9.3 C
New York
الأحد, مايو 3, 2026

whatsapp now

spot_img

المهمّشون: من خطاب التحرر إلى هندسة التهميش (4)

بقلم: طلب الختيم

إذا كانت تجارب الكفاح المسلح قد كشفت حدود قدرتها على تفكيك بنية التهميش، فإن السؤال لم يعد يتعلق بالكلفة أو النتائج المباشرة، بل بقدرة كل مسار—المسلح والسلمي—على إنتاج ما هو أعمق: قيادات قادرة على صناعة التحول، وحلول قادرة على الاستمرار.

فوسيلة النضال لا تحدد شكل المواجهة فحسب، بل تعيد تشكيل الفاعلين أنفسهم. الكفاح المسلح، بحكم طبيعته، ينتج قيادات تتكوّن داخل بيئة مغلقة تقوم على الانضباط، مركزية القرار، ومنطق السيطرة. تمنحه هذه الخصائص قدرة على الحسم، لكنها تضعف قدرته على إنتاج قيادة سياسية مرنة قادرة على إدارة التنوع والتفاوض الاجتماعي بعد الحرب.

لذلك، كثيرًا ما تنتقل قيادات العمل المسلح من “المقاومة” إلى “السلطة” دون تحول في أدوات التفكير أو الإدارة، فتستبدل منطق التحرر بمنطق السيطرة؛ لا لأن النوايا تبدلت، بل لأن البنية التي أنتجتها لم تُهيئها لغير ذلك.

في المقابل، يميل النضال السلمي إلى إنتاج قيادات تتشكل في فضاء أكثر انفتاحًا، قائم على التفاعل المجتمعي، التفاوض، وبناء التحالفات. هذه البيئة لا تضمن النجاح، لكنها ترفع احتمال ظهور فاعلين قادرين على إدارة التعقيد لا مجرد مواجهته.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن النضال السلمي أكثر نجاعة بطبيعته، أو أن الكفاح المسلح عاجز بالضرورة. فالتجارب الدولية تُظهر أن المسارين قد ينجحان أو يفشلان؛ والمأزق لا يكمن في الأداة، بل حين تتحول إلى بديل عن المشروع بدل أن تخضع له.

في تجارب مثل جنوب أفريقيا، لم يكن التحول نتاج الكفاح المسلح وحده، بل حصيلة تراكم سياسي وجماهيري طويل، وبناء مؤسسات حزبية ومدنية قادرة على حمل مشروع ما بعد الصراع. أي أن القيادة اختُبرت في البناء بقدر ما اختُبرت في القتال.

في ذات السياق، تكشف تجارب أخرى—في أفريقيا وأمريكا اللاتينية—أن الحركات المسلحة التي تصل إلى السلطة دون تطوير بنية مدنية موازية، تعيد إنتاج الحكم كامتداد لمنطقها العسكري. ففي حالات مثل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا في أنغولا، والاتحاد الوطني الإفريقي لزيمبابوي – الجبهة الوطنية في زيمبابوي، وكذلك الجبهة الساندينية للتحرير الوطني في نيكاراغوا، يتكرر نمط انتقال الحركات من منطق التحرر إلى منطق السيطرة، حيث تُختزل الدولة في شبكات ولاء وتُدار بعقلية الغلبة لا بعقلية البناء المؤسسي.

وتقدم التجربة السودانية مثالًا كاشفًا لهذا التعقيد. فـتجربة الحركة الشعبية لتحرير السودان في جنوب السودان، رغم نجاحها كفاعل سياسي وعسكري، كشفت—بعد الوصول إلى السلطة—عن حدود الانتقال من قيادة عسكرية إلى مشروع سياسي مؤسسي. إذ تحولت تحديات بناء الدولة إلى أزمات بنيوية في إدارة السلطة والتنوع، ما يعكس فجوة عميقة بين منطق التحرر ومنطق الحكم.

وفي المقابل، تُظهر الأحزاب السياسية القديمة والحديثة مثابرة في العمل المدني، لكنها تعاني من اضطراب مؤسسي عميق وغياب راسخ لآليات التداول الداخلي، ما يعوق ترفيع قيادات قوية ومؤثرة ومعبرة عن القوى الاجتماعية المختلفة. وقد ظلت، في كثير من الأحيان، أسيرة الولاءات التاريخية والانقسامات، عاجزة عن تطوير أدوات حديثة للعمل السياسي أو تجديد نخبها بصورة منتظمة، الأمر الذي يُبقيها خارج القدرة الفعلية على إحداث تحول سياسي مستدام.

أما تجربة الإسلاميين في الحكم، فقد قدّمت نموذجًا يقوم على مشروع أيديولوجي متناقض ومتصادم مع حقائق الواقع الاجتماعي والثقافي في السودان، وقد انتهى عمليًا إلى إعادة إنتاج السلطة عبر أجهزة الدولة دون بناء مؤسسات مستقلة. وأسهم ذلك في ترسيخ شبكات الفساد والتمكين، وتعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي، وتوسيع الفجوة بين الشعارات والممارسة، بكلفة إنسانية باهظة وتآكل مستمر في ثقة المجتمع بالدولة.

بهذا المعنى، لا تبدو الأزمة في السودان حكرًا على مسار دون آخر، بل في ضعف القدرة العامة—مسلحًا ومدنيًا—على إنتاج مشروع يتجاوز الأداة ويبني مؤسسات قادرة على الاستمرار خارج لحظة الصراع.

وهنا يتحدد السؤال: ليس أي المسارات نختار، بل أيها قادر على إنتاج قيادة لا تُختزل في أداتها، ومشروع وطني يعالج جذور الأزمات، ومؤسسات تصمد بعد انقضاء الصراع، لا تتهاوى بانتهائه.

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,800SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427