11.6 C
New York
الأحد, أبريل 19, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 14

نساء ضد الظلم

بيان إدانة لاب إرهابى

فى مارس المرأة ومارس الام ونحن نحتفى بيوم المرأة العالمى/8/مارس وعيد الام/21/مارس، فاجأتنا مواقع التواصل الاجتماعى بتداول فيديو لضابط من “كتائب البراء” المحسوبة على الجيش السودانى ضمن مليشياته التى اشعلت الحرب ودمرت البلاد.. الفيديو يعتبر واحد من مظاهر جرائم الحرب التى مارستها المليشيات من الطرفين ضد الشعب السودانى من جرائم قتل خارج إطار القانون وتمثيل بالجثث وإهانة القتلى والعبث بكرامة الانسان وعدم احترام حرمة الموت..
هذا الى جانب ما يمثله الفيديو من انتهاك صارخ لحقوق الطفل وتعريضه لبشاعة الممارسات اللا انسانية ضد الخصوم وتغذية عقولهم البريئة بمظاهر العنف الجائر وتجسيد الكراهية فى اقبح صورها..
ونحن فى “نساء ضد الظلم” إذ ندين هذا الفعل الوحشى نطالب جميع منظمات حقوق الانسان وحقوق الطفل المحلية
والدولية بتوثيق هذه الجريمة والمطالبة بالقاء القبض على هذا الاب المجرم والمجرد من معنى الابوة وتقديمه للعدالة الدولية.. ونجدد المطالبة باعلان “الحركة الاسلامية السودانية” وعلى رأسها المؤتمر الوطنى وكتائب البراء حركة ارهابية ومطاردة قياداتها ورموزها وتسليمهم للعدالة الدولية وفى مقدمتهم المجرم المعزول عمر البشير وزمرته من الهاربين من المحكمة الجنائية الدولية.

الحركة الاسلامية تنظيم ارهابى

الحرب لازم تقيف

اطفال الوطن امانة فى اعناقنا

11/مارس/2025

اهم الاخبار السودانية من قناة نادوس الثلاثاء 10/03/2025

  • البرهان: لاتفاوض مع الدعم السريع والمشتركة خارج الشمالية.
  • الهادي ادريس: تشكيل الحكومة الجديدة خطوة نحو وحدة السودان وليس تقسيمه.
  • النائب العام: سنحاكم المتهمين غيابياً خلال اسبوع.
  • فصائل مجلس الصحوة الثوري الديمقراطي تفكر بالالتحاق بميثاق السودان التأسيسي.
  • وزير الدفاع يكشف عن خطة للتصدي للمسيرات
  • الجيش يطوق القصر الرئاسي ويتأهب لفك حصار الفاشر
  • مسيرات تستهدف سد ستيت بولاية القضارف والمضادات تتصدى
  • النائب العام: عدد البلاغات المسجلة لسيارات مفقودة تجاوز 39 ألف بلاغ
  • تدهور الأوضاع الأمنية والصحية بمنطقة جنوب الحزام ومناشدات للمنظمات بالتدخل
  • لمجابهة التكاليف المتزايدة للإنتاج: زيادة جديدة في تعرفة الكهرباء لجميع القطاعات

التفاصيل

في تصريح جديد، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رفضه الدخول في أي مفاوضات مع قوات الدعم السريع “المتمردة”. وأكد في خطابه بولاية نهر النيل أنه لن يعود للتفاوض إلا بعد جمع عناصر الدعم السريع في مواقع محددة، وتجريدهم من السلاح، ومحاسبتهم.

وقدم البرهان تحية للقوات التي تدعم الجيش في الصراع الدائر، بما فيها القوة المشتركة، مشيرًا إلى أن هذه القوة في طريقها إلى شمال دارفور، مؤكدًا عدم التفرقة بين مدن السودان المختلفة .

وكان سكان الولاية الشمالية وشرق السودان قد طالبوا في وقت سابق بطرد القوات المشتركة من أراضيهم، وهو ما رأته قيادة القوات المشتركة استهدافًا لها من جهات معروفة.

يمثل هذا القرار تطورًا جديدًا في الأحداث الجارية ويشير إلى تصاعد التوترات بين الأطراف المتحالفة ضد قوات الدعم السريع، مما يثير القلق بشأن النتائج المحتملة لهذا القرار وتأثيره على الوضعين السياسي والأمني في المنطقة.

أكد الهادي إدريس، رئيس الجبهة الثورية السودانية والقيادي في تحالف السودان التأسيسي، أن الاتهامات الموجهة إليهم بتقسيم السودان هي “فرية” وتضليل متعمد. وفي حوار خاص مع “اندبندنت عربية”، أوضح دكتور الهادي إدريس أن الحكومة الموازية المحتملة تسعى لتحقيق الأجندة الوحدوية وتحقيق العدالة للضحايا المظلومين، مشددًا على أن الحكومة الحالية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، فقدت شرعيتها.
كما أشار الهادي إدريس إلى رفضهم لمقولة “عفا الله عما سلف”، مؤكدًا على أن ملاحقة جميع المرتكبين لانتهاكات حقوق الإنسان ستكون حتمية، بغض النظر عن الجهة المسؤولة. وبيّن أن تشكيل الحكومة الجديدة يهدف إلى وقف انتهاكات الحرب في المناطق المتضررة، مع التأكيد على أن هذه الخطوة ليست سببًا لتقسيم البلاد وإنما تعكس رغبة في إقرار العدالة وتحقيق الاستقرار الوطني.

أصدر النائب العام في حكومة الأمر الواقع في بورتسودان قرارًا يقضي بمحاكمة العشرات من السياسيين والإعلاميين والناشطين الحقوقيين غيابيًا، بعد توجيه اتهامات لهم بموجب عدد من المواد الجنائية، بما في ذلك مواد عقوبتها الإعدام. وفي سبتمبر العام الماضي صرّح النائب العام بأنه طلب من الإنتربول إصدار نشرة حمراء للقبض على المتهمين وتسليمهم للنيابة العامة. ومع ذلك، لم يحظ طلبه بالاهتمام اللازم من قبل الشرطة الدولية. تجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات تُعتبر سياسية وليست قانونية وفقًا لرأي القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

أكد مصدر من مجلس الصحوة الثوري، بقيادة دكتور موسى الغالي حارن، أنهم اقتربوا من التوصل لحد ادني من الاتفاق مع قيادة الدعم السريع لمراجعة الميثاق التأسيسي الذي وُقِّع في نيروبي هذا العام.
وفي وقت سابق، أعلنت فصائل مجلس الصحوة الثوري من خلال فيديو مسجل داخل الخرطوم أن قوات الدعم السريع قد مارست الإقصاء ضد فصائل شاركت بقوة وثبات في الحرب ضد الجيش السوداني. وأكدوا أن ما تم في نيروبي لا يعبر عن رؤيتهم، مشددين على ضرورة معالجة هذه الاختلالات. وأوضحوا أنه في حال عدم الاستجابة، فإن الفصائل ستتخذ موقفاً حيال ذلك.

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(8 – 20)

“لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

مصر وثورة ديسمبر 2018

منذ أن فشلت خطة حكومة صدقي باشا، ومن بعده الرئيس جمال عبد الناصر في جعل الأحزاب الاتحادية السودانية وكيلاً لخدمة مصالح مصر في السودان، بسبب ثبوت ضعف قدراتها على أداء تلك المهمة، على الرغم من الولاء الشديد الذي ظلت تبديه لمصر، اتجهت الأنظمة المصرية إلى خطةٍ أخرى. تمثَّلت تلك الخطة في عرقلة الديمقراطية في السودان عن طريق صنع الانقلابات العسكرية، أو الإسراع في دعم التي لم تشارك في صنعها، والتسويق لقبولها في البلدان العربية. ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة حريصةً على الدوام على أن تكون الأنظمة في السودان أنظمةً عسكرية. لذلك، كان أفضل الخيارات للأنظمة المصرية المتعاقبة أن يحكم السودان جنرالٌ بيدٍ من حديد، ويكون في نفس الوقت معتمدًا عليها في الدعم السياسي والدبلوماسي ليصبح، من ثم، خاضعًا لإرادتها. وقد ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة تمارس في هذا المنحى مختلف صنوف الابتزاز للجنرالات الذين تعاقبوا على حكم البلاد. حدث هذا مع الفريق إبراهيم عبود، الذي أعانها في ترحيل أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية، بكل ما حوت من مقدرَّات، لتتمكن مصر من إنشاء السد العالي. كما حدث مع الرئيس جعفر نميري الذي بدأ قوميًا عربيًّا وانتهى بإعلان نفسه خليفة للمسلمين في السودان في عام 1983. واستمر أيضًا نهج الهيمنة والتحكم من على بعد في فترة حكم الرئيس عمر البشير الذي بدأ عدوًا لمصر حين كان هو والدكتور حسن الترابي في مركب واحد. لكن ما لبث أن أبعد البشير الترابي عن السلطة في نهاية التسعينات من القرن الماضى وسار كسابقيه في طريق الخنوع للإرادة المصرية.

نزعة الترابي في تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي، وأحلامه الشاطحة بخلق قوة إسلامية مناطحة للغرب، ورطت نظامه في أخطاء فادحة. هذه الأخطاء الفادحة إلى جانب استخفافه بالرئيس عمر البشير ومحاولة جعله مجرد دمية تجلس في الواجهة، باعدت بين الرجلين. الأمر الذي قاد إلى ما سُمي “المفاصلة” التي جرت في نهاية التسعينات من القرن الماضي. هذه الأخطاء وهذا التباعد بين الحليفين صب، في المحصلة النهائية، في مصلحة النظام المصري. من هذه الأخطاء الفادحة التي صبت في صالح مصر، محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995، التي ثبت أن نظام البشير في السودان هو الذي دبرها. كما سبقت ذلك استضافة النظام السوداني للإرهابي أسامة بن لادن وأيضًا مشاركة النظام في تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، وفي حادثة المدمرة كول على سواحل اليمن. كل هذه الأفعال التي أغضبت العالم وأزعجت الإقليم، منحت مصر فرصةً ذهبيةً لتنخرط في ترويض نظام الإسلامويين في السودان، عن طريق الضغوط. أصبحت مصر، داعمةً بالصوت العالي للعقوبات على السودان. وقد كسبت مصر من ذلك على صعيدين. الصعيد الأول: ترويض نظام الرئيس عمر البشير ووضعه تحت قبضتها. أما على الصعيد الآخر، تكبيل السودان من أن يصبح قوة اقتصادية لها قدرات صناعية، لأن تحول السودان إلى دولة تصنع منتجاتها يحرمها من واحد من أهم أهدافها وهو أن يبقى السودان مجرد مصدر تأخذ منه المواد الخام لتُصَنِّعَها هي وتصدرها نيابة عنه. وسنعرض إلى ذلك بتفصيل أكبر، في حلقةٍ قادمة. خلاصة القول، عبر تشديد العقوبات على نظامه وتزايد ضغوط العزلة عليه، أدرك الرئيس المخلوع عمر البشير أن مصر هي من يسمع منها المجتمعان؛ الدولي والإقليمي، فيما يتعلق بشؤون السودان. فانتقل من حالة العداء الأولى ونهج المصادمة ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي إلى حالة من الرضوخ والاستسلام التام.

مصر والفريق البرهان

أما السيطرة المصرية على مجريات الأمور في السودان، عبر حاكمٍ عسكريٍّ سوداني، التي ظهرت في فترة صعود الفريق عبد الفتاح البرهان إلى دست الحكم في السودان منذ 2019، فقد فاق كل ما حدث في السابق. فمنذ صعود البرهان إلى الحكم، كرئيسٍ لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، وفقًا للوثيقة الدستورية، قام بإلقاء نفسه بالكلية في الحضن المصري. ويبدو أن البرهان قد عرف بالتجربة الطويلة، ومن كونه ضابطًا قياديًّا ضمن منظومة حكم الرئيس البشير، أن مصر تريد، على الدوام، حاكمًا عسكريًا للسودان وأنها لا تترد قط في دعمه. بعبارة أخرى، وقوع من يحكم السودان تحت سيطرتها يضمن له أطول مدةٍ للبقاء في السلطة. هنا، تطابقت رغبة مصر مع رغبة الفريق البرهان في تحقيق رؤيا أبيه بأنه سيكون حاكمًا على السودان. وهي رؤيا لم يجد الفريق البرهان بأسًا في أن يحكيها للناس في أول مقابلةٍ متلفزةٍ له مع قناةٍ فضائيةٍ دوليةٍ، بعد توليه رئاسة مجلس السيادة. أيضًا، عرف البرهان أن وجود الإسلاميين في صفه في اللحظة الراهنة، على أهميته بالنسبة له، سوف يقف، في لحظةٍ قادمةٍ ما، حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه بالانفراد بالسلطة. وهو يعرف أصلاً أن مصر ستقبل مرحليًا دعم الإسلامويين له حتى تجتاز سيطرته على الأمور مرحلة الخطر، لكنها ستدفعه لاحقًا للتخلص منهم. كل هذه العوامل جعلت الفريق البرهان يختار إسناد ظهره بالكامل إلى مصر. باختصار شديد، وجد الفريق البرهان في مصر ضالته، ووجدت مصر فيه ضالتها. ومن هنا، بدأ تعاون مصر والبرهان للقضاء على الثورة السودانية، عبر مختلف التكتيكات.

تزايد التعاون الاستخباراتي

منذ أن اعتلى الفريق البرهان رئاسة مجلس السيادة، تكثفت زيارات اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية، المعلنة وغير المعلنة، إلى السودان. كما تكررت زيارات الفريق عبد الفتاح البرهان، المعلنة وغير المعلنة، ومعه فريق مخابراته إلى القاهرة. لم يكن يمضي شهر أو شهران، إلا وكان عباس كامل وفريقه الاستخباراتي في الخرطوم. لقد كان التنسيق بين المخابرات المصرية والفريق البرهان وأجهزته الأمنية من أجل إجهاض الثورة، واضحًا وضوح الشمس. وقد كانت هناك محطاتٌ بارزةٌ عكست ذلك التنسيق. ومن أغرب الأمور التي حدثت بعد الثورة، لجوء مدير جهاز المخابرات السودانية في فترة حكم البشير، صلاح قوش، إلى مصر. فرئيس جهاز المخابرات هو حامل أسرار الدولة، ولا ينبغي أن يصبح عقب تركه منصبه ضيفًا على دولة أخرى، بل، وبصفة لاجئ. خاصةً في حالة العلاقة بين مصر والسودان التي تحكمها الأطماع وتديرها مصر على أساسٍ أمني واستخباراتي بحت.

هذا التهاون الأمني السوداني الذي خلقه نظام الفريق البشير، حدث في سابقةٍ أخرى، لا تقل غرابة. فمدير مكاتب الرئيس المخلوع عمر البشير، طه عثمان الحسين، الذي قام البشير بطرده من منصبه، التقطته المملكة العربية السعودية عقب طرده مباشرةً وعينته مستشارًا لديها للشؤون الإفريقية. أيضًا، لجأ إلى مصر واحدٌ من أكبر رموز نظام البشير وهو والي البحر الأحمر السابق، محمد طاهر آيلا. أقام آيلا في مصر لمدة ثلاث سنوات عقب قيام الثورة وعاد بعد انقلاب البرهان في أكتوبر 2021، ليجري استقباله في بورتسودان بصورةٍ رسمية، رغم أنه كان من المطلوبين للعدالة الذين هربوا في بدايات الثورة. وقد وصل آيلا إلى بورتسودان في وقت اكتملت فيها حلقات مؤامرة خنق حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، خاصة عقب إغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد. لذلك، كان واضحًا لمن يتابعون تصاعد تضييق الخناق على الثورة، آنذاك، أن مطبخًا للتآمر على الثورة السودانية ظل يقوم بمهمته من القاهرة، بالتنسيق مع الفرق البرهان وقوى الثورة المضادة في الداخل السوداني.

مصر ومجزرة فض الاعتصام

كان أول تحدي للبرهان ولمصر، الاعتصام الضخم الذي أقامه الثوار على مدى أربعة أشهر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ورغم تصريحات القادة العسكريين بأن الاعتصام لن يجري فضه، شرعت القوى الأمنية في شيطنة الاعتصام بإدخال المخدرات والمتعاطين إليه عبر عناصرها. كما أدخلت فتياتٍ وشبانٍ مكلفين بالقيام بأفعالٍ مخلة بالآداب وتصويرها ونشرها لتستخدمها غرف الثورة المضادة الإلكترونية في تشويه صور الاعتصام والمعتصمين أمام الرأي العام. وبعد واحدةٍ من زيارات البرهان إلى القاهرة وعودته إلى الخرطوم حدثت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019. وقد كانت استنساخًا لتجربة مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة بواسطة قوات الأمن المصرية.

لم يقض فض الاعتصام على جذوة الثورة كما كان منتظرًا منه. وظهرت الثورة أكثر قوةً وزَخْمًا في التظاهرات التي ملأت شوارع الخرطوم، في 30 يونيو 2019. أحنى البرهان وعسكريوه رؤوسهم، مؤقتًا، لتلك العاصفة. وتوصل الحوار بين قوى الحرية والتغيير إلى إنتاج الوثيقة الدستورية التي بموجبها تشكل مجلس السيادة وتشكلت الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور عبد الله حمدوك. لكن التكتيكات للقضاء على الثورة، لم تتوقف قط. فقد تضافرت جهود الفريق البرهان، والعسكريين في مجلس السيادة، وحزب الرئيس البشير المحلول، المؤتمر الوطني، الذي ظل رغم حله ممسكًا بكل مفاصل الحكم، في وضع العراقيل أمام حكومة حمدوك. وكان الهدف من ذلك، أن يفقد الشعب الثقة في كفاءتها، ويتهيأ الرأي العام من ثم للإطاحة بها.

تجفيف السوق وخلق الضوائق

كان أول ما بدأ به الفريق البرهان وقوى النظام القديم في هذا المخطط، هو تجفيف السوق من السلع الضرورية. فشرعوا في خلق الاختناقات في الوقود؛ من بنزين وجازولين وغاز طهي. كما خلقوا، أيضًا، أزمةً في دقيق الخبز، بل وفي إمدادت الكهرباء والمياه. إلى جانب ذلك، أشعلت الأجهزة الأمنية اضطراباتٍ عرقيةً داميةً في عددٍ من مدن السودان. كما عمدوا إلى خلق سيولةٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ في العاصمة. وأصبحت ما تسمى عصابات “النيقرز” التي يشرف عليها جهاز الأمن، تنهب الناس في الشوارع، في وضح النهار، تحت التهديد بالسواطير والمُدَي، مع تقاعسٍ مُتَعَمَّدٍ من قِبَل قوات الشرطة عن التدخل. ثم أعقبوا ذلك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين ميناء بوتسودان وبقية مدن البلاد، كما سبق أن ذكرنا. وتولى تلك المهمة الزعيم القبلي في شرق السودان، محمد الأمين تِرِك مستخدمًا أفراد قبيلته. والرجل أصلاً عضوٌ في المؤتمر الوطني، حزب الرئيس المخلوع عمر البشير الذي حكم البلاد لعقود. حدث هذا الإغلاق في سبتمبر 2021 واستمر لمدة شهر تقريبا. وبعد أن اكتمل الخنق وتأزمت الأوضاع المعيشية وجرى إظهار حكومة حمدوك بمظهر العاجز عن الحكم، وإظهار ضعفها عبر حملات إعلاميةٍ ضخمةٍ لبلبلة الرأي العام، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه على الوثيقة الدستورية، وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021. حدث ذلك، أثناء فترة إغلاق محمد الأمين تِرِك للميناء وللطريق البري. وقد تغاضى الفريق البرهان وعسكريوه عن ذلك التعدي الخطِر الذي تمثل في إغلاق الميناء وقطع الطريق البري، فلم يقوموا بأي تدخل رغم خطر تلك التعديات الخطِرة على اقتصاد البلاد ومعاش الناس. وبالفعل، أحدث إغلاق الميناء والطريق البري أزمةً في دقيق القمح وفي نقل البضائع بين الميناء وبقية البلاد، كما ضاعف أسعار السلع، بصورةٍ كبيرةٍ جدا.

ميناء العين السخنة بدلا عن بورتسودان

منذ نوفمير 2020 أخذت المشاكل المفتعلة تحيط بميناء بورتسودان. وقد كان من الممكن حل تلك الإشكالات لولا أن تلك الإشكالات قد تُركت لتتفاقم عمدًا ويجرى، من ثم، توظيفها سياسيًا. أحدثت مشاكل الميناء تذمرًا كبيرًا في أوساط المصدِّرين والمتورِّدين . وبدأت تظهر أقتراحات بالتحول إلى ميناء مصوع على البحر الأحمر في دولة إريتريا. وهو ميناء يبعد حوالي 500 كيلو متر من وسط السودان. وقيل في تبرير التحول إليه أنه ميناء تعمل به 9 رافعات حديثة، في حين أن ميناء بورتسودان تعمل به 6 رافعات وهي رافعات كثيرة الأعطال. في نفس تلك الفترة، أعلنت جمهورية مصر العربية أنها قد رحبت بطلباتٍ تلقتها من شركات سودانية لفتح الموانئ المصرية لعمليات الإستيراد وتصدير المنتجات السودانية. (راجع صحيفة “الراكوبة” الإلكترونية على الرابط: https://shorturl.at/gw9ih ). ومن الغريب، أن تتلقى مصر الطلبات من الشركات السودانية لاستخدام ميناء العين السخنة الذي يبعد من الخرطوم في وسط السودان أكثر من 1600 كيلومترا، ومن مدينة نيالا في دارفور أكثر من 2500 كيلومترًا. ولا يكون الاختيار لميناء مصوع الذي يبعد 500 كيلو متر من مدينة القضارف في شرق السودان، وحوالي 1700 كيلومترا من نيالا في دارفور. كما أوردت صحيفة “العربي الجديد”، أن وزارة المالية المصرية قالت إنه تم التوافق مع الجانب السوداني على الإجراءات اللوجستية اللازمة لاستخدام الموانئ المصرية، خاصة ميناءي العين السخنة والسويس، في تصدير المنتجات السودانية واستيراد احتياجات السودان من العالم. (راجع: صحيفة “العربي الجديد”، على الرابط: https://shorturl.at/pNwK5).

الشاهد، عندما قام الزعيم القبلي محمد الأمين ترك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد في سبتمبر 2021، تحولت حركة الصادر والوارد إلى ميناء العين السخنة والسويس في مصر. وهو أمر صب في مصلحة مصر التي أصبحت المنفذ البحري الوحيد لحركة الصادر والوارد السودانية. قاد هذا التحول إلى زيادة تكاليف الشحن والنقل، وأدى، في نهاية الأمر، إلى ارتفاع السلع في السودان. فازداد بذلك الضغط على المواطنين الذين كانوا يعانون أصلاً من الضغود المفتعلة التي ظل الفريق البرهان وقوى النظام القديم يخلقونها لخدمة أهدافهم السياسية المتمثلة في القضاء على الثورة. حين اكتملت دائرة الضغوط على المواطنين على هذا النحو ووصل الخنق المتعمد للمواطنين ذروته، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه في 25 أكتوبر2021 على الوثيقة الدستورية ليطيح بحكومة عبد الله حمدوك ولتتداعي الأمور، في نهاية تفاعلاتها، إلى هذه الحرب البشعة المدمرة التي تجري حاليًا.

(يتواصل)

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(7 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِكَ، ما لم تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

لا أظن أن هناك استعمارًا تغلغل عبر مسارات عديدة، وتمكن من الإمساك برقبة البلاد التي استعمرها، كما فعل الاستعمار المصري الخديوي في السودان. ولأن الاستعمار المصري الخديوي وما تلته من أنظمة حكم مصرية واصلت نهج احتلال عقول السودانيين، فقد بقيت الهيمنة المصرية على السودان راسخةً، رغم خروج الجيوش المصرية من أرض السودان مرتين. كانت المرة الأولى بسبب الثورة المهدية واستعادة الخرطوم على أيدي المهدويين في عام 1885. وكانت المرة الثانية حين طرد الإنجليز الجيش المصري من الخرطوم، وانفردوا بحكم السودان، عقب مقتل البريطاني، السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم السودان، في القاهرة، في عام 1924.

الري المصري

من أغرب نماذج الغفلات التي أدت إلى انتهاك السيادة الوطنية السودانية، ما جرى في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان (1898 – 1956)، من سماحٍ لمصر لكي تنشئ مؤسسةً ضخمةً داخل السودان لمراقبة مياه النيل. هذه المؤسسة تحتل مستعمرةً كاملةً خاصةً بها في منطقة الشجرة جنوب الخرطوم، وشمالي خزان جبل أولياء. وخزان جبل أولياء نفسه هو خزان تميَّز عن كل الخزانات والسدود بأنه خزانٌ بنته دولةٌ أجنبيةٌ في عمق أراضي دولة أخرى. وقد ورثت معنا دولة جنوب السودان بسبب غفلتنا وتفريطنا في سيادتنا هذا التغلغل المصري المزعج طويل الأمد. فلمؤسسة الري المصري أيضًا وجودٌ في أراضي جنوب السودان، بل، ولها مكاتب هناك. ومن ضمن مكاتبها مكتبٌ في مدينة واو التي تبعد حوالي 300 كيلومترًا في اتجاه الغرب من مجرى النيل الرئيسي. والغرض من وجود هذه المحطة المصرية هناك هو مراقبة نهر الجور الذي ينحدر من مرتفعات إفريقيا الوسطى ويصب في مجرى النيل الأبيض.

أما أسوأ نماذج التفريط التي حدثت في فترة حكم الرئيس نميري، الذي كان واقعًا بالكلية تحت السيطرة المصرية، فهو سماحه بإنشاء قناة جونقلي التي يؤدي حفرها إلى تجفيف منطقة السدود الرطبة الشاسعة، التي يعيش فيها رعاة الأبقار الجنوبيون. وغرض هذه القناة هو أن تزيد مصر إيراداتها من مياه النيل التي تحصل، أصلاً، على أكثر من نصفها. فكل دول حوض النيل الأحد عشر، ومن ضمنها السودان تحصل على أقل من النصف من إيرادات مياه النيل. جرى اتخاذ قرار إنشاء قناة جونقلي مع تجاهلٍ تامٍ للتأثيرات الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي سوف تلحقها القناة بالمواطنين الجنوبيين. وقد تنبه الثائر الراحل جون قرنق إلى خطر قناة جونقلي على القبائل الرعوية الجنوبية. فهاجمت قواته الحفَّار الذي جرى جلبه للعمل في حفر القناة، فتوقف العمل فيها منذ ذلك التاريخ.

قال محمد الحسيني، مدير تفتيش الري المصري في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في عام 2013 لوكالة الأناضول الإخبارية، إن وجود بعثات الري المصرية ليست وليدة اليوم. وإن تاريخ إنشائها يعود إلى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، بموجب اتفاقياتِ تقسيم حصص مياه النيل. وهي الاتفاقيات التي منحت مصر 55.5 مليار مترًا مكعبًا سنوياً من مياه النيل. ويقول: إن هذه الاتفاقيات إلى جانب منحها مصر 55.5، مليونًا م م من مياه النيل، منحت مصر، أيضًا، الحق في متابعة منسوب تدفق مياه الأنهار من المنبع حتى المصب. وبناءً عليه أنشأت مصر بعثات الري المصري في أغلب مدن شمال وجنوب السودان. ومن المهم القول هنا إن هذه الاتفاقيات قد جرى إبرامها ودول حوض النيل تحت الاستعمار الأوروبي، ما جعلها لا تملك سلطة قرارها. وقد ذكر مدير الري المصري في جنوب السودان أن قناة جونقلي ستوفر لمصر 6 مليارات مترًا مكعبًا سنويًا من المياه، وستستفيد منها مصر التي تواجه خطر عدم كفاية المياه للسكان مستقبلاً، حسب قوله. ولنلاحظ هنا: أن مصر تسعى لكي تؤمن حاجة سكانها المستقبلية للمياه، ولا يهمها ما ستحدثه القناة في الحاضر على الرعاة من سكان جنوب السودان.

وفيما يخص السودان، فإن الحق الذي منحته مصر لنفسها في متابعة منسوب النيل من داخل أراضيه، بهذه الصورة المؤسسية اللصيقة، جرى والسودان مستعمرة بريطانية مصرية. ويقول الإثيوبيون شيئًا مماثلا، وهو أنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الاتفاقيات التي قسمت مياه النيل، ولم يُستشاروا فيها أصلا. فاتفاقية 1929، الي منحت فيها مصر لنفسها كل هذه المزايا، جرت في وقتٍ كانت فيه سلطة القرار في السودان غائبةً بسبب الاستعمار. وبسبب الاحتلال المصري لعقول السودانيين فشلت النخب السودانية الحاكمة بعد أن حصل السودان على الاستقلال في تصحيح هذا الاعوجاج البيِّن. فقد أبقت اتفاقية 1959 على نصيب الأسد من مياه النيل لمصر، كما أبقت مؤسسة الري المصري داخل السودان لتمارس أنشطتها من داخل السودان، وهي بمثابة وزارة ري مصرية، بل وجهاز مخابرات علني، ظل يعمل من داخل السودان لقرنٍ كاملٍ. ظلت مصر حريصةً على مراقبة ما يأخذه السودان من مياه النيل رغم أنها تعلم أن السودان لم يستخدم حصته المقررة له قط. بل كانت هناك 4 مليارات مكعبة من نصيب السودان تذهب لمصر كقرض، وهو قرضٌ هالكٌ بطيبعة الحال.

السد العالي

قبل الحديث عمَّا أصاب السودان من أضرارَ بالغةٍ نتيجة لقيام السد العالي، لابد من الحديث عن أن مصر في كل مرةٍ يتَقدَّم فيها السودان بمقترح لإقامة مشروعٍ لمصلحة اقتصاده، داخل أراضيه، تسارع من جانبها لتحصل في المقابل على شيء لنفسها. فحين فكر البريطانيون في إقامة خزان سنار لري مشروع الجزيرة للقطن، اعترض عليه المصريون تلك الاعتراضات المضحكة المبكية، التي سبق أن ذكرناها. لكن، أيضًا، انتهز المصريون الفرصة ليطالبوا بإنشاء خزان جبل الأولياء في وسط السودان، جنوبي الخرطوم، فحصلوا على الموافقة من البريطانيين الذين لم يكن الأمر يعينهم كثيرا. فهو خزانٌ مصريٌّ لتخزين المياه لمصلحة مصر داخل الأراضي السودانية. بل، يقع على بُعد أكثر من ألف كيلومتر من حدود مصر مع السودان.

أيضًا حين فكر السودانيون في إنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء، طلب المصريون موافقة السودان على إنشاء السد العالي، الذي سوف يكون جزءٌ مقدَّرٌ من بحيرته داخل الأراضي السودانية، وسوف تغمر مياه بحيرته أكثر من 5 آلاف كيلومترًا مربعًا داخل السودان. ويمثل الجزء الواقع من تلك البحيرة داخل الأراضي السودانية ما يقدر بـ 15% من مساحتها الكلية. وقد أدَّت تلك البحيرة إلى تهجير ما يصل إلى 70,000، من مواطني تلك المنطقة الذين عاشوا فيها لآلاف السنين. يُضاف إلى ذلك، غمرت البحيرة كل المزارع على ضفتي النيل، بالإضافة إلى إغراقها الآثار التاريخية المدفونة في الأرض في تلك المنطقة الغنية بالآثار الكوشيةـ التي لم تجر الحفريات لاستكشافها بعد.

إن أسوأ ما قام به نظام الفريق عبود في فترة حكمه ( 1958-1964)، لهو موافقته على نتائج المفاوضات التي جرت قبل توليه الحكم عبر الانقلاب العسكري في عام 1958. يقول سلمان محمد أحمد سلمان، إن جولة التفاوض الثالثة بين مصر والسودان حول مياه النيل بدأت في القاهرة في 4 أبريل عام 1955، وقد قاد فيها وفد السودان وزير الري وقتها السيد، خضر حمد. ورغم أنه لم يتم التوصل لاتفاقٍ نهائيٍّ في تلك الجولة، إلا أن الوفد السوداني وافق في 7 أبريل 1955على قيام السد العالي، على “أن يُعوَّضَ سكانُ وادي حلفا التعويض الكافي قبل إقامة السد العالي.” وقد تم تسجيل هذه الموافقة في تصريح الوفد السوداني بعد نهاية تلك الجولة من التفاوض، الأمر الذي جعل تلك الموافقة مُلزِمةً للسودان، فجرى تأطيرها في اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959. (راجع: سلمان محمد أحمد سلمان، السودان ومياه النيل، فيرفاكس فيرجينا: مركز أبحاث السودان، (2016)، ص ص 109 – 112). (وراجع أيضًا: خضر حمد، مذكرات خضر حمد، الشارقة: مطبعة الشرق والغرب، (1980)، ص ص 206 – 212).

لقد تعاطف نظام الفريق عبود مع حكومة جمال عبد الناصر في مشروع السد العالي منساقًا وراء الهالة التي صنعها جمال عبد الناصر لنفسه كقائدٍ لكل العرب. وكذلك، للهالة التي صنعتها مصر لنفسها بوصفها زعيمةً للدول العربية، وينبغي أن يُضحِّى الكلُّ من أجلها، لأنها رأس سهم مقاومة المشروع الصهيوني، والمدافعة عن العرب ضد غوائل الاستعمار والامبريالية. تعاطف الفريق عبود وزمرته مع مصر، في حين لم يُبدوا أي تعاطفٍ مع مئات الآلاف من مواطنيهم من سكان منطقة حلفا القديمة، الذين غمرت بحيرة السد العالي مدنهم وعلى رأسها مدينة حلفا العامرة، وقراهم، وزراعتهم. ولتغرق، أيضًا، وإلى الأبد آثارَ كوشيَّةً مدفونةً في مساحةٍ شاسعةٍ جدًا، لا تقدر قيمتها التاريخة بثمن، يصبح البحث عنها مرة أخرى غير ممكن.

تقول الإحصاءات إن ما يقارب مليونًا من أشجار النخيل في السودان غمرتها مياه البحيرة. كما جرى ترحيل الأهالي القاطنين على ضفاف النيل على مسافة طولها 150 كيلومترًا، رغم أنفهم، إلى سهل البطانة في وسط السودان. وقد تكفَّلت مصر في اتفاقية السد العالي بتقديم تعويضاتٍ للسودان نظير ما فقده، ونظير ترحيل وإعادة إسكان المهجَّرين من أهالي منطقة حلفا في سهل البطانة. وقد حدث الاتفاق على المبلغ بعد مفاوضاتٍ عسيرة، تعنَّت فيها المصريون تعنتًا شديدًا، وكأنَّ السودان هو الذي أتي ليبني سدًّا في مصر ليغرق به أراضيهم، وليسوا هم الذين يريدون بناء سدِّ سوف يغرق أراضي السودان، ويكبد أهله خسائر فادحة. والغريب، حين اختلف وفد السودان ووفد مصر حول مقدار مبلغ التعويض الذي ينبغي أن تدفعه مصر للسودان، وافق الوفد السوداني، بناء على مُقترحٍ من الوفد المصري، أن يكون الرئيس المصري جمال عبد الناصر هو الجهة التي يحتكم إليها الوفدان! ولقد أظهر الوفد السوداني بقبوله تولِّى الرئيس المصري جمال عبد الناصر مهمة التحكيم بين البلدين، غفلةً وسذاجةً لافتة. تعامل الوفد السوداني مع الخلاف وكأنَّ الرئيس جمال عبد الناصر جهةٌ محايدةٌ، وليس جهةً صاحبة مصلحة. بعبارة أخرى، جرى وضع جمال عبد الناصر في موضع الأب الذي يحتكم إليه ولداه المتخاصمان. وهذه واحدةٌ من تجلِّيات حالة الاحتلال المصري لعقول السودانيين. لقد طالب الوفد السوداني بـ 35 مليونًا من الجنيهات المصرية نظير الخسائر، في حين، أقترح الوفد المصري 10 ملايين جنيهًا مصريًا، فقط! وكما هو واضحٌ، فإن الفرق بين المقترحين 25 مليونًا، وهو فارقٌ بالغ الضخامة. فأتي الرئيس جمال عبد الناصر الذي افترض فيه الوفد السوداني، لفرط غفلته وسذاجته، الحياد، ليقترح من جانبه، رغم الفارق الكبير جدًا بين المقترحين السوداني والمصري، بأن يكون مبلغ التعويض 15 مليونًا! ورغم الفارق الضخم بين المقترحين، وافق الوفد السوداني على ما اقترحه الرئيس جمال عبد الناصر!

المال الذي وافقت مصر على دفعه كان ينبغي أن يعوِّض السودان بمقدار ما فقد من أراضي شاسعةٍ غمرتها مياه بحيرة السد. وكذلك، بمقدار ما فقد من مدن وقرى وسهل فيضي على ضفتي النيل بطول 300 كيلومترًا (150 كيلو مترًا على كل ضفة). يضاف إلى ذلك، فقدان حقول ممتدة على الضفتين لزراعة الحبوب والخضر والفواكه، وما يقارب المليون نخلةً مثمرةً، جميعها غمرتها المياه. يضاف إلى ذلك، كان ينبغي أن تغطي التعويضات المصرية كلفة ترحيل قرابة 70 ألفًا من مواطني منطقة حلفا لمسافة 500 كيلو متر في عمق البلاد. مع بناء مساكن لهم وبناء كل المؤسسات الخدمية من صحية وتعليمية من الصفر. إلى جانب ذلك، كان ينبغي أن يغطي مبلغ التعويضات كلفة إنشاء خزان خشم القربة لتخرج منه ترعة تروي مشروعًا زراعيًا ليعيش عليه هؤلاء المهجَّرون. وعند نهايات التنفيذ اتضح أن مبلغ التعويض المصري أقل بكثير من نصف الكلفة، الأمر الذي أضطر الحكومة السودانية أن تقوم بإكمال النقص من خزينتها. فإلى جانب الأنانية التي أبدتها الحكومة المصرية، وهي تتعنت في التفاوض في مقدار التعويضات، رغم أنها هي المنتفع الوحيد من مشروع السد العالي، وأن السودان هو المتضرر منه، كان هناك عامل أكثر أهمية في أن يحيق الظلم بالسودان. يتمثل ذلك العامل في ضعف المفاوض السوداني وغفلته وسذاجته، التي جعلته يفرط كل هذا التفريط، بل ولا يطالب ولو بنصيبٍ من الكهرباء التي سوف ينتجها السد، العالي. وقد كانت المديرية الشمالية في السودان، في ذلك الوقت، مظلمةً من أولها إلى آخرها، ولم يكن بها آنذاك سوى مولداتٍ صغيرةٍ تنير أجزاءَ محدودةً من بعض مدنها.

تدمير وإغراق الآثار السودانية

البلايا التي جلبها الغزو الخديوي للسودان لا حد لها، بل، هي بلايا تتناسل وتتطاول، لأنها ارتكزت على الاحتلال المصري لعقول السودانيين الذي جرى كما ذكرنا بالتعليم والإعلام ودعوى القومية العربية والمصير المشترك وخطاب المؤسسة الدينية الرسمية ذات الطابع الأزهري. بكل هذا جرى تجريف وعي السودانيين بذاتهم، وجرى إلباسهم خوذةً هوياتيةً زائفةً جعلتهم ريشةً في مهب الريح، ومطيةً ذلولاً للعقل العروبي الجمعي المُتَخَيَّل، العابر للأقطار، الذي جعلت القومية العربية الكثيرين من المستعربين في الشمال الأفريقي والقرن الأفريقي والشرق الأوسط، في الحقبة الناصرية، يتوهمون وجوده ويؤمنون به كحقيقةٍ راسخة.

أيضًا، من بين البلايا الكبيرة التي جلبها الغزو الخديوي في طياته إلى السودان، مجيء الطبيب الإيطالي جوسيبي فيرليني، الذي كان يعمل طبيبًا في مصر في عهد محمد علي باشا، ضمن حملة الغزو الخديوية. قام هذا الطبيب في عام 1834م، مستغلاً علاقاته الشخصيه مع مسؤولين خديويين في السودان، بتنظيم رحلة استكشافية مع شريكه الألباني ستيفاني إلى مدافن مَرَوِي التاريخية التي بها بقايا آثار الممالك الكوشية التي تضم 255 هرًما. قام هذا الطبيب، لص الآثار، بتفجير رؤؤس بعضها بالديناميت وسرق كنوزها. أما بحيرة السد العالي فقد أغرقت من الآثار الكوشية السودانية ما لا يقدر بثمن، كما سبق أن قلنا. لم يُبدِ المفاوضون السودانيون اهتمامًا كبيرًا بمصير تلك الآثار، لأن التعليم المصري قد نجح في قطع العلاقة بينهم وبين التاريخ الكوشي، وهو، في تقديري، ما جعلهم يعتقدون أن هذه الآثار لا تخصهم وإنما هي آثارٌ فرعونيةٌ؛ أي مصرية!! وقد جرى بالفعل استنقاذ قدرٍ ضئيلٍ من تلك الآثار بواسطة منظمة اليونسكو، قبل أن تغمرها المياه، وجرى نقلها إلى متحف السودان القومي، الذي لا يحوي، نتيجة لغفلة نخبنا السياسية وضعف ثقافتهم، من الآثار الكوشية سوى نذرٍ يسير.

(يتواصل(

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(5 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

انتكاسة الثورة

مرَّت على الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر 2019، حتى الآن، ما تزيد عن الخمسة أعوام. ومع ذلك، لم تقترب حتى الآن من تحقيق أيٍّ من أهدافها وشعاراتها التي رفعتها. بل على العكس من ذلك، فقد انتكست مجمل الأحوال في البلد انتكاسةً كبيرةً ووصلت بها الأمور إلى حربٍ متطاولةٍ دمَّرت البنيات التحتية، واقتلعت الناس من بيوتهم، وجعلت من العاصمة الخرطوم، بمدنها الثلاث، مدينة أشباح، وتسببت في حالةٍ من التشرد ليس لها شبيه في كل الكرة الأرضية، في وقتنا الراهن. وقد صحبت كل تلك المآسي مجاعةٌ تمسك الآن بخناق عشرات الملايين من المواطنين. لقد تسببت الحرب في توقُّف معظم الأعمال التجارية، وفقد معظم الموظفين أجورهم الشهرية في القطاعين العام والخاص. كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بصورةٍ مخيفة. وحدث توقُّفٍ شبه كاملٍ للخدمات الصحية والتعليمية. يُضاف إلى كل ما تقدم، يعيش ثلثا الولايات التي خرجت عن سيطرة حكومة بورتسودان اللاشرعية، فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا وقضائيٍّا وتعليميًّا وصحيّا. باختصار شديد، تعيش ثلثا أراضي القطر، بصورةٍ حرفيةٍ، حالة اللادولة.

هذا الوضع الكارثي هو ما هددت به قيادات حزب المؤتمر الوطني الشعب السوداني في إفطاراتهم الرمضانية في مارس وأبريل 2023. وهي تهديداتٌ موثَّقةٌ على أشرطة الفيديو، التي لا تزال مبثوثةً على شبكة الانترنت. فالهدف من وراء إشعال الحرب وخلق هذه الحالة الكارثية، هو تغيير المسرح كليًّا ونقل الأمور إلى مربعٍ جديد يُنسي ويُسقط كل ما كان دائرًا قبل الحرب. خطط مقاومو الثورة من سدنة النظام القديم لإدخال الشعب في كارثٍة لم يشهدها في تاريخه تنسيه الثورة تمامًا، بل وتجعله نادمًا عليها، وتحصر همه في مجرد العودة إلى حالته التي كان عليها قبل الحرب. ولقد نجحت ما تسمى الحركة الإسلامية وذراعها السياسي الذي يسمى المؤتمر الوطني وأداتهم المتمثلة في الجيش والقوى الأمنية في هذه الخطة نجاحًا كبيرًا.

أيضًا كان أحد أهداف الحرب، الثأر من الشعب السوداني الذي تجرأ على الإسلامويين وأطاح برأس نظامهم، عن طريق الثورة التي أشعلها في 19 ديسمبر 2018. لقد نسف مشعلو الحرب كامل الاستقرار الأسري فلم يبق أمام الناس سوى خيارين: الاستسلام الكامل لمخطط عودة النظام القديم إلى الحكم بل ر ذائله المعروفة، أو نسيان العودة إلى البيوت والأمن والاستقرار، مرَّةً أخرى، وإلى الأبد. وقد أثبتت هذه الخطة المدروسة تلك التهديدات المتوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور المتكررة التي صدرت من مختلف لقاءات الإفطارات الرمضانية لجماعة المؤتمر الوطني وكتائبهم المسلحة. وهي فعالياتٌ صوروها وبثوها في العديد من أشرطة الفيديو على شبكة الإنترنت. وقد عمدت الخطة، إلى وضع السودانيين أمام خيارين، لا ثالث لهما: إما أن يخضع الشعب لعودتهم إلى الحكم بلا قيد أو شرط، أو نسف الدولة بما فيها ومن عليها. وقد قام الفريق شمس الدين الكباشي، بتلخيص ذلك حين قال: إما دولة وفقًا لفهمهم وإما لا دولة على الإطلاق. وقد كان نص ما قاله بالعامية السودانية: (يا دولة بفهمنا يا مافي دولة).

أدناه بعضٌ من الروابط التي توثق تآمر الكيزان من أجل القضاء على الثورة والعودة للسلطة، من جديد:

https://shorturl.at/p1EZl
https://rb.gy/cze6x0
https://rb.gy/ql7k1d
https://shorturl.at/mdP3L
https://tinyurl.com/2s3zepf2

هل تنجح السلمية دائمًا؟

من الخطأ الفادح أن نظن أن أسلوب النضال السلمي يمكن أن ينجح دائمًا، غض النظر عن اختلاف السياقات. نعم، لقد نجح الحراك السلمي الذي قاده المهاتما غاندي في الهند في تحقيق استقلالها. ولقد نجحت حركة الحقوق المدنية في أمريكا، وهي حركة اجتماعية، عبر عشر سنواتٍ من النضال المستمر، في إجبار السلطات الأمريكية على منح الملوَّنين حقوقهم الدستورية الأساسية. كما نجح الحراك الذي قاده نيلسون مانديلا ورفاقه الميامين في جنوب إفريقيا في إنهاء سياسات الفصل والتمييز العنصري، بعد عشرات السنين من النضال الدؤوب.

ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي حدثت في العالم ثوراتٌ سلميةٌ عديدة متزامنةٌ حينًا، ومتتابعةٌ حينً آخر. جرى ذلك أثناء تفكُّك الكتلة الشرقية، وانهيار النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي. وقد أحدثت هذه الثورات، على تفاوتٍ بينها، تغييراتٍ كبيرة. كما جرت في الفلبِّين في عام 1986 ما سميت “ثورة سلطة الشعب”. وقد كانت ثورةً سلمية أنهت نظام الرئيس فيرديناند ماركوس الديكتاتوري، وأقامت محله نظامًا ديمقراطيًا. لكن، تختلف السياقات اختلافاتٍ كبيرةٍ مائزة. فقد ينجح النضال السلمي في بلدٍ ويفشل في بلدٍ آخر، بسبب اختلاف طبيعة الذين يجلسون على دست الحكم. ودعونا نتصور أن حراك الجنوبيين السودانيين الطويل، الذي استمر لنصف قرن،ٍ قد اختار أسلوب النضال الملتزم بالسلمية بصرامة. فهل، يا ترى، كان الجنوبيون سيصلون إلى مفاوضات نيفياشا ويحصلون على حق تقرير المصير، ومن ثم، إجراء استفتاءٍ يحققون به استقلالهم التام، على النحو الذي جرى؟ لقد سبق أن قال الرئيس المخلوع عمر البشير إنهم لا يفاوضون إلا من كانت له بندقية. وهذا ما ظل هو وجماعته يفعلونه، مرارًا وتكرارًا مع مختلف الحركات المسلحة التي جعلوها، بنهجهم هذا، تتكاثر كما يتكاثر الفطر في البرية. لقد ظلوا على هذا النهج منذ أن سطوا على الدولة السودانية في عام 1989، وإلى يوم هذا، ولا يزالون مستمرين فيه. وها هو أبوعاقلة كيلل يصعد إلى رتبة الفريق بين ليلة وضحاها وتنهض وراءه قبيلته، او بعضا منها، ليصبح قائدًا لمليشيا جديدة تتضخم تحت رعاية النظام اللاشرعي الحاكم من بورتسودان.

إن السبب في تعثُّر مسار هذه الثورة مقارنةً بالثورتين السابقتين 1964 و 1985، أن هذه الثورة قامت ضد نظامٍ مؤدلجٍ تقف وراءه منظومةٌ أيديولوجيةٌ كوكبيةٌ، عابرة للأقطار. علاوةً على ذلك، فهي منظومة أمنوقراطية مسلحة حتى أسنانها، تحرس نظامها بالجيش الذي اختطفته وبالمنظومة الأمنية التي تسيطر عليها سيطرة كاملة. بل، وبميليشيات إرهابية متطرفة لا تتورع عن فعل أي شيء. ولكي يضع النظام مختلف المنظومات الأمنية التابعة له تحت المراقبة، استخدم هذه المجموعات الإرهابية المتطرفة ذات التسليح النوعي والتدريب الخاص والخبرات القتالية النوعية وأطلق عليها مسمى “كتائب الظل”. إلى جانب كل ما تقدم، حرس النظام نفسه بشبكةٍ ضخمةٍ معقدةٍ من الوسائط الإعلامية المختلفة ومن الصحفيين المأجورين الذي يفعلون كل شيء من أجل المال ومن أجل الجاه والألق الذي يضفيه التقرب من الحاكم عادةً على كل وصوليٍّ متسلق. بهؤلاء نجح النظام عبر ثلاثين عامًا في اختراق مجالات الفنون كالموسيقى والدراما والأدب والرياضة وتمكَّن من تصعيد منسوبيه إلى قياداتها للسيطرة عليها وتوجيهها لتصب كل أنشطة المجتمع المدني في صالح النظام القائم. إلى جانب ذلك فقد سيطر النظام تمامًا على مناهج التعليم وعلى الخطاب الإعلامي وعلى وزارة الشؤون الدينة والأوقاف، ومن ثَمَّ، على منابر المساجد. وقد زاد على ذلك باختراق الطرق الصوفية والإدارات الأهلية وإدخال شيوخها في دائرة الزبانة الاقتصادية الواسعة التي صنعها.

أيضًا، تقف وراء نظام ما تسمى الحركة الإسلامية، رغم فساده الفاضح والمقرف، إلى جانب منظومة الإسلام السياسي الدولية، التي تنظر إلى السودان بوصفه البلد الأول الذي استطاع الإسلام السياسي أن يضع فيه أقدامه، ولأول مرة منذ أن برز الإسلام السياسي في الأقطار العربية وفي جنوب وسط آسيا. لذلك، فإن محاولات فك قبضة المؤتمر الوطني وتفرعاته عن رقبة الدولة السودانية بثورة ديسمبر 2018 السلمية، كانت عمليةً بالغة العسر، باهظة الكلفة عديمة المردود. ولا يزال باب الكلفة الكارثية فيها؛ من حيث هلاك الأرواح وتبديد الموارد وتدمير البنيات التحتية وتشظي الدولة، مفتوحًا على مصراعيه. وقد أثبتت تجربة الحرب الجارية الآن، التي قاربت العامين، تلك الصعوبة وتلك الكُلفة الباهظة، بما لا مزيد عليه.

لقد مارست قوى الثورة النهج السلمي لإحداث التغيير والتزمت به بصرامة، ودفعت في ذلك دماءً شبابيةً عزيزة غزيرة. وقد خلب ذلك السلوك السلمي المتحضر ألباب العالم، واستحلب، بصورةٍ لافتةٍ، إعجابه وتعاطفه. كما رفع اسم السودان من الوحل اللزج الذي مرَّغه فيه نظام الرئيس المخلوع عمر البشير ومن ورائه ما تسمى الحركة الإسلامية. غير أن ذلك لم يجعل الثورة تحقق أيًّا من أهدافها. فقد اعترض المؤتمر الوطني وذراعه المتمثِّل في الجيش وكتائبهما المختلفة، إضافةً إلى مجموعات المصالح والارتزاق، التي شكَّلت ما سُميت “الكتلة الديمقراطية” طريق الثورة. وقد دخل النظام المصري إلى جانبهم بكل قوته العسكرية المتمثلة في سلاح الطيران، وبقوته الدبلوماسية في التأثير على الدول العربية وعلى المجتمع الدولي وإشاعة أن الجيش السوداني مؤسسة حقيقية حارسة للبلاد ولاستقرارها وأن هزيمته تعنى انهيار الدولة السودانية. وقد اشترت بعض الدول العربية وبعض القوى الدولية هذه البضاعة الزائفة. أكثر من ذلك، تجاوزت مصر في تحالفها مع النظام القديم مجرد الفعل السياسي والدبلوماسي المناوئ للثورة، وخلق الحواضن الشعبية الزائفة الداعمة له، إلى التخطيط لإشعال الحرب الشاملة المدمرة ومد الفريق عبد الفتاح البرهان بالسلاح وبالخبرات العسكرية المصرية بل وبمشاركة الطيارين المصريين في الحرب. أدت كل هذه الجهود الشريرة وما أحدثته من كارثةٍ شاملة فاقت خيال كل متخيل، إلى خلط الأوراق، خلطًا ذريعا. فأدت إلى نقل الجمهور من الاصطفاف حول أهداف الثورة، إلى اصطفاف حول مجرد حلم العودة إلى البيوت وإلى مجرد الرضا بكسب العيش واستعادة الحياة التي فُقدت، غض النظر عن الكيفية البائسة التي كانت عليها ودفعت الناس للثورة. هكذا نجح تحالف البرهان والحركة الإسلامية والدولة المصرية الطامعة في استتباع السودان واستلحاقه في قلب الطاولة على الجميع، بكفاءةٍ تبعث على الإعجاب.

خلاصة القول، إن فرص نجاح الثورة السلمية في السودان، فرصٌ شديدةُ الضمور. فالكيزان لم يقيموًا في يومٍ من الأيام أي وزنٍ للقوى المدنية. وما أكثر ما ردَّدوا أن من لا يملك سلاحًا، لا كلمة له ولا وزن، بل لا وجود له، ولا ينبغي أن يُعبأ به أصلا. إن ما قاموا به من قتلٍ ذريعٍ وحشيِّ للشبان والشابات، اتسم بالتشفي، ومن اغتصاباتٍ وإغراقٍ للكثيرين في النيل مشدودي الوثاق إلى أثقالٍ خرسانية، لم يكن سوى رسالة رعبٍ لكل المدنيين. لقد خططوا بدقة وبتصميم لإحداث صدمةٍ نفسيةٍ هائلة، تخيف جميع المدنيين وتجعلهم يوقنون أَنْ هذه الطغمة الحاكمة التي يريدون إزاحتها عن السلطة ليس لبطشها وفظاعتها واستهانتها بالمدنيين، أي حدود. وقد رفعوا عيار الرعب عقب إشعال هذه الحرب حتى بلغ جز الرؤوس وبقر البطون ونهش الأحشاء ولَوْكَ الأكباد. وما كان الكيزان ليشعلوا حربًا شاملة، لولا أن قوات الدعم السريع قد خرجت عن طوعهم واتخذت لنفسها موقفًا جديدًا مستقلاً تجاه الثورة. انحياز قوات الدعم السريع للاتفاق الإطاري هو الذي أطاش صوابهم ودفعهم للإلقاء في المعركة بآخر أسلحتهم الأكثر فتكًا، وهي الحرب الشاملة وزعزعة أمن السكان إلى أقصى الحدود. وبهذا أسند البرهان والإسلامويون ظهرهم إلى الحائط؛ فإما أن يسحقوا الدعم السريع سحقًا كاملاً، وينصرفوا بعد ذلك إلى السياسيين والناشطين المدنيين، فيصفونهم، فردًا فردًا، وإما أن يواصلوا الحرب حتى تصبح البلاد وأهلها، هشيمًا تذروه الرياح، على قاعدة: “يا دولة بي فهمنا، يا مافي دولة”.

سناء حمد والمبعوث الأمريكي

لقد لخَّصت السيدة، سناء حمد، التي جعل منها المؤتمر الوطني، مفتشًا عامًا للجيش، بلا تأهيلٍ يذكر، فأصبحت تُجلس قادته أمامها وتحقق معهم، هذا النهج الثابت المعتمد على البندقية، في المقابلة التي أجراها معها الإعلامي في قناة الجزيرة، أحمد طه. قالت السيدة سناء: إن حزبها سيقبل قوات الدعم السريع، إن هي قبلت الرجوع إلى طاعتهم من جديد. وعضَّدت ذلك بقولها إنهم مأمورين بفعل ذلك بموجب النص القرآني القائل: “إِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا”، أي إذا قبلت قيادات قوات الدعم السريع الرجوع إلى طاعتهم، فليس أمامهم خيار سوى أن يقبلوا بذلك. وحين قال لها أحمد طه: ولماذا لا تفعلون ذلك مع تنسيقية “تقدم”؟ فارتبكت وقالت بعد فترة صمتٍ قصيرة: “إذا قَبِل الشعب”. ما قالته السيدة سناء حمد أوضح مبلغ الاستهانة التي تنظر بها الحركة الإسلامية وذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني إلى تنسيقية “تقدم” التي ما لبثت أن انقسمت. فالإسلامويون يريدون إعادة قوات الدعم السريع إلى جانهم ليفرغوا لتصفية الثورة والثوار بصورة نهائية. ولا يتعاظم لديهم من أجل تحقيق هذا الهدف أي شيء. فما جرى من بحور الدماء، ومن حالة التشرُّدٍ الملحميّةٍ التي طالت 14 مليونا من سوداني وسودانية، ومن المجاعة الطاحنة التي طالت 25 مليونًا آخرين، ومن الدمار الهائل الذي طال كل شيء، لا يهمهم في كثيرٍ أو قليل. فهم يريدون الاستمرار في حكم السودان منفردين، مهما كانت الكلفة.

من الجهة الأخرى، نجد أن المجتمع الدولي ممثلا في رمطان لعمامرة ، والمبعوث الأمريكي اللَّذين يبدو أن تنسيقية “تقدم” قد كانت تعوِّل عليهما، في تقديم العون لها وإعادة الأمور إلى العملية السياسية ومسارها المدني القاصد نحو التحول الديمقراطي، لم يكونوا في المستوى المطلوب أو المتوقع. فقد وضح، أن الجميع لا يعبأون بـ “تقدم”. وكل الدعوات للمفاوضات القاصدة لإنهاء الحرب كان يجري تقديمها لقوات الدعم السريع وقيادات الجيش. لقد حضر الجيش لقاء جدة وجيبوتي والمنامة وتنصل من مقرراتهما. ولم يحضر في دعواتٍ أخرى، مصرًا على مواصلة الحرب. هذا، في حين حضرت قوات الدعم السريع كل اللقاءات التي دعيت إليها، مبديةً كامل استعدادها لوقف الحرب. لكن، وللغرابة، مع هذا التهميش المزدوج والتغييب الكامل عما يجري، نجد تنسيقية “تقدم” التي أصبح الشق المتبقي منها يسمى “صمود”، قد بقيت ممسكةً بالعصا من المنتصف، عاكفةً على عبادة صنم السلمية غير المنتجة في هذا السياق المفكك، مستعيضة عن الموقف الصحيح، والفعل الثوري المنتج، بدبيج التصريحات الإنشائية والمناشدات المتَّسمة بالضراعة. وانتهى بها الأمر لتبهت أكثر وأكثر، ويصبح غالب نشاطها لا يتعدى محاولات جلب مساعداتٍ إنسانيةٍ لم يعرف المجتمع الدولي إلى الآن، كيف يوصلها إلى مستحقيها، في ظل خداع وتعنت البرهان وقبيله منزالإسلامويين وعاداتهم المرذولة المعروفة عنهم في سرقة المساعدات الإنسانية، ومنع الرقابة الدولية على مسارات إنسيابها.

(يتواصل)

” الموت يحاصر بائعات الشاي”

عباس الخير _ مدير موقع نادوس

يتداول الناس في الوادي الأخضر، بمحلية شرق النيل، واحدة من الوقائع التراجيدية، التي ربما حدثت في مناطق أخرى من البلاد المنكوبة بالح-رب. فقبل وقت وجيز من دخول القوات المسلحة للمنطقة في أعقاب انسحاب قوات الدعم السريع، قبل نحو سبعة أشهر، يحكون أن مجموعة من قوات الدع-م اقتحمت ليلا أحد المنازل وحاولت اقتياد إحدى الفتيات، فصحا والدها على صوت الجلبة، واستل سكينه لمواجهة المعتدين، لكن أحدهم عاجلة بست طلقات أردته ق-تيلا، في الحال، شهيدا للشرف والكرامة، ولوا هاربين.ذلك أن النساء كن ،دائما،هدفا للعدوان، والاغتصاب، بعض من أسلحته. ومع أن الح-رب لاتميز بين ضحاياها، لكن المدنيين هم الأكثر تضررا، كما أن الق-تل، والاختطاف لطلب فدية أو خلافه، والإخفاء القسري، والتعذيب، يصيب الجميع : رجالاً ونساءً وأطفالاً،.ومع ذلك تتعرض النساء لأضرار أشد، مستندة للنوع، ترافق كافة أشكال التجاوزات، التي تحدث في مجرى الح-رب.ففي الح-رب، التي تشهدها بلادنا، منذ مايقارب العامين، التي وصفها الاتحاد الإفريقي بأنها أسوأ مأساة في التاريخ الإنساني، تتقاسم النساء مع الرجال والأطفال، كل ويلاتها، بما في ذلك معاناة التشرد والنزوح واللجوء وما يرتبط بها من مآس وإذلال.تتميز الح-رب الأهلية الأخيرة في سلسلة الح-روب الداخلية السودانية، منذ الاستقلال، بكونها ح-رب مدينة وليست ح-رب غابات أو أحراش، مثل ح-روب الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فقد جرت في العاصمة الخرطوم، أكبر تجمع ديموغرافي في البلاد، قبل أن تنتقل إلى الأقاليم.وحولت، بالتالي، أغلبية سكان العاصمة إلى رهائن لطرفي الح-رب، وإلى دروع بشرية للمت-حاربين، الذين احتموا بالمناطق السكنية، بجانب المنشآت المدنية، التي أصبحت، بدورها، أهدافا للأعمال العسكرية.
وكان للأسواق الشعبية نصيب كبير من هذا الاستهداف، الذي قد يشكل ج-ريمة ح-رب أو ج-ريمة ضد الإنسانية، وتضم هذه الأسواق المتناثرة في مدن ولاية الخرطوم، جمهرة كبيرة من النساء، اللائي دفعت بهن الظروف وأوضاع المعيشة القاسية للعمل بها، في صناعة وبيع الطعام والشاي،لإعالة أسرهن، ويقدر عددهن بالآلاف، ينضوين تحت ” اتحاد بائعات الشاي والأطعمة “، فهن نساء بلا عائل، في غالب الحالات، وبتن يمثلن أحد العناوين البارزة للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ سنين.ولعل سوق العزبات، في حي مايو، جنوب الخرطوم، يستمد تسميته من غلبة المطلقات والأرامل وسط العاملات بالسوق.
هذا السوق كان هدفا لأكثر من غارة جوية، على الأرجح ، أوقعت عددا من الضحايا، من النساء،” ستات الشاي “. الشيء نفسه حدث في سوق قورو، في نفس المنطقة، وسط اتهامات متبادلة بين طرفي الح-“رب.واستنادا إلى حجة تواجد أفراد من هذا الطرف أو ذاك، لتناول الطعام أو شرب الشاي والقهوة، يتحول السوق إلى هدف مباشر للقصف الجوي أو المدفعي.بعض الأسواق، خصوصا، جنوب الخرطوم، قد تعرض للقصف أكثر من مرة. فوفقا لجريدة الشرق الأوسط،( 10 يونيو 2023 )،فإن اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، قد أعلنت ( بتاريخ 10 يونيو 2023)، مق-تل 47 شخصاً، وإصابة أكثر من 55 ،إثر غارة جوية على سوق قورو .
وفي عدوان جديد على السوق نفسه،( بتاريخ 17 يناير 2024) ،ق-تل 9 أشخاص، وأصيب أكثر من 35 آخرين، إثر قصف جوي ،حسب راديو دبنقا. من جهة أخرى ، أوردت صحيفة الراكوبة، مق-تل أكثر من 30 قتي-ل، بينهم نساء وأطفال، إثر هجوم جوي تعرض له سوق اللبن أو المواشي ،جنوب حلة كوكو في 12 سبتمبر 2024.
ومن جانبها، نقلت صحيفة الهدف عن لجان المقاومة بجنوب الحزام، وفاة 17 شخصا، بينهم 5 أطفال، وإصابة 11 آخرين، إثر سقوط قذيفة يوم 17يونيو 2023، في سوق العزبات، في مايو، جنوب الخرطوم.حدث ذلك في السوق الشعبي بالخرطوم، وسوق صابرين في الثورة، وسوق الرحمة في القماير، وأسواق أخرى مشابهة في زقلونا، والكلاكلة والمويلح وغيرها.ورغم أنه يتعذر الحصول على إحصاءات دقيقة بأعداد الضحايا، إلا أن الأرجح أن النساء، بائعات الشاي والطعام، خاصة، بجانب الأطفال، يشكلون نسبة كبيرة منهم.وإذا كان يوم8مارس، مناسبة للاحتفاء بنضالات النساء حول العالم من أجل حقوقهن، فهو، ضمن ظروف الأزمة التي تتردى فيها بلادنا، الآن، لا يشكل مناسبة لتذكر أولئك الضحايا، من النسوة المكافحات، اللائي حصدهن القصف الجوي والمدفعي، والترحم على أرواحهن، حسب، وإنما للمطالبة الملحة بالعدالة لهن، أيضا، والاقتصاص من الجناة .

سلامًا نساء بلادي،

في البدء، أهنئكن وجموع الشعب السوداني بحلول شهر رمضان المبارك الفضيل.

تحل علينا ذكرى اليوم العالمي للنساء في الثامن من مارس (8 مارس) للعام 2025 ونحن لا زلنا لما يقارب العامين الكاملين منذ بداية حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م ما بين نازحات ولاجئات ومهجرات قسرًا داخل وخارج حدود الوطن الحبيب. تطل علينا هذه الذكرى وأنتن تقدمن نموذجًا للتضحيات للأسر والأطفال وكبار السن للمجتمع السوداني العظيم، إذ قدمتن نموذجًا ليس بجديد في العمل التطوعي من خلال المبادرات المختلفة من أجل سد الجوع والفقر والتعليم.

كانت المرأة السودانية دائمًا وستبقي رائدة في العمل السياسي والمدني في إفريقيا والشرق الأوسط يتقدمن الخطي ويستكملن مسيرة ومشوار رائدات العمل السياسي علي رأسهن الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، التي كانت أول نائبة برلمانية منتخبة في المنطقة؛ وهو نفسه دور مكمل لناضالات وتاريخ باذخ لنساء السودان عبر التاريخ لآخريات كالكنداكة مندي بنت السلطان عجبنا، التي كانت تقاتل وتدافع عن الأراضي في جبال النوبة ضد المستعمر وغيرها من النماذج التاريخية لنساء السودان.

أسهمت النساء بدورًا بارزًا في ثورة ديسمبر المجيدة، حيث كانت بداية الموكب بزغرودة من النساء السودانيات، وتقدمن الصفوف الأمامية في مواجهة آلة الاستبداد. وأثناء الحروب، كانت النساء الفئة الأكثر تضررًا، مما يثبت مقولة “الحرب تخاض على أجساد النساء”.

أن ما تقوم به أغلب النساء المنخرطات في أجسام وكيانات مختلفة سياسية ونقابية ومهنية وفي لجان المقاومة وغيرها في كافة المجالات والتخصصات لهو فخر وزهو وتمثل صفحة جديدة ناصعة في تاريخ نساء السودان ؛ مع تعظيم الدور الكبير للصحفيات السودانيات جراء دورهن الكبير في كشف الحقائق للواقع المر الناتج عن آثار الحرب وتداعياتها وهول الانتهاكات التي تعرض لها النساء. والفتيات بشكل منهجي ومتزايد من قتل وتشريد وتجويع وتمييز واختطافات واغتصابات وغيرها؛ أن نساء السودان لن ينسوا أو يغفروا كل تلك القطاعات والجرائم بما في ذلك التهديدات المباشرة التي تعرضن لها صحفيات سودانيات دفعت بعضهن الثمن شهيدات في ما لا تزال أخريات يمارسن ذات المهمة المقدسة دون خوف وتحدي للمخاطر.

إن هذه الحرب اللعينة التي قاربت العامين وفي طريقها صوب عامها الثالث وهي تدور كالرحى لقتل الأبرياء وزيادة معاناة الشعب السوداني لاسيما النساء والفتيات، تتطلب مجابهتها بالتماسك والاستمرار في بذل كل الجهود ما أمكن الان أكثر من أي وقت مضى؛ وبأن نوحد جهودنا لنعمل معًا بصوت واحد وقوي لتقديم الخدمات لشعبنا والعمل علي ايقاف هذه الحرب وانتهاكاتها فطريق وقف الانتهاكات النهائي وعدم التمادي فيه بتطلب وقف الحرب الان ثم ضمان عدم تكرار هذه الجرائم المروعة والصادمة بتقديم مرتكبي هذه الانتهاكات للقضاء بإحالة ملف انتهاكات هذه الحرب للمحكمة الجنائية الدولية ووقف الإفلات من العقاب المنتهج والمستمر طوال تاريخ الحروب السودانية منذ خمسينيات القرن الماضي.

ندعو المجتمع الدولي والإقليمي والمنظمات الحقوقية إلى دعم النساء السودانيات خلال شهر رمضان الكريم. فهو أمر ضروري لتقديم الدعم النفسي والمادي للنساء النازحات واللاجئات، ولتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرضن لهن. فمن الواجب تقديم العون في هذة الظروف القاسية، وضمان حماية حقوقهن الإنسانية؛ والتكاتف لكشف كل الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات جراء استمرار الحرب في كل مكان.

من المهم الآن أن يتجاوب المحيط الإقليمي والدولي مع كارثة هذه الحرب بجد أكثر مما سبق عبر إطلاق عمل يدعم السلام من خلال عقد اجتماع مشترك بين مجلسي الامن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي واقرار حزمة الإجراءات التي تفضي لوقف الحرب وسلام دائم وحكم مدني ديمقراطي مستدام؛
والموقف الواجب اتخاذه الان وفورا دون تأخر أو تلكؤ لأن نتيجة هذا التقاعس أو التراخي ستكون امتداد اثار الحرب ليس في نطاق السودان فقط وأنما تمدد مساحاتها وانتقال جرائمها وفظاعاتها لمحيط أوسع وستمدد السنة لهبها وتعبر الحدود وهو أمر متوقع ومتسق مع طبيعة الحروب وسلوك مجموعة مختطفة للسلطة ذات سجل اجرامي وارهابي ممتد لثلاثة عقود من الإرهاب والفتن وتقويض الجوار وتهديد السلم العالمي.
واجعلوا مطلب وقف الحرب وتحقيق السلام فعلا لا قولا والزموا طرفي الحرب بالعودة لمسار المفاوضات واستكمال والالتزام بما تم الاتفاق عليه في منبري جدة والمنامة وغيرها والخضوع لإرادة الشعب السوداني وتطلعاته المشروعة في الوحدة والحكم المدني الديمقراطي المستدام التي عبر عنها في في ثورة ديسمبر المجيدة في الحرية والسلام والعدالة وجيش مهني قومي واحد وانهاء تعدد المليشيات العسكرية وخضوع القوات النظامية للسلطة المدنية الديمقراطية.

هيام البشرى
نائبة رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)
8 مارس 2025

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(4 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

شهادات ضد صلاح سالم

أود في هذه الحلقة من سلسلة المقالات هذه أن انتقل مما كان يجري من جانب مصر تجاه السودان في القرن التاسع عشر، إلى ما أخذت تعمل له عند منتصف القرن العشرين، حين أعلن البريطانيون نيتهم الخروج من السودان. لحظتها، انفتحت شهية الدولة المصرية لابتلاع السودان، وأخذت تعمل بدأبٍ شديدٍ على جر النخب السياسية السودانية لاختيار الاتحاد معها عقب خروج البريطانيين. ومن نماذج الأساليب التي اتبعتها مصر للهيمنة على السودان قبيل الاستقلال، ما أورده الدكتور منصور خالد نقلاً عن مذكرات عبد اللطيف البغدادي. فقد ذكر الدكتور الراحل، منصور منصور خالد أن البغدادي استمع إلى شهادة بعض المصريين العاملين في السودان، فيما يخص دخول أموال مصرية للتأثير على مجريات الانتخابات السودانية التي جرت في العام 1953م. وكان صاحب إحدى الشهادات التي استمع إليها البغدادي شهادة لمدير الري المصري. أما الشهادة الأخرى فكانت لصحفيٌّ مصريٌّ كان في زيارةٍ للسودان. ذكر البغدادي، أن الانطباع الذي خرج به من الاستماع إلى هذين الشخصين، أن ما قام به الصاغ صلاح سالم قد أضر بسمعة مصر، كما أنه أثار الشكوك حول وطنية الأحزاب الاتحادية.

أورد الدكتور منصور خالد، أيضًا، أن محاكمة جريدة “الناس” الأسبوعية، التي تم رفع دعوى ضدها في قضية نشر، وتولى فيها الدفاع عنها الأستاذان، محمد أحمد محجوب، ومحمد إبراهيم خليل، قد شهدت إقراراً من شاهدي الدفاعٍ في تلك القضية، وهما: خلف الله خالد، وميرغني حمزة. قال هذان الشاهدان إن حزبهما، وهو “الحزب الوطني الاتحادي”، قد تسلم أموالاً من صلاح سالم، ومن محمد أبو نار. وقد علق الأستاذ بشير محمد سعيد، رئيس تحرير صحيفة الأيام، على فوز عبد الرحمن علي طه في دائرة المسلمية في انتخابات 1958، بعد أن خسرها أمام حماد توفيق المدعوم مصريًّا في العام 1953م، بقوله: “ويلذ لي هنا أن أذكر أن السيد عبد الرحمن علي طه ما كان ليفقد دائرة المسلمية في انتخابات عام 1953م، لولا أن حكومة مصر في ذلك الوقت قد سخَّرت كل إمكانياتها لإسقاطه”. ومضى بشير محمد سعيد ليقول إن مصر أرسلت الدرديري أحمد إسماعيل، واليوزباشي أبو نار، وغيرهما، لشراء الذمم والضمائر، وإفساد الناخبين. وأن مصر قد أنفقت عشرات الألوف من الجنيهات لإسقاط عبد الرحمن علي طه. (راجع: فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذ الأجيال عبد الرحمن علي طه (1901 1969)، الخرطوم: دار النشر جامعة الخرطوم، (2004)، ص ص 320- 321).

مصر تستخدم الاتحاديين

بعد أن قرر السودانيون، بالإجماع، عند لحظة الاستقلال وخروج البريطانيين من البلاد، رفض خيار الوحدة مع مصر، تحوَّلت الخطة المصرية البديلة للهيمنة على السودان، نحو لم شمل الحزبين الاتحاديين؛ الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي، ليصبحا ذراعًا خادمًا لها داخل السودان. وحانت الفرصة الذهبية لمصر بعد أن فقد السيد، إسماعيل الأزهري السلطة في عام 1956. فالأزهري الذي أشعر المصريين بأنه أقوى نصير لخيار الوحدة معها، وقامت مصر، بناءً على ذلك، بدعمه بالأموال في انتخابات 1953، فأصبح رئيسًا للوزراء، غير رأيه لحظة الاستقلال وانحاز إلى خيار رفض الوحدة لكن، نتيجةً لسقوط حكومته، عاد إسماعيل الأزهري، الذي عُرف بالبراغماتية، إلى مغازلة مصر مظهرا استعداده للعودة إلى الحضن المصري، من جديد.

كانت الحكومة التي أعقبت حكومة الأزهري هي حكومة حزب الأمة. وكانت برئاسة الأمين العام لحزب الأمة، عبد الله خليل. وقد تشكلت بناءً على إئتلافٍ بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي. وكان العداء، حينها، مستحكمًا بين الحزبين صاحبي النزعة للاتحاد مع مصر، وهما: الحزب الوطني الاتحادي، الذي يترأسه إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي التابع لطائفة الختمية، التي يرعاها السيد علي الميرغني. بسبب ذلك العداء المستحكم، استطاع حزب الأمة أن يجر إلى جانبه حزب الشعب الديمقراطي ليكوِّنا معًا حكومة إئتلافية سُميت بـ “حكومة السيدين”، إشارةً إلى زعيمي الطائفتين الكبيرتين، السيد علي الميرغني، والسيد عبد الرحمن المهدي. وقد كان حزب الشعب الديمقراطي مستعدًا أصلا للثأر من إسماعيل الأزهري وزملائه من رموز الحزب، الذين ظلوا يسيئون إلى السيد علي الميرغني، ويسخرون منه عبر حملاتٍ هجوميةٍ مكثفة، برز فيها القطب الاتحادي الشهير، يحي الفضلي.

عنى مجيء حزب الأمة إلى السلطة، بالنسبة لمصر، انتصارًا للتيار الاستقلالي المعادي للوحدة معها، أو، على الأقل، شكل مانعًا أمام إتاحة المجال لها للهيمنة على مجمل الشؤون السودانية، ولو من على بعد. لكن، بما أن الحزب الحليف لحزب الأمة الذي شكل معه الحكومة، هو حزب الشعب الديمقراطي، الذي ترعاه طائفة الختمية، ذات الارتباط الوثيق جدًا بمصر، فقد رأت مصر أن تعمل على جره خارج الإئتلاف الحاكم، ليقف إلى جانب الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري ليسقطا معًا من داخل البرلمان حكومة حزب الأمة بقيادة عبد الله خليل. وبالفعل، استدعت مصر زعماء الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقرطي إلى القاهرة لترتيب إسقاط حكومة حزب الأمة التي يرأسها عبد الله خليل. وللغرابة، صرح قطب حزب الشعب الديمقراطي، السيد علي عبد الرحمن الضرير، وهو في القاهرة، أنه يقف في المعارضة لحكومة حزب الأمة. قال السيد، علي عبد الرحمن هذا، وللغرابة الشديدة، في وقت كان حزبه؛ حزب الشعب الديمقراطي، لا يزال شريكًا لحزب الأمة في الحكم. بل، ولديه وزراء في حكومة عبد الله خليل، لا يزالون على رأس عملهم. أكثر من ذلك، فقد كان السيد، علي عبد الرحمن نفسه من بين هؤلاء الوزراء في الحكومة القائمة. فقد كان، لا يزال يشغل منصب وزير الخارجية في ذات الحكومة، حين أصرح في القاهرة بأن حزبه يقف في المعارضة!

لابد من الإشارة هنا إلى أن التآمر المصري على حكومة عبد الله خليل قد حدث عقب المواجهة التي جرت بينها وبين الحكومة المصرية حول مثلث حلايب. وكانت قد بلغت من الحدة درجةً جعلت عبد الله خليل يحرك الجيش السوداني نحو مثلث حلايب. وقد انفجرت تلك الأزمة بسبب إدخال السودان مثلث حلايب ضمن الدوائر الانتخابية السودانية. وقد كان ذلك سلوكًا طبيعيًا من جانب السودان، فحلايب سودانية وقد كانت بالفعل تحت الإدارة السودانية. وقد بقيت تحت الإدارة السودانية إلى أن احتلها عنوةً الرئيس المصري حسني مبارك، ردًّا على محاول اغتياله في اديس أبابا، التي دبرها نظام الإسلامويين السوداني في عام 1995. تراجع النظام المصري في فترة جمال عبد الناصر عن تصعيد المواجهة في قضية حلايب. وسبب ذلك فيما يبدو أن النظام كان يعد العدة لمناقشة مشروع اتفاقية 1959 لمياه النيل مع السودان. وبالفعل، كعادة المفاوضين السودانيين في الغفلة، جرى التوقيع على تلك الاتفاقية الكارثية ذات القسمة الطيزى. ويكفي من كارثيتها أن أحد أهم بنودها كان موافقة السودان على إنشاء السد العالي، نظير موافقة مصر على إنشاء السودان خزان الروصيرص. الشاهد، أن إجراء الحكومة السودانية الانتخابات في مثلث حلايب، بوصفها جزءً لا يتجزأ من السودان، قد تواصل في كل الانتخابات اللاحقة، دون أي اعتراضٍ من الجانب المصري، إلى أن احتلتها مصر في عام 1995ن ولم تخرج منها حتى الآن.

مصر وانقلاب عبود 1958

أحس رئيس الوزراء عبد الله خليل بأن الاستعمار المصري الذي خرج من الباب، قد أخذ يحاول أن يعود عبر النافذة، مستخدمًا الحزبيْن الاتحاديين استخدامًا سيئًا يهدد استقلال البلاد وسيادتها. لحظتها، وضح أن شؤون السودان تجري إدارتها من القاهرة. وأن القاهرة تجد من السياسيين السودانيين، من هو جاهز للتعاون معها في هذا التدخل السافر القبيح. لذلك، لأجل قطع الطريق على إسقاط حكومته عبر انسحاب حزب الشعب الديمقراطي من الائتلاف الحاكم، بطرح صوت الثقة فيها، وهي لم تكمل عامها الثاني بعد، دعا عبد الله خليل الفريق إبراهيم عبود قائد الجيش لاستلام السلطة. وهكذا، حدث أول انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي في السودان. وكان ذلك بعد عامين فقط من الاستقلال. ومن هنا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في السودان. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء عبد الله خليل يتحمل وزر الانقلاب، إلا أن في وسع المرء أن يقول: لولا التدخل المصري السافر في الشؤون السودانية وارتضاء الحزبين الاتحاديين أن يكونا مطيةً لخدمة المصالح المصرية في السودان، لما حدث الانقلاب. ولربما استمر النظام الديمقراطي في السودان، في ثباتٍ ونماءٍ، مثلما استمر في الهند إلى اليوم، التي نالت استقلالها قبل السودان بتسعة أعوامٍ فقط. ورغم أن عبد الله خليل قد قصد بدعوة قائدة الجيش لاستلام السلطة أن يبعد التأثير المصري على السياسة السودانية، فإن نظام الفريق عبود العسكري على الرغم من توجهه نحو الغرب مخالفًا بذلك خط الرئيس جمال عبد الناصر الواقع في الحضن السوفيتي، إلا أن نظام عبود كان ضعيفًا جدا أما النظام المصري. وعلى الرغم من ان اتفاقية السد العالي جرى التوافق عليها في الفترة الديمقراطية، إلا أن فترة حكم الفريق إبراهيم عبود هي التي شهدت تهجير أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية بزرعها وضرعها وكنوزها الأثرية التي لا تقدر بثمن. فقد جرى إخلاء المنطقة ونقل أهاليها المنطقة إلى سهل البطانة لكي تتمدد بحيرة السد العالي داخل الأراضي السودانية.

انقلاب العقيد جعفر نميري 1969

لقد كانت طبيعة ما يسمى داخل القوات المسلحة “تنظيم الضباط الأحرار”، طبيعةً قوميةً عربية. وكان هذا التنظيم ذو الميول القومية العربية هو الذي وقف وراء انقلاب العقيد، جعفر محمد نميري على النظام الديمقراطي في السودان في عام 1969. وواضحٌ أن قيام تنظيم تحت مسمى “الضباط الأحرار” داخل الجيش السوداني لم يكن سوى انعكاسٍ للتأثير المصري المباشر وخط مصر في معاداة الغرب، حينها، ومعاداة التحول الديمقراطي. وهما السمتان البارزتان في سياسات الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. وقفت الأحزاب السودانية موقفًا سلبيًّا إزاء انقلاب جعفر نميري. وكان الحزب الوحيد الذي أسفر بتأييد الانقلاب هو الحزب الشوعي السوداني، بل وأصبح بعض قيادييه وزراء في حكومة نميري الأولى.

من أبرز علامات التعاضد بين نظام جمال عبد الناصر العسكري في مصر مصر ونظام جعفر نميري العسكري في السودان وعلى حرص مصر على بقاء النظام الخاضع لإرادتها في السودان في سدة الحكم، تدخل سلاح الجو المصري لقصف الجزيرة أبا أثناء النزاع المسلح الذي نشب بين قوى المعارضة الحزبية، ونظام جعفر نميري في عام 1970. لكن، بعد عامٍ واحدٍ من أحداث الجزيرة أبا حدثت محاولة انقلابية قام بها الحزب الشيوعي السوداني على جعفر نميري. فما كان من مصر إلا أن تدخلت بالاتفاق مع العقيد معمر القذافي لإفشال ذلك الانقلاب. بناءً على ذلك الاتفاق قامت ليبيا باعتراض الطائرة المدنية البريطانية التي كانت تحمل قائدي الانقلاب العائدين على متنها من لندن إلى الخرطوم، عند مرورها فوق سماء بنغازي. أُنزلت الطائرة في مطار بنغازي وجرى اعتقال قائديْ الانقلاب، الأمر الذي أفشل الانقلاب.

أيضًا شهدت بدايات فترة حكم نميري ما سمي مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وليبيا والسودان. ولكن سرعان ما دبَّت الخلافات بين مكونات هذا الحلف الثلاثي، خاصةً عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في نفس عام 1970. فقد اتسعت الشقة بين معمر القذافي وجعفر نميري، وبلغت حدًا جعل القذافي يفتح معسكرات للتدريب على حمل السلاح للمعارضة السودانية في جنوب ليبيا. من تلك المعسكرات انطلقت محاولة 1967 المسلحة التي حاولت إسقاط نظام جعفر نميري بعمل عسكري جرى في داخل العاصمة الخرطوم. وفي تعدٍّ آخر، أرسل القذافي طائرة عام 1984، لتقصف إذاعة أمدرمان ومنزل السيد الصادق المهدي. أما السادات فقد أضطر إلى توجيه ضربةٍ موجعةٍ للعقيد القذافي في عام 1977، بسبب تحرش القذافي بمصر، بسبب توقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل. وعمومًا، فإن فترة حكم نميري قد اتسمت بالتبعية الكبيرة لمصر. فقد أنشأ نميري حزبه الأوحد الحاكم في السودان، الاتحاد الاشتراكي السوداني، على غرار حزب عبد الناصر الحاكم، المسمى الاتحاد الاشتراكي العربي. وفي عام 1982 وقَّع نظام الرئيس حسني مبارك ونظام الرئيس جعفر نميري ما سمي ميثاق التكامل بين مصر والسودان. لكن، لم تنجح تلك الإجراءات الفوقية في خلق أي صورة عملية للتكامل الاقتصادي أو السياسي أو العسري بين مصر والسودان. فبعد عام واحدٍ من توقيع ميثاق التكامل أعلت جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية متخذًا خطًا إخوانيًّا صريحا.

ويبدو أن خطة مصر للهيمنة على السودان، قد انحصرت، في نهاية الأمر وبعد عديد التجارب، في دعم الأنظمة العسكرية في السودان. فبعد أن دعمت انقلاب جعفر نميري، الذي أسقطته ثورة أبريل الشعبية في عام 1985، عادت مصر لتكون أول الدول التي اعترفت بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989 الذي قوَّض الديمقراطية الثالثة. ومع كل حالات الشد والجذب التي حدثت بين مصر ونظام الترابي/البشير في فترة حسني مبارك، ورغم قمع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الحالي الوحشي للإسلاميين في مصر، نجدها قد وقفت ضد ثورة ديسمبر 2018 الشعبية في السودان، التي لا تزال فصولها تتوالى حتى الآن. قدمت مصر للفريق البرهان وللإسلاميين الواقفين خلفه كل أنواع الدعم العسكري والديبلوماسي، مع انخراطٍ لا يني في شق صفوف الثوار، وفي تشكيل الحواضن الشعبية الضرارٍ الساندة للفريق البرهان، لكي يستعيد هو والإسلامويون كامل سلطتهم، ويقضوا على الثورة السودانية التي انطلقت مطالبةً بالحكم المدني وبالتحول الديمقراطي، قضاءً مبرما.

(يتواصل)

بيان من ياسر عرمان حول اعتقاله بواسطة الإنتربول

بالأمس 5 مارس 2025، تم توقيفي في مطار جومو كينياتا بنيروبي حوالي الساعة الواحدة ظهرًا، ومن ثم تم أخذي إلى مقر الإنتربول الكيني بسبب “إشارة حمراء” تفيد بأنني مطلوب لدى سلطات بورتسودان بتهم عديدة لا أساس لهامن الصحة.
أخبرت سلطات الإنتربول أن قضيتي سياسية بامتياز وكنت على تواصل مع بعض الاصدقاء والرسميين الكينيين، بعد ان تمت بعض الاجراءات سمح لي بالذهاب إلى فندق حوالي الساعة التاسعة مساءً، وطُلب مني العودة إلى الإنتربول عند الإخطار، وتمت مصادرة وثائق سفري.

هذا الصباح تلقيت مكالمات هاتفية من مسؤولين كينيين في مكتب الرئيس ووزارة الخارجية كما تلقيت مكالمة من الإنتربول الكيني وتمت إعادة وثائق سفري.

من المفارقات أن جميع التهم الموجهة لي مصممة على مقاس من هم في بورتسودان وتليق بهم، كما ان تحقيق العدالة التي يستحقها الشعب السوداني يجب أن تبدأ باعتقال عمر البشير وزمرته من المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية ولكن بدلاً من ذلك نجد أن أسماء قيادات القوى الديمقراطية هي التي على قائمة الإنتربول، علينا ان نعمل على إزالتها حتى لا يتعرض آخرين لتجربة مماثلة مثل ما حدث معي بالأمس.
إن الذي جرى لي ان كان الغرض منه من قبل سلطات بورتسودان هو ارهابي وردعي عن الدعوة إلى السلام والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال التهميش، فقد فشلوا فإنني اليوم أكثر التزامًا من أي وقت مضى بقضية السلام العادل، والمواطنة بلا تمييز والديمقراطية ومناهضة العنصرية وبناء مجتمع لا عنصري.

يجب على طرفي هذه الحرب القبيحة التي هي في الأصل ضد الشعب السوداني أن يتوقفا فورًا، وأن يقبلا بإرادة الشعب الذي يبحث عن الخبز والسلام والتحرر والديمقراطية والمواطنة بلا تمييز ، والعلاقات الجيدة مع جيراننا والمجتمع الدولي.

أخيرًا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لعائلتي وأصدقائي وزملائي في الحركة الديمقراطية المناهضة للحرب، وللإعلاميين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، ولأصدقائنا في بلدان الجوار والمجتمع الدولي.
وشكر خاص لأصدقائنا في كينيا الذين بذلوا الجهود اللازمة لحل هذه القضية، ولكل من وقف متضامنًا مع القوى الديمقراطية والمدنية من داخل السودان وخارجه.

6 مارس 2025

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(3 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

عبء الرجلين الأبيض والمصري

العقلية الاستحواذية الجانحة للهيمنة الكاملة التي سبق أن أشرت إليها، هي السمة الجوهرية للنخب الحاكمة في مصرفي التعاطي مع الملف السوداني. وهو بالنسبة لها ملفٌ أمنيٌّ أولاً وأخيرًا. وهذا هو ما أخرج العلاقة المصرية بالسودان من دائرة الفهم المُتَّزن والثقة والتعامل عبر الطرق الدبلوماسية وتقوية المصالح المشتركة إلى دائرة محاولة هندسة الأمور في داخل السودان استخبارتيًا لصالح مصر. وكما سبق أن ذكرت سابقًا أيضًا، فإن القوى الاستعمارية الأوروبية خلفت وراءها نخبًا وطنيةً في كل البلدان التي خرجت منها قواتها في نهاية الحقبة الاستعمارية، ليتواصل الاستعمار عبر ما سُميَّ “الاستعمار الجديد”، أو قل الاستعمار من بعد بواسطة الوكلاء المحليين، وهو ما فعلته مصر، أيضا. لكن، في حالة مصر مع السودان، كان هناك عنصرٌ إضافيٌّ آخر، أكثر خطرًا، وهو الاستعمار الثقافي الذي تحتل به القوة الاستعمارية عقل الشعب الذي جرى استعماره، أو على الأقل، احتلال عقول الكثيرين من مواطنيه، خاصةً نخبه السياسية والثقافية والتجارية والمجتمعية. وهو ما ينتج عنه خضوعٌ مُركَّبٌ، وشعورٌ بالدونية، يجعل تحقيق التبعية السياسية الاختيارية ميسورا.

بعد أن أخذت أوروبا تجني ثمار الثورة الصناعية، وبعد أن انفردت بحيازة السلاح الناري بصورةٍ نوعيةٍ متفوقةٍ، وبعد أن تعاظمت لديها الحاجة لمختلف المواد الخام مما ليس متوفرًا في بيئتها، ونشأت لديها الحاجة إلى الأسواق الخارجية، شرعت أوروبا في التفكير باحتلال البلدان. غير أن ذلك الجشع الاستعماري جرت تغطيته بأن من واجب أوروبا الإنساني والأخلاقي أن تغزو البلدان غير الصناعية بهدف إخراجها من التخلف وسوقها في طريق التقدم والتمدين. وظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، مع بداية الهجمة الاستعمارية، قصيدة شاعر الإمبراطورية البريطانية الأشهر، روديارد كيبلِنج التي حملت عنوان: “White Man’s Burden”، أي عبء الرجل الأبيض في نقل الحضارة إلى أجزاء العالم المتخلفة اقتصاديًا وتكنولوجيا. وسرعان ما أصبحت قصيدة كيبلِبنغ منبع إلهامٍ للإمبريالية الأمريكية حين كانت منخرطةً في حروبها في الفلبين وجزر المحيط الهادي. وهكذا أصبح استعمار الآخرين ونهب ثروات بلدانهم، وطمس ثقافاتهم بالثقافة الوافدة، وإخضاعهم لحكم القوى الاستعمارية، بقوة السلاح، مهمةً نبيلةً تجري تحت زعم إدخال الآخرين في سلك الحضارة، عبر احتلال بلدانهم وإدارتها بالنيابة عنهم لمصلحة المستعمِر.

أما في شمال وادي النيل فقد رأت مصر الخديوية نفسها قوةً متقدمةً حضاريًا مقارنةً بجنوبها. وذهبت، من ثم، تبرر استعمارها للسودان المأهول بأهل البشرة السوداء، المنفصلين نسبيًا آنذاك عن مراكز الحضارة الحديثة، بغرض إدخالهم في سلك الحضارة، حسب زعمها، رغم أن غرضها كان المال والرجال. وقد سبقت مصر باستعمارها السودان في عام 1821، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا بخمسين عامًا، كما سبق أن ذكرنا. وبما أن هذه المقالات لا تسمح بالتوسع في كشف هذا الجانب، فإنني أكتفي بإيراد بعض النماذج القليلة من الأدبيات المصرية، لإثبات زعمي هذا. ففي مستهل كتابه المسمى، “مديرية خط الاستواء، من فتحها إلى ضياعها”، كتب الأمير عمر طوسون، حفيد محمد علي باشا، عن التوسع الخديوي المصري جنوبًا في وادي النيل، قائلاً: “لا ريب أن الفكرة التي اختلجت في نفس الخديو إسماعيل والتي دفعته إلى فتح مديرية خط الاستواء وضمها إلى السودان، أو بالأحرى إلى الأملاك المصرية، فكرة جد صائبة إذ بها تم لمصر الاستيلاء على نهر النيل من منبعه إلى مصبه. وأصبحت في قبضتها تلك البحيرات العظمى التي يخرج منها هذا النهر السعيد الذي عليه مدار حياة البلاد”. (راجع: عمر طوسون، تاريخ مديرية خط الإستواء المصرية، الإسكندرية: مطبعة العدل (1937)، ص 3). (الخط تحت الجملة أعلاه من وضعي).

السودان ملكٌ مصريٌّ خالص

منذ غزو محمد علي باشا للسودان في عام 1821، أصبح السودان لدى مصر الخديوية “أملاكًا مصرية”. ومن نماذج اليقين الراسخ بأن السودان في الذهن المصري “ملكٌ مصريٌّ” خالصٌ، ما كتبه عبد الرحمن الرافعي، وهو يحتفي بتصريحٍ مخاتلٍ أطلقه اللورد سالسبري، في فترة من فترات شراكة إنجلترا ومصر في استعمار السودان. قال الرافعي: لقد صرح اللورد سالسبري بأن وادي النيل كان ولا يزال ملكًا ثابتًا لمصر، وإن حجج الحكومة المصرية في ملكية مجرى النيل، وإن أخفاها نجاح المهدي، إلا أنها ليست محلاً للنزاع، منذ انتصار الجنود المصرية على الدراويش. وقد كتب الدكتور نسيم مقار في مستهل كتابه “مصر وبناء السودان الحديث”، ما نصه: “يرى الباحث في تاريخ مصر على مر العصور والأزمان أن مصر حين تقوى وتنهض وتنال قسطًا متميزًا من التقدم، تسعى إلى أن تنقل حضارتها إلى البلاد الأخرى المجاورة، التي لم تُحظ بما حُظيت به من تقدم حضاري”. (راجع: عبد الرحمن الرافعي، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ج ع م، (1962) ، ص 132).

أما المورخ المصري، محمد فؤاد شكري فيقول: “تضافرت عوامل عدة على أن تسيِّر مصر حملةً على السودان، لإدخاله في نطاق ذلك “النظام السياسي الذي أوجده محمد علي، وفرغ من وضع قواعده خصوصًا بين عامي 1807 و1811، على أساس الحكومة المستبدة المستنيرة في الداخل، والتوسع صوب الشرق والجنوب في الخارج”. (راجع: محمد فؤاد شكري، مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر 1820 -1899، القاهرة: طبعة مطبعة دار الكتب، (2011)، ص 7). ومحمد فؤاد شكري ممن كتبوا أكثر من كتابٍ عن السودان من المنظور المصري. ومن بين مؤلفاته “مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية 1820–1899”. فهو يسمي الاستعمار الخديوي القسري للسودان الذي حدث في عام 1821، واستمر إلى عام 1885، “وحدة وادي النيل”! بل ويضيف إلى ذلك سنوات الحكم المهدوي الذي طرد الاستعمار الخديوي من السودان في عام 1885، واستمر لمدة 14 عامًا، عادًا فترة حكم المهدويين جزءًا مما أسماه وحدة وادي النيل.

أيضًا كتب المؤرخ المصري رأفت غنيمي الشيخ، صاحب كتاب “مصر والسودان في العلاقات الدولية”، نقلاً عن محمد فؤاد شكري، إن محمد علي باشا استند على أمورٍ ثلاثةٍ في فتح السودان، أولها: رسالة مصر في السودان التي لا يمكن التخلي عنها إطلاقا، وهي: الاحتفاظ بشطر الوادي الجنوبي حتى يتسنى لمصر إتمام رسالتها من حيث واجب النهوض بالسودان إلى مصاف الأمم المتمدينة الرشيدة. ويذهب محمد فؤاد شكري إلى تبرير عبء الرجل المصري في تمدين السودانيين بصورة أكثر غرابة حين يقول: إن محمد علي باشا قد استند في غزوه للسودان على ما يُعرف باسم “نظرية الخلو”، أو الملك المباح”، Res Nullius. وحجة شكري في احتلال محمد علي للسودان هي أن الأقطار السودانية عند ضمها إلى مصر لم يكن أحد يمتلكها في الحقيقة، لأن السلطة هناك كانت مغتصبةً من أصحابها الشرعيين، كما أن قبائل العربان، وفقًا لزعمه، قد نشرت الفوضى في السودان. ويواصل شكري قائلا: فإذا استطاع حاكمٌ أن ينتزع هذه الأراضي السودانية من قبضة أولئك الذين اغتصبوا كل سلطةٍ بها، وأن يُنشئ حكومةً مرهوبة الجانب، تذود عن حياضها وتصون السودان من الغزو الأجنبي، وتكفل لأهله الاستقرار والعيش في هدوء وسلام، فقد صار واجبًا أن يستمتع هذا الحاكم بكل ما يخوله له سلطانه أو سلطته من حقوق السيادة على هذه الأراضي الخالية، وهذا الملك المباح أصلا. ونسمع اليوم نفس هذه النبرة من الحكومة المصرية وهي تحشر أنفها (بقوة عين عجيبة)، في شؤون السودان.

لم تقف هذه التسبيبات المصرية الخديوية الاستعمارية الاستحواذية الواهية عند حد احتلال أراضي السودان، وإنما تعدته لاحتلال قسم وادي النيل الجنوابي الواقع في منطقة البحيرات العظمى جنوب غوندكرو. فقد أصدر الخديو إسماعيل فرمانًا حين شرعت مصر الخديوية في احتلال المديرية الإستوائية جنوب مدينة غندكرو، في العام 1869م، جاء فيه: “نحن إسماعيل خديو مصر، قد أمرنا بما هو آتٍ: نظرًا للحالة الهمجية السائدة بين القبائل القاطنة في حوض نهر النيل، ونظرًا لأن النواحي المذكورة ليس بها حكومة، ولا قوانين ولا أمن، ولأن الشرائع السماوية تفرض منع النخاسة والقضاء على القائمين بها المنتشرين في تلك النواحي، ولأن تأسيس تجارة شرعية في النواحي المشار إليها يعتبر خطوة واسعة في سبيل نشر المدنية ويفتح طريق الاتصال بالبحيرات الكبرى الواقعة في خط الاستواء بواسطة المراكب التجارية ويساعد على إقامة حكومة ثابتة، أمرنا بما هو آت: تؤلف حملة لإخضاع النواحي الواقعة جنوب غوندكرو لسلطتنا”. (عمر طوسون، مصدر سابق، ص 13).

الشعور بالاستحقاق المطلق

يتضح جليًّا مما أوردناه من نماذج كتابات المؤرخين المصريين البارزين، أن لدى الإدارات المصرية وأكاديمييها البارزين شعورٌ طاغ وراسخٌ بالاستحقاق المطلق لاحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم. والتذرع في ذلك التعدي الاستعماري بحجج واهية، بل ومضحكة، كقولهم إن تمدين المناطق غير المتمدنة من مسؤوليتهم. أو قولهم، إن تلك المناطق بلا حكومات، وأنها غارقة في الفوضى، ولابد من غزوها للقضاء على تلك الفوضى، أو لمحاربة تجارة الرقيق. هذا في حين أن حملة محمد علي باشا التي احتلت السودان في عام 1821، قد كان أحد غرضيها الأساسيين اصطياد الرقيق وجلبهم من السودان إلى مصر للعمل سُخرةً في جيش محمد علي باشا. ويؤكد هذا التوجه المؤرخ العراقي ممتاز العارف حين قال: إن الخطة الخديوية لاحتلال السودان وقف وراءها هدفان وهما، أولا: الحصول على أكبر كمية من الذهب، وثانيا: جمع أربعين ألفا من العبيد وإرسالهم إلى القاهرة. (راجع: ممتاز العارف، الأحباش بين مأرب وأكسوم: لمحات تاريخية من العلاقات العربية الحبشية ونشوء دولة إثيوبيا الحديثة، صيدا: منشورات المكتبة العصرية، (1975)، ص 103). فما بين عام 1821 وهو عام بداية الاحتلال الخديوي امصري للسودان، وعام 1839، بلغت أعداد الرقيق الذين أرسلوا إلى مصر 200 ألف. وعمومًا كان الاحتلال المصري الخديوي للسودان مهمةً لحمتها وسداها الاسترقاق والنهب. ويروي المستكشف البريطاني، صمويل بيكر، الذي زار الخرطوم في العام 1862م، أي بعد أربعين عاماً من بداية الاحتلال المصري الخديوي للسودان، أن الذي رآه في الخرطوم كان عملية نهبٍ بشعةٍ لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، اشترك فيها كل موظفٍ في الدولة من الحاكم العام إلى أصغر خفير. ويضيف بيكر أن الجنود الذين تتكون منهم حامية الخرطوم كانوا يعيشون في البلاد كجيشٍ محتل، وقد انعدمت في قلوبهم الرحمة. كان كل ما يهمهم هو جمع الضرائب والتي كانت تُجبى بإلهاب ظهور الناس بالسياط. وسكان الخرطوم البالغ عددهم آنذاك ثلاثين الفًا لم يكن في وسع أي واحدٍ منهم أن يقضي غرضا دون أن يستعين بالرشوة، وكان الجلد والتعذيب شيئاً عاديا. (راجع: محمد إبراهيم ابو سليم، تاريخ الخرطوم، بيروت، دار الجيل، (1999)، ص 62).

هذه الذهنية المصرية التي ترى أن أراضي السودان وموارده المائية والزراعية والحيوانية والغابية والمعدنية حقًّا حصريًا للمصريين، لا يستحق منه السودانيون شيئًا، أمرٌ تؤكد شواهد كثيرة للغاية، وبصورةٍ صارخة. وقد عبَّرت هذه الشواهد عن نفسها بجلاءٍ عبر تاريخ هذه العلاقة المصرية السودانية المستشكلة الملتبسة، التي استمرت على مدى زاد حتى الآن على قرنين من الزمان. واللافت، كما سبقت الإشارة، أن هذه النظرة الخديوية الاستحواذية التي تأسست على استنزاف موارد السودان لم تتغير، حتى بعد نهاية الحقبة الخديوية. وإنما استمرت في عهود كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم مصر، منذ أن جرى تقويض النظام الملكي على يدي الجيش بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، في عام 1952، وحتى يومنا هذا. بل، إن ما حاق بالسودان من نهب للموراد في فترة ما بعد ثورة ديسمبر 2018، قد فاق في حجمه وغرابته كل نهبٍ جرى في الماضي من جانب مصر لموارد السودان. لقد وقف النظام المصري ضد ثورة ديسمبر ووضع كل ثقله وراء الفريق عبد الفتاح البرهان مانحًا له كل الدعم لكي يمارس ألاعيبه الفجة المكشوفة ويوظف نزعته الدموية من أجل الانفراد بالسلطة، ليصبح السودان وموارده تحت يد مصر.

(يتواصل)


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427