كما سوقت لسردية “عمر البشير: الـمـ.ـليـشـيا فوق الحكومة”، وبوصف أدق امتلاكها للدولة، وهذا ما يحدث الآن في “بورتسودان ونيالا”، وكلاهما يسعيان لإقرار هذا الوضع في أي اتفاق سلام قادم أو من خلال استمرار العمليات العسكرية مهما كانت التكلفة الإنسانية.

وبما أن الاتفاق المطروح الآن يتضمن “كتيبات تشغيل” مستوحاة من سردية ديسمبر، ويأسس لـ قطيعة تامة مع أطروحات التوطين العسكري، إلا أن طرفي الحرب يضغطان في اتجاه “ازدواج سيادي” على خطى التعديلات التي أدخلها البرهان على قانون الدعم السريع في 30 يوليو\تموز 2019م.

وفي هذا الوقت المفصلي لأمتنا، تقف القوى المدنية بيد تدفع في اتجاه إنهاء المأساة القائمة وبأخرى في ترسيخ انقسام سياسي يجعل من مهامها الأساسية شبه مستحيلة؛ فقد أتاحت هذه الحالة انقضاض العسكر على السلطة في 1958 – 1969 – 1989 – 2021، والآن الحرب تكمل تلك الشرور، مستفيدة من معاول “الـتـنـظـيـم” الكارهة للحياة الطبيعية والازدهار، وما لم يتم دفع المسار الأول باتجاه القطيعة مع سياسات “التوطين الأمني”، وصولاً لعملية سياسية تبني دولة مؤسسات، فإن البلاد مقبلة على اتفاق “ازدواجية سيادية” جديد، يضاعف الويلات على السودانيين.

وبعد 110 أعوام على أول وثيقة لقانونية ممارسات الـجـ.ـنـجـويـد، وأيضاً بذات التاريخ الذي وقع فيه عمر البشير على أول قانون يشرعن توحشهم قبل 9 أعوام، تتوجه الأنظار لواشنطن بكثير من الأمل والألم في انتظار مخرجات “المؤتمر الإنساني” و”صندوق إعمار السودان”، ومن المتوقع أن يوفر حزمة حوافز إتمانية، تدفع في إتجاه تطبيق الإتفاق.

منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الخميس 5 فبراير\شباط 2026
البريد munzer.ppi.sd@gmail.com

دولة 56 (المستقلة) .. سبعين سنة في انتظار (البركة).!؟

بقلم : شمس الدين ضوالبيت

أصبح بعضنا يتحرج من استخدام مصطلح دولة 56، ومن الحديث عن العودة إلى منصة التأسيس. السبب معروف. بالنسبة للبعض، فهذه هي اليوم مصطلحات الدعم السريع والحركات المسلحة، ومن يستخدمها فهو –بالنسبة لهؤلاء البعض- إما منهم أو داعم لهم.. كثيرون من هؤلاء يتجاهلون أن تاريخ هذه المصطلحات لم يبدأ بحرب أبريل أو ما قبلها من حروب أهلية.. فهذه في الأصل هي مصطلحات وتعابير الفكر السياسي والمجتمع المدني السوداني في تناوله لقضايا الدولة والسياسة منذ أمد، ووجودها في الحوار السوداني العام سابق لنشأة الدعم السريع وقبل تأسيس الحركات المسلحة.. ما حدث هو أن الدعم السريع أوالحركات المسلحة ربما (تبنت)، أو (استخدمت) هذه المفاهيم في خطابها السياسي.. حدث ذلك من قبل حتى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (الأم)، عندما تبنت شعار (السودان الجديد). لأن تعبير السودان الجديد كان أسم صحيفة سودانية تأسست عام 1944 (قبل عام من ميلاد د. جون قرنق)، لكي (تعالج .. وتصور حالة البلد الناشئ في طور الانتقال)، كما قال مؤسسها أحمد يوسف هاشم في عددها الأول.

موقفي، أن مجتمع الفكر السياسي والمجتمع المدني يجب ألا يتخلى عن مفردات خطابه لأن جهات أخرى صارت تستخدمها.. بل الواجب هو التمسك بها وبمعانيها المدنية، ومنع (حزبنتها)، أو (تسطيح) معانيها، أو إساءة استخدامها كأسلحة في الصراع الحزبي، أو كأدوات لتصنيف الناس والتنمر عليهم، أو لتحويل اللغة إلى معول لتقسيم السودانيين، بدلاً من أن تكون جسوراً للتواصل بينهم ..

السبب الثاني للحرج أن بعضاً آخر منا يرى في انتقاد دولة 56، انتقاداً لآبائنا المؤسسين، الذين رفعوا علم الاستقلال أو شعار “السودان للسودانيين”، باعتبار أن دولة 56 هي الدولة التي أسسها هؤلاء الآباء.. في الحقيقة أن هؤلاء الآباء هم جزء من حركة التحرر الوطني التي شملت كل المستعمرات في القرن العشرين، وقد انصب جهدهم على إخراج المستعمر من بلدانهم، ظهر ذلك في شعارهم (تحرير لا تعمير)، وهو ما أنجزوه بنجاح.. أما الاستقلال والتعمير فموضوع آخر تحكمت فيه، في حالات كثيرة، عوامل أكبر منهم، كما أن الموضوع يشمل مسئولية من جاءوا بعدهم للحكم والسلطة ..

لذلك فالحديث عن دولة 56 في هذا السياق هو حول مسار الدولة بعد إخراج المستعمر ورفع علم الاستقلال، وما تحقق من ذلك الاستقلال ومن التعمير أو لم يتحقق، ولماذا.. هو تجاوب مع الحديث المتكرر الناقد لدولة ما بعد الاستعمار، ومع المطالبات بإعادة هيكلة الدولة، والعودة لمنصة التأسيس، بعد سبعين سنة.. لماذا إعادة الهيكلة؟ ومالها منصة التأسيس؟ ما الخطأ فيها..!؟
ضرورة مساءلة هذه المسارات فأمر ماثل أمامنا اليوم، ليس فقط بسبب تعثر الاستقلال، ولكن أيضاً بسبب الانهيار الشامل للدولة ذاتها. لا يجوز أن يقف احترامنا لآبائنا المؤسسين وجهدهم في إخراج المستعمر حاجزا بيننا وبين نقد المسارات والمآلات التي انتهت إليها الدولة التي تأسست على أيديهم.. على العكس، فالواجب الوطني والاعتراف بجهدهم، يفرض على كل منا أن يتساءل: ما الذي حدث؟ وكيف؟ ومتى حدث؟، حتى تحولت تلك الآمال العريضة في الكرامة والعدالة ودولة لشعبها خادمة مطيعة لا قامعة، أوان رفع علم البلاد- كيف تحولت لتقضي هذه الدولة كل عمرها السبعيني المستقل تحارب نفسها بلا استراحة، وتقاتل شعبها بلا رحمة أو هوادة..لتنتهي كل تلك الآمال العريضة، أمام أعيننا، حطاما وركاما كبيرا..!؟

فما الذي حدث ليحوًل آمال النهضة والتعمير التي تغمر قلوب الناس في لحظات الانعتاق والتحرير إلى دمار، ما الذي انتهى بها في حالة السودان إلى جحيم السعير الذي نعيشه اليوم بعد 70 سنة من تلك اللحظة في تاريخنا ..!؟

سابدأ متابعتي لمسارات ومآلات دولة 56، بعد عام من رفع علم الاستقلال، في ذلك اليوم من أيام شهر فبراير 1957، حين نظر مجلس النواب في بند “طبيعة الدولة” في المسودة المقدمة من لجنة الدستور الدائم المشكلة من المجلس.. نقرأ في محضر تلك الجلسة، كما نقله لنا الأستاذ يوسف محمد علي في كتابه (السودان والوحدة الوطنية الغائبة)، وقد أشرتُ له في كتابات سابقة، أن الأستاذ أحمد خير المحامي اقترح أن يكون البند الأول في الدستور حول طبيعة الدولة، على النحو الآتي:
(السودان جمهورية برلمانية موحدة) ..
نهض عضو البرلمان السيد ميرغني النصري وأقترح إضافة كلمة (إسلامية) لهذا البند ليكون: (السودان جمهورية إسلامية موحدة)، وأيده العضو عمر البخيت العوض ممثل الهيئات الإسلامية ..
لكن بعد ذلك مباشرة قام محتجاً العضو ستانسلاوس بياساما عن كتلة جنوب السودان، وقال “أؤكد لكم أنكم لو أجزتم هذا التعديل فسوف أشعر أنا الأفريقي الأصيل صاحب هذا الوطن بأنني غريب في بلدي..؟ أنا أقترح أن يكون البند (السودان جمهورية ديمقراطية فيدرالية)”..

كان كل واحد من تلك المقتراحات الثلاثة يعبر عن قاعدة اجتماعية وسياسية سودانية ..
فمن جهة هناك تطلع جماهير السودانيين في القطاع الحديث نسبياً بوسط وشمال السودان للديمقراطية .. هذا هو المقترح الأول، وفي هذه القطاع الحديث كانت هناك أيضاً دعوات للاشتراكية ..
من جهة ثانية هناك قوى الدعوة للدولة الإسلامية، وكانت حجتها أن الإسلام هو دين الأغلبية، وفي رأيهم، أن من الطبيعي أن تحتكم الأغلبية لدينها ..
المجموعة الثالثة هي قوى الهامش السوداني العريض وأشواقها للفيدرالية والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة.

نعلم أن ذلك الدستور الدائم لم يرى النور أبداً ..لأن السودانيين لم يستطيعوا التوافق والتوفيق بين هذه القوى الاجتماعية السياسية الثلاث، حتى في الحد الأدنى، وإلى يومنا هذا. مثل السودان في هذه الحالة استثناء نادراً: مخالفاً لمجتمعات أخرى عدة كانت خارجة لتوها من الاستعمار وبإشكالات وقواعد اجتماعية سياسية شبيهة، ولكنها وجدت في غالبيتها، عند استقلالها أو بعد حين، سبلاً للتوافق والتوفيق، على الأقل على الحد الأدنى المقبول بينها ..

كل ما حدث في جلسة مناقشة مسودة الدستور تلك أنها أصبحت اللحظة التي جرى فيها تحرير عناصر الصراع الدائر الآن في بلادنا، حين دُشن غياب التوافق السياسي والدستوري بين المواقف المختلفة على أنه المنصة التي تأسست عليها دولة 56. وكان ذلك يعني أن الأمر الواقع وقتها، بانحيازاته الاقتصادية التنموية والاجتماعية التي أوجدها الاستعمار البريطاني المصري لخدمة مصالحه، ومن قبله الاستعمار التركي المصري بجرثومتي الهوية اللتين حقن بهما الجسد السياسي السوداني: السلفية الدينية وإرث الاسترقاق، هذا الواقع القديم المختل الشائه، بقوانينه ومؤسساته ودستوره المؤقت، أصبح هو المسرح الذي على خشبته وبين شخوصه دارت أحداث السبعين سنة اللاحقة..

سينتقل السؤال بعد هذه النتيجة الأولى، ليصبح: كيف عصف غياب التوافق الدستوري أو تلك المنصة التأسيسية المختلة آخر الأمر بالدولة، كما هو حادث الآن..!؟ كيف تبدت مجريات الصراع، وما تفاصيلها..؟ كيف دارت (المدافعة) السياسية غير المنظورة..؟ ماذا كان وقودها الدافع..؟ وما هي تجلياتها..!!؟

اول ما عناه غياب التوافق والتوفيق بين مجموعات المتساكنين السودانيين الثلاث كان هو غياب القبول –ناهيك عن الاحترام- المتبادل بين هؤلاء المتساكنين. وبذلك تأسست الدولة المستقلة وتقدمت بها الأيام ومواطنيها لا يعترفون ببعضهم البعض، بل لا يعرفونهم..!

وإذا كان قد حدث اندماج، ولو بعد فترة ليست بالقصيرة، اختصر عناصر الصراع المذكورة إلى أثنين بدلاً من ثلاثة.. وذلك عندما انضاف مقترح الدولة الديمقراطية الفيدرالية الذي قدمه ستانسلاوس بياساما إلى مقترح أحمد خير بالجمهورية البرلمانية، كما حدث على نحو ما في أتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005، بوصفهما غير متعارضان، بل يكملان بعضهما البعض في إطار الديمقراطية القائمة على المشاركة والتعددية- فقد ظل الصراع التأسيسي المخفي، غير محدد الأطراف، المنخفض الشدة أحيانا، مرتفعها أحياناً، بين توجه (تقليدي ثم عالم) يدعم (جمهورية إسلامية موحدة) ضد آخر يدعم (جمهورية ديمقراطية فيدرالية)، دائراً في السودان –ولا يزال- طوال سبعين عاماً هي عمر السودان منذ خروج المستعمر..

نعلم من محضر تلك الجلسة الأولى التي شكلت منصة التأسيس
المختلة لدولة 56، الحجج التي اعتمد عليها كل فريق في دعواه: السيد ميرغني النصري برر لمقترح الدولة الإسلامية بأن غالب السودانيين مسلمين، ومن حق الأغلبية أن تحكم .. هذا بينما قام اعتراض ممثل كتلة الجنوب على أن (في البلد مواطنيين أصليين لكنهم غير مسلمين)، وأن الدولة الإسلامية لا تستوعب تنوع المجتمع السوداني، وأن الفيدرالية هي التي تناسب ذلك التنوع.
السيد عمر البخيت العوض، ممثل الهيئات الإسلامية الذي أيد مقترح الجمهورية الإسلامية قدم حجة إضافية لدعم مقترح النصري، قال إن رفض المقترح بحجة أن غير المسلمين لا يرتضونه، هو تضحية برأي (الأغلبية المطلقة)، وهي مسلمة، من أجل غير المسلمين، وهم أقلية. وأضاف نحن نريد حكما إسلاميا، ثم قرأ بصوت عال الآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}..

يمكننا بهذه التصريحات والدفوعات عن المقترحين، استقراء الدوافع والمنطلقات السياسية والعقدية النفسيىة خلف كل واحد منهما: في حالة المطالبة بالديمقراطية والفيدرالية فقد كان ذلك هو التيار الحقوقي العالمي الذي عبر عنه الفكر السياسي الحديث، عندما نص في المادة الأولى من ميثاق حقوق الإنسان على أن (جميع الناس يولدون أحراراً متساوون في الكرامة والحقوق وقد وهبوا ضميرا)، وتسند هذا التيار الحقوقي الدوافع والتطلعات الطبيعية لدى كل نفس بشرية للعدالة والمساواة، او يمكن القول بالمصطلح القرآني إنها {فطرة الله التي فطر الناس عليها}.
وقد صار معروفاً اليوم أن مكونات المجتمعات المتنوعة لديها تطلع كامن وقوي لرؤية نفسها مشاركة وممثلة في الفضاء العام لبلدانها، في السلطة والثروة والهوية .. وهو ما تعبر عنه قيم المشاركة والعدالة والمساواة المضمنة في الفيدرالية..

أما الدوافع النفسية والقناعات العميقة خلف الدعوة للجمهورية الإسلامية، فلقد رأينا أن ممثل الهيئات الإسلامية عندما ثنى مقترح الدولة الإسلامية، هتف بالآية {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. هذه الدعوة للحكم بما أنزل الله ترتبط عند أهل السنة والجماعة، وهي الجماعة المذهبية التي انتمى إليها مقدموا المقترح، وينتمي إليها السلفيون عامة، بمن فيهم الإخوان المسلمون- ترتبط بـ(إيمان متوارث) بأن الخير العميم الوفير يتنزل على الأمة إذا أقامت (شرع الله) .. وتستند هذه الدوافع على الفهم الظاهري المباشر للآية 96 من سورة الأعراف {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ..}. وأيضاً آية سورة المائدة {ولو أنهم أقاموا التواراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ..} ..

يتشكل وعي الأفراد الذين ينتظرون هذه البركات من (إيمان تقليدي) ومعتقد عميق بأن الخير والبركة، والتي هي في حالة بلداننا: التنمية والخروج من دائرة الفقر والتخلف والتبعية الحضارية والسياسية .. إلى التقدم والنهضة والازدهار- أن هذه البركات (تتنزل) على العباد والبلاد بمجرد إقامة شعائر وتطبيق أحكام معينة، غض النظر عن صلتها بالواقع أو بالأهداف المنتظرة. أي أن هذه البركة، في هذا الاعتقاد التقليدي لا تتعلق بالعمل والتخطيط وربط الأمور بأسبابها، وتوسل الطرائق والدروب العلمية السليمة للوصول إليها..

حول هذا (الوعد الأسطوري) تشكل (المخيال الديني)، كما أسماه محمد أركون، مغلفاً بالقداسة، مشحوناً بالعواطف والإشواق إلى أمجاد ماض تليد، مرسخة أحداثه وأشخاصه بعمق في مخيلة المسلمين، يملأ شعور المسلم وإحساسه، ويقدم له غايات دنيوية وأخروية ساحرة تلهب حماسه وتشعل آماله وتهيج مشاعره الدينية.. وعلى استغلال هذا (المخيال الديني)، استندت دعوات الحركات السلفية لإقامة شرع الله وبناء الجمهوريات الإسلامية، في كثير من الأحيان دون تفاصيل إضافية..

كانت هذه الدوافع الخام غير المعرًفة محركاً خفياً للفعل السياسي في السودان، وذلك في غياب الدستور الدائم والقيادة الوطنية الرشيدة: أي ما يُعرف عادة بـ(السياسة)، التي تعطي موجهات قيمية ومعايير سلوكية وأطر سياسية واعية لإدارة الشأن العام. في الواقع تعرض مفهوم السياسة ذاته للابتذال، فجرى التعامل معه على أنه المقدرة على الوصول إلى السلطة، بأي أسلوب، والاحتفاظ بها والاستمتاع بوجاهاتها وبالثروات التي تنفتح أبوابها بها، وليس على أنها (علم بناء الدول والمجتمعات)، مثل ما هي عليه في حقيقتها ..

صحيح كان هناك مؤتمر الخريجين، والأحزاب التي خرجت منه، وأحزاب جديدة بتأثيرات العالم أو الإقليم، وحركات مسلحة، ونقابات وإتحادات .. لكن لم يكن الفعل السياسي السوداني العام يتحرك وفق مشروع وطني جامع أو وبرامج مدروسة مقصودة تصب في مشروع ما، وإنما كان الفاعلون السياسيون والاجتماعيون (يرتجلون) السياسة، يتعاملون بالفعل ورد الفعل، وبحكم العادة والمصالح الحزبية والفردية و(الاجتهاد الشخصي)؛ كانت الطائفة والقبيلة والإثنيات والجهويات تشارك الاحزاب والمجتمع المدني في تقاذف كرة السلطة وإدارة الدولة، بل كانت هي الأقوي والأشد سيطرة أحياناً كثيرا..

وهكذا بينما كان شعب عظيم وعريق أضاف بإبائه إلى مجالات الفقه الإسلامي (دار الصلح)، عندما عجز الفاتحون العرب عن إضافته ل(دار الفتح)؛ وأختار بنفسه من الإسلام المذهب الصوفي الذي يناسب تنوعه؛ وطرد المستعمرين حين كانت معظم الشعوب مثله ترزح تحتهم؛ واستقل بأول دولة وطنية موحدة في أفريقيا جنوب الصحراء في القرن التاسع عشر؛ وسبق الشعوب بعدد من الثورات المدنية السلمية الديمقراطية قبل أن تصبح شائعة؛ شعب أكسبته نضالاته وتضحياته وأصالته وتنوعه صفات إنسانية عظيمة- بينما ظل الشعب السوداني يقدم في كل ثورة النفيس والنموذج والقدوة، متطلعا للانعتاق والتقدم والتنمية، كانت السياسة والمجتمع السياسي يقف عاجزا كل مرة، عن تحويل تلك التضحيات إلى وقود أو روافع للنهضة ..

شابه الوضع، بعد خروج المستعمر، عربة تركها صاحبها بعد أن أهلكها بالاستعمال طويلاً، ليقودها عامل كان معه، لكنه لم يتعلم قيادة السيارات ولا يعرف اتجاهات المدينة وما حولها .. أو كملعب كرة به لاعبون في مباراة لا يوجد فيها حكم للمباراة، ولا تخضع لقوانين أو قواعد معروفة.. يحاول كل لاعب فيها إحراز أهداف في شباك لخصوم متوهمين، يمكنهم من جانبهم استخدام كل الوسائل لعرقلة المهاجمين، بما في ذلك تغيير مكان الشباك وحجمها عندما يقترب منها غيرهم ..!

كان ذلك هو الوضع الذي تركه غياب المشروع الوطني المحفوظ في دستور دائم متوافق عليه يعطي الدولة نظما وقيماً وموجهات تحكم تحركها وتحدد أهدافها..
في وسط هذه (المعمعة) كان التيار الحقوقي السوداني، أولاً، بدوافع (الفطرة)، ولاحقاً بجهود برامجية خاصة من جانب الحركة الشعبية، من جانب، والتيار الديني الإسلامي، بدوافع (البركة) عامة، ثم بدءاً من سنة 87، بتخطيط حديث ومكثف، من الجانب الآخر- كانا هما الأكثر نشاطاً والأكبر أثراً في ما حدث للمجتمع والدولة في السبعين سنة منذ 56.

ويمكن التوثيق للسجال أو التضاد بين هذين التيارين، بإشعال تيار الديمقراطية الفيدرالية، سنة 1955، حرباً في الجنوب بقيادة حركة أنيانيا، كانت في كثير من مسبباتها احتجاجاً ناتجاً عن تعامل شماليين بإرث الرق القادم من مرحلة التركية السابقة، كما ذكرت لجنة التحقيق في أحداث توريت.. فجاءت الدعوة للدولة الإسلامية، سنة 1957، في البرلمان الأول، التي رفضها من البرلمان.

لكن الانقلاب العسكري الأول (1958 – 1964)، فرض بالقوة برنامجاً للأسلمة والتعريب على جنوب السودان غير المسلم.. ليس لأن عسكريي النظام كانوا إسلاميين، ولكن ظناً منهم أن تلك الإجراءات هي الحل لمشكلة الحرب في جنوب السودان، وذلك انطلاقاً من السردية الرسمية التي كانت سائدة حينها، عن أن السودان بلد عربي مسلم به (جيوب غير مسلمة)، تجب أسلمتها وتعريبها لتتنزل الوحدة والسلام.. معروف أن الذي حدث هو أن الحرب الأهلية مع الجنوب صارت أكثر حدة واستعاراً بسبب إجراءات ذلك النظام..!

رد التيار الحقوقي على مفاقمة الحكم العسكري للحرب في الجنوب بإسقاط ثورة اكتوبر 1964، لنظام نوفمبر بقيادة الجنرال إبراهيم عبود، وكانت الشرارة ندوة في جامعة الخرطوم حول الجنوب .. وثم بعقد مؤتمر المائدة المستديرة لحل مشكلة الجنوب، والخروج بتوصيات لجنة الإثني عشر الداعمة لحقوق جنوب السودان..

فجاء التحرك التالي للتيار الديني في الفترة الديمقراطية بعد اكتوبر 1964، بفعلين: حل الحزب الشيوعي، الذي سيطر على الحكومة الأولى بعد اكتوبر تحت مظلة جبهة الهيئات، بحجة أنه (يروج للإلحاد وعدم الاعتقاد في الأديان السماوية)، وكذلك شروع لجنة الدستور بالجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي.

كان رد اليسار على تحركات اليمين الديني في فترة اكتوبر تنظيم انقلاب مايو وإنهاء الفترة. كما تبنى نظام مايو، في بيان 9 يونيو، مقررات لجنة الإثني عشر لحل مشكلة الجنوب، واعترف بالخصوصية الثقافية لجنوب السودان، وانتقل هذا الاعتراف لاتفاقية أديس أبابا 1972، التي أوقفت الحرب في الجنوب وأعطت السودان سلاماً نسبيا لمدة عشر سنوات ..

عاد التيار الديني مع المصالحة عام 1977، ودفع نظام مايو لإلغاء أتفاقية أديس أبابا، ولتنصيب جعفر نميري نفسه إماماً للمسلمين، فأدخل جعفر نميري، لأول مرة أحكام العقوبات الشرعية (الحدود) في القانون الجنائي السوداني، ما عُرف بقوانين سبتمبر 1983، وأعدم الأستاذ محمود محمد طه على أساسها، يناير 1985..
كان الرد هو إسقاط الشعب السوداني نميري ونظام مايو في أبريل 1985، مطالباً بالديمقراطية.

قبل الانتفاضة، وبعد نقض نظام مايو لاتفاقية أديس أبابا وإعلان الشريعة 1983، نشأت الحركة الشعبية لتحرير السودان رافعة شعار (السودان الجديد)، الفيدرالي الديمقراطي؛ وانخرطت التنظيمات الحزبية والنقابية بعد أبريل 85’ في حوارات مكثفة مع الحركة الشعبية بحثا عن صيغة دستورية سليمة لإدارة التنوع وتحقيق المواطنة المتساوية؛ ثم جاء التوصل سنة 1988، إلى اتفاق الميرغني- قرنق، الذي رتب لوقف الحرب في الجنوب، وذلك عبر مؤتمر دستوري للاتفاق على نظام حكم يضمن حقوق شعوب السودان.

وإتفاق الميرغني – قرنق هذا، هو الإتفاق الذي استبقت مؤتمره الدستوري بالانقلاب الجبهة الإسلامية القومية –الفصيل العالم للمنظومة السلفية ولمعكسر البركة- وكان أول ما فعلته الجبهة بعد الانقلاب إدماج قوانين الشريعة في القانون والدستور والمؤسسات، وإعلان دولة دينية كاملة، ولكي تبقى في الحكم لمدة ثلاثين سنة ..

أثناء هذه الفترة دفع نظام الإنقاذ الديني جنوب السودان للانفصال، حتى “يخلص الأمر لتقويم المجتمع المسلم دون خلاف في أصل الملة”، بتعبير الدكتور حسن الترابي، أو ليصل التيار الديني بالدولة السودانية إلى نسبة ال98% التي ظل البعض يتباهى بها بعد انفصال الجنوب..

لم يقطع حكم الدولة الدينية إلا خروج الشعب السوداني عليها في ثورة غير مسبوقة هي ثورة ديسمبر 2018، ولكن لفترة قصيرة لم تستمر إلا عامين، لتعود الدولة الدينية مرة أخرى بانقلاب 2021، وبحرب أبريل 2023 الجارية، لتستقطع من سنوات الاستقلال السبعين حتى اليوم، 35 سنة في الحكم، أي نصفها كاملا..!

بهذا التسلسل التاريخي المختصر لما بعد رفع علم الاستقلال ربما تكون قد وضحت عشوائية واضطراب الفعل السياسي، و(ارتجاليته) الناتجة عن افتقار الدولة السودانية لضوابط دستورية وسياسية بل وأخلاقية لتنظيم العمل العام، وذلك فيما عدا تلك التجاذبات والديناميات المحكومة بالدوافع الدينية والطبيعية الكامنة، بداية، والمنظمة لاحقاً، التي أوردنا مجرياتها، والتي أنصبت في مجملها، وبحكم الحاضنة الاجتماعية المسلمة القابلة، إضافة إلى البذور السلفية التي بذرتها التركية السابقة في الدولة ورعتها من بعدها المصالح الاستعمارية البريطانية، وتماهي الحركات الدينية مع هذه المصالح- انصبت هذه التجاذبات في صالح المعسكر الديني وإقامة شرع الله، بصورته السلفية، بدافع أن ذلك، كما ذكرنا، سيؤدي تلقائيا إلى تنزل بركات السماء ..!

لمن أراد نموذجا إضافياً للسياسة الارتجالية وتجاذبات التيارين داخلها، فهناك حالة حل الحزب الشيوعي السوداني عام 1965..
تبدأ (الحكاية)، بأن طالباً في كلية التربية بجامعة الخرطوم، قال في ندوة يوم 8 نوفمبر 1965، إنه شيوعي، وتعرض في تلك الندوة للسيدة عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم.. تلقف الحادثة، بعد عدة أيام، أحد قادة جبهة الميثاق الإسلامي مفرداً، ورأى فيها فرصة للتخلص من الحزب الشيوعي السوداني، باعتباره الغريم الرئيسي لجبهته. نجح الرجل في كسب وزير الداخلية آنذاك لجانبه، وفي إقناع عدد من الطلاب وعدد من أعضاء حزبه وأحزاب أخرى بالخروج في تظاهرات هاجمت دور الحزب الشيوعي وطالبت بحله.

يوم 15 نوفمبر تقدم زعيم جبهة الميثاق بمقترح لطرد أعضاء الحزب المنتخبين من الجمعية التأسيسية، فوافقت الجمعية التأسيسية على المقترح وطردت النواب.. لكن بعد ذلك القراراتضح أن المادة 5 من الدستور، لا تسمح بذلك، بل تنص على أن (لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات).
فكان أن قُدم للجمعية بتاريخ 22 نوفمبر، أي بعد اسبوع من طرد النواب، مقترحا بتعديل المادة 5 (لطرد النواب بأثر رجعي) على النحو التالي (على أنه لا يجوز لأي شخص أن يروَج أو يسعى لترويج الشيوعية سواء كانت محلية أو دولية أو يروج أو يسعى لترويج الإلحاد أو عدم الاعتقاد في الأديان السماوية..)، وكان ذلك أول نص ديني يدخل الدستور، بعد حوالي 10 سنوات من رفع العلم..

أجيز التعديل يوم 8 ديسمبر بالأغلبية، لم يعارضه إلا نائب واحد (كمال الدين عباس)، الذي قال “إن هذا التعديل بطرد النواب، إنما هو طعنة نجلاء للنظام الديمقراطي .. الدساتير لم تقم لحماية الأغلبية من الأقلية، وإنما قامت وتقوم لحماية الأقلية من تغول الأغلبية”..! وذلك رداً على زعيم جبهة الميثاق، الدكتور حسن الترابي الذي كان يرى أن ليس للحقوق الأساسية في الدستور أي خاصية تميزها في التعديل على غيرها، ويمكن تعديلها بنصاب عادي، وأنه “لو صحت المفاضلة القانونية بين فصول الدستور، لكان فصل الحريات هو أضعفها لأنه يخضع للتشريع”..!

رد الاستاذ محمود محمد طه على الدكتور الترابي بأن المادة 5، مادة الحريات “غير قابلة للتعديل، لأنها جرثومة الدستور، التي يكون عليها التفريع .. إنها الدستور. فإذا عدلت تعديلاً يمكَن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي، فقد تقوض الدستور تقوضاً تاماً، ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي..”

رفع النواب المبعدون قضية دستورية لدي المحكمة العليا ضد تعديل الدستور..
بل عاد إثنان من أعلى قيادات الحزب الشيوعي (أحمد سليمان وعبد الخالق محجوب)، منتخبين كمستقلين إلى البرلمان، الذي طُرد منه زملاؤهم، أحدهما من دائرة رئيس مجلس السيادة ..!
حكمت المحكمة العليا بعدم دستورية التعديلات التي بموجبها جرى حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه..

فجاء الرد من رئيس الوزراء حينها، السيدالصادق المهدي بأن (الحكومة غير ملزمة بأن تأخذ بالحكم القضائي الخاص بالقضية الدستورية، لأنه حكم تقريري).

فاستقال رئيس القضاء أحتجاجاً على تغول الدولة على استقلال القضاء..!

شرعت الجمعية التأسيسية في وضع دستور إسلامي..
فنظم اليسار في مواجهة تلك الإجراءات انقلاباً عسكرياً على الجمعية التأسيسية والفترة الديمقراطية ..

عاد رئيس القضاء المستقيل، سنة 1969، على ظهر دبابة مع نظام مايو، رئيساً للوزراء..!

مثلت حالة حل الحزب الشيوعي السوداني نموذجاً مصغرا للحالة السياسة السودانية في سياقها العام طوال السبعين عاما منذ رفع العلم: العشوائية والارتجال وبالتالي اضطراب الفعل السياسي، الناتجة عن افتقاره لضوابط دستورية وسياسية، بل وأخلاقية ملزمة لتنظيم العمل العام.. داخل ذلك الارتجال والعشوائية تواصلت الديناميات المدعومة بوعي الآن من جبهة الميثاق الإسلامي، فاسهمت (بتحريم الترويج للشيوعية والإلحاد وعدم الإيمان بالأديان السماوية)، في دعم خطوات تهيئة الأوضاع اللازمة، أو إزالة العقبات المعرقلة -في اعتقاد هذا التيار- لتنزل بركات السماء ..

يتضح من عدد السنوات التي قضتها الحركة الإسلامية بمسمياتها المختلفة في الحكم، وما تمكنت من فعله في السودان، أن التيار الديني، أو ما أسميناه هنا معسكر البركة، قد سجل، وبرغم مقاومة قوية من عناصر عديدة للتيار الديمقراطي الفيدرالي- قد سجل تفوقاً كبيراً قارب السيطرة على الوضع في السودان، خاصة في ظل قيادة حركة الأخوان المسلمين في نسختها العالمة، منذ عام 1977، لهذا التيار..

في المقابل كانت النتائج كارثية على الدولة والمجتمع السوداني من كافة الجوانب، كما هو ماثل أمام أعيننا في حالة الحرب الحالية هذه الأيام، المتناسلة من حروب سابقة شاركت الدولة كل أعياد ميلادها تقريباً ..

فبحكم طبيعة عمل التيار الديني والمرامي النهائية التي يسعى إليها، والتي كررنا أنها إقامة شرع الله، بصورته السلفية، لتهيئة أوضاع تؤدي لتنزل (البركات)، بحسب اعتقاد هذه الجماعة.. أن هذا الإيمان يفصل الأهداف عن وسائلها، والنتائج عن مسبباتها، وفاءاً للعقيدة الجبرية السلفية، كما فصلها أبو حامد الغزالي في مسائله الفلسفية في كتابه (تهافت الفلاسفة) ..

ومعلوم، بما في ذلك لدى الحركة الإسلامية، أن الخير الذي ينتظره السودانيون، و لأجله تعددت ثوراتهم، إنما هو الانعتاق من ربقة الفقر وتحقيق التقدم والتنمية والازدهار والنهضة، لكن التيار الديني لا يتخذ وسائلا وسياسات تؤدئ مباشرة إلى هذه الأهداف، أي أنه لا يتخذ العمل والتخطيط ولا يعتمد البرامج والاستراتيجيات العلمية للوصول للأهداف المذكورة، وإنما يتوسل طرقاً غير مباشرة، هي تطبيق أحكام الشريعة التي تنزلت لمجتمع مختلف وفي زمن سابق بقرون كثيرة، باعتبار أن تطبيق هذه الحكام هو (الإيمان والتقوى) المذكورة في الآية 96 من سورة الأعراف، (وما أنزل إليهم من ربهم..) المذكورة في الآية 66 من سورة المائدة، اللتين أشرنا إليهما على أنهما أساس هذا المعتقد الديني للجماعات السلفية ..

المفارقة الكبرى كانت أن الحركة الإسلامية كأكبر تجمع للمتعلمين السودانيين، وبعضويتها المليئة بكفاءات علمية رفيعة في كافة جوانب التخصصات العلمية والإنسانية، والمتميزة في أساليب العمل الملتزم المنظم القائم على التخطيط الاستراتيجي- كانت المفارقة الكبرى أنها ركزت استخدام هذه الكفاءات العلمية الحديثة ومهارات التخطيط الاستراتيجي، ليس في وضع برامج وسياسات مباشرة لتحقيق التنمية والتقدم والنهضة للمجتمع السوداني، وهو ما لكانت أنجزته بجدارة، وإنما استخدمت كل تلك الكفاءات العلمية في تأصيل وتمكين نفسها في السلطة، من أجل إقامة أحكام الشريعة السلفية، وتحقيق تلك الأهداف بصورة غير مباشرة..!

آخر الأمر، كانت النتيجة الكارثية التي انتهت إليها الأمور وليدة ديناميات رباعية الأبعاد. فمن جانب، وكما رأينا في نقاشات لجنة الدستور، وقف التوجه الديني السلفي عائقاً قوياً معرقلاً للتوافق على مشروع وطني مشترك يلبي تطلعات السودانيين جميعاً في المشاركة والهوية.. ومن جانب ثان، قاد الاعتقاد الإيماني الخام إلى استقالة السياسة وموتها: فتُركت إشكالات الدولة والمجتمع المعاصر في السودان دون معالجات، وتركز الاهتمام على مشكلات متوهمة لم تكن قائمة أو ليست بتلك الأولوية، حجاب النساء مثلاً. فتفاقمت وتراكمت المشكلات الحقيقية وانفجرت حروباً ونزاعات لم تتوقف ..

ثالث هذه الأبعاد، أن أحكام الشريعة السلفية، المفروضة بقوة مؤسسات الدولة، وبحكم طبيعتها المفارقة لطبيعة ووظائف الدولة الوطنية الحديثة قد أوجدت معها مشاكل جديدة مرتبطة بها، بآليات (الاستدعاء)، وهي أن منظومة القوانين المطبقة تستدعي معها مناخاتها الاجتماعية الأصلية، أو جوانب منها .. على سبيل المثال استعادت القبلية قوتها بعد أن كانت بدأت في الانحسار نوعا ما في السودان..

هذا إضافة إلى أن انتشار الاعتقاد التقليدي المغلف بالقداسة وسط المجتمعات المسلمة، وقابليته للإستغلال من الجماعات المنظمة، قد أوجد منظومة مصالح واسعة، استخدمته للوصول إلى السلطة والتمسك بها.. وتبذل كل ما في وسعها للإبقاء عليه وإعادة انتاجه، على حساب المجتمعات نفسها، والمجتمع السوداني هو النموذج الأبرز هنا.

وبذلك تكالب الضغث على الإبالة ليفضيا إلى الانهيار الشامل الماثل في السودان اليوم..


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427