11 C
New York
الجمعة, مايو 15, 2026

whatsapp now

spot_img

من “بيت الأشباح” إلى الذاكرة الجماعية: تشريح اغتيال علي فضل في ضوء المادية التاريخية

  1. اللحظة التأسيسية للإرهاب: اغتيال الطبيب في سياق الانقلاب الطبقي

انبثقت سلطة ما سمي بالإنقاذ من رحم تحالف غير متماسك جمع أجنحة عسكرية مأزومة وبيروقراطية طامعة وحركة سياسية دينية تواقة للسلطة. كان التحدي الجوهري لهذا الكيان الوليد يتمثل في ترجمة سيطرته العسكرية المباشرة إلى هيمنة سياسية واجتماعية قادرة على الاستمرار. واجه النظام هذا التحدي عبر استراتيجية مزدوجة تقوم على تفكيك مؤسسات المجتمع المدني المنظمة بشكل منهجي، مع نشر الإرهاب المادي كأداة لفرض الصمت وإعادة تشكيل وعي الجماهير بالقوة.

جاء إضراب الأطباء في نوفمبر 1989 ليعبر عن أول مواجهة جماهيرية منظمة لهذا النظام الوليد، كاشفا عن هشاشته العميقة ونافذا حاجز الخوف الأولي. لم ينظر النظام إلى هذا الفعل النقابي باعتباره خلافا سياسيا قابلا للتفاوض، بل اعتبره تحديا وجوديا يهدد أسس حكمه في مرحلته الجنينية، مما استدعى ردا يتسم بوحشية استباقية تهدف إلى القطع النهائي مع أي إمكانية للمقاومة المنظمة.

وفي هذا السياق اكتسب اغتيال الدكتور علي فضل معناه التأسيسي الكامل. لم يكن الطبيب ضحية عشوائية ضمن حملة قمع عشوائية، بل كان هدفا محددا بدقة متناهية: ناشط نقابي بارز من خلفية يسارية، طبيب يمارس عمله في أوساط شعبية فقيرة، وابن لنقابي شيوعي معروف. حولت آلة النظام جسده إلى ساحة معركة رمزية، حيث مورس التعذيب الوحشي حتى الموت داخل ما عرف ببيوت الأشباح، بهدف إرسال رسالة مزدوجة: للأطباء والنقابيين بأن ثمن المقاومة هو الإبادة الجسدية، وللمجتمع بأكمله بأن السلطة الجديدة تمتلك أدوات لا حد لوحشيتها وقادرة على اختراق أي حرمة.

لكن الذروة الكاشفة في هذه الجريمة المؤسسة تجلت في لحظة ما بعد الوفاة. فمحاولة النظام فرض روايته عبر تقرير طبي مزور ينسب الوفاة لمرض الملاريا مثلت النواة الأولية لنمط حكم سيتطور لاحقا، قائم على تصنيع الحقيقة الرسمية كسلعة مغلوطة قسرا، وإخضاع المؤسسات المهنية الحارسة للحقيقة الموضوعية كالطب والقضاء لسلطة الجهاز الأمني. في المقابل، مثل رفض أسرة الشهيد لاستلام الجثمان والإصرار على تشريح مستقل أول اختراق عميق للرواية الرسمية، وبداية لتشكل ذاكرة مضادة ستتراكم طبقاتها عبر السنين.

يمثل استشهاد علي فضل بهذا المنظور لحظة التراكم الأولي للإرهاب كرأس مال سياسي للنظام الجديد. فقد برهنت الجريمة على قدرة السلطة الناشئة على توظيف أدوات الدولة ذاتها في تنفيذ عمليات تصفية خارج إطار القانون، وعلى استراتيجيتها في تجريد الخصم من إنسانيته كوسيلة لنزع شرعيته السياسية. تحولت بيوت الأشباح إلى مختبرات حقيقية لتقنيات الحكم القمعي، تقنيات ستتوسع نطاقا ووحشية في السنوات اللاحقة لتصبح سياسة ممنهجة في أقاليم السودان المهمشة، مؤكدة أن الدم الذي سال في أبريل 1990 كان مجرد الشرارة الأولى لعاصفة عنف منهجي اكتشفت خلاله السلطة أن جريمة القتل الفردي، عندما ترتكب بآلية الدولة وتغلف بقانونيتها الزائفة، تتحول إلى حجر أساس في صرح استبداد قادر على إعادة إنتاج نفسه.

“إن العنف هو القابلة القانونية لكل مجتمع قديم يحمل في أحشائه مجتمعا جديدا.”
كارل ماركس.

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,800SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427