22 C
New York
الخميس, يونيو 4, 2026

whatsapp now

spot_img

ماذا يريد جبريل إبراهيم؟ (2)

إن نظام المساعدات الدولي، القائم في جوهره على مفارقة “الإغاثة والتنمية مقابل الموارد المستنزفة”، قد أسال لعاب جبريل ابراهيم وتوجه نحو تبني نهج “الخصخصة العنيفة للدولة”.. لـ تشكيل مركز سلطة جديد عبر سحق الخصوم السياسيين (قوى الحرية والتغيير) وترويض مراكز القوى التقليدية داخل الحركة الإسلامية، حتى وإن تم ذلك على حساب المواطنين (من مسقط رأسه لـ الميناء مروراً بالعاصمة)، في عملية تغيير غير مدروسة لليساق المحلي والخارطة الجيوسياسية.

وفقاً لتقرير الأونكتاد 2020، تخسر أفريقيا سنوياً حوالي 88.6 مليار دولار نتيجة التدفقات المالية غير المشروعة، بمعدل زيادة يتراوح بين 5-11% تبعا لحالة الاستقرار.. وبينما كانت مساهمة العصابات العاملة في السودان تمثل 5.6% (حوالي 4.9 مليار دولار) قبل الحرب، فإن التقديرات المرصودة لعام 2025 ، وتشير إلى قفزة مرعبة لتصل إلى 15.2% من القيمة الكلية المهربة من عموم افريقيا.. وبحساب القيمة الإجمالية المتوقعة لـ التهريب في عام 2025، نجد أن السودان وحده ينزف حوالي 14.7 مليار دولار سنوياً، منها نحو 13 مليار دولار من الذهب الذي يجد طريقه إلى “دبي” وحدها.

هذه الأموال المنهوبة يعود جزء ضئيل منها للقارة في شكل مساعدات إنسانية وتنموية (53 -60 مليار دولار سنوياً).. إلا أن نصيب السودان تراجع بشكل حاد ليراوح بين 1- 1.3 مليار دولار حالياً؛ وهي انتكاسة كبرى مقارنة بنسبة 7.4% التي كان يحصل عليها خلال الفترة الانتقالية الاخيرة حينها، كانت المساعدات التنموية تفوق الإنسانية بثلاثة أضعاف، مدعومة بتدفقات ثنائية (سلعية ونقدية) وتقدم ملموس لإعفاء 50 مليار دولار من الديون التاريخية.

وفوق الأزمة الإنسانية غير المسبوقة، تسببت تركيبة نظام الحكم الحالي ومركزها المالي: جبريل إبراهيم في “نزيف مالي” يخدم طموحه في الحكم منفردا لكامل الحدود السياسية، حتى لو تحول السودان بموجب ذلك إلى مجرد “ممر للموارد” بدلاً من “دولة تنموية”.. وادت سياساته بالفعل لنوع من “الصوملة الاقتصادية” وقسمت البلاد إلى جيوب تسيطر عليها جماعات فاقدة للرؤية.

ويتضح ولع الوزير بـ “دبلوماسية الموانئ” (سياسة عنق الزجاجة) كأداة لتحقيق مشروعية وكالته السيادية؛ حيث ينخرط في مقايضات بدائية مع القوى الفاعلة (روسيا، إيران، وقوى البحر الأحمر التاريخية) للحصول على اعتراف وامتيازات عسكرية مقابل الموارد، وهو ما يفسر تخليه السهل عن “العمق الجغرافي للاقتصاد” في دارفور، كردفان، والجزيرة.

ولأن مشروعه لا يتحمل وجود النخب المتعلمة والمهنيين، فقد عمل على عملية “هدم منظم” للخدمة المدنية عبر دفع المعلمين والأطباء والمهندسين نحو النزوح واللجوء.. وتم من خلاله تحويل ميزانية الدولة بالكامل نحو “المجهود الحربي” وشراء الولاءات، مما شرع الأبواب أمام “دولة الميليشيات والولاء”، ويفتقد الاخيرة قبل الحرب حتى داخل المكتب التنفيذي لحركته.

وبالوقت الذي كان ينتظر فيه السودانيين “نقطة الإكمال” لإعفاء ديونه وانطلاق مشاريع الإعمار الكبرى، نجد البلاد تساق نحو مسار “الدولة المنبودة ائتمانياً” لعقود قادمة وتُباع الأراضي والامتيازات لجهات غير رسمية، فقط ليمتلك الوزير “شرعية التمويل الذاتي” من الموارد المنهوبة، مقامراً بمستقبل البلاد.

منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الإثنين 13 ديسمبر 2025

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,800SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427