Notice: _load_textdomain_just_in_time تمّ استدعائه بشكل غير صحيح. تم تشغيل تحميل الترجمة لنطاق td-cloud-library مبكرًا جدًا. عادةً ما يكون هذا مؤشرًا على تشغيل بعض التعليمات البرمجية في الإضافة أو القالب مبكرًا جدًا. يجب تحميل الترجمات عند خطاف الإجراء init أو بعده. من فضلك اطلع على تنقيح الأخطاء في ووردبريس لمزيد من المعلومات. (هذه الرسالة تمّت إضافتها في النسخة 6.7.0.) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
Blog | قناة نادوس | online news | Page 15
20.9 C
New York
الأحد, سبتمبر 6, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 15

تعديلات قانون الإجراءات الجنائية .. تشوهات شكلية و موضوعية

الاستاذ/أحمد عبدالوهاب المبارك _ المحامي

شملت التعديلات مادتين من قانون الإجراءات الجنائية ، و هي تعديلات سياسية في الأساس و غير قانونية ، من حيث مصدرها و من ناحية غاياتها ، و كأنها جزء من أدوات الصراع السياسي لإستهداف الخصوم السياسيين وهو ما يتنافى مع قومية و عمومية القوانين و الغايات الوطنية من التشريع .
فمن ناحية الجهه التي عكفت على إطلاق هذه التعديلات فإنها لا تملك سلطة التشريع و الإجازة ، حيث أن ذلك واجب السلطة التشريعية الغائبة كلياً و ليس لها وجود و إنّ إسناد أمر إجازتها علي الوثيقة الدستورية طبقاً لإجتماع مجلسي السيادة والوزاء فهذا عبث سياسي ايضاً لا يمنح مطلق التعديلات الميزة كمنصة تشريعيك لأن هذه الوثيقة أصبحت غير منتجة وغير ملزمة منذ ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١م للأسباب المعلومة ، و بالتالي لا يمكن أن تصبح مرجعية .

أما مضمون التعديلات فقد جاءت متعلقة بمادتين من قانون الإجراءات الجنائية لسنة ١٩٩١ :
المادة الاولى والتي تتحدث عن سقوط الدعوى بالتقادم و المادة الثانية التي تتناول المحاكمات الغيابية .

أولاً : أغفل التشريع المرتجل ذكر القانون المراد تعديله على وجه الدقة ، حيث يتطلب ذلك ذكر التعديل للقانون بالسنة التي شرع فيها و ذكر التعديلات التي تمت كذلك بتواريخها تباعاً ، فقولهم ( يسمي هذا القانون قانون الإجراءات الجنائية تعديل ٢٠٢٥ ويعمل به .. الخ ) و من ثم تنص علي ان يعدل قانون الإجراءات الجنائية لسنة ١٩٩١م .. فإن المشرع المنتحل كأنما بذلك يلغي التعديلات السابقة أو يقفز عليها بإغفال ذكرها و التعديل على أصل قانون آخر غير القانون المعدل مراراً ، فكأنما التعديل تمّ على الإصدارة الأولى غير عابيء بما تلاها من تعديلات .

ثانياً : المادة الاولى المعدلة تتحدث عن التقادم المسقط للدعوى الجنائية حيث نصت المادة( ٣٨ ) الفقرة الاولى منها على : ( لا يجوز فتح الدعوي الجنائية في الجرائم ذات العقوبات التعزيرية اذا انقضت مدة التقادم بدء من تاريخ وقوع الجريمة ) فتم تغيير عبارة من ( تاريخ وقوع الجريمة ) الي عبارة ( تاريخ العلم بالجريمة ) .. و هذا النص – موضوعياً – و على الرغم من الدوافع السياسية قصيرة النظر في مجمل التعديلات لكنه يبدو أفضل من النص السابق إذ جاء معززاً لفلسفة التقادم دون تصادم مع حق الأفراد في إقتضاء الحقوق ربطاً بالعلم و ليس بتاريخ وقوع الجريمة ، و سنتحدث عن فلسفة التقادم تشريعياً في مقال منفصل .

أما التعديل في الفقرة الثانية فلا أعلم من أين جاءوا به ، إذ لا يوجد نص في المادة ٣٨ يتحدث عن الجرائم المستمرة بل أنه مفهوم الجريمة المستمرة ورد في السوابق القضائية و لكن لا يوجد نص قانوني في المادة المذكورة يتحدث عن الجرائم المستمرة حتي تضاف له جرائم فساد فمن أين أتوا به ؟ سأترك للقارئ صورة من نص المادة ٣٨ .

أما في التعديل الآخر حول مادة المحاكمات الغيابية : لم يجوّز القانون المحاكمات الغيابية الا في حالات نادرة وهي :

اولاً:في الجرائم الموجهة ضد الدولة
ثانياً: اذا أقر المتهم كتابةً انه مذنب
ثالثاً : اذا رأت المحكمة ان المتهم لا يضار من المحاكمة غيابياً .

الفلسفة في القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية أن هنالك أفعال تمثل جرائم في حق المجتمع ومن ارتكب هذه الجرائم يجب أن يعاقب فماهي الفائدة من محاكمة لا يعاقب المتهم فيها؟ المحاكمات في الأساس حضورية ولكن استثناء بعض الحالات لغرض ، و غير خاف ان تصميم هذا التعديل يراد به هدفاً أساسياً و هو محاكمة الخصوم السياسين خاصة فيما يتعلق بالجرائم الموجه ضد الدولة .

كذلك تمت إضافة بعض المواد للحالات المذكورة اصلا فيما تمت من مواد ، حيث تمت إضافة المادة ١٢ ،١٣،٢٧،٢٨،٢٩،٣٠

ورد في التعديل المرتجل عبارة (قانون مكافحة جرائم المعلوماتية) والصحيح هو قانون جرائم المعلوماتية , فإذا اختل اسم القانون المراد تعديله فإن ذلك يسقط جوهر التعديل ابتداءاً ، حيث جاءت البطاقة التعريفية للقانون خاطئه ولايمكن الاعتماد عليها فلا يوجد قانون بأسم (مكافحة) جرائم المعلوماتية بل هو قانون جرائم المعلوماتية ، ولم يرد تعديل لاسم القانون او تعديل في ترقيم مواده من المادة ( ٢٧،٢٨،٢٩،٣٠) وهذة المواد مواد إجرائية تتحدث عن تكوين محكمة خاصة ونيابات خاصة وشرطة وغيرها وهي ليست مواد جرائم حتي تضاف للمحاكمات الغيابية .

لذلك فإن كاتب هذة الخطرفات لا يمكن أن يكون حتى دارس للقانون دعك من أن يكون خبيراً قانونياً أو وزير .

السؤال الآن هو كيف يمكن أن تدخل هذه التعديلات في قانون الإجراءات الجنائية و ما هو مدى دستوريتها ؟

ولله في خلقه شئون

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(9 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

خلق الحاضنة الشعبية الضرار

النور حمد

الجهود العديدة التي جرى بذلها في محاولات القضاء على ثورة ديسمبر، صاحبها جهدٌ آخر، وهو خلق حاضنةٍ شعبيةٍ ضرارٍ، ليقول عسكريو مجلس السيادة، وقوى النظام القديم، ومن ورائهم جميعًا النظام المصري، إن هناك قوىً مدنيةً أخرى داعمة للثورة. وأن قوى الحرية والتغيير، المجلس المركزي التي كان يُشار إليها اختصارًا عند بداية الثورة بـ (قحت)، لا تمثل الشعب السوداني وأنها ليست هي الجسم الوحيد الممثل للثورة. لحظة إنشاء هذه الحاضنة الشعبية الضرار، منحها البرهان وعسكره مبنى قاعة الصداقة في الخرطوم ليعقدوا فيها لقاءهم وليقيموا فيها المؤتمر الصحفي الذي أعلنوا فيه ولادتها. وكان من اللافت جدًا في مهرجان إعلان هذه الحاضنة الضرار، حضور السفير المصري في الخرطوم تلك الجلسة. هذه الحاضنة المزيفة هي نفسها التي، كما سبق أن ذكرنا، دبَّر لها عسكر المجلس السيادي فرصة الاعتصام أمام القصر الجمهوري وقدم لها كل التسهيلات. وفي الوقت الذي كانت فيه قوى الأمن تقمع مسيرات المتظاهرين من شباب الثورة بعنفٍ مفرطٍ، وتمنعهم من الوصول إلى القصر الجمهوري، تركت هؤلاء يقيمون اعتصامهم لمدة أسبوع، أمام القصر الجمهوري، تحت حماية قوى الأمن.

في نهاية اعتصامهم أمام القصر الجمهوري طالب هؤلاء النفر الفريق البرهان بالانقلاب على حكومة الدكتور عبد الله حمدوك التي قامت على أساس الوثيقة الدستورية التي شهد عليها المجتمعان الإقليمي والدولي. وكما ذكرنا فقد كان ذلك الاعتصام متزامنًا مع إغلاق الزعيم القبلي محمد الأمين تِرِك ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد. ولم تمر أيام بعد مناداة تلك الحاضنة الضرار بالانقلاب، حتى نفذ الفريق البرهان الانقلاب على حكومة حمدوك، في 25 أكتوبر 2021، وأودع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الحبس المنزلي وأودع قيادات الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، السجن. وقد كانت مطالبة تلك الحاضنة الضرار للفريق البرهان للقيام بالإنقلاب، مسرحية أعدها أصلاً عسكر المجلس. وكانت استنساخًا، بصيغة أخرى، لما فعله السيسي مع حكومة مرسي حين قال للشعب المصري: أخرجوا إلى الشوارع وأمنحوني تفويضًا. وبالفعل خرج قطاعٌ من الشعب المصري المنقسم على نفسه بشدة، آنذاك، ومنحه التفويض، فأطاح بحكومة الرئيس محمد مرسي المنتخبة وأودعه السجن، إلى أن مات فيه. ثم ما لبث أن بطش بالإخوان المسلمين بطشًا لم يحدث لهم، ولا في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

انفرد البرهان بالسلطة بانقلابه على الشرعية، لكنه فشل في تشكيل حكومة. فقام بإطلاق سراح الدكتور عبد الله حمدوك الذي رجع ليترأس الوزراة لفترة قصيرة جدًا، ما لبث بعدها أن استقال. قال حمدوك في أول ظهورٍ له عقب إخراجه من الحبس المنزلي، أنه قَبِل العودة بغرض حقن الدماء. وقد قام بالفعل بإبعاد اثنين من قادة الشرطة، هما عز الدين الشيخ وخالد مهدي بسبب تقاعسهما في إلقاء القبض على الذين يمارسون قنص المتظاهرين بالبنادق في الشوارع. لكن رغم ذلك، استمر قنص المتظاهرين، فلم يجد حمدوك في نهاية الأمر بدًّا من أن يستقيل. وهكذا طُويت صفحة الفترة الانتقالية التي نصت عليها الوثيقة الدستورية.

لابد من الإشارة هنا إلى أن عسكر مجلس السيادة قد كانوا يسابقون بمؤامراتهم الزمن وهم يتآمرون على نسف الفترة الانتقالية. فالوثيقة الدستورية قسمت الفترة الانتقالية إلى قسمين: قسم يرأس فيه العسكريون مجلس السيادة. وقد أصر العسكر على رئاسة مجلس السيادة في هذا القسم الأول. وأثبتت التجربة أنهم أصروا على أن يترأسوا مجلس السيادة في القسم الأول من الفترة الانتقالية، لكي يتمكنوا من هلهلة حكومة عبد الله حمدوك وإضعافها وعزلها عن جمهورها، ومن ثم، الانقلاب عليها، قبل أن ياتي موعد رئاية المدنيين لمجلس السيادة. أيضًا، كانت لجنة تفكيك التمكين قد وقفت على فساد الإسلامويين في فترة حكمهم، وقد أوشكت على فتح ملفات بالغة الحساسية. لذلك، كان لابد من الانقلاب قبل كشف تلك الملفات. وكما جرى بذل جهدٍ كبيرٍ في إضعاف حكومة حمدوك وخلق العراقيل لها وإظهارها بمظهر قلة الكفاءة والفعالية، كذلك جرت حملاتٌ إعلاميةٌ ضخمةٌ لشيطنة لجنة إزالة التمكين واسترداد المال العام، بل واتهامها بتهمٍ ملفقةٍ بممارسة الفساد. وما أن قام البرهان بانقلابه، انخرط مباشرةً في أعادة من جرى إبعادهم من رموز النظام القديم إلى مناصبهم، من جديد. كما أعاد الأموال التي حجزت عليها لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة المنهوبة، إلى المؤسسات والمنظمات والأفراد التابعين لنظام الرئيس عمر البشير.

مصر ترعى الحاضنة الضرار

اجتهدت مصر كثيرًا في دعم هذه الحاضنة الشعبية الزائفة لتشق قوى الثورة وتسيطر من خلالها على مجريات الأمور في السودان، لكي تصب، في النهاية، في خدمة مصالحها. فمصر كما سبق أن ذكرنا، تريد أن يكون السودان مجرد مستودعٍ للمواد الخام لتأخذها منه بأبخس الأسعار بل، وبلا مقابلٍ أحيانًا كما سنرى لاحقًا، لتقوم هي بالتصنيع وإضفاء القيمة المضافة، ومن ثم تصديرها إلى الخارج بإسمها هي وحصد عائدات ما ينتجه السودان لنفسها. من أجل ذلك، تريد مصر جنرالاً يضمن لها استدامة هذا الوضع. فالنظام الديمقراطي يتيح الفرصة للشعب السوداني وللصحافة الحرة فرصة مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم. خاصةً، في الأمور التي تتعلق بموارد البلاد واستخدامها، إلى جانب الرقابة على مجريات التنمية وحراسة المال العام والحرص على السيادة والكرامة الوطنية. وكل ذلك، في جملته، يسير على العكس تمامًا مما تريده مصر في السودان. لذلك، عندما تحدَّث حمدوك عن ضرورة أن يتجه السودان لإضفاء القيمة المضافة على منتجاته، بدلاً من تصدير المواد الخام والأنعام الحية، أوردت تقارير إعلامية، أن اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية، قال للفريق البرهان في زيارة له إلى الخرطوم، جرت قبل الانقلاب على حكومة حمدوك بقليل: إن مصر مستاءة جدًا من حمدوك، وأردف قائلا: “حمدوك لازم يمشي”. وبالفعل “مشى حمدوك”، بأمر المخابرات المصرية. راجع صحيفة وول ستريت جورنال على الرابط:

https://shorturl.at/s1Yj8). و(صحيفة العربي الجديد على الرابط: https://shorturl.at/4fbcH). وقد أوردت صحيفة وول ستريت جورنال في نفس هذا السياق، أن الفريق البرهان طمأن المُوفد الأميركي إلى القرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، بأنه لا ينوي الاستيلاء على السلطة. لكنه ما لبث عقب لقائه بفلتمان أن استقل الطائرة إلى مصر لإجراء محادثات سرية لضمان حصول مؤامرته على دعم مصري وإقليمي. وأضافت الصحيفة أن الفريق عبد الفتاح السيسي، الذي استولى على السلطة في انقلاب عام 2013 بدعم من السعودية والإمارات، طمأن البرهان على سلامة ما ينوى فعله. وتقول الصحيفة إنها حصلت على المعلومة من ثلاثة أشخاص كانوا مطلعين على الاجتماع. وأضافت أن البرهان اعتقل لدى عودته إلى الخرطوم، عشرات المسؤولين الحكوميين، بمن فيهم رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، فاضًا بذلك اتفاق تقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين الذي أخرج السودان من ثلاثة عقود من العزلة الدولية. أيضًا أقال الفريق البرهان خبير القانون الدولي ورئيس مفوضية الحدود الدكتور معاذ تنقو، السوداني الأكثر إلمامًا بقضية حلايب وشلاتين والمطَّلِع على الوثائق التي تثبت أن حدود السودان الحقيقية تصل إلى منطقة أسوان. وتحوم الشكوك أن إبعاد هذا الخبير قد كان بتأثير من دولة الإمارات المتحدة والسلطات المصرية.

عقدت مصر لتلك الحاضنة الشعبية الضرار، التي تعوِّل عليها في خدمة أهدافها في السودان، مؤتمرين داخل مصر. بل عقدت لها مؤتمرً ثالثًا رضيت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) الاشتراك فيه، رغم أن مصر هي التي أطاحت مع البرهان بحكومتها. وقد تحايلت ما تسمى الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، التي أصبحت لاحقًا جزءًا من تحالف تنسيقية (تقدم) الأكثر اتساعًا، عبر الإشتراك بجسمها القديم الأصغر حجما، وهو قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) المعروفة بـ (قحت). وقد كانت تلك حيلةً مكشوفةً الغرض منها ألا يُقال أن تنسيقية (تقدم) قد جلست مع الحاضنة الضرار المصنوعة تحت الرعاية المصرية في الأرض المصرية. في حين يعلم الكل أن الحرية والتغيير) المجلس المركزي) هي القوة الوازنة في تنسيقية (تقدم) وأن البارزين من قيادات (تقدم) هم من قيادات (قحت)، وليسوا من القوى التي انضمت إليها.

إلى جانب الحاضنة الزائفة المصنوعة استقطبت مصر مجموعةً من المثقفين السودانيين، الداعمين للسياسات المصرية في السودان، ليصبحوا صوتًا إضافيًا يجري استخدامه إلى جانب صوت قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية). ولعل السبب وراء وقوع المبعوث الأمريكي إلى السودان، توم بيرللو في قبضة المخابرات المصرية، وفشله المدوي في مهمته، إنما يعود إلى جعله يستمع كثيرًا إلى هؤلاء المثقفين السودانيين المقيمين في مصر، المستقطبين مصريًا. وكذلك، استماعه إلى الحاضنة المزيفة الضرار المتمثلة في الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية). ومن أقوى الأدلة على أن المخابرات المصرية قد وضعت المبعوث الأمريكي في جيبها، أنه ظل يهمش (تقدم) بصورةٍ لافتة. فقد حرص هو ومعه قوى إقليمية على رأسها مصر على تهميش تنسيقية (تقدم) بزعم أنهم يريدون في البداية إنهاء الصراع المسلح القائم بين قوات الجيش وقوات الدعم السريع. وكأن أصل المشلكة يتمثل حصرًا في هذا الصراع، وليس في الثورة وأهدافها مع من يسعون للقضاء عليها. هذا ااتشخيصٌ المضلِّلٌ هو الذي جعل جهود المبعوث الأمريكي توم بيريللو تذهب هباء.

تعامل بيرللو مع تنسيقية (تقدم) وكأنها غير موجودة أصلاً. وهذا هو ما كان يريده المصريون، ويريده الفريق البرهان والواقفون وراءه من الإسلامويين سدنة النظام القديم. وهو أن الصراع في السودان قائمٌ حصرًاٌ بين قوتين عسكريتين، وأنه لا وجود لشئ اسمه الثورة، ولا وجود لشيء اسمه الشعب السوداني. ومما يؤكد هذا ما قالته السيدة سناء حمد للإعلامي بقناة الجزيرة أحمد طه، حين قالت إنهم مأمورون شرعًا بموجب النص القرآني أن يجنحوا للسلم، إذا جنحت له قوات الدعم السريع. وعندما سألها أحمد طه، ما إذا كان هذا الموقف ينطبق أيضًا على تنسيقية (تقدم)، وجمت لفترة، ويلد أنها لم تكن تتوقع هذا السؤال، ثم قالت: “إذا رضي الشعب”. وهذا يعني أن تصالحهم مع قوات الدعم السريع لا تقتضي رضا الشعب، لكن تصالحهم مع تقدم يقتضي رضا الشعب. وقد شهدنا جميعا كيف أن نبرة العداء وسط قادة الحيش والإسلامويين تجاه (تقدم) ظلت على الدوام أقوى، بما لا يقاس، من نبرة عدائهم تجاه قوات الدعم السريع.

ودعونا نقرأ، في هذا الصدد، وجهة نظر الباحث في الشؤون الاستراتيجية، محمد عباس، حول دور مصر في إنشاء الحاضنة الشعبية الضرار ورعايتها، فيما أدلى به إلى شبكة “عاين” حيث قال: تقف القاهرة وراء تنظيم مؤتمر قوى الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية)، لضمان السيطرة على السودان في أي تطورٍ سياسيٍّ قادم، بناءً على المفاوضات المتوقعة في منبر جدة. وأضاف قائلاً أيضًا: مصر قد تشارك في منبر جدة، وفي ذات الوقت تريد التحكم في مقاليد الأمور في السودان، لأن الحرب قد تسببت للقاهرة في تعقيداتٍ اقتصاديةٍ هائلةٍ. وعندما يتوقف الصراع المسلح، يريد النظام المصري أن يُحكم سيطرته على الأوضاع في السودان من خلال صنع تحالفات سياسية موالية للجيش السوداني. (راجع: شبكة عاين على الرابط(https://shorturl.at/BcLbS :.

لجوء سياسيينا إلى مصر!

السياسي السوداني المعارض لنظام الحكم في السودان، الذي يختار مصر مكانًا للجوء، وبخاصةٍ في مثل هذه الظروف الحالية التي يظهر فيها حرص مصر الشديد للقضاء على الثورة السودانية، وأحدٌ من شخصين، لا ثالث لهما. فهو، إما يكون جاهلاً، جهلاً موبقًا، بتاريخ الهيمنة المصرية على السودان، وتآمر الأنظمة المصرية المتعاقبة على الديمقراطية في السودان، وإما أن يكون متماهٍ تمام التماهي مع أجندة مصر في السودان معتقدًا أن فيها الخير العميم لأهل السودان. وما حدث، بالفعل، عقب قيام هذه الحرب أن طائفةً كبيرةً من قيادات قوى الحرية والتغيير، تنسيقية (تقدم)، اختارت أن تلجأ إلى مصر. كما لجأت مجموعةٌ من المثقفين غير المنظمين حزبيًّا الذين درجوا على تقديم تحليلاتهم ونصائحهم إلى مصر من منصة حيادٍ وطنيٍّ مزعومٍ، أيضًا. بل إن بعض هؤلاء كانت القاهرة بالنسبة لهم مَحَجًّا ومنتجعًا للاستجمام قبل حدوث الثورة. ومعلومٌ منذ فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان أن مصر تبتز قوى المعارضة السودانية التي تقيم على أرضها. ومن نماذج الابتزاز التي مارسها النظام المصري على قيادات المعارضة السودانية المقيمة حاليًا في مصر، التهديد بالحرمان من العودة إلى مصر في حالة الذهاب في مهمة إلى خارج مصر. والمقصود من هذا هو منع المعارضة السودانية المشتتة في دول القرن الإفريقي من الاجتماع خارج مصر. فالنظام المصري يود أن تكون عينه حاضرة في كل لقاءات قوى المعارضة السودانية. كما إن أكثر ما يسوء مصر هو أن تقيم قوى المعارضة مؤتمراتها أو لقاءاتها في إثيوبيا، التي تناصبها مصر أشد العداء، أو في كينيا أو يوغندا. هذا الابتزاز لا تمارسه السلطات المصرية، بصورةٍ ثابتةٍ، وإنما بالسماح أحيانًا، وجعله عسيرًا ومحاطًا بالمحاذير، أحيانًا أخرى. وقد أثمر هذا الابتزاز الذي تضمن أنماطًا مختلفة من الضغوط، في جعل تنسيقية (تقدم) تعقد واحدًا من مؤتمراتها في مصر بسبب صعوبة خروج أعضائها المقيمين فيها، كما سبق أن ذكرنا. بل وصل الأمر حد أن تعقد قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وهي مكوِّنٌ رئيس في تنسيقية (تقدم)، لقاءً في مصر شاركت فيه الحاضنة الضرار التي أسهمت مصر في صنعها، وهي الحرية والتغيير (الكتلة الديمقراطية). (راجع صحيفة سودان تربيون على الرابط: (https://shorturl.at/i9ynp. وقد حضر هذا اللقاء حليفا الفريق البرهان: جبريل إبراهيم ومني أركو مناوي، لكنهما رفضا التوقيع على البيان الختامي. ورغم أن ذلك الرفض يوحي باستقلال قرارهما عما تريده مصر، لكن، ربما جرى ذلك منهما بإيحاء من مصر لإفشال البيان الختامي وتكريس الانقسام وهلهلة (تقدم).

(يتواصل)

‎فضيحة فساد هزت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف: اتهامات خطيرة للوزير بالنهب وإساءة استخدام السلطة

عباس الخير
‎في تطور مثير يسلط الضوء على أزمة الحوكمة في السودان، تتكشف أدلة مثيرة حول فساد مالي وإداري في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الخاضعة لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان. يُواجه الوزير د. عمر بخيت اتهامات فادحة تُشير إلى إساءة استغلال النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية وعائلية. الوثائق المتاحة تكشف تورطه في اختلاسات وأعمال محسوبية، مما يطرح تساؤلات جادة حول التزام الوزارة بمبادئ الشفافية والمساءلة.
‎اختلاسات مالية بمبالغ ضخمة
‎تشير المعلومات إلى أن الوزير قام بتحويل مبلغ 9,000,000 جنيه سوداني، المخصص لدعم مهرجان القرآن الكريم بولاية القضارف، إلى حسابه الخاص دون أي توضيحات رسمية حول أوجه صرف هذه الأموال.
‎تتوالى التهم، حيث يُزعم أن د. بخيت حصل على 16,000 يورو في ديسمبر و6,000 يورو في يناير 2025 تحت بند “نثرية مأمورية” من أموال الحج والعمرة، على الرغم من أن دوره خلال تلك الرحلات كان شكليًا. هذا الأسلوب في الاستفادة يوحي باستغلال الموارد الحكومية لمصالح شخصية.
‎ويُشهد على تجاوزاته أيضًا إسكان إحدى زوجاته وعائلتها في شقة تابعة لبعثة الحج بالسعودية، حيث تمتعت بإقامة مجانية مع خدمة بوفيه مفتوح، مُمولة من ميزانية الحج والعمرة. فضلاً عن تمويل سفر أفراد آخرين من أسرته على حساب الحج والعمرة.
‎محسوبية ونهج إداري قائم على الولاءات العائلية
‎تتسع دائرة الفساد لتشمل تعيينات مشبوهة، حيث عمد الوزير إلى اختيار أفراد من عائلته وأصدقائه لتولي مناصب حساسة دون الالتزام بمعايير الكفاءة. من بين هؤلاء:
‎- عبد السلام سيد أحمد – مدير العلاقات العامة
‎- معاذ محمد علي – سكرتير (من أسرته)
‎- حسن عمر بخيت – سكرتير (ابنه)

‎وفي خطوة تثير الجدل، أقدم الوزير على تغيير الأختام الرسمية والأوراق المروّسة للوزارة، مما يُعد تهديدًا للرقابة الإدارية.
‎إنفاق مبالغ هائلة على عقارات وسيارات فاخرة
‎استمر استنزاف أموال الوزارة في صفقات عقارية مشبوهة، حيث تم استئجار شقتين في حي سلالاب بمبلغ 4,000,000 جنيه لكل منهما، على الرغم من أن الإيجارات في المنطقة لا تتجاوز 2,000,000 جنيه. واحدة من هذه الشقق كانت سكنًا شخصيًا للوزير مع تجهيزات فاخرة بقيمة 24,000,000 جنيه.
‎كما تواصلت التجاوزات عبر تخصيص سيارة توسان موديل 2025 لأحد المسؤولين البارزين ضمن السلسلة المشبوهة من الانتهاكات التي تضع وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تحت المجهر.
‎تتفاقم الشكوك حول مصير الأموال العامة في ظل إدارة تُظهر استهتارًا غير مسبوق بالمصلحة العامة، مما يُنذر بمزيد من القضايا والفضائح في المستقبل.

نساء ضد الظلم

بيان إدانة لاب إرهابى

فى مارس المرأة ومارس الام ونحن نحتفى بيوم المرأة العالمى/8/مارس وعيد الام/21/مارس، فاجأتنا مواقع التواصل الاجتماعى بتداول فيديو لضابط من “كتائب البراء” المحسوبة على الجيش السودانى ضمن مليشياته التى اشعلت الحرب ودمرت البلاد.. الفيديو يعتبر واحد من مظاهر جرائم الحرب التى مارستها المليشيات من الطرفين ضد الشعب السودانى من جرائم قتل خارج إطار القانون وتمثيل بالجثث وإهانة القتلى والعبث بكرامة الانسان وعدم احترام حرمة الموت..
هذا الى جانب ما يمثله الفيديو من انتهاك صارخ لحقوق الطفل وتعريضه لبشاعة الممارسات اللا انسانية ضد الخصوم وتغذية عقولهم البريئة بمظاهر العنف الجائر وتجسيد الكراهية فى اقبح صورها..
ونحن فى “نساء ضد الظلم” إذ ندين هذا الفعل الوحشى نطالب جميع منظمات حقوق الانسان وحقوق الطفل المحلية
والدولية بتوثيق هذه الجريمة والمطالبة بالقاء القبض على هذا الاب المجرم والمجرد من معنى الابوة وتقديمه للعدالة الدولية.. ونجدد المطالبة باعلان “الحركة الاسلامية السودانية” وعلى رأسها المؤتمر الوطنى وكتائب البراء حركة ارهابية ومطاردة قياداتها ورموزها وتسليمهم للعدالة الدولية وفى مقدمتهم المجرم المعزول عمر البشير وزمرته من الهاربين من المحكمة الجنائية الدولية.

الحركة الاسلامية تنظيم ارهابى

الحرب لازم تقيف

اطفال الوطن امانة فى اعناقنا

11/مارس/2025

اهم الاخبار السودانية من قناة نادوس الثلاثاء 10/03/2025

  • البرهان: لاتفاوض مع الدعم السريع والمشتركة خارج الشمالية.
  • الهادي ادريس: تشكيل الحكومة الجديدة خطوة نحو وحدة السودان وليس تقسيمه.
  • النائب العام: سنحاكم المتهمين غيابياً خلال اسبوع.
  • فصائل مجلس الصحوة الثوري الديمقراطي تفكر بالالتحاق بميثاق السودان التأسيسي.
  • وزير الدفاع يكشف عن خطة للتصدي للمسيرات
  • الجيش يطوق القصر الرئاسي ويتأهب لفك حصار الفاشر
  • مسيرات تستهدف سد ستيت بولاية القضارف والمضادات تتصدى
  • النائب العام: عدد البلاغات المسجلة لسيارات مفقودة تجاوز 39 ألف بلاغ
  • تدهور الأوضاع الأمنية والصحية بمنطقة جنوب الحزام ومناشدات للمنظمات بالتدخل
  • لمجابهة التكاليف المتزايدة للإنتاج: زيادة جديدة في تعرفة الكهرباء لجميع القطاعات

التفاصيل

في تصريح جديد، أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رفضه الدخول في أي مفاوضات مع قوات الدعم السريع “المتمردة”. وأكد في خطابه بولاية نهر النيل أنه لن يعود للتفاوض إلا بعد جمع عناصر الدعم السريع في مواقع محددة، وتجريدهم من السلاح، ومحاسبتهم.

وقدم البرهان تحية للقوات التي تدعم الجيش في الصراع الدائر، بما فيها القوة المشتركة، مشيرًا إلى أن هذه القوة في طريقها إلى شمال دارفور، مؤكدًا عدم التفرقة بين مدن السودان المختلفة .

وكان سكان الولاية الشمالية وشرق السودان قد طالبوا في وقت سابق بطرد القوات المشتركة من أراضيهم، وهو ما رأته قيادة القوات المشتركة استهدافًا لها من جهات معروفة.

يمثل هذا القرار تطورًا جديدًا في الأحداث الجارية ويشير إلى تصاعد التوترات بين الأطراف المتحالفة ضد قوات الدعم السريع، مما يثير القلق بشأن النتائج المحتملة لهذا القرار وتأثيره على الوضعين السياسي والأمني في المنطقة.

أكد الهادي إدريس، رئيس الجبهة الثورية السودانية والقيادي في تحالف السودان التأسيسي، أن الاتهامات الموجهة إليهم بتقسيم السودان هي “فرية” وتضليل متعمد. وفي حوار خاص مع “اندبندنت عربية”، أوضح دكتور الهادي إدريس أن الحكومة الموازية المحتملة تسعى لتحقيق الأجندة الوحدوية وتحقيق العدالة للضحايا المظلومين، مشددًا على أن الحكومة الحالية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، فقدت شرعيتها.
كما أشار الهادي إدريس إلى رفضهم لمقولة “عفا الله عما سلف”، مؤكدًا على أن ملاحقة جميع المرتكبين لانتهاكات حقوق الإنسان ستكون حتمية، بغض النظر عن الجهة المسؤولة. وبيّن أن تشكيل الحكومة الجديدة يهدف إلى وقف انتهاكات الحرب في المناطق المتضررة، مع التأكيد على أن هذه الخطوة ليست سببًا لتقسيم البلاد وإنما تعكس رغبة في إقرار العدالة وتحقيق الاستقرار الوطني.

أصدر النائب العام في حكومة الأمر الواقع في بورتسودان قرارًا يقضي بمحاكمة العشرات من السياسيين والإعلاميين والناشطين الحقوقيين غيابيًا، بعد توجيه اتهامات لهم بموجب عدد من المواد الجنائية، بما في ذلك مواد عقوبتها الإعدام. وفي سبتمبر العام الماضي صرّح النائب العام بأنه طلب من الإنتربول إصدار نشرة حمراء للقبض على المتهمين وتسليمهم للنيابة العامة. ومع ذلك، لم يحظ طلبه بالاهتمام اللازم من قبل الشرطة الدولية. تجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات تُعتبر سياسية وليست قانونية وفقًا لرأي القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

أكد مصدر من مجلس الصحوة الثوري، بقيادة دكتور موسى الغالي حارن، أنهم اقتربوا من التوصل لحد ادني من الاتفاق مع قيادة الدعم السريع لمراجعة الميثاق التأسيسي الذي وُقِّع في نيروبي هذا العام.
وفي وقت سابق، أعلنت فصائل مجلس الصحوة الثوري من خلال فيديو مسجل داخل الخرطوم أن قوات الدعم السريع قد مارست الإقصاء ضد فصائل شاركت بقوة وثبات في الحرب ضد الجيش السوداني. وأكدوا أن ما تم في نيروبي لا يعبر عن رؤيتهم، مشددين على ضرورة معالجة هذه الاختلالات. وأوضحوا أنه في حال عدم الاستجابة، فإن الفصائل ستتخذ موقفاً حيال ذلك.

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(8 – 20)

“لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

مصر وثورة ديسمبر 2018

منذ أن فشلت خطة حكومة صدقي باشا، ومن بعده الرئيس جمال عبد الناصر في جعل الأحزاب الاتحادية السودانية وكيلاً لخدمة مصالح مصر في السودان، بسبب ثبوت ضعف قدراتها على أداء تلك المهمة، على الرغم من الولاء الشديد الذي ظلت تبديه لمصر، اتجهت الأنظمة المصرية إلى خطةٍ أخرى. تمثَّلت تلك الخطة في عرقلة الديمقراطية في السودان عن طريق صنع الانقلابات العسكرية، أو الإسراع في دعم التي لم تشارك في صنعها، والتسويق لقبولها في البلدان العربية. ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة حريصةً على الدوام على أن تكون الأنظمة في السودان أنظمةً عسكرية. لذلك، كان أفضل الخيارات للأنظمة المصرية المتعاقبة أن يحكم السودان جنرالٌ بيدٍ من حديد، ويكون في نفس الوقت معتمدًا عليها في الدعم السياسي والدبلوماسي ليصبح، من ثم، خاضعًا لإرادتها. وقد ظلت الأنظمة المصرية المتعاقبة تمارس في هذا المنحى مختلف صنوف الابتزاز للجنرالات الذين تعاقبوا على حكم البلاد. حدث هذا مع الفريق إبراهيم عبود، الذي أعانها في ترحيل أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية، بكل ما حوت من مقدرَّات، لتتمكن مصر من إنشاء السد العالي. كما حدث مع الرئيس جعفر نميري الذي بدأ قوميًا عربيًّا وانتهى بإعلان نفسه خليفة للمسلمين في السودان في عام 1983. واستمر أيضًا نهج الهيمنة والتحكم من على بعد في فترة حكم الرئيس عمر البشير الذي بدأ عدوًا لمصر حين كان هو والدكتور حسن الترابي في مركب واحد. لكن ما لبث أن أبعد البشير الترابي عن السلطة في نهاية التسعينات من القرن الماضى وسار كسابقيه في طريق الخنوع للإرادة المصرية.

نزعة الترابي في تصدير الثورة إلى العالم الإسلامي، وأحلامه الشاطحة بخلق قوة إسلامية مناطحة للغرب، ورطت نظامه في أخطاء فادحة. هذه الأخطاء الفادحة إلى جانب استخفافه بالرئيس عمر البشير ومحاولة جعله مجرد دمية تجلس في الواجهة، باعدت بين الرجلين. الأمر الذي قاد إلى ما سُمي “المفاصلة” التي جرت في نهاية التسعينات من القرن الماضي. هذه الأخطاء وهذا التباعد بين الحليفين صب، في المحصلة النهائية، في مصلحة النظام المصري. من هذه الأخطاء الفادحة التي صبت في صالح مصر، محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995، التي ثبت أن نظام البشير في السودان هو الذي دبرها. كما سبقت ذلك استضافة النظام السوداني للإرهابي أسامة بن لادن وأيضًا مشاركة النظام في تفجير السفارتين الأمريكيتين في شرق أفريقيا، وفي حادثة المدمرة كول على سواحل اليمن. كل هذه الأفعال التي أغضبت العالم وأزعجت الإقليم، منحت مصر فرصةً ذهبيةً لتنخرط في ترويض نظام الإسلامويين في السودان، عن طريق الضغوط. أصبحت مصر، داعمةً بالصوت العالي للعقوبات على السودان. وقد كسبت مصر من ذلك على صعيدين. الصعيد الأول: ترويض نظام الرئيس عمر البشير ووضعه تحت قبضتها. أما على الصعيد الآخر، تكبيل السودان من أن يصبح قوة اقتصادية لها قدرات صناعية، لأن تحول السودان إلى دولة تصنع منتجاتها يحرمها من واحد من أهم أهدافها وهو أن يبقى السودان مجرد مصدر تأخذ منه المواد الخام لتُصَنِّعَها هي وتصدرها نيابة عنه. وسنعرض إلى ذلك بتفصيل أكبر، في حلقةٍ قادمة. خلاصة القول، عبر تشديد العقوبات على نظامه وتزايد ضغوط العزلة عليه، أدرك الرئيس المخلوع عمر البشير أن مصر هي من يسمع منها المجتمعان؛ الدولي والإقليمي، فيما يتعلق بشؤون السودان. فانتقل من حالة العداء الأولى ونهج المصادمة ومحاولة الاستقلال بالقرار السياسي إلى حالة من الرضوخ والاستسلام التام.

مصر والفريق البرهان

أما السيطرة المصرية على مجريات الأمور في السودان، عبر حاكمٍ عسكريٍّ سوداني، التي ظهرت في فترة صعود الفريق عبد الفتاح البرهان إلى دست الحكم في السودان منذ 2019، فقد فاق كل ما حدث في السابق. فمنذ صعود البرهان إلى الحكم، كرئيسٍ لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، وفقًا للوثيقة الدستورية، قام بإلقاء نفسه بالكلية في الحضن المصري. ويبدو أن البرهان قد عرف بالتجربة الطويلة، ومن كونه ضابطًا قياديًّا ضمن منظومة حكم الرئيس البشير، أن مصر تريد، على الدوام، حاكمًا عسكريًا للسودان وأنها لا تترد قط في دعمه. بعبارة أخرى، وقوع من يحكم السودان تحت سيطرتها يضمن له أطول مدةٍ للبقاء في السلطة. هنا، تطابقت رغبة مصر مع رغبة الفريق البرهان في تحقيق رؤيا أبيه بأنه سيكون حاكمًا على السودان. وهي رؤيا لم يجد الفريق البرهان بأسًا في أن يحكيها للناس في أول مقابلةٍ متلفزةٍ له مع قناةٍ فضائيةٍ دوليةٍ، بعد توليه رئاسة مجلس السيادة. أيضًا، عرف البرهان أن وجود الإسلاميين في صفه في اللحظة الراهنة، على أهميته بالنسبة له، سوف يقف، في لحظةٍ قادمةٍ ما، حائلاً بينه وبين تحقيق حلمه بالانفراد بالسلطة. وهو يعرف أصلاً أن مصر ستقبل مرحليًا دعم الإسلامويين له حتى تجتاز سيطرته على الأمور مرحلة الخطر، لكنها ستدفعه لاحقًا للتخلص منهم. كل هذه العوامل جعلت الفريق البرهان يختار إسناد ظهره بالكامل إلى مصر. باختصار شديد، وجد الفريق البرهان في مصر ضالته، ووجدت مصر فيه ضالتها. ومن هنا، بدأ تعاون مصر والبرهان للقضاء على الثورة السودانية، عبر مختلف التكتيكات.

تزايد التعاون الاستخباراتي

منذ أن اعتلى الفريق البرهان رئاسة مجلس السيادة، تكثفت زيارات اللواء عباس كامل، مدير المخابرات المصرية، المعلنة وغير المعلنة، إلى السودان. كما تكررت زيارات الفريق عبد الفتاح البرهان، المعلنة وغير المعلنة، ومعه فريق مخابراته إلى القاهرة. لم يكن يمضي شهر أو شهران، إلا وكان عباس كامل وفريقه الاستخباراتي في الخرطوم. لقد كان التنسيق بين المخابرات المصرية والفريق البرهان وأجهزته الأمنية من أجل إجهاض الثورة، واضحًا وضوح الشمس. وقد كانت هناك محطاتٌ بارزةٌ عكست ذلك التنسيق. ومن أغرب الأمور التي حدثت بعد الثورة، لجوء مدير جهاز المخابرات السودانية في فترة حكم البشير، صلاح قوش، إلى مصر. فرئيس جهاز المخابرات هو حامل أسرار الدولة، ولا ينبغي أن يصبح عقب تركه منصبه ضيفًا على دولة أخرى، بل، وبصفة لاجئ. خاصةً في حالة العلاقة بين مصر والسودان التي تحكمها الأطماع وتديرها مصر على أساسٍ أمني واستخباراتي بحت.

هذا التهاون الأمني السوداني الذي خلقه نظام الفريق البشير، حدث في سابقةٍ أخرى، لا تقل غرابة. فمدير مكاتب الرئيس المخلوع عمر البشير، طه عثمان الحسين، الذي قام البشير بطرده من منصبه، التقطته المملكة العربية السعودية عقب طرده مباشرةً وعينته مستشارًا لديها للشؤون الإفريقية. أيضًا، لجأ إلى مصر واحدٌ من أكبر رموز نظام البشير وهو والي البحر الأحمر السابق، محمد طاهر آيلا. أقام آيلا في مصر لمدة ثلاث سنوات عقب قيام الثورة وعاد بعد انقلاب البرهان في أكتوبر 2021، ليجري استقباله في بورتسودان بصورةٍ رسمية، رغم أنه كان من المطلوبين للعدالة الذين هربوا في بدايات الثورة. وقد وصل آيلا إلى بورتسودان في وقت اكتملت فيها حلقات مؤامرة خنق حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، خاصة عقب إغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد. لذلك، كان واضحًا لمن يتابعون تصاعد تضييق الخناق على الثورة، آنذاك، أن مطبخًا للتآمر على الثورة السودانية ظل يقوم بمهمته من القاهرة، بالتنسيق مع الفرق البرهان وقوى الثورة المضادة في الداخل السوداني.

مصر ومجزرة فض الاعتصام

كان أول تحدي للبرهان ولمصر، الاعتصام الضخم الذي أقامه الثوار على مدى أربعة أشهر أمام مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم. ورغم تصريحات القادة العسكريين بأن الاعتصام لن يجري فضه، شرعت القوى الأمنية في شيطنة الاعتصام بإدخال المخدرات والمتعاطين إليه عبر عناصرها. كما أدخلت فتياتٍ وشبانٍ مكلفين بالقيام بأفعالٍ مخلة بالآداب وتصويرها ونشرها لتستخدمها غرف الثورة المضادة الإلكترونية في تشويه صور الاعتصام والمعتصمين أمام الرأي العام. وبعد واحدةٍ من زيارات البرهان إلى القاهرة وعودته إلى الخرطوم حدثت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019. وقد كانت استنساخًا لتجربة مجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في القاهرة بواسطة قوات الأمن المصرية.

لم يقض فض الاعتصام على جذوة الثورة كما كان منتظرًا منه. وظهرت الثورة أكثر قوةً وزَخْمًا في التظاهرات التي ملأت شوارع الخرطوم، في 30 يونيو 2019. أحنى البرهان وعسكريوه رؤوسهم، مؤقتًا، لتلك العاصفة. وتوصل الحوار بين قوى الحرية والتغيير إلى إنتاج الوثيقة الدستورية التي بموجبها تشكل مجلس السيادة وتشكلت الحكومة الانتقالية التي ترأسها الدكتور عبد الله حمدوك. لكن التكتيكات للقضاء على الثورة، لم تتوقف قط. فقد تضافرت جهود الفريق البرهان، والعسكريين في مجلس السيادة، وحزب الرئيس البشير المحلول، المؤتمر الوطني، الذي ظل رغم حله ممسكًا بكل مفاصل الحكم، في وضع العراقيل أمام حكومة حمدوك. وكان الهدف من ذلك، أن يفقد الشعب الثقة في كفاءتها، ويتهيأ الرأي العام من ثم للإطاحة بها.

تجفيف السوق وخلق الضوائق

كان أول ما بدأ به الفريق البرهان وقوى النظام القديم في هذا المخطط، هو تجفيف السوق من السلع الضرورية. فشرعوا في خلق الاختناقات في الوقود؛ من بنزين وجازولين وغاز طهي. كما خلقوا، أيضًا، أزمةً في دقيق الخبز، بل وفي إمدادت الكهرباء والمياه. إلى جانب ذلك، أشعلت الأجهزة الأمنية اضطراباتٍ عرقيةً داميةً في عددٍ من مدن السودان. كما عمدوا إلى خلق سيولةٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ في العاصمة. وأصبحت ما تسمى عصابات “النيقرز” التي يشرف عليها جهاز الأمن، تنهب الناس في الشوارع، في وضح النهار، تحت التهديد بالسواطير والمُدَي، مع تقاعسٍ مُتَعَمَّدٍ من قِبَل قوات الشرطة عن التدخل. ثم أعقبوا ذلك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين ميناء بوتسودان وبقية مدن البلاد، كما سبق أن ذكرنا. وتولى تلك المهمة الزعيم القبلي في شرق السودان، محمد الأمين تِرِك مستخدمًا أفراد قبيلته. والرجل أصلاً عضوٌ في المؤتمر الوطني، حزب الرئيس المخلوع عمر البشير الذي حكم البلاد لعقود. حدث هذا الإغلاق في سبتمبر 2021 واستمر لمدة شهر تقريبا. وبعد أن اكتمل الخنق وتأزمت الأوضاع المعيشية وجرى إظهار حكومة حمدوك بمظهر العاجز عن الحكم، وإظهار ضعفها عبر حملات إعلاميةٍ ضخمةٍ لبلبلة الرأي العام، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه على الوثيقة الدستورية، وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021. حدث ذلك، أثناء فترة إغلاق محمد الأمين تِرِك للميناء وللطريق البري. وقد تغاضى الفريق البرهان وعسكريوه عن ذلك التعدي الخطِر الذي تمثل في إغلاق الميناء وقطع الطريق البري، فلم يقوموا بأي تدخل رغم خطر تلك التعديات الخطِرة على اقتصاد البلاد ومعاش الناس. وبالفعل، أحدث إغلاق الميناء والطريق البري أزمةً في دقيق القمح وفي نقل البضائع بين الميناء وبقية البلاد، كما ضاعف أسعار السلع، بصورةٍ كبيرةٍ جدا.

ميناء العين السخنة بدلا عن بورتسودان

منذ نوفمير 2020 أخذت المشاكل المفتعلة تحيط بميناء بورتسودان. وقد كان من الممكن حل تلك الإشكالات لولا أن تلك الإشكالات قد تُركت لتتفاقم عمدًا ويجرى، من ثم، توظيفها سياسيًا. أحدثت مشاكل الميناء تذمرًا كبيرًا في أوساط المصدِّرين والمتورِّدين . وبدأت تظهر أقتراحات بالتحول إلى ميناء مصوع على البحر الأحمر في دولة إريتريا. وهو ميناء يبعد حوالي 500 كيلو متر من وسط السودان. وقيل في تبرير التحول إليه أنه ميناء تعمل به 9 رافعات حديثة، في حين أن ميناء بورتسودان تعمل به 6 رافعات وهي رافعات كثيرة الأعطال. في نفس تلك الفترة، أعلنت جمهورية مصر العربية أنها قد رحبت بطلباتٍ تلقتها من شركات سودانية لفتح الموانئ المصرية لعمليات الإستيراد وتصدير المنتجات السودانية. (راجع صحيفة “الراكوبة” الإلكترونية على الرابط: https://shorturl.at/gw9ih ). ومن الغريب، أن تتلقى مصر الطلبات من الشركات السودانية لاستخدام ميناء العين السخنة الذي يبعد من الخرطوم في وسط السودان أكثر من 1600 كيلومترا، ومن مدينة نيالا في دارفور أكثر من 2500 كيلومترًا. ولا يكون الاختيار لميناء مصوع الذي يبعد 500 كيلو متر من مدينة القضارف في شرق السودان، وحوالي 1700 كيلومترا من نيالا في دارفور. كما أوردت صحيفة “العربي الجديد”، أن وزارة المالية المصرية قالت إنه تم التوافق مع الجانب السوداني على الإجراءات اللوجستية اللازمة لاستخدام الموانئ المصرية، خاصة ميناءي العين السخنة والسويس، في تصدير المنتجات السودانية واستيراد احتياجات السودان من العالم. (راجع: صحيفة “العربي الجديد”، على الرابط: https://shorturl.at/pNwK5).

الشاهد، عندما قام الزعيم القبلي محمد الأمين ترك بإغلاق الميناء والطريق البري الرابط بين الميناء وبقية البلاد في سبتمبر 2021، تحولت حركة الصادر والوارد إلى ميناء العين السخنة والسويس في مصر. وهو أمر صب في مصلحة مصر التي أصبحت المنفذ البحري الوحيد لحركة الصادر والوارد السودانية. قاد هذا التحول إلى زيادة تكاليف الشحن والنقل، وأدى، في نهاية الأمر، إلى ارتفاع السلع في السودان. فازداد بذلك الضغط على المواطنين الذين كانوا يعانون أصلاً من الضغود المفتعلة التي ظل الفريق البرهان وقوى النظام القديم يخلقونها لخدمة أهدافهم السياسية المتمثلة في القضاء على الثورة. حين اكتملت دائرة الضغوط على المواطنين على هذا النحو ووصل الخنق المتعمد للمواطنين ذروته، نفَّذ الفريق البرهان انقلابه في 25 أكتوبر2021 على الوثيقة الدستورية ليطيح بحكومة عبد الله حمدوك ولتتداعي الأمور، في نهاية تفاعلاتها، إلى هذه الحرب البشعة المدمرة التي تجري حاليًا.

(يتواصل)

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(7 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِكَ، ما لم تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

لا أظن أن هناك استعمارًا تغلغل عبر مسارات عديدة، وتمكن من الإمساك برقبة البلاد التي استعمرها، كما فعل الاستعمار المصري الخديوي في السودان. ولأن الاستعمار المصري الخديوي وما تلته من أنظمة حكم مصرية واصلت نهج احتلال عقول السودانيين، فقد بقيت الهيمنة المصرية على السودان راسخةً، رغم خروج الجيوش المصرية من أرض السودان مرتين. كانت المرة الأولى بسبب الثورة المهدية واستعادة الخرطوم على أيدي المهدويين في عام 1885. وكانت المرة الثانية حين طرد الإنجليز الجيش المصري من الخرطوم، وانفردوا بحكم السودان، عقب مقتل البريطاني، السير لي ستاك، سردار الجيش المصري وحاكم السودان، في القاهرة، في عام 1924.

الري المصري

من أغرب نماذج الغفلات التي أدت إلى انتهاك السيادة الوطنية السودانية، ما جرى في فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري للسودان (1898 – 1956)، من سماحٍ لمصر لكي تنشئ مؤسسةً ضخمةً داخل السودان لمراقبة مياه النيل. هذه المؤسسة تحتل مستعمرةً كاملةً خاصةً بها في منطقة الشجرة جنوب الخرطوم، وشمالي خزان جبل أولياء. وخزان جبل أولياء نفسه هو خزان تميَّز عن كل الخزانات والسدود بأنه خزانٌ بنته دولةٌ أجنبيةٌ في عمق أراضي دولة أخرى. وقد ورثت معنا دولة جنوب السودان بسبب غفلتنا وتفريطنا في سيادتنا هذا التغلغل المصري المزعج طويل الأمد. فلمؤسسة الري المصري أيضًا وجودٌ في أراضي جنوب السودان، بل، ولها مكاتب هناك. ومن ضمن مكاتبها مكتبٌ في مدينة واو التي تبعد حوالي 300 كيلومترًا في اتجاه الغرب من مجرى النيل الرئيسي. والغرض من وجود هذه المحطة المصرية هناك هو مراقبة نهر الجور الذي ينحدر من مرتفعات إفريقيا الوسطى ويصب في مجرى النيل الأبيض.

أما أسوأ نماذج التفريط التي حدثت في فترة حكم الرئيس نميري، الذي كان واقعًا بالكلية تحت السيطرة المصرية، فهو سماحه بإنشاء قناة جونقلي التي يؤدي حفرها إلى تجفيف منطقة السدود الرطبة الشاسعة، التي يعيش فيها رعاة الأبقار الجنوبيون. وغرض هذه القناة هو أن تزيد مصر إيراداتها من مياه النيل التي تحصل، أصلاً، على أكثر من نصفها. فكل دول حوض النيل الأحد عشر، ومن ضمنها السودان تحصل على أقل من النصف من إيرادات مياه النيل. جرى اتخاذ قرار إنشاء قناة جونقلي مع تجاهلٍ تامٍ للتأثيرات الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية التي سوف تلحقها القناة بالمواطنين الجنوبيين. وقد تنبه الثائر الراحل جون قرنق إلى خطر قناة جونقلي على القبائل الرعوية الجنوبية. فهاجمت قواته الحفَّار الذي جرى جلبه للعمل في حفر القناة، فتوقف العمل فيها منذ ذلك التاريخ.

قال محمد الحسيني، مدير تفتيش الري المصري في جوبا، عاصمة جنوب السودان، في عام 2013 لوكالة الأناضول الإخبارية، إن وجود بعثات الري المصرية ليست وليدة اليوم. وإن تاريخ إنشائها يعود إلى منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، بموجب اتفاقياتِ تقسيم حصص مياه النيل. وهي الاتفاقيات التي منحت مصر 55.5 مليار مترًا مكعبًا سنوياً من مياه النيل. ويقول: إن هذه الاتفاقيات إلى جانب منحها مصر 55.5، مليونًا م م من مياه النيل، منحت مصر، أيضًا، الحق في متابعة منسوب تدفق مياه الأنهار من المنبع حتى المصب. وبناءً عليه أنشأت مصر بعثات الري المصري في أغلب مدن شمال وجنوب السودان. ومن المهم القول هنا إن هذه الاتفاقيات قد جرى إبرامها ودول حوض النيل تحت الاستعمار الأوروبي، ما جعلها لا تملك سلطة قرارها. وقد ذكر مدير الري المصري في جنوب السودان أن قناة جونقلي ستوفر لمصر 6 مليارات مترًا مكعبًا سنويًا من المياه، وستستفيد منها مصر التي تواجه خطر عدم كفاية المياه للسكان مستقبلاً، حسب قوله. ولنلاحظ هنا: أن مصر تسعى لكي تؤمن حاجة سكانها المستقبلية للمياه، ولا يهمها ما ستحدثه القناة في الحاضر على الرعاة من سكان جنوب السودان.

وفيما يخص السودان، فإن الحق الذي منحته مصر لنفسها في متابعة منسوب النيل من داخل أراضيه، بهذه الصورة المؤسسية اللصيقة، جرى والسودان مستعمرة بريطانية مصرية. ويقول الإثيوبيون شيئًا مماثلا، وهو أنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الاتفاقيات التي قسمت مياه النيل، ولم يُستشاروا فيها أصلا. فاتفاقية 1929، الي منحت فيها مصر لنفسها كل هذه المزايا، جرت في وقتٍ كانت فيه سلطة القرار في السودان غائبةً بسبب الاستعمار. وبسبب الاحتلال المصري لعقول السودانيين فشلت النخب السودانية الحاكمة بعد أن حصل السودان على الاستقلال في تصحيح هذا الاعوجاج البيِّن. فقد أبقت اتفاقية 1959 على نصيب الأسد من مياه النيل لمصر، كما أبقت مؤسسة الري المصري داخل السودان لتمارس أنشطتها من داخل السودان، وهي بمثابة وزارة ري مصرية، بل وجهاز مخابرات علني، ظل يعمل من داخل السودان لقرنٍ كاملٍ. ظلت مصر حريصةً على مراقبة ما يأخذه السودان من مياه النيل رغم أنها تعلم أن السودان لم يستخدم حصته المقررة له قط. بل كانت هناك 4 مليارات مكعبة من نصيب السودان تذهب لمصر كقرض، وهو قرضٌ هالكٌ بطيبعة الحال.

السد العالي

قبل الحديث عمَّا أصاب السودان من أضرارَ بالغةٍ نتيجة لقيام السد العالي، لابد من الحديث عن أن مصر في كل مرةٍ يتَقدَّم فيها السودان بمقترح لإقامة مشروعٍ لمصلحة اقتصاده، داخل أراضيه، تسارع من جانبها لتحصل في المقابل على شيء لنفسها. فحين فكر البريطانيون في إقامة خزان سنار لري مشروع الجزيرة للقطن، اعترض عليه المصريون تلك الاعتراضات المضحكة المبكية، التي سبق أن ذكرناها. لكن، أيضًا، انتهز المصريون الفرصة ليطالبوا بإنشاء خزان جبل الأولياء في وسط السودان، جنوبي الخرطوم، فحصلوا على الموافقة من البريطانيين الذين لم يكن الأمر يعينهم كثيرا. فهو خزانٌ مصريٌّ لتخزين المياه لمصلحة مصر داخل الأراضي السودانية. بل، يقع على بُعد أكثر من ألف كيلومتر من حدود مصر مع السودان.

أيضًا حين فكر السودانيون في إنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق لإنتاج الكهرباء، طلب المصريون موافقة السودان على إنشاء السد العالي، الذي سوف يكون جزءٌ مقدَّرٌ من بحيرته داخل الأراضي السودانية، وسوف تغمر مياه بحيرته أكثر من 5 آلاف كيلومترًا مربعًا داخل السودان. ويمثل الجزء الواقع من تلك البحيرة داخل الأراضي السودانية ما يقدر بـ 15% من مساحتها الكلية. وقد أدَّت تلك البحيرة إلى تهجير ما يصل إلى 70,000، من مواطني تلك المنطقة الذين عاشوا فيها لآلاف السنين. يُضاف إلى ذلك، غمرت البحيرة كل المزارع على ضفتي النيل، بالإضافة إلى إغراقها الآثار التاريخية المدفونة في الأرض في تلك المنطقة الغنية بالآثار الكوشيةـ التي لم تجر الحفريات لاستكشافها بعد.

إن أسوأ ما قام به نظام الفريق عبود في فترة حكمه ( 1958-1964)، لهو موافقته على نتائج المفاوضات التي جرت قبل توليه الحكم عبر الانقلاب العسكري في عام 1958. يقول سلمان محمد أحمد سلمان، إن جولة التفاوض الثالثة بين مصر والسودان حول مياه النيل بدأت في القاهرة في 4 أبريل عام 1955، وقد قاد فيها وفد السودان وزير الري وقتها السيد، خضر حمد. ورغم أنه لم يتم التوصل لاتفاقٍ نهائيٍّ في تلك الجولة، إلا أن الوفد السوداني وافق في 7 أبريل 1955على قيام السد العالي، على “أن يُعوَّضَ سكانُ وادي حلفا التعويض الكافي قبل إقامة السد العالي.” وقد تم تسجيل هذه الموافقة في تصريح الوفد السوداني بعد نهاية تلك الجولة من التفاوض، الأمر الذي جعل تلك الموافقة مُلزِمةً للسودان، فجرى تأطيرها في اتفاقية مياه النيل في 8 نوفمبر عام 1959. (راجع: سلمان محمد أحمد سلمان، السودان ومياه النيل، فيرفاكس فيرجينا: مركز أبحاث السودان، (2016)، ص ص 109 – 112). (وراجع أيضًا: خضر حمد، مذكرات خضر حمد، الشارقة: مطبعة الشرق والغرب، (1980)، ص ص 206 – 212).

لقد تعاطف نظام الفريق عبود مع حكومة جمال عبد الناصر في مشروع السد العالي منساقًا وراء الهالة التي صنعها جمال عبد الناصر لنفسه كقائدٍ لكل العرب. وكذلك، للهالة التي صنعتها مصر لنفسها بوصفها زعيمةً للدول العربية، وينبغي أن يُضحِّى الكلُّ من أجلها، لأنها رأس سهم مقاومة المشروع الصهيوني، والمدافعة عن العرب ضد غوائل الاستعمار والامبريالية. تعاطف الفريق عبود وزمرته مع مصر، في حين لم يُبدوا أي تعاطفٍ مع مئات الآلاف من مواطنيهم من سكان منطقة حلفا القديمة، الذين غمرت بحيرة السد العالي مدنهم وعلى رأسها مدينة حلفا العامرة، وقراهم، وزراعتهم. ولتغرق، أيضًا، وإلى الأبد آثارَ كوشيَّةً مدفونةً في مساحةٍ شاسعةٍ جدًا، لا تقدر قيمتها التاريخة بثمن، يصبح البحث عنها مرة أخرى غير ممكن.

تقول الإحصاءات إن ما يقارب مليونًا من أشجار النخيل في السودان غمرتها مياه البحيرة. كما جرى ترحيل الأهالي القاطنين على ضفاف النيل على مسافة طولها 150 كيلومترًا، رغم أنفهم، إلى سهل البطانة في وسط السودان. وقد تكفَّلت مصر في اتفاقية السد العالي بتقديم تعويضاتٍ للسودان نظير ما فقده، ونظير ترحيل وإعادة إسكان المهجَّرين من أهالي منطقة حلفا في سهل البطانة. وقد حدث الاتفاق على المبلغ بعد مفاوضاتٍ عسيرة، تعنَّت فيها المصريون تعنتًا شديدًا، وكأنَّ السودان هو الذي أتي ليبني سدًّا في مصر ليغرق به أراضيهم، وليسوا هم الذين يريدون بناء سدِّ سوف يغرق أراضي السودان، ويكبد أهله خسائر فادحة. والغريب، حين اختلف وفد السودان ووفد مصر حول مقدار مبلغ التعويض الذي ينبغي أن تدفعه مصر للسودان، وافق الوفد السوداني، بناء على مُقترحٍ من الوفد المصري، أن يكون الرئيس المصري جمال عبد الناصر هو الجهة التي يحتكم إليها الوفدان! ولقد أظهر الوفد السوداني بقبوله تولِّى الرئيس المصري جمال عبد الناصر مهمة التحكيم بين البلدين، غفلةً وسذاجةً لافتة. تعامل الوفد السوداني مع الخلاف وكأنَّ الرئيس جمال عبد الناصر جهةٌ محايدةٌ، وليس جهةً صاحبة مصلحة. بعبارة أخرى، جرى وضع جمال عبد الناصر في موضع الأب الذي يحتكم إليه ولداه المتخاصمان. وهذه واحدةٌ من تجلِّيات حالة الاحتلال المصري لعقول السودانيين. لقد طالب الوفد السوداني بـ 35 مليونًا من الجنيهات المصرية نظير الخسائر، في حين، أقترح الوفد المصري 10 ملايين جنيهًا مصريًا، فقط! وكما هو واضحٌ، فإن الفرق بين المقترحين 25 مليونًا، وهو فارقٌ بالغ الضخامة. فأتي الرئيس جمال عبد الناصر الذي افترض فيه الوفد السوداني، لفرط غفلته وسذاجته، الحياد، ليقترح من جانبه، رغم الفارق الكبير جدًا بين المقترحين السوداني والمصري، بأن يكون مبلغ التعويض 15 مليونًا! ورغم الفارق الضخم بين المقترحين، وافق الوفد السوداني على ما اقترحه الرئيس جمال عبد الناصر!

المال الذي وافقت مصر على دفعه كان ينبغي أن يعوِّض السودان بمقدار ما فقد من أراضي شاسعةٍ غمرتها مياه بحيرة السد. وكذلك، بمقدار ما فقد من مدن وقرى وسهل فيضي على ضفتي النيل بطول 300 كيلومترًا (150 كيلو مترًا على كل ضفة). يضاف إلى ذلك، فقدان حقول ممتدة على الضفتين لزراعة الحبوب والخضر والفواكه، وما يقارب المليون نخلةً مثمرةً، جميعها غمرتها المياه. يضاف إلى ذلك، كان ينبغي أن تغطي التعويضات المصرية كلفة ترحيل قرابة 70 ألفًا من مواطني منطقة حلفا لمسافة 500 كيلو متر في عمق البلاد. مع بناء مساكن لهم وبناء كل المؤسسات الخدمية من صحية وتعليمية من الصفر. إلى جانب ذلك، كان ينبغي أن يغطي مبلغ التعويضات كلفة إنشاء خزان خشم القربة لتخرج منه ترعة تروي مشروعًا زراعيًا ليعيش عليه هؤلاء المهجَّرون. وعند نهايات التنفيذ اتضح أن مبلغ التعويض المصري أقل بكثير من نصف الكلفة، الأمر الذي أضطر الحكومة السودانية أن تقوم بإكمال النقص من خزينتها. فإلى جانب الأنانية التي أبدتها الحكومة المصرية، وهي تتعنت في التفاوض في مقدار التعويضات، رغم أنها هي المنتفع الوحيد من مشروع السد العالي، وأن السودان هو المتضرر منه، كان هناك عامل أكثر أهمية في أن يحيق الظلم بالسودان. يتمثل ذلك العامل في ضعف المفاوض السوداني وغفلته وسذاجته، التي جعلته يفرط كل هذا التفريط، بل ولا يطالب ولو بنصيبٍ من الكهرباء التي سوف ينتجها السد، العالي. وقد كانت المديرية الشمالية في السودان، في ذلك الوقت، مظلمةً من أولها إلى آخرها، ولم يكن بها آنذاك سوى مولداتٍ صغيرةٍ تنير أجزاءَ محدودةً من بعض مدنها.

تدمير وإغراق الآثار السودانية

البلايا التي جلبها الغزو الخديوي للسودان لا حد لها، بل، هي بلايا تتناسل وتتطاول، لأنها ارتكزت على الاحتلال المصري لعقول السودانيين الذي جرى كما ذكرنا بالتعليم والإعلام ودعوى القومية العربية والمصير المشترك وخطاب المؤسسة الدينية الرسمية ذات الطابع الأزهري. بكل هذا جرى تجريف وعي السودانيين بذاتهم، وجرى إلباسهم خوذةً هوياتيةً زائفةً جعلتهم ريشةً في مهب الريح، ومطيةً ذلولاً للعقل العروبي الجمعي المُتَخَيَّل، العابر للأقطار، الذي جعلت القومية العربية الكثيرين من المستعربين في الشمال الأفريقي والقرن الأفريقي والشرق الأوسط، في الحقبة الناصرية، يتوهمون وجوده ويؤمنون به كحقيقةٍ راسخة.

أيضًا، من بين البلايا الكبيرة التي جلبها الغزو الخديوي في طياته إلى السودان، مجيء الطبيب الإيطالي جوسيبي فيرليني، الذي كان يعمل طبيبًا في مصر في عهد محمد علي باشا، ضمن حملة الغزو الخديوية. قام هذا الطبيب في عام 1834م، مستغلاً علاقاته الشخصيه مع مسؤولين خديويين في السودان، بتنظيم رحلة استكشافية مع شريكه الألباني ستيفاني إلى مدافن مَرَوِي التاريخية التي بها بقايا آثار الممالك الكوشية التي تضم 255 هرًما. قام هذا الطبيب، لص الآثار، بتفجير رؤؤس بعضها بالديناميت وسرق كنوزها. أما بحيرة السد العالي فقد أغرقت من الآثار الكوشية السودانية ما لا يقدر بثمن، كما سبق أن قلنا. لم يُبدِ المفاوضون السودانيون اهتمامًا كبيرًا بمصير تلك الآثار، لأن التعليم المصري قد نجح في قطع العلاقة بينهم وبين التاريخ الكوشي، وهو، في تقديري، ما جعلهم يعتقدون أن هذه الآثار لا تخصهم وإنما هي آثارٌ فرعونيةٌ؛ أي مصرية!! وقد جرى بالفعل استنقاذ قدرٍ ضئيلٍ من تلك الآثار بواسطة منظمة اليونسكو، قبل أن تغمرها المياه، وجرى نقلها إلى متحف السودان القومي، الذي لا يحوي، نتيجة لغفلة نخبنا السياسية وضعف ثقافتهم، من الآثار الكوشية سوى نذرٍ يسير.

(يتواصل(

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(5 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

انتكاسة الثورة

مرَّت على الثورة التي انطلقت منذ 19 ديسمبر 2019، حتى الآن، ما تزيد عن الخمسة أعوام. ومع ذلك، لم تقترب حتى الآن من تحقيق أيٍّ من أهدافها وشعاراتها التي رفعتها. بل على العكس من ذلك، فقد انتكست مجمل الأحوال في البلد انتكاسةً كبيرةً ووصلت بها الأمور إلى حربٍ متطاولةٍ دمَّرت البنيات التحتية، واقتلعت الناس من بيوتهم، وجعلت من العاصمة الخرطوم، بمدنها الثلاث، مدينة أشباح، وتسببت في حالةٍ من التشرد ليس لها شبيه في كل الكرة الأرضية، في وقتنا الراهن. وقد صحبت كل تلك المآسي مجاعةٌ تمسك الآن بخناق عشرات الملايين من المواطنين. لقد تسببت الحرب في توقُّف معظم الأعمال التجارية، وفقد معظم الموظفين أجورهم الشهرية في القطاعين العام والخاص. كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بصورةٍ مخيفة. وحدث توقُّفٍ شبه كاملٍ للخدمات الصحية والتعليمية. يُضاف إلى كل ما تقدم، يعيش ثلثا الولايات التي خرجت عن سيطرة حكومة بورتسودان اللاشرعية، فراغًا سياسيًّا وأمنيًّا وقضائيٍّا وتعليميًّا وصحيّا. باختصار شديد، تعيش ثلثا أراضي القطر، بصورةٍ حرفيةٍ، حالة اللادولة.

هذا الوضع الكارثي هو ما هددت به قيادات حزب المؤتمر الوطني الشعب السوداني في إفطاراتهم الرمضانية في مارس وأبريل 2023. وهي تهديداتٌ موثَّقةٌ على أشرطة الفيديو، التي لا تزال مبثوثةً على شبكة الانترنت. فالهدف من وراء إشعال الحرب وخلق هذه الحالة الكارثية، هو تغيير المسرح كليًّا ونقل الأمور إلى مربعٍ جديد يُنسي ويُسقط كل ما كان دائرًا قبل الحرب. خطط مقاومو الثورة من سدنة النظام القديم لإدخال الشعب في كارثٍة لم يشهدها في تاريخه تنسيه الثورة تمامًا، بل وتجعله نادمًا عليها، وتحصر همه في مجرد العودة إلى حالته التي كان عليها قبل الحرب. ولقد نجحت ما تسمى الحركة الإسلامية وذراعها السياسي الذي يسمى المؤتمر الوطني وأداتهم المتمثلة في الجيش والقوى الأمنية في هذه الخطة نجاحًا كبيرًا.

أيضًا كان أحد أهداف الحرب، الثأر من الشعب السوداني الذي تجرأ على الإسلامويين وأطاح برأس نظامهم، عن طريق الثورة التي أشعلها في 19 ديسمبر 2018. لقد نسف مشعلو الحرب كامل الاستقرار الأسري فلم يبق أمام الناس سوى خيارين: الاستسلام الكامل لمخطط عودة النظام القديم إلى الحكم بل ر ذائله المعروفة، أو نسيان العودة إلى البيوت والأمن والاستقرار، مرَّةً أخرى، وإلى الأبد. وقد أثبتت هذه الخطة المدروسة تلك التهديدات المتوعدة بالويل والثبور وعظائم الأمور المتكررة التي صدرت من مختلف لقاءات الإفطارات الرمضانية لجماعة المؤتمر الوطني وكتائبهم المسلحة. وهي فعالياتٌ صوروها وبثوها في العديد من أشرطة الفيديو على شبكة الإنترنت. وقد عمدت الخطة، إلى وضع السودانيين أمام خيارين، لا ثالث لهما: إما أن يخضع الشعب لعودتهم إلى الحكم بلا قيد أو شرط، أو نسف الدولة بما فيها ومن عليها. وقد قام الفريق شمس الدين الكباشي، بتلخيص ذلك حين قال: إما دولة وفقًا لفهمهم وإما لا دولة على الإطلاق. وقد كان نص ما قاله بالعامية السودانية: (يا دولة بفهمنا يا مافي دولة).

أدناه بعضٌ من الروابط التي توثق تآمر الكيزان من أجل القضاء على الثورة والعودة للسلطة، من جديد:

https://shorturl.at/p1EZl
https://rb.gy/cze6x0
https://rb.gy/ql7k1d
https://shorturl.at/mdP3L
https://tinyurl.com/2s3zepf2

هل تنجح السلمية دائمًا؟

من الخطأ الفادح أن نظن أن أسلوب النضال السلمي يمكن أن ينجح دائمًا، غض النظر عن اختلاف السياقات. نعم، لقد نجح الحراك السلمي الذي قاده المهاتما غاندي في الهند في تحقيق استقلالها. ولقد نجحت حركة الحقوق المدنية في أمريكا، وهي حركة اجتماعية، عبر عشر سنواتٍ من النضال المستمر، في إجبار السلطات الأمريكية على منح الملوَّنين حقوقهم الدستورية الأساسية. كما نجح الحراك الذي قاده نيلسون مانديلا ورفاقه الميامين في جنوب إفريقيا في إنهاء سياسات الفصل والتمييز العنصري، بعد عشرات السنين من النضال الدؤوب.

ابتداءً من ثمانينات القرن الماضي حدثت في العالم ثوراتٌ سلميةٌ عديدة متزامنةٌ حينًا، ومتتابعةٌ حينً آخر. جرى ذلك أثناء تفكُّك الكتلة الشرقية، وانهيار النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي. وقد أحدثت هذه الثورات، على تفاوتٍ بينها، تغييراتٍ كبيرة. كما جرت في الفلبِّين في عام 1986 ما سميت “ثورة سلطة الشعب”. وقد كانت ثورةً سلمية أنهت نظام الرئيس فيرديناند ماركوس الديكتاتوري، وأقامت محله نظامًا ديمقراطيًا. لكن، تختلف السياقات اختلافاتٍ كبيرةٍ مائزة. فقد ينجح النضال السلمي في بلدٍ ويفشل في بلدٍ آخر، بسبب اختلاف طبيعة الذين يجلسون على دست الحكم. ودعونا نتصور أن حراك الجنوبيين السودانيين الطويل، الذي استمر لنصف قرن،ٍ قد اختار أسلوب النضال الملتزم بالسلمية بصرامة. فهل، يا ترى، كان الجنوبيون سيصلون إلى مفاوضات نيفياشا ويحصلون على حق تقرير المصير، ومن ثم، إجراء استفتاءٍ يحققون به استقلالهم التام، على النحو الذي جرى؟ لقد سبق أن قال الرئيس المخلوع عمر البشير إنهم لا يفاوضون إلا من كانت له بندقية. وهذا ما ظل هو وجماعته يفعلونه، مرارًا وتكرارًا مع مختلف الحركات المسلحة التي جعلوها، بنهجهم هذا، تتكاثر كما يتكاثر الفطر في البرية. لقد ظلوا على هذا النهج منذ أن سطوا على الدولة السودانية في عام 1989، وإلى يوم هذا، ولا يزالون مستمرين فيه. وها هو أبوعاقلة كيلل يصعد إلى رتبة الفريق بين ليلة وضحاها وتنهض وراءه قبيلته، او بعضا منها، ليصبح قائدًا لمليشيا جديدة تتضخم تحت رعاية النظام اللاشرعي الحاكم من بورتسودان.

إن السبب في تعثُّر مسار هذه الثورة مقارنةً بالثورتين السابقتين 1964 و 1985، أن هذه الثورة قامت ضد نظامٍ مؤدلجٍ تقف وراءه منظومةٌ أيديولوجيةٌ كوكبيةٌ، عابرة للأقطار. علاوةً على ذلك، فهي منظومة أمنوقراطية مسلحة حتى أسنانها، تحرس نظامها بالجيش الذي اختطفته وبالمنظومة الأمنية التي تسيطر عليها سيطرة كاملة. بل، وبميليشيات إرهابية متطرفة لا تتورع عن فعل أي شيء. ولكي يضع النظام مختلف المنظومات الأمنية التابعة له تحت المراقبة، استخدم هذه المجموعات الإرهابية المتطرفة ذات التسليح النوعي والتدريب الخاص والخبرات القتالية النوعية وأطلق عليها مسمى “كتائب الظل”. إلى جانب كل ما تقدم، حرس النظام نفسه بشبكةٍ ضخمةٍ معقدةٍ من الوسائط الإعلامية المختلفة ومن الصحفيين المأجورين الذي يفعلون كل شيء من أجل المال ومن أجل الجاه والألق الذي يضفيه التقرب من الحاكم عادةً على كل وصوليٍّ متسلق. بهؤلاء نجح النظام عبر ثلاثين عامًا في اختراق مجالات الفنون كالموسيقى والدراما والأدب والرياضة وتمكَّن من تصعيد منسوبيه إلى قياداتها للسيطرة عليها وتوجيهها لتصب كل أنشطة المجتمع المدني في صالح النظام القائم. إلى جانب ذلك فقد سيطر النظام تمامًا على مناهج التعليم وعلى الخطاب الإعلامي وعلى وزارة الشؤون الدينة والأوقاف، ومن ثَمَّ، على منابر المساجد. وقد زاد على ذلك باختراق الطرق الصوفية والإدارات الأهلية وإدخال شيوخها في دائرة الزبانة الاقتصادية الواسعة التي صنعها.

أيضًا، تقف وراء نظام ما تسمى الحركة الإسلامية، رغم فساده الفاضح والمقرف، إلى جانب منظومة الإسلام السياسي الدولية، التي تنظر إلى السودان بوصفه البلد الأول الذي استطاع الإسلام السياسي أن يضع فيه أقدامه، ولأول مرة منذ أن برز الإسلام السياسي في الأقطار العربية وفي جنوب وسط آسيا. لذلك، فإن محاولات فك قبضة المؤتمر الوطني وتفرعاته عن رقبة الدولة السودانية بثورة ديسمبر 2018 السلمية، كانت عمليةً بالغة العسر، باهظة الكلفة عديمة المردود. ولا يزال باب الكلفة الكارثية فيها؛ من حيث هلاك الأرواح وتبديد الموارد وتدمير البنيات التحتية وتشظي الدولة، مفتوحًا على مصراعيه. وقد أثبتت تجربة الحرب الجارية الآن، التي قاربت العامين، تلك الصعوبة وتلك الكُلفة الباهظة، بما لا مزيد عليه.

لقد مارست قوى الثورة النهج السلمي لإحداث التغيير والتزمت به بصرامة، ودفعت في ذلك دماءً شبابيةً عزيزة غزيرة. وقد خلب ذلك السلوك السلمي المتحضر ألباب العالم، واستحلب، بصورةٍ لافتةٍ، إعجابه وتعاطفه. كما رفع اسم السودان من الوحل اللزج الذي مرَّغه فيه نظام الرئيس المخلوع عمر البشير ومن ورائه ما تسمى الحركة الإسلامية. غير أن ذلك لم يجعل الثورة تحقق أيًّا من أهدافها. فقد اعترض المؤتمر الوطني وذراعه المتمثِّل في الجيش وكتائبهما المختلفة، إضافةً إلى مجموعات المصالح والارتزاق، التي شكَّلت ما سُميت “الكتلة الديمقراطية” طريق الثورة. وقد دخل النظام المصري إلى جانبهم بكل قوته العسكرية المتمثلة في سلاح الطيران، وبقوته الدبلوماسية في التأثير على الدول العربية وعلى المجتمع الدولي وإشاعة أن الجيش السوداني مؤسسة حقيقية حارسة للبلاد ولاستقرارها وأن هزيمته تعنى انهيار الدولة السودانية. وقد اشترت بعض الدول العربية وبعض القوى الدولية هذه البضاعة الزائفة. أكثر من ذلك، تجاوزت مصر في تحالفها مع النظام القديم مجرد الفعل السياسي والدبلوماسي المناوئ للثورة، وخلق الحواضن الشعبية الزائفة الداعمة له، إلى التخطيط لإشعال الحرب الشاملة المدمرة ومد الفريق عبد الفتاح البرهان بالسلاح وبالخبرات العسكرية المصرية بل وبمشاركة الطيارين المصريين في الحرب. أدت كل هذه الجهود الشريرة وما أحدثته من كارثةٍ شاملة فاقت خيال كل متخيل، إلى خلط الأوراق، خلطًا ذريعا. فأدت إلى نقل الجمهور من الاصطفاف حول أهداف الثورة، إلى اصطفاف حول مجرد حلم العودة إلى البيوت وإلى مجرد الرضا بكسب العيش واستعادة الحياة التي فُقدت، غض النظر عن الكيفية البائسة التي كانت عليها ودفعت الناس للثورة. هكذا نجح تحالف البرهان والحركة الإسلامية والدولة المصرية الطامعة في استتباع السودان واستلحاقه في قلب الطاولة على الجميع، بكفاءةٍ تبعث على الإعجاب.

خلاصة القول، إن فرص نجاح الثورة السلمية في السودان، فرصٌ شديدةُ الضمور. فالكيزان لم يقيموًا في يومٍ من الأيام أي وزنٍ للقوى المدنية. وما أكثر ما ردَّدوا أن من لا يملك سلاحًا، لا كلمة له ولا وزن، بل لا وجود له، ولا ينبغي أن يُعبأ به أصلا. إن ما قاموا به من قتلٍ ذريعٍ وحشيِّ للشبان والشابات، اتسم بالتشفي، ومن اغتصاباتٍ وإغراقٍ للكثيرين في النيل مشدودي الوثاق إلى أثقالٍ خرسانية، لم يكن سوى رسالة رعبٍ لكل المدنيين. لقد خططوا بدقة وبتصميم لإحداث صدمةٍ نفسيةٍ هائلة، تخيف جميع المدنيين وتجعلهم يوقنون أَنْ هذه الطغمة الحاكمة التي يريدون إزاحتها عن السلطة ليس لبطشها وفظاعتها واستهانتها بالمدنيين، أي حدود. وقد رفعوا عيار الرعب عقب إشعال هذه الحرب حتى بلغ جز الرؤوس وبقر البطون ونهش الأحشاء ولَوْكَ الأكباد. وما كان الكيزان ليشعلوا حربًا شاملة، لولا أن قوات الدعم السريع قد خرجت عن طوعهم واتخذت لنفسها موقفًا جديدًا مستقلاً تجاه الثورة. انحياز قوات الدعم السريع للاتفاق الإطاري هو الذي أطاش صوابهم ودفعهم للإلقاء في المعركة بآخر أسلحتهم الأكثر فتكًا، وهي الحرب الشاملة وزعزعة أمن السكان إلى أقصى الحدود. وبهذا أسند البرهان والإسلامويون ظهرهم إلى الحائط؛ فإما أن يسحقوا الدعم السريع سحقًا كاملاً، وينصرفوا بعد ذلك إلى السياسيين والناشطين المدنيين، فيصفونهم، فردًا فردًا، وإما أن يواصلوا الحرب حتى تصبح البلاد وأهلها، هشيمًا تذروه الرياح، على قاعدة: “يا دولة بي فهمنا، يا مافي دولة”.

سناء حمد والمبعوث الأمريكي

لقد لخَّصت السيدة، سناء حمد، التي جعل منها المؤتمر الوطني، مفتشًا عامًا للجيش، بلا تأهيلٍ يذكر، فأصبحت تُجلس قادته أمامها وتحقق معهم، هذا النهج الثابت المعتمد على البندقية، في المقابلة التي أجراها معها الإعلامي في قناة الجزيرة، أحمد طه. قالت السيدة سناء: إن حزبها سيقبل قوات الدعم السريع، إن هي قبلت الرجوع إلى طاعتهم من جديد. وعضَّدت ذلك بقولها إنهم مأمورين بفعل ذلك بموجب النص القرآني القائل: “إِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا”، أي إذا قبلت قيادات قوات الدعم السريع الرجوع إلى طاعتهم، فليس أمامهم خيار سوى أن يقبلوا بذلك. وحين قال لها أحمد طه: ولماذا لا تفعلون ذلك مع تنسيقية “تقدم”؟ فارتبكت وقالت بعد فترة صمتٍ قصيرة: “إذا قَبِل الشعب”. ما قالته السيدة سناء حمد أوضح مبلغ الاستهانة التي تنظر بها الحركة الإسلامية وذراعها السياسي حزب المؤتمر الوطني إلى تنسيقية “تقدم” التي ما لبثت أن انقسمت. فالإسلامويون يريدون إعادة قوات الدعم السريع إلى جانهم ليفرغوا لتصفية الثورة والثوار بصورة نهائية. ولا يتعاظم لديهم من أجل تحقيق هذا الهدف أي شيء. فما جرى من بحور الدماء، ومن حالة التشرُّدٍ الملحميّةٍ التي طالت 14 مليونا من سوداني وسودانية، ومن المجاعة الطاحنة التي طالت 25 مليونًا آخرين، ومن الدمار الهائل الذي طال كل شيء، لا يهمهم في كثيرٍ أو قليل. فهم يريدون الاستمرار في حكم السودان منفردين، مهما كانت الكلفة.

من الجهة الأخرى، نجد أن المجتمع الدولي ممثلا في رمطان لعمامرة ، والمبعوث الأمريكي اللَّذين يبدو أن تنسيقية “تقدم” قد كانت تعوِّل عليهما، في تقديم العون لها وإعادة الأمور إلى العملية السياسية ومسارها المدني القاصد نحو التحول الديمقراطي، لم يكونوا في المستوى المطلوب أو المتوقع. فقد وضح، أن الجميع لا يعبأون بـ “تقدم”. وكل الدعوات للمفاوضات القاصدة لإنهاء الحرب كان يجري تقديمها لقوات الدعم السريع وقيادات الجيش. لقد حضر الجيش لقاء جدة وجيبوتي والمنامة وتنصل من مقرراتهما. ولم يحضر في دعواتٍ أخرى، مصرًا على مواصلة الحرب. هذا، في حين حضرت قوات الدعم السريع كل اللقاءات التي دعيت إليها، مبديةً كامل استعدادها لوقف الحرب. لكن، وللغرابة، مع هذا التهميش المزدوج والتغييب الكامل عما يجري، نجد تنسيقية “تقدم” التي أصبح الشق المتبقي منها يسمى “صمود”، قد بقيت ممسكةً بالعصا من المنتصف، عاكفةً على عبادة صنم السلمية غير المنتجة في هذا السياق المفكك، مستعيضة عن الموقف الصحيح، والفعل الثوري المنتج، بدبيج التصريحات الإنشائية والمناشدات المتَّسمة بالضراعة. وانتهى بها الأمر لتبهت أكثر وأكثر، ويصبح غالب نشاطها لا يتعدى محاولات جلب مساعداتٍ إنسانيةٍ لم يعرف المجتمع الدولي إلى الآن، كيف يوصلها إلى مستحقيها، في ظل خداع وتعنت البرهان وقبيله منزالإسلامويين وعاداتهم المرذولة المعروفة عنهم في سرقة المساعدات الإنسانية، ومنع الرقابة الدولية على مسارات إنسيابها.

(يتواصل)

” الموت يحاصر بائعات الشاي”

عباس الخير _ مدير موقع نادوس

يتداول الناس في الوادي الأخضر، بمحلية شرق النيل، واحدة من الوقائع التراجيدية، التي ربما حدثت في مناطق أخرى من البلاد المنكوبة بالح-رب. فقبل وقت وجيز من دخول القوات المسلحة للمنطقة في أعقاب انسحاب قوات الدعم السريع، قبل نحو سبعة أشهر، يحكون أن مجموعة من قوات الدع-م اقتحمت ليلا أحد المنازل وحاولت اقتياد إحدى الفتيات، فصحا والدها على صوت الجلبة، واستل سكينه لمواجهة المعتدين، لكن أحدهم عاجلة بست طلقات أردته ق-تيلا، في الحال، شهيدا للشرف والكرامة، ولوا هاربين.ذلك أن النساء كن ،دائما،هدفا للعدوان، والاغتصاب، بعض من أسلحته. ومع أن الح-رب لاتميز بين ضحاياها، لكن المدنيين هم الأكثر تضررا، كما أن الق-تل، والاختطاف لطلب فدية أو خلافه، والإخفاء القسري، والتعذيب، يصيب الجميع : رجالاً ونساءً وأطفالاً،.ومع ذلك تتعرض النساء لأضرار أشد، مستندة للنوع، ترافق كافة أشكال التجاوزات، التي تحدث في مجرى الح-رب.ففي الح-رب، التي تشهدها بلادنا، منذ مايقارب العامين، التي وصفها الاتحاد الإفريقي بأنها أسوأ مأساة في التاريخ الإنساني، تتقاسم النساء مع الرجال والأطفال، كل ويلاتها، بما في ذلك معاناة التشرد والنزوح واللجوء وما يرتبط بها من مآس وإذلال.تتميز الح-رب الأهلية الأخيرة في سلسلة الح-روب الداخلية السودانية، منذ الاستقلال، بكونها ح-رب مدينة وليست ح-رب غابات أو أحراش، مثل ح-روب الجنوب ودارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، فقد جرت في العاصمة الخرطوم، أكبر تجمع ديموغرافي في البلاد، قبل أن تنتقل إلى الأقاليم.وحولت، بالتالي، أغلبية سكان العاصمة إلى رهائن لطرفي الح-رب، وإلى دروع بشرية للمت-حاربين، الذين احتموا بالمناطق السكنية، بجانب المنشآت المدنية، التي أصبحت، بدورها، أهدافا للأعمال العسكرية.
وكان للأسواق الشعبية نصيب كبير من هذا الاستهداف، الذي قد يشكل ج-ريمة ح-رب أو ج-ريمة ضد الإنسانية، وتضم هذه الأسواق المتناثرة في مدن ولاية الخرطوم، جمهرة كبيرة من النساء، اللائي دفعت بهن الظروف وأوضاع المعيشة القاسية للعمل بها، في صناعة وبيع الطعام والشاي،لإعالة أسرهن، ويقدر عددهن بالآلاف، ينضوين تحت ” اتحاد بائعات الشاي والأطعمة “، فهن نساء بلا عائل، في غالب الحالات، وبتن يمثلن أحد العناوين البارزة للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد منذ سنين.ولعل سوق العزبات، في حي مايو، جنوب الخرطوم، يستمد تسميته من غلبة المطلقات والأرامل وسط العاملات بالسوق.
هذا السوق كان هدفا لأكثر من غارة جوية، على الأرجح ، أوقعت عددا من الضحايا، من النساء،” ستات الشاي “. الشيء نفسه حدث في سوق قورو، في نفس المنطقة، وسط اتهامات متبادلة بين طرفي الح-“رب.واستنادا إلى حجة تواجد أفراد من هذا الطرف أو ذاك، لتناول الطعام أو شرب الشاي والقهوة، يتحول السوق إلى هدف مباشر للقصف الجوي أو المدفعي.بعض الأسواق، خصوصا، جنوب الخرطوم، قد تعرض للقصف أكثر من مرة. فوفقا لجريدة الشرق الأوسط،( 10 يونيو 2023 )،فإن اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، قد أعلنت ( بتاريخ 10 يونيو 2023)، مق-تل 47 شخصاً، وإصابة أكثر من 55 ،إثر غارة جوية على سوق قورو .
وفي عدوان جديد على السوق نفسه،( بتاريخ 17 يناير 2024) ،ق-تل 9 أشخاص، وأصيب أكثر من 35 آخرين، إثر قصف جوي ،حسب راديو دبنقا. من جهة أخرى ، أوردت صحيفة الراكوبة، مق-تل أكثر من 30 قتي-ل، بينهم نساء وأطفال، إثر هجوم جوي تعرض له سوق اللبن أو المواشي ،جنوب حلة كوكو في 12 سبتمبر 2024.
ومن جانبها، نقلت صحيفة الهدف عن لجان المقاومة بجنوب الحزام، وفاة 17 شخصا، بينهم 5 أطفال، وإصابة 11 آخرين، إثر سقوط قذيفة يوم 17يونيو 2023، في سوق العزبات، في مايو، جنوب الخرطوم.حدث ذلك في السوق الشعبي بالخرطوم، وسوق صابرين في الثورة، وسوق الرحمة في القماير، وأسواق أخرى مشابهة في زقلونا، والكلاكلة والمويلح وغيرها.ورغم أنه يتعذر الحصول على إحصاءات دقيقة بأعداد الضحايا، إلا أن الأرجح أن النساء، بائعات الشاي والطعام، خاصة، بجانب الأطفال، يشكلون نسبة كبيرة منهم.وإذا كان يوم8مارس، مناسبة للاحتفاء بنضالات النساء حول العالم من أجل حقوقهن، فهو، ضمن ظروف الأزمة التي تتردى فيها بلادنا، الآن، لا يشكل مناسبة لتذكر أولئك الضحايا، من النسوة المكافحات، اللائي حصدهن القصف الجوي والمدفعي، والترحم على أرواحهن، حسب، وإنما للمطالبة الملحة بالعدالة لهن، أيضا، والاقتصاص من الجناة .

سلامًا نساء بلادي،

في البدء، أهنئكن وجموع الشعب السوداني بحلول شهر رمضان المبارك الفضيل.

تحل علينا ذكرى اليوم العالمي للنساء في الثامن من مارس (8 مارس) للعام 2025 ونحن لا زلنا لما يقارب العامين الكاملين منذ بداية حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م ما بين نازحات ولاجئات ومهجرات قسرًا داخل وخارج حدود الوطن الحبيب. تطل علينا هذه الذكرى وأنتن تقدمن نموذجًا للتضحيات للأسر والأطفال وكبار السن للمجتمع السوداني العظيم، إذ قدمتن نموذجًا ليس بجديد في العمل التطوعي من خلال المبادرات المختلفة من أجل سد الجوع والفقر والتعليم.

كانت المرأة السودانية دائمًا وستبقي رائدة في العمل السياسي والمدني في إفريقيا والشرق الأوسط يتقدمن الخطي ويستكملن مسيرة ومشوار رائدات العمل السياسي علي رأسهن الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم، التي كانت أول نائبة برلمانية منتخبة في المنطقة؛ وهو نفسه دور مكمل لناضالات وتاريخ باذخ لنساء السودان عبر التاريخ لآخريات كالكنداكة مندي بنت السلطان عجبنا، التي كانت تقاتل وتدافع عن الأراضي في جبال النوبة ضد المستعمر وغيرها من النماذج التاريخية لنساء السودان.

أسهمت النساء بدورًا بارزًا في ثورة ديسمبر المجيدة، حيث كانت بداية الموكب بزغرودة من النساء السودانيات، وتقدمن الصفوف الأمامية في مواجهة آلة الاستبداد. وأثناء الحروب، كانت النساء الفئة الأكثر تضررًا، مما يثبت مقولة “الحرب تخاض على أجساد النساء”.

أن ما تقوم به أغلب النساء المنخرطات في أجسام وكيانات مختلفة سياسية ونقابية ومهنية وفي لجان المقاومة وغيرها في كافة المجالات والتخصصات لهو فخر وزهو وتمثل صفحة جديدة ناصعة في تاريخ نساء السودان ؛ مع تعظيم الدور الكبير للصحفيات السودانيات جراء دورهن الكبير في كشف الحقائق للواقع المر الناتج عن آثار الحرب وتداعياتها وهول الانتهاكات التي تعرض لها النساء. والفتيات بشكل منهجي ومتزايد من قتل وتشريد وتجويع وتمييز واختطافات واغتصابات وغيرها؛ أن نساء السودان لن ينسوا أو يغفروا كل تلك القطاعات والجرائم بما في ذلك التهديدات المباشرة التي تعرضن لها صحفيات سودانيات دفعت بعضهن الثمن شهيدات في ما لا تزال أخريات يمارسن ذات المهمة المقدسة دون خوف وتحدي للمخاطر.

إن هذه الحرب اللعينة التي قاربت العامين وفي طريقها صوب عامها الثالث وهي تدور كالرحى لقتل الأبرياء وزيادة معاناة الشعب السوداني لاسيما النساء والفتيات، تتطلب مجابهتها بالتماسك والاستمرار في بذل كل الجهود ما أمكن الان أكثر من أي وقت مضى؛ وبأن نوحد جهودنا لنعمل معًا بصوت واحد وقوي لتقديم الخدمات لشعبنا والعمل علي ايقاف هذه الحرب وانتهاكاتها فطريق وقف الانتهاكات النهائي وعدم التمادي فيه بتطلب وقف الحرب الان ثم ضمان عدم تكرار هذه الجرائم المروعة والصادمة بتقديم مرتكبي هذه الانتهاكات للقضاء بإحالة ملف انتهاكات هذه الحرب للمحكمة الجنائية الدولية ووقف الإفلات من العقاب المنتهج والمستمر طوال تاريخ الحروب السودانية منذ خمسينيات القرن الماضي.

ندعو المجتمع الدولي والإقليمي والمنظمات الحقوقية إلى دعم النساء السودانيات خلال شهر رمضان الكريم. فهو أمر ضروري لتقديم الدعم النفسي والمادي للنساء النازحات واللاجئات، ولتسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرضن لهن. فمن الواجب تقديم العون في هذة الظروف القاسية، وضمان حماية حقوقهن الإنسانية؛ والتكاتف لكشف كل الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات جراء استمرار الحرب في كل مكان.

من المهم الآن أن يتجاوب المحيط الإقليمي والدولي مع كارثة هذه الحرب بجد أكثر مما سبق عبر إطلاق عمل يدعم السلام من خلال عقد اجتماع مشترك بين مجلسي الامن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي واقرار حزمة الإجراءات التي تفضي لوقف الحرب وسلام دائم وحكم مدني ديمقراطي مستدام؛
والموقف الواجب اتخاذه الان وفورا دون تأخر أو تلكؤ لأن نتيجة هذا التقاعس أو التراخي ستكون امتداد اثار الحرب ليس في نطاق السودان فقط وأنما تمدد مساحاتها وانتقال جرائمها وفظاعاتها لمحيط أوسع وستمدد السنة لهبها وتعبر الحدود وهو أمر متوقع ومتسق مع طبيعة الحروب وسلوك مجموعة مختطفة للسلطة ذات سجل اجرامي وارهابي ممتد لثلاثة عقود من الإرهاب والفتن وتقويض الجوار وتهديد السلم العالمي.
واجعلوا مطلب وقف الحرب وتحقيق السلام فعلا لا قولا والزموا طرفي الحرب بالعودة لمسار المفاوضات واستكمال والالتزام بما تم الاتفاق عليه في منبري جدة والمنامة وغيرها والخضوع لإرادة الشعب السوداني وتطلعاته المشروعة في الوحدة والحكم المدني الديمقراطي المستدام التي عبر عنها في في ثورة ديسمبر المجيدة في الحرية والسلام والعدالة وجيش مهني قومي واحد وانهاء تعدد المليشيات العسكرية وخضوع القوات النظامية للسلطة المدنية الديمقراطية.

هيام البشرى
نائبة رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)
8 مارس 2025


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493