Notice: _load_textdomain_just_in_time تمّ استدعائه بشكل غير صحيح. تم تشغيل تحميل الترجمة لنطاق td-cloud-library مبكرًا جدًا. عادةً ما يكون هذا مؤشرًا على تشغيل بعض التعليمات البرمجية في الإضافة أو القالب مبكرًا جدًا. يجب تحميل الترجمات عند خطاف الإجراء init أو بعده. من فضلك اطلع على تنقيح الأخطاء في ووردبريس لمزيد من المعلومات. (هذه الرسالة تمّت إضافتها في النسخة 6.7.0.) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
Blog | قناة نادوس | online news | Page 16
22.9 C
New York
الأحد, سبتمبر 6, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 16

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(4 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

شهادات ضد صلاح سالم

أود في هذه الحلقة من سلسلة المقالات هذه أن انتقل مما كان يجري من جانب مصر تجاه السودان في القرن التاسع عشر، إلى ما أخذت تعمل له عند منتصف القرن العشرين، حين أعلن البريطانيون نيتهم الخروج من السودان. لحظتها، انفتحت شهية الدولة المصرية لابتلاع السودان، وأخذت تعمل بدأبٍ شديدٍ على جر النخب السياسية السودانية لاختيار الاتحاد معها عقب خروج البريطانيين. ومن نماذج الأساليب التي اتبعتها مصر للهيمنة على السودان قبيل الاستقلال، ما أورده الدكتور منصور خالد نقلاً عن مذكرات عبد اللطيف البغدادي. فقد ذكر الدكتور الراحل، منصور منصور خالد أن البغدادي استمع إلى شهادة بعض المصريين العاملين في السودان، فيما يخص دخول أموال مصرية للتأثير على مجريات الانتخابات السودانية التي جرت في العام 1953م. وكان صاحب إحدى الشهادات التي استمع إليها البغدادي شهادة لمدير الري المصري. أما الشهادة الأخرى فكانت لصحفيٌّ مصريٌّ كان في زيارةٍ للسودان. ذكر البغدادي، أن الانطباع الذي خرج به من الاستماع إلى هذين الشخصين، أن ما قام به الصاغ صلاح سالم قد أضر بسمعة مصر، كما أنه أثار الشكوك حول وطنية الأحزاب الاتحادية.

أورد الدكتور منصور خالد، أيضًا، أن محاكمة جريدة “الناس” الأسبوعية، التي تم رفع دعوى ضدها في قضية نشر، وتولى فيها الدفاع عنها الأستاذان، محمد أحمد محجوب، ومحمد إبراهيم خليل، قد شهدت إقراراً من شاهدي الدفاعٍ في تلك القضية، وهما: خلف الله خالد، وميرغني حمزة. قال هذان الشاهدان إن حزبهما، وهو “الحزب الوطني الاتحادي”، قد تسلم أموالاً من صلاح سالم، ومن محمد أبو نار. وقد علق الأستاذ بشير محمد سعيد، رئيس تحرير صحيفة الأيام، على فوز عبد الرحمن علي طه في دائرة المسلمية في انتخابات 1958، بعد أن خسرها أمام حماد توفيق المدعوم مصريًّا في العام 1953م، بقوله: “ويلذ لي هنا أن أذكر أن السيد عبد الرحمن علي طه ما كان ليفقد دائرة المسلمية في انتخابات عام 1953م، لولا أن حكومة مصر في ذلك الوقت قد سخَّرت كل إمكانياتها لإسقاطه”. ومضى بشير محمد سعيد ليقول إن مصر أرسلت الدرديري أحمد إسماعيل، واليوزباشي أبو نار، وغيرهما، لشراء الذمم والضمائر، وإفساد الناخبين. وأن مصر قد أنفقت عشرات الألوف من الجنيهات لإسقاط عبد الرحمن علي طه. (راجع: فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذ الأجيال عبد الرحمن علي طه (1901 1969)، الخرطوم: دار النشر جامعة الخرطوم، (2004)، ص ص 320- 321).

مصر تستخدم الاتحاديين

بعد أن قرر السودانيون، بالإجماع، عند لحظة الاستقلال وخروج البريطانيين من البلاد، رفض خيار الوحدة مع مصر، تحوَّلت الخطة المصرية البديلة للهيمنة على السودان، نحو لم شمل الحزبين الاتحاديين؛ الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي، ليصبحا ذراعًا خادمًا لها داخل السودان. وحانت الفرصة الذهبية لمصر بعد أن فقد السيد، إسماعيل الأزهري السلطة في عام 1956. فالأزهري الذي أشعر المصريين بأنه أقوى نصير لخيار الوحدة معها، وقامت مصر، بناءً على ذلك، بدعمه بالأموال في انتخابات 1953، فأصبح رئيسًا للوزراء، غير رأيه لحظة الاستقلال وانحاز إلى خيار رفض الوحدة لكن، نتيجةً لسقوط حكومته، عاد إسماعيل الأزهري، الذي عُرف بالبراغماتية، إلى مغازلة مصر مظهرا استعداده للعودة إلى الحضن المصري، من جديد.

كانت الحكومة التي أعقبت حكومة الأزهري هي حكومة حزب الأمة. وكانت برئاسة الأمين العام لحزب الأمة، عبد الله خليل. وقد تشكلت بناءً على إئتلافٍ بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي. وكان العداء، حينها، مستحكمًا بين الحزبين صاحبي النزعة للاتحاد مع مصر، وهما: الحزب الوطني الاتحادي، الذي يترأسه إسماعيل الأزهري، وحزب الشعب الديمقراطي التابع لطائفة الختمية، التي يرعاها السيد علي الميرغني. بسبب ذلك العداء المستحكم، استطاع حزب الأمة أن يجر إلى جانبه حزب الشعب الديمقراطي ليكوِّنا معًا حكومة إئتلافية سُميت بـ “حكومة السيدين”، إشارةً إلى زعيمي الطائفتين الكبيرتين، السيد علي الميرغني، والسيد عبد الرحمن المهدي. وقد كان حزب الشعب الديمقراطي مستعدًا أصلا للثأر من إسماعيل الأزهري وزملائه من رموز الحزب، الذين ظلوا يسيئون إلى السيد علي الميرغني، ويسخرون منه عبر حملاتٍ هجوميةٍ مكثفة، برز فيها القطب الاتحادي الشهير، يحي الفضلي.

عنى مجيء حزب الأمة إلى السلطة، بالنسبة لمصر، انتصارًا للتيار الاستقلالي المعادي للوحدة معها، أو، على الأقل، شكل مانعًا أمام إتاحة المجال لها للهيمنة على مجمل الشؤون السودانية، ولو من على بعد. لكن، بما أن الحزب الحليف لحزب الأمة الذي شكل معه الحكومة، هو حزب الشعب الديمقراطي، الذي ترعاه طائفة الختمية، ذات الارتباط الوثيق جدًا بمصر، فقد رأت مصر أن تعمل على جره خارج الإئتلاف الحاكم، ليقف إلى جانب الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري ليسقطا معًا من داخل البرلمان حكومة حزب الأمة بقيادة عبد الله خليل. وبالفعل، استدعت مصر زعماء الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقرطي إلى القاهرة لترتيب إسقاط حكومة حزب الأمة التي يرأسها عبد الله خليل. وللغرابة، صرح قطب حزب الشعب الديمقراطي، السيد علي عبد الرحمن الضرير، وهو في القاهرة، أنه يقف في المعارضة لحكومة حزب الأمة. قال السيد، علي عبد الرحمن هذا، وللغرابة الشديدة، في وقت كان حزبه؛ حزب الشعب الديمقراطي، لا يزال شريكًا لحزب الأمة في الحكم. بل، ولديه وزراء في حكومة عبد الله خليل، لا يزالون على رأس عملهم. أكثر من ذلك، فقد كان السيد، علي عبد الرحمن نفسه من بين هؤلاء الوزراء في الحكومة القائمة. فقد كان، لا يزال يشغل منصب وزير الخارجية في ذات الحكومة، حين أصرح في القاهرة بأن حزبه يقف في المعارضة!

لابد من الإشارة هنا إلى أن التآمر المصري على حكومة عبد الله خليل قد حدث عقب المواجهة التي جرت بينها وبين الحكومة المصرية حول مثلث حلايب. وكانت قد بلغت من الحدة درجةً جعلت عبد الله خليل يحرك الجيش السوداني نحو مثلث حلايب. وقد انفجرت تلك الأزمة بسبب إدخال السودان مثلث حلايب ضمن الدوائر الانتخابية السودانية. وقد كان ذلك سلوكًا طبيعيًا من جانب السودان، فحلايب سودانية وقد كانت بالفعل تحت الإدارة السودانية. وقد بقيت تحت الإدارة السودانية إلى أن احتلها عنوةً الرئيس المصري حسني مبارك، ردًّا على محاول اغتياله في اديس أبابا، التي دبرها نظام الإسلامويين السوداني في عام 1995. تراجع النظام المصري في فترة جمال عبد الناصر عن تصعيد المواجهة في قضية حلايب. وسبب ذلك فيما يبدو أن النظام كان يعد العدة لمناقشة مشروع اتفاقية 1959 لمياه النيل مع السودان. وبالفعل، كعادة المفاوضين السودانيين في الغفلة، جرى التوقيع على تلك الاتفاقية الكارثية ذات القسمة الطيزى. ويكفي من كارثيتها أن أحد أهم بنودها كان موافقة السودان على إنشاء السد العالي، نظير موافقة مصر على إنشاء السودان خزان الروصيرص. الشاهد، أن إجراء الحكومة السودانية الانتخابات في مثلث حلايب، بوصفها جزءً لا يتجزأ من السودان، قد تواصل في كل الانتخابات اللاحقة، دون أي اعتراضٍ من الجانب المصري، إلى أن احتلتها مصر في عام 1995ن ولم تخرج منها حتى الآن.

مصر وانقلاب عبود 1958

أحس رئيس الوزراء عبد الله خليل بأن الاستعمار المصري الذي خرج من الباب، قد أخذ يحاول أن يعود عبر النافذة، مستخدمًا الحزبيْن الاتحاديين استخدامًا سيئًا يهدد استقلال البلاد وسيادتها. لحظتها، وضح أن شؤون السودان تجري إدارتها من القاهرة. وأن القاهرة تجد من السياسيين السودانيين، من هو جاهز للتعاون معها في هذا التدخل السافر القبيح. لذلك، لأجل قطع الطريق على إسقاط حكومته عبر انسحاب حزب الشعب الديمقراطي من الائتلاف الحاكم، بطرح صوت الثقة فيها، وهي لم تكمل عامها الثاني بعد، دعا عبد الله خليل الفريق إبراهيم عبود قائد الجيش لاستلام السلطة. وهكذا، حدث أول انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي في السودان. وكان ذلك بعد عامين فقط من الاستقلال. ومن هنا بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية في السودان. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء عبد الله خليل يتحمل وزر الانقلاب، إلا أن في وسع المرء أن يقول: لولا التدخل المصري السافر في الشؤون السودانية وارتضاء الحزبين الاتحاديين أن يكونا مطيةً لخدمة المصالح المصرية في السودان، لما حدث الانقلاب. ولربما استمر النظام الديمقراطي في السودان، في ثباتٍ ونماءٍ، مثلما استمر في الهند إلى اليوم، التي نالت استقلالها قبل السودان بتسعة أعوامٍ فقط. ورغم أن عبد الله خليل قد قصد بدعوة قائدة الجيش لاستلام السلطة أن يبعد التأثير المصري على السياسة السودانية، فإن نظام الفريق عبود العسكري على الرغم من توجهه نحو الغرب مخالفًا بذلك خط الرئيس جمال عبد الناصر الواقع في الحضن السوفيتي، إلا أن نظام عبود كان ضعيفًا جدا أما النظام المصري. وعلى الرغم من ان اتفاقية السد العالي جرى التوافق عليها في الفترة الديمقراطية، إلا أن فترة حكم الفريق إبراهيم عبود هي التي شهدت تهجير أهالي حلفا وإغراق الأراضي السودانية بزرعها وضرعها وكنوزها الأثرية التي لا تقدر بثمن. فقد جرى إخلاء المنطقة ونقل أهاليها المنطقة إلى سهل البطانة لكي تتمدد بحيرة السد العالي داخل الأراضي السودانية.

انقلاب العقيد جعفر نميري 1969

لقد كانت طبيعة ما يسمى داخل القوات المسلحة “تنظيم الضباط الأحرار”، طبيعةً قوميةً عربية. وكان هذا التنظيم ذو الميول القومية العربية هو الذي وقف وراء انقلاب العقيد، جعفر محمد نميري على النظام الديمقراطي في السودان في عام 1969. وواضحٌ أن قيام تنظيم تحت مسمى “الضباط الأحرار” داخل الجيش السوداني لم يكن سوى انعكاسٍ للتأثير المصري المباشر وخط مصر في معاداة الغرب، حينها، ومعاداة التحول الديمقراطي. وهما السمتان البارزتان في سياسات الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر. وقفت الأحزاب السودانية موقفًا سلبيًّا إزاء انقلاب جعفر نميري. وكان الحزب الوحيد الذي أسفر بتأييد الانقلاب هو الحزب الشوعي السوداني، بل وأصبح بعض قيادييه وزراء في حكومة نميري الأولى.

من أبرز علامات التعاضد بين نظام جمال عبد الناصر العسكري في مصر مصر ونظام جعفر نميري العسكري في السودان وعلى حرص مصر على بقاء النظام الخاضع لإرادتها في السودان في سدة الحكم، تدخل سلاح الجو المصري لقصف الجزيرة أبا أثناء النزاع المسلح الذي نشب بين قوى المعارضة الحزبية، ونظام جعفر نميري في عام 1970. لكن، بعد عامٍ واحدٍ من أحداث الجزيرة أبا حدثت محاولة انقلابية قام بها الحزب الشيوعي السوداني على جعفر نميري. فما كان من مصر إلا أن تدخلت بالاتفاق مع العقيد معمر القذافي لإفشال ذلك الانقلاب. بناءً على ذلك الاتفاق قامت ليبيا باعتراض الطائرة المدنية البريطانية التي كانت تحمل قائدي الانقلاب العائدين على متنها من لندن إلى الخرطوم، عند مرورها فوق سماء بنغازي. أُنزلت الطائرة في مطار بنغازي وجرى اعتقال قائديْ الانقلاب، الأمر الذي أفشل الانقلاب.

أيضًا شهدت بدايات فترة حكم نميري ما سمي مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وليبيا والسودان. ولكن سرعان ما دبَّت الخلافات بين مكونات هذا الحلف الثلاثي، خاصةً عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في نفس عام 1970. فقد اتسعت الشقة بين معمر القذافي وجعفر نميري، وبلغت حدًا جعل القذافي يفتح معسكرات للتدريب على حمل السلاح للمعارضة السودانية في جنوب ليبيا. من تلك المعسكرات انطلقت محاولة 1967 المسلحة التي حاولت إسقاط نظام جعفر نميري بعمل عسكري جرى في داخل العاصمة الخرطوم. وفي تعدٍّ آخر، أرسل القذافي طائرة عام 1984، لتقصف إذاعة أمدرمان ومنزل السيد الصادق المهدي. أما السادات فقد أضطر إلى توجيه ضربةٍ موجعةٍ للعقيد القذافي في عام 1977، بسبب تحرش القذافي بمصر، بسبب توقيعها اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل. وعمومًا، فإن فترة حكم نميري قد اتسمت بالتبعية الكبيرة لمصر. فقد أنشأ نميري حزبه الأوحد الحاكم في السودان، الاتحاد الاشتراكي السوداني، على غرار حزب عبد الناصر الحاكم، المسمى الاتحاد الاشتراكي العربي. وفي عام 1982 وقَّع نظام الرئيس حسني مبارك ونظام الرئيس جعفر نميري ما سمي ميثاق التكامل بين مصر والسودان. لكن، لم تنجح تلك الإجراءات الفوقية في خلق أي صورة عملية للتكامل الاقتصادي أو السياسي أو العسري بين مصر والسودان. فبعد عام واحدٍ من توقيع ميثاق التكامل أعلت جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية متخذًا خطًا إخوانيًّا صريحا.

ويبدو أن خطة مصر للهيمنة على السودان، قد انحصرت، في نهاية الأمر وبعد عديد التجارب، في دعم الأنظمة العسكرية في السودان. فبعد أن دعمت انقلاب جعفر نميري، الذي أسقطته ثورة أبريل الشعبية في عام 1985، عادت مصر لتكون أول الدول التي اعترفت بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989 الذي قوَّض الديمقراطية الثالثة. ومع كل حالات الشد والجذب التي حدثت بين مصر ونظام الترابي/البشير في فترة حسني مبارك، ورغم قمع نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي الحالي الوحشي للإسلاميين في مصر، نجدها قد وقفت ضد ثورة ديسمبر 2018 الشعبية في السودان، التي لا تزال فصولها تتوالى حتى الآن. قدمت مصر للفريق البرهان وللإسلاميين الواقفين خلفه كل أنواع الدعم العسكري والديبلوماسي، مع انخراطٍ لا يني في شق صفوف الثوار، وفي تشكيل الحواضن الشعبية الضرارٍ الساندة للفريق البرهان، لكي يستعيد هو والإسلامويون كامل سلطتهم، ويقضوا على الثورة السودانية التي انطلقت مطالبةً بالحكم المدني وبالتحول الديمقراطي، قضاءً مبرما.

(يتواصل)

بيان من ياسر عرمان حول اعتقاله بواسطة الإنتربول

بالأمس 5 مارس 2025، تم توقيفي في مطار جومو كينياتا بنيروبي حوالي الساعة الواحدة ظهرًا، ومن ثم تم أخذي إلى مقر الإنتربول الكيني بسبب “إشارة حمراء” تفيد بأنني مطلوب لدى سلطات بورتسودان بتهم عديدة لا أساس لهامن الصحة.
أخبرت سلطات الإنتربول أن قضيتي سياسية بامتياز وكنت على تواصل مع بعض الاصدقاء والرسميين الكينيين، بعد ان تمت بعض الاجراءات سمح لي بالذهاب إلى فندق حوالي الساعة التاسعة مساءً، وطُلب مني العودة إلى الإنتربول عند الإخطار، وتمت مصادرة وثائق سفري.

هذا الصباح تلقيت مكالمات هاتفية من مسؤولين كينيين في مكتب الرئيس ووزارة الخارجية كما تلقيت مكالمة من الإنتربول الكيني وتمت إعادة وثائق سفري.

من المفارقات أن جميع التهم الموجهة لي مصممة على مقاس من هم في بورتسودان وتليق بهم، كما ان تحقيق العدالة التي يستحقها الشعب السوداني يجب أن تبدأ باعتقال عمر البشير وزمرته من المطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية ولكن بدلاً من ذلك نجد أن أسماء قيادات القوى الديمقراطية هي التي على قائمة الإنتربول، علينا ان نعمل على إزالتها حتى لا يتعرض آخرين لتجربة مماثلة مثل ما حدث معي بالأمس.
إن الذي جرى لي ان كان الغرض منه من قبل سلطات بورتسودان هو ارهابي وردعي عن الدعوة إلى السلام والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال التهميش، فقد فشلوا فإنني اليوم أكثر التزامًا من أي وقت مضى بقضية السلام العادل، والمواطنة بلا تمييز والديمقراطية ومناهضة العنصرية وبناء مجتمع لا عنصري.

يجب على طرفي هذه الحرب القبيحة التي هي في الأصل ضد الشعب السوداني أن يتوقفا فورًا، وأن يقبلا بإرادة الشعب الذي يبحث عن الخبز والسلام والتحرر والديمقراطية والمواطنة بلا تمييز ، والعلاقات الجيدة مع جيراننا والمجتمع الدولي.

أخيرًا، أود أن أعرب عن خالص امتناني لعائلتي وأصدقائي وزملائي في الحركة الديمقراطية المناهضة للحرب، وللإعلاميين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، ولأصدقائنا في بلدان الجوار والمجتمع الدولي.
وشكر خاص لأصدقائنا في كينيا الذين بذلوا الجهود اللازمة لحل هذه القضية، ولكل من وقف متضامنًا مع القوى الديمقراطية والمدنية من داخل السودان وخارجه.

6 مارس 2025

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(3 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحنياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

عبء الرجلين الأبيض والمصري

العقلية الاستحواذية الجانحة للهيمنة الكاملة التي سبق أن أشرت إليها، هي السمة الجوهرية للنخب الحاكمة في مصرفي التعاطي مع الملف السوداني. وهو بالنسبة لها ملفٌ أمنيٌّ أولاً وأخيرًا. وهذا هو ما أخرج العلاقة المصرية بالسودان من دائرة الفهم المُتَّزن والثقة والتعامل عبر الطرق الدبلوماسية وتقوية المصالح المشتركة إلى دائرة محاولة هندسة الأمور في داخل السودان استخبارتيًا لصالح مصر. وكما سبق أن ذكرت سابقًا أيضًا، فإن القوى الاستعمارية الأوروبية خلفت وراءها نخبًا وطنيةً في كل البلدان التي خرجت منها قواتها في نهاية الحقبة الاستعمارية، ليتواصل الاستعمار عبر ما سُميَّ “الاستعمار الجديد”، أو قل الاستعمار من بعد بواسطة الوكلاء المحليين، وهو ما فعلته مصر، أيضا. لكن، في حالة مصر مع السودان، كان هناك عنصرٌ إضافيٌّ آخر، أكثر خطرًا، وهو الاستعمار الثقافي الذي تحتل به القوة الاستعمارية عقل الشعب الذي جرى استعماره، أو على الأقل، احتلال عقول الكثيرين من مواطنيه، خاصةً نخبه السياسية والثقافية والتجارية والمجتمعية. وهو ما ينتج عنه خضوعٌ مُركَّبٌ، وشعورٌ بالدونية، يجعل تحقيق التبعية السياسية الاختيارية ميسورا.

بعد أن أخذت أوروبا تجني ثمار الثورة الصناعية، وبعد أن انفردت بحيازة السلاح الناري بصورةٍ نوعيةٍ متفوقةٍ، وبعد أن تعاظمت لديها الحاجة لمختلف المواد الخام مما ليس متوفرًا في بيئتها، ونشأت لديها الحاجة إلى الأسواق الخارجية، شرعت أوروبا في التفكير باحتلال البلدان. غير أن ذلك الجشع الاستعماري جرت تغطيته بأن من واجب أوروبا الإنساني والأخلاقي أن تغزو البلدان غير الصناعية بهدف إخراجها من التخلف وسوقها في طريق التقدم والتمدين. وظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، مع بداية الهجمة الاستعمارية، قصيدة شاعر الإمبراطورية البريطانية الأشهر، روديارد كيبلِنج التي حملت عنوان: “White Man’s Burden”، أي عبء الرجل الأبيض في نقل الحضارة إلى أجزاء العالم المتخلفة اقتصاديًا وتكنولوجيا. وسرعان ما أصبحت قصيدة كيبلِبنغ منبع إلهامٍ للإمبريالية الأمريكية حين كانت منخرطةً في حروبها في الفلبين وجزر المحيط الهادي. وهكذا أصبح استعمار الآخرين ونهب ثروات بلدانهم، وطمس ثقافاتهم بالثقافة الوافدة، وإخضاعهم لحكم القوى الاستعمارية، بقوة السلاح، مهمةً نبيلةً تجري تحت زعم إدخال الآخرين في سلك الحضارة، عبر احتلال بلدانهم وإدارتها بالنيابة عنهم لمصلحة المستعمِر.

أما في شمال وادي النيل فقد رأت مصر الخديوية نفسها قوةً متقدمةً حضاريًا مقارنةً بجنوبها. وذهبت، من ثم، تبرر استعمارها للسودان المأهول بأهل البشرة السوداء، المنفصلين نسبيًا آنذاك عن مراكز الحضارة الحديثة، بغرض إدخالهم في سلك الحضارة، حسب زعمها، رغم أن غرضها كان المال والرجال. وقد سبقت مصر باستعمارها السودان في عام 1821، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا بخمسين عامًا، كما سبق أن ذكرنا. وبما أن هذه المقالات لا تسمح بالتوسع في كشف هذا الجانب، فإنني أكتفي بإيراد بعض النماذج القليلة من الأدبيات المصرية، لإثبات زعمي هذا. ففي مستهل كتابه المسمى، “مديرية خط الاستواء، من فتحها إلى ضياعها”، كتب الأمير عمر طوسون، حفيد محمد علي باشا، عن التوسع الخديوي المصري جنوبًا في وادي النيل، قائلاً: “لا ريب أن الفكرة التي اختلجت في نفس الخديو إسماعيل والتي دفعته إلى فتح مديرية خط الاستواء وضمها إلى السودان، أو بالأحرى إلى الأملاك المصرية، فكرة جد صائبة إذ بها تم لمصر الاستيلاء على نهر النيل من منبعه إلى مصبه. وأصبحت في قبضتها تلك البحيرات العظمى التي يخرج منها هذا النهر السعيد الذي عليه مدار حياة البلاد”. (راجع: عمر طوسون، تاريخ مديرية خط الإستواء المصرية، الإسكندرية: مطبعة العدل (1937)، ص 3). (الخط تحت الجملة أعلاه من وضعي).

السودان ملكٌ مصريٌّ خالص

منذ غزو محمد علي باشا للسودان في عام 1821، أصبح السودان لدى مصر الخديوية “أملاكًا مصرية”. ومن نماذج اليقين الراسخ بأن السودان في الذهن المصري “ملكٌ مصريٌّ” خالصٌ، ما كتبه عبد الرحمن الرافعي، وهو يحتفي بتصريحٍ مخاتلٍ أطلقه اللورد سالسبري، في فترة من فترات شراكة إنجلترا ومصر في استعمار السودان. قال الرافعي: لقد صرح اللورد سالسبري بأن وادي النيل كان ولا يزال ملكًا ثابتًا لمصر، وإن حجج الحكومة المصرية في ملكية مجرى النيل، وإن أخفاها نجاح المهدي، إلا أنها ليست محلاً للنزاع، منذ انتصار الجنود المصرية على الدراويش. وقد كتب الدكتور نسيم مقار في مستهل كتابه “مصر وبناء السودان الحديث”، ما نصه: “يرى الباحث في تاريخ مصر على مر العصور والأزمان أن مصر حين تقوى وتنهض وتنال قسطًا متميزًا من التقدم، تسعى إلى أن تنقل حضارتها إلى البلاد الأخرى المجاورة، التي لم تُحظ بما حُظيت به من تقدم حضاري”. (راجع: عبد الرحمن الرافعي، مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ج ع م، (1962) ، ص 132).

أما المورخ المصري، محمد فؤاد شكري فيقول: “تضافرت عوامل عدة على أن تسيِّر مصر حملةً على السودان، لإدخاله في نطاق ذلك “النظام السياسي الذي أوجده محمد علي، وفرغ من وضع قواعده خصوصًا بين عامي 1807 و1811، على أساس الحكومة المستبدة المستنيرة في الداخل، والتوسع صوب الشرق والجنوب في الخارج”. (راجع: محمد فؤاد شكري، مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر 1820 -1899، القاهرة: طبعة مطبعة دار الكتب، (2011)، ص 7). ومحمد فؤاد شكري ممن كتبوا أكثر من كتابٍ عن السودان من المنظور المصري. ومن بين مؤلفاته “مصر والسودان: تاريخ وحدة وادي النيل السياسية 1820–1899”. فهو يسمي الاستعمار الخديوي القسري للسودان الذي حدث في عام 1821، واستمر إلى عام 1885، “وحدة وادي النيل”! بل ويضيف إلى ذلك سنوات الحكم المهدوي الذي طرد الاستعمار الخديوي من السودان في عام 1885، واستمر لمدة 14 عامًا، عادًا فترة حكم المهدويين جزءًا مما أسماه وحدة وادي النيل.

أيضًا كتب المؤرخ المصري رأفت غنيمي الشيخ، صاحب كتاب “مصر والسودان في العلاقات الدولية”، نقلاً عن محمد فؤاد شكري، إن محمد علي باشا استند على أمورٍ ثلاثةٍ في فتح السودان، أولها: رسالة مصر في السودان التي لا يمكن التخلي عنها إطلاقا، وهي: الاحتفاظ بشطر الوادي الجنوبي حتى يتسنى لمصر إتمام رسالتها من حيث واجب النهوض بالسودان إلى مصاف الأمم المتمدينة الرشيدة. ويذهب محمد فؤاد شكري إلى تبرير عبء الرجل المصري في تمدين السودانيين بصورة أكثر غرابة حين يقول: إن محمد علي باشا قد استند في غزوه للسودان على ما يُعرف باسم “نظرية الخلو”، أو الملك المباح”، Res Nullius. وحجة شكري في احتلال محمد علي للسودان هي أن الأقطار السودانية عند ضمها إلى مصر لم يكن أحد يمتلكها في الحقيقة، لأن السلطة هناك كانت مغتصبةً من أصحابها الشرعيين، كما أن قبائل العربان، وفقًا لزعمه، قد نشرت الفوضى في السودان. ويواصل شكري قائلا: فإذا استطاع حاكمٌ أن ينتزع هذه الأراضي السودانية من قبضة أولئك الذين اغتصبوا كل سلطةٍ بها، وأن يُنشئ حكومةً مرهوبة الجانب، تذود عن حياضها وتصون السودان من الغزو الأجنبي، وتكفل لأهله الاستقرار والعيش في هدوء وسلام، فقد صار واجبًا أن يستمتع هذا الحاكم بكل ما يخوله له سلطانه أو سلطته من حقوق السيادة على هذه الأراضي الخالية، وهذا الملك المباح أصلا. ونسمع اليوم نفس هذه النبرة من الحكومة المصرية وهي تحشر أنفها (بقوة عين عجيبة)، في شؤون السودان.

لم تقف هذه التسبيبات المصرية الخديوية الاستعمارية الاستحواذية الواهية عند حد احتلال أراضي السودان، وإنما تعدته لاحتلال قسم وادي النيل الجنوابي الواقع في منطقة البحيرات العظمى جنوب غوندكرو. فقد أصدر الخديو إسماعيل فرمانًا حين شرعت مصر الخديوية في احتلال المديرية الإستوائية جنوب مدينة غندكرو، في العام 1869م، جاء فيه: “نحن إسماعيل خديو مصر، قد أمرنا بما هو آتٍ: نظرًا للحالة الهمجية السائدة بين القبائل القاطنة في حوض نهر النيل، ونظرًا لأن النواحي المذكورة ليس بها حكومة، ولا قوانين ولا أمن، ولأن الشرائع السماوية تفرض منع النخاسة والقضاء على القائمين بها المنتشرين في تلك النواحي، ولأن تأسيس تجارة شرعية في النواحي المشار إليها يعتبر خطوة واسعة في سبيل نشر المدنية ويفتح طريق الاتصال بالبحيرات الكبرى الواقعة في خط الاستواء بواسطة المراكب التجارية ويساعد على إقامة حكومة ثابتة، أمرنا بما هو آت: تؤلف حملة لإخضاع النواحي الواقعة جنوب غوندكرو لسلطتنا”. (عمر طوسون، مصدر سابق، ص 13).

الشعور بالاستحقاق المطلق

يتضح جليًّا مما أوردناه من نماذج كتابات المؤرخين المصريين البارزين، أن لدى الإدارات المصرية وأكاديمييها البارزين شعورٌ طاغ وراسخٌ بالاستحقاق المطلق لاحتلال أراضي الغير ونهب ثرواتهم. والتذرع في ذلك التعدي الاستعماري بحجج واهية، بل ومضحكة، كقولهم إن تمدين المناطق غير المتمدنة من مسؤوليتهم. أو قولهم، إن تلك المناطق بلا حكومات، وأنها غارقة في الفوضى، ولابد من غزوها للقضاء على تلك الفوضى، أو لمحاربة تجارة الرقيق. هذا في حين أن حملة محمد علي باشا التي احتلت السودان في عام 1821، قد كان أحد غرضيها الأساسيين اصطياد الرقيق وجلبهم من السودان إلى مصر للعمل سُخرةً في جيش محمد علي باشا. ويؤكد هذا التوجه المؤرخ العراقي ممتاز العارف حين قال: إن الخطة الخديوية لاحتلال السودان وقف وراءها هدفان وهما، أولا: الحصول على أكبر كمية من الذهب، وثانيا: جمع أربعين ألفا من العبيد وإرسالهم إلى القاهرة. (راجع: ممتاز العارف، الأحباش بين مأرب وأكسوم: لمحات تاريخية من العلاقات العربية الحبشية ونشوء دولة إثيوبيا الحديثة، صيدا: منشورات المكتبة العصرية، (1975)، ص 103). فما بين عام 1821 وهو عام بداية الاحتلال الخديوي امصري للسودان، وعام 1839، بلغت أعداد الرقيق الذين أرسلوا إلى مصر 200 ألف. وعمومًا كان الاحتلال المصري الخديوي للسودان مهمةً لحمتها وسداها الاسترقاق والنهب. ويروي المستكشف البريطاني، صمويل بيكر، الذي زار الخرطوم في العام 1862م، أي بعد أربعين عاماً من بداية الاحتلال المصري الخديوي للسودان، أن الذي رآه في الخرطوم كان عملية نهبٍ بشعةٍ لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، اشترك فيها كل موظفٍ في الدولة من الحاكم العام إلى أصغر خفير. ويضيف بيكر أن الجنود الذين تتكون منهم حامية الخرطوم كانوا يعيشون في البلاد كجيشٍ محتل، وقد انعدمت في قلوبهم الرحمة. كان كل ما يهمهم هو جمع الضرائب والتي كانت تُجبى بإلهاب ظهور الناس بالسياط. وسكان الخرطوم البالغ عددهم آنذاك ثلاثين الفًا لم يكن في وسع أي واحدٍ منهم أن يقضي غرضا دون أن يستعين بالرشوة، وكان الجلد والتعذيب شيئاً عاديا. (راجع: محمد إبراهيم ابو سليم، تاريخ الخرطوم، بيروت، دار الجيل، (1999)، ص 62).

هذه الذهنية المصرية التي ترى أن أراضي السودان وموارده المائية والزراعية والحيوانية والغابية والمعدنية حقًّا حصريًا للمصريين، لا يستحق منه السودانيون شيئًا، أمرٌ تؤكد شواهد كثيرة للغاية، وبصورةٍ صارخة. وقد عبَّرت هذه الشواهد عن نفسها بجلاءٍ عبر تاريخ هذه العلاقة المصرية السودانية المستشكلة الملتبسة، التي استمرت على مدى زاد حتى الآن على قرنين من الزمان. واللافت، كما سبقت الإشارة، أن هذه النظرة الخديوية الاستحواذية التي تأسست على استنزاف موارد السودان لم تتغير، حتى بعد نهاية الحقبة الخديوية. وإنما استمرت في عهود كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم مصر، منذ أن جرى تقويض النظام الملكي على يدي الجيش بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، في عام 1952، وحتى يومنا هذا. بل، إن ما حاق بالسودان من نهب للموراد في فترة ما بعد ثورة ديسمبر 2018، قد فاق في حجمه وغرابته كل نهبٍ جرى في الماضي من جانب مصر لموارد السودان. لقد وقف النظام المصري ضد ثورة ديسمبر ووضع كل ثقله وراء الفريق عبد الفتاح البرهان مانحًا له كل الدعم لكي يمارس ألاعيبه الفجة المكشوفة ويوظف نزعته الدموية من أجل الانفراد بالسلطة، ليصبح السودان وموارده تحت يد مصر.

(يتواصل)

على طريقِ الانعتاقِ من الهيمنةِ المصرية

(2 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

منعطف إستعادة الاستقلال

المنعطف الذي نمر به الآن هو، بصورةٍ أساسية، منعطف استعادة استقلالنا المسروق. وهي سرقةٌ ما كانت لتحدث لولا أن نخبنا السياسية قد تعاونت فيها مع النخب العسكرية المصرية. بل، لا تزال بعضٌ من نخبنا تعمل، حتى هذه اللحظة، لكي تحول دون أن نستعيد ذلك الجزء الأكبر المسروق من استقلالنا. لقد خرج البريطانيون من السودان في عام 1956، غير أن المصريين الذين شاركوهم استعمارنا المباشر حتى أخرجهم البريطانيون بسبب حادثة مقتل السير لي ستاك في القاهرة في 1924، لم يخرجوا من حيث التأثير على سلطة القرار السودانية، إلى اليوم. لقد المصريون وراءهم من أجل الاختراق من الداخل، ما يماثل حصان طروادة. وهو مجموعة النخب العسكرية والمدنية السودانية التي ظلت تساعدهم على خلط الأوراق السياسية، ليبقى السودان رازحًا تحت استعمارهم المستتر، الذي امتد، حتى الآن، لقرنين كاملين.

لقد أتاحت لنا هذه الحرب، على بشاعتها وكلفتها الباهظة، فرصةً ذهبيةً لكي نستعيد استقلالنا المسروق هذا. فإن نحن أخذنا بها تحرَّرنا وانفكت، إلى الأبد، القيود التي ظلت تكبل بلادنا وتمنعها من الانطلاق. وإن نحن فرطنا في هذه اللحظة الحاسمة، فإن كوارث أكبر من هذه التي نحن فيها الآن ستكون في انتظارنا. ولسوف تنتهي تلك الكوارث، طال الزمن أم قصر، إلى تقسيم البلاد، بل وإلحاق جزءٍ منها بمصر، بصورةٍ نهائية. وقد بدأت ارهاصات ذلك تلوح في الأفق. فإسترجاع السودان هو الحلم الذي ما انفكت مصر الرسمية تحلم به، وتعمل له بدأبٍ شديد، منذ خروج جيوش محمد علي باشا من السودان في عام 1885. لذلك، لا أرى أن حالة الاستقطاب والاصطفاف القائمة الآن هي انقسامٌ بين الواقفين وراء جيش ما تسمى “الحركة الإسلامية السودانية”، والواقفين وراء قوات الدعم السريع، كما يصور ذلك إعلام الفريق البرهان وغيرهم ممن اشتروا هذا التشخيص الخاطئ. وإنما هو اصطفافٌ بين الذين لا تزعجهم الهيمنة المصرية ويريدون العيش تحت ظلها، لأسباب سوف نأتي إلى ذكرها لاحقًا، وبين الذين يريدون خروجًا بائنًا للسودان من تلك الهيمنة التاريخية المقيتة المكبِّلة، التي أقعدت البلاد وعطلتها وجعلتها في ذيل الدول الإفريقية والعربية في كل شيء.

الطمع المصري في السودان

من المعلوم أن لكل دولتين جارتين مصالح مشتركة مع بعضهما. وكثيرًا ما نسمع دولةً ما تقول: إن الدولة الأخرى تمثِّل عمقًا استراتيجيًا بالنسبة لها، وأن أمنهما لا ينفصلان، وهذا مفهوم جدًا في العلاقات الدولية. لكن، إذا تمعنَّا في نظرة الدولة المصرية نحو الدولة السودانية، وطريقتها في إدارة علاقاتها الحيوية معها، فإننا نجد أن إنشغالها بالسودان يبلغ درجة الهوس. كما أن نهجها في حراسة مصالحها في السودان، نهجٌ استعلائيٌّ، فوقيٌّ، إملائيٌّ، أنانيٌّ، استحواذيٌّ، متغطرس. وفوق هذا وذاك فإن مصر بناء على استعمارها المباشر للسودان في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظلت تدير شؤونها مع السودان عبر جهاز المخابرات، وليس عبر وزارة الخارجية. وما ذاك إلا لأنها ترى السودان محافظة خرجت عن سلطتها ويجب استعادتها بكل سبيلٍ ممكن. ونحن نفهم المسببات الموضوعية لهذا الهوس، وهذا النهج المجافي للحكمة وللموضوعية. وما نريد للمصريين أن يفهموه أن هذا النهج من شأنه أن يلحق ضررًا فادحًا بمصالح البلدين.

قمت في عام 2012، بتقديم ورقةٍ في مؤتمرٍ عقده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. وكان المؤتمر تحت عنوان: “العرب والقرن الإفريقي: جدلية الجوار والانتماء”. وكانت الورقة بعنوان “من الاستتباع إلى الشراكة: في نقد نظرة مصر إلى جوارها الجنوبي”. وكان من ضمن حضور المؤتمر سيدتان من الباحثات المصريات المرموقات. دعوت في تلك الورقة إلى الانتقال من نهج الهيمنة والإملاء المصري الذي يجري التعاطي به مع السودان، منذ نيله استقلاله في خمسينات القرن الماضي، وإلى اليوم، إلى نهجٍ قائمٍ على تبادل المصالح والشراكات التي تنفع البلدين في إطارٍ يرعى مصالح الدولتين. لكن، بناءً على معرفتي بالكيفية التي ظلت تُحكم بها مصر من بداية الحكم الخديوي، فإن أملي لم يكن كبيرًا في الاستجابة لتلك الدعوة. وبالفعل، لم تجد الدعوة صدى في ذلك المؤتمر. فالأقطار التي تحكمها أجهزة المخابرات، كما هو الحال في السودان ومصر، فإن من المتعذر جدًا أن تقوم برسم السياسات فيها مراكز الأبحاث المستقلة التي يقف عليها العلماء والباحثون، وإنمايُترك رسمها لرجال المخابرات محدودي المعارف، قصيري النظر. وهكذا سارت الأمور إلى أن بلغت هذه الحرب الأخيرة المدمرة التي لعبت فيها الأطماع المصرية في الهيمنة على السودان واستتباعه اقتصاديًّا، وسياسيًّا، ودبلوماسيَّا، دورًا رئيسا. كما أظهرت في نفس الوقت في فترة حكم الفريق البرهان المقيتة هذه، خنوعًا وانبطاحًا سودانيًّا مخزيًا فاق كل خنوعٍ وانبطاح سابق أظهرته النخب السياسية الحاكمة في السودان لمصر، منذ الممالك الكوشية القديمة.

مصر هبة النيل والصحراء

مصر بلدٌ صحراويٌّ لا تتناسب مقوِّماتٍ الحياة فيه، مع التزايد المتسارع لعدد سكانه. فالحياة تنحصر في مصر في الشريط النيلي الزراعي بالغ الضيق، الذي لا يتعدى عرضه، في كثيرٍ من مناطقه الأكثر اتساعًا، الكيلومتر الواحد. وأكثر مناطق مصر الزراعية اتساعًا هي منطقة الدلتا، التي تبلغ مساحتها ما يزيد قليلاً على 44 ألف كيلومترا مربعا. والدلتا المصرية رقعة من الأرض الخصبة على شكل مثلث تجلس على زواياه الثلاث مدن القاهرة والإسكندرية وبورسعيد. وفي حين أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان تقارب 200 مليون فدان، فإن الأراضي الصالحة للزراعة في مصر لا تتعدى 10 مليون فدانا. ولذلك، يمكن القول، إنه لا يوجد أي تناسبٍ يذكر بين مساحة الأراضي الصالحة للعيش في مصر وبين عدد السكان الذي يتزايد بوتيرة بالغة السرعة. وعلى عكس ذلك تمامًا، فإننا نجد أن عدد السكان في السودان قليلٌ جدًا بالقياس إلى أراضي السودان الصالحة للزراعة. ولذلك فإن انشغال مصر بالسودان انشغالٌ لا مثيل له. فالسودان، من عديد النواحي الاقتصادية يمثل المتنفس الوحيد ليكون هناك اقتصادٌ مصري قادرٌ على أن يؤمن للبلد حاجتها.

لقد كان السودان، منذ الأزمنة السابقة للميلاد، المستودع الذي تأخذ منه مصر الكثير مما تحتاجه من موارد. ومع تقدم الأزمنة ونشوء الاقتصادات الحديثة جعلت ضغوط الجغرافيا مصر منشغلةً بالسودان هذا الإنشغال الاستثنائي. فبالإضافة لضيق الأراضي في مصير مقارنةً بالسودان، فإننا نجد أن القسم الأكبر من نهر النيل وروافده تجري في الأراضي السودانية. وبما أن مصر ليس لها مصدر حياة غير النيل، فإن اهتمامها بأمر النيل وسياسات توزيع المياه بين دول حوض النيل يقع في صدر أولوياتها.

لقد كانت مصر القديمة مكتفيةً غذائيًا، بسبب التناسب بين ما تنتجه وعدد سكانها، آنذاك. وقد كانت مصر من أغنى بقاع الأرض ما جعل مختلف الشعوب تتطلع للعيش فيها. فثراؤها مقارنةً بغيرها في التاريخ القديم، هو ما جعلها، مقصدًا مفضَّلاً للغزاة. لكن، مع التزايد الهائل في أعداد السكان واختلال التناسب بين تلك الأعداد المتزايدة فيما يشبه الانفجار، وبين وجود أراضي يمكن استصلاحها والتمدد فيها لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، اتسعت الهوة بين إنتاج مصر الزراعي والحيواني والزيادة المتفاقمة في أعداد السكان. وبما أن أراضي مصر الصالحة للعيش على ضفتي النيل تحدها من جهة الغرب الصحراء، ومن جهة الشرق الصحراء، ومن الشمال البحر الأبيض المتوسط، فإن المتنفَّس الوحيد المتبقي لزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، هو الأراضي السودانية.

نمط التفكير الخديوي

لقد كان من الممكن لمصر، بعد نهاية الحكم الخديوي، وقيام الجمهورية أن تتخلي عن النهج الخديوي الاستعماري الاستحواذي وتتجه إلى الشراكات التي تعود بالمنفعة للقطرين الجارين، لكنها لم تفعل. ولا يبدو، حتى الآن، أن لديها أي استعداد لكي تفعل. هناك شيء ما في البناء النفسي وفي تكوين الشخصية لدى النخب القابضة على أعنة الحكم في مصر يجعلها لا تؤمن بالتشارك والتعاون، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقة مع السودان، بقدر ما تؤمن بأسلوب التحكم الكامل، أو شبه الكامل، والهيمنة والاستحواذ. وهذه هو ذات البناء النفسي والأخلاقي الذي سوَّغ للشعوب الأوروبية نهب ثروات الشعوب الفقيرة، بعد أن سبقت أوروبا هذه الشعوب بامتلاكها السلاح الناري.

لابد هنا من لفت النظر إلى حقيقةٍ ربما تفوت ملاحظتهاعلى كثيرين، وهي أن مصر قد سبقت باستعمارها السودان في عام 1821، الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أفريقيا التي عُرفت باسم Scramble for Africa . فالهجمة الأوروبية على إفريقيا بدأت في عام 1876. وبهذا تكون مصر قد سبقت باستعمارها السودان تلك الهجمة الأوروبية على إفريقيا، بأكثر من خمسين عاما. ومثلما خلف الاستعمار عند خروجه نخبًا وطنيةً في البلدان المستعمَرة لكي تخدم مصالحه عقب مغادرته، أيضًا خلفت مصر نخبًا سودانيةً لخدمة مصالحها في السودان. فمصر مارست في السودان نفس الأسلوب المسمى: “الاستعمار الجديد”،Neocolonialism . وهو الاستعمار من على بعد عبر احتلال عقول نخب البلد المستعمَر وربط المصالح الشخصية لنخبه السياسية والاقتصادية بمراكز السلطة والثروة في البلد المستعمِر. وهذا هو ما حدث من مصر تجاه السودان، بل وفاق في تأثيره الاستعمار الجديد الأوروبي بسبب الاستعمار الثقافي المصري لعقول النخب المسيطرة في السودان. وهو ما لم يتوفر، بنفس القدر، للاستعمار البريطاني، بسبب اختلاف الدين واللغة والثقافة.

حين غزا محمد علي باشا السودان في عام 1821، كان غرضه الأساسي منحصرًا في استجلاب المال والرجال. وكان المال المعني هو الذهب، الذي قيل، آنذاك، أن خامه متوفرٌ في منطقة بني شنقول السودانية، التي أصبحت، لاحقًا، تابعةً لإثيوبيا. أما الرجال، فكانوا المسترقِّين الذي يجري قنصهم من المناطق التي يقطنها ذوو الأصول الزنجية ويجري إرسالهم قسرًا إلى مصر، بغرض تجنيدهم في الجيش الخديوي الذي كان يحارب آنذاك الحركة الوهابية في الجزيرة العربية. وإلى جانب ما تقدم، فإن الجنود السودانيين سوف يحلون مكان الجنود الأرناؤوط غير المطيعين ومن ثم استخدامهم في تحقيق حلم محمد علي باشا في إنشاء امبراطورية في وادي النيل. وقد كان اهتمام مصر الحديثة بمياه النيل كبيرًا منذ الحقبة الخديوية. ولذلك سيَّر الخديوي إسماعيل في عام 1875 حملاتٍ لاحتلال إثيوبيا مُني فيها بالهزيمة في معارك جوندت وجورا وعدوة. وكانت خطة الخديوي إسماعيل التمدد من السودان نحو يوغندا ودارفور ونحو إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي والصومال، ليضع كامل وادي النيل تحت السيطرة الخديوية المصرية. غير أن حلم الخديوي إسماعيل لم يتحقق بسبب هزائمه في إثيوبيا في عامي 1875 و1876. وبعد عشرة أعوامٍ من هزيمة جيوش الخديوية في إثيوبيا، أنهت الثورة المهدية الحكم الخديوي في السودان. لكن، عاد الحكم الخديوي للسودان مرة أخرى، مع البريطانيين في عام 1898، بعد هزيمتهما لقوات المهدويين في معركة كرري. وأسست كل من بريطانيا ومصر في السودان ما سُمي الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. وفي عام 1924، أجبر البريطانيون الجيوش المصرية على الانسحاب من السودان كما ذكرنا. وأصبح حكم مصر للسودان عقب ذلك، حكمًا إسميًا، إذ سيطر البريطانيون على مقاليد الحكم في السودان، بمفردهم، حتى خروجهم في عام 1956.

ورثت الجمهورية العقلية الخديوية

لقد كان نهج الخديوية في التعاطي مع السودان هو نهج الاستعمار المباشر القاصد إلى استرقاق الرجال ونهب الموارد بقوة السلاح. وهذا أمرٌ مفهومٌ في ذلك السياق الذي سبق الهجمات الاستعمارية. لكن، من غير المفهوم أبدًا، أن ترث مصر التي أصبحت “جمهورية”، النظرة الخديوية تجاه السودان والنهج الخديوي في التعاطي مع موارد السودان وحقه في اختيار الديمقراطية نهجًا للحكم. فقد بقى نهج التعاطي مع السودان هو نفسه. ولم يختلف أبدَا؛ لا في عهد جمال عبد الناصر، ولا في عهد أنور السادات، ولا في عهد حسني مبارك، ولا في عهد عبد الفتاح السيسي الحالي. بل، إن نهج التعاطي الحالي مع السودان، في عهد عبد الفتاح السيسي قد بلغ درجةً من السوء، من حيث التدخلات السافرة، لم يبلغها أي نظامٍ سابقٍ له، منذ أن قوض انقلاب الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب الحكم الملكي في مصر في يوليو من عام 1952. فالنهج الذي بقي ثابتًا هو التحكم في مجريات السياسة في السودان، ودس الأنف في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ من شؤونه. ولأن السودان المستقل قد وُلد ديمقراطيًّا، فقد كانت خطة النظام المصري في بدايات عهد جمال عبد الناصر متجهةً إلى تقوية السياسيين الاتحاديين في السودان، لكونهم قد كانوا الداعين إلى الوحدة مع مصر قُبيْل خروج البريطانيين من السودان. لذلك، قامت مصر بضخ أموالٍ طائلةٍ للتأثير على نتائج انتخابات 1953، لتجعل حلفاءها في الأحزاب الاتحادية السودانية يسيطرون على البرلمان، ويصبح، من ثم، قرار الوحدة مع مصر في يدهم. لكن، فشلت تلك الخطة، واختار السودانيون، بمن فيهم الاتحاديون أنفسهم خيار الاستقلال التام عن كلٍّ من بريطانيا ومصر. فقد توافق السودانيون حول قيام جمهورية سودانية مستقلة. بسبب ذلك، غيَّرت الأنظمة المصرية أسلوبها واتخذت أسلوبًا آخر وهو قتل الديمقراطية في السودان، بتشجيع الانقلابات العسكرية يصبح على رأس السلطة فيها جنرال يمكن التحكم فيه من وراء ظهر الإرادة الشعبية السودانية. ولذلك، بقيت مصر الرسمية، على الدوام، داعمةً للانقلابات العسكرية في السودان.

(يتواصل)

إنقطاع الإتصال بالرفيق القائد ياسر عرمان رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان التيار الثورى الديمقراطى مساء الأمس الأربعاء 5 مارس 2025

نعبر عن قلقنا العميق إزاء توقيف الرفيق ياسر عرمان، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي (SPLM-RDC)، من قبل السلطات الكينية، وذلك بناءً على مذكرة توقيف صادرة عن الإنتربول بطلب من سلطة بورتسودان. إن الطبيعة التعسفية لهذا الطلب، الذي أصدرته النيابة العامة الخاضعة للسيطرة العسكرية في بورتسودان، تأتي في إطار حملة مستمرة لإسكات المعارضة السياسية وقمع الأصوات المنادية بالديمقراطية والحكم المدني في السودان.

لقد إنقطع التواصل مع رفيقنا ياسر عرمان، مما يثير مخاوف جدية بشأن سلامته. ونؤكد مجددًا أن موقفنا ضد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 والانقلاب العسكري في 25 أكتوبر 2021 يظل ثابتًا ومبدئيًا مع عدم الإنحياز لأى من أطراف الحرب .

ستواصل الحركة الشعبية لتحرير السودان – التيار الثوري الديمقراطي الوقوف إلى جانب الشعب السوداني في نضاله من أجل الديمقراطية والعدالة وتحقيق أهداف ثورة ديسمبر بالكامل. وتبقى الأولوية لإنهاء الحرب، والإستجابة للاحتياجات الإنسانية، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، ووقف وإنهاء الحرب ومعالجة الأسباب الجذرية لأزمة السودان—وكل ذلك لا يمكن تحقيقه إلا تحت حكم مدني وعودة الحريات والسلام والعدالة.

نطالب السلطات الكينية بتوضيح ظروف وملابسات توقيف الرفيق ياسر عرمان ورفض محاولات سلطة بورتسودان ذات الدوافع السياسية لاستخدام الآليات القانونية الدولية في ملاحقة القوى الديمقراطية. كما ندعو الجهات الإقليمية والدولية إلى الوقوف بحزم ضد تجريم قادة المعارضة السياسية في السودان، ودعم حق الشعب السوداني في الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني.

النصر لنضال الشعب السوداني!

لا-للحرب،

الثورة منتصرة بالوعى_والثبات

نزار يوسف

الناطق الرسمى للحركة الشعبية
لتحرير السودان التيار الثورى الديمقراطى
6 مارس 2025

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(1 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تكن منحياً”

مارتن لوثر كينج

د. النور حمد

مقدمة

هذه الحرب الجارية الآن في السودان، وإن حصرتها أجهزة الإعلام والرأي العام السوداني، خطأً، في كونها حربًا بين ما تسمى الحركة الإسلامية وأذرعهاالمختلفة، وعلى رأسها المليشيا المسماة “الجيش”، وبين قوات الدعم السريع، هي في نظري بخلاف ذلك. هذه الحرب، فيما أرى تخفي وراءها، ما لا يعكسه التشخيص الكاذب الذي طغى على حقيقتها. هذه الحرب هي في الأصل بين الشعب السوداني الذي يريد أن يصحح مسار استقلاله المسروق، وبين المؤسسة المصرية الحاكمة التي تريد استمرار هيمنتها على السودان. هذه الحرب الأخيرة لم تبدأ في 15 أبريل 2023، وإنما بدأت في اللحظة التي أُزيح فيها الرئيس المخلوع عمر البشير عن سدة الحكم في 11 أبريل 2019. فالنظام المصري الذي كان أول من رحَّب بانقلاب الترابي/البشير في عام 1989، عاد ليكون أكثر الأنظمة العربية التي شقَّت عليها إزاحة نظام الترابي/البشير الدموي، الفاسد عن السلطة. لقد استطاع النظام المصري في الفترة الممتدة من 1989 إلى 2018، أن يروِّض ما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ويضعها تحت قبضته تماما. فقد استغل النظام المصري تورط النظام السوداني في محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا في عام 1995، فاقتطع من السودان مثلث حلايب. ثم ما لبث أن أسهم في فرض العقوبات الدولية عليه وحراسة تلك العقوبات في المحافل الدولية. ففي أبريل 2017، أي قبل أقل من عامين من سقوط نظام الإسلامويين في السودان، وصف وزير الخارجية إبراهيم غندور الموقف المصري المؤيد للإبقاء على العقوبات المفروضة على السودان منذ عام 2005، بموجب القرار (1591)، بأنه: “موقف شاذ وغريب، طالب به نائب المندوب المصري في الأمم المتحدة، في مجلس الأمن الدولي”. (راجع موقع النيلين على الرابط: https://shorturl.at/LgZY9). عمومًا استمر النظام المصري في ترويض الإسلامويين السودانيين، حتى حصل منهم على رضوخٍ كاملٍ له. وقد بلغ هذا الخضوع درجةً غير مسبوقةٍ في فترة حكم الفريق البرهان والحركة الإسلامية الحالية. عبر هذه الفترة من الابتزاز الدبلوماسي، حصل النظام المصري بالإضافة إلى احتلال مثلث حلايب، على مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الزراعية في السودان. وكذلك، في جر النظام السوداني ليصطف وراءه في ملف مياه النيل. وأهم من كل ذلك، فتح الحدود السودانية لكي تنهب مصر من موارد السودان ما شاءت.

صمت النظام المصري صمت القبور عقب إبعاد الرئيس عمر البشير في السلطة. ففي الفترة التي تقاطرت فيها أجهزة الإعلام العربية والعالمية إلى السودان لتغطي اعتصام القيادة العامة الذي خلب ألباب العالم، غابت أجهزة الإعلام المصرية، ولزم النظام المصري الصمت. وفي الوقت الذي كان فيه الاتحاد الأفريقي والرئيس الأثيوبي أبي محمد منخرطين في التوفيق بين قوى الثورة والعسكر، ليجري توقيع الوثيقة الدستورية وتبدأ الفترة الانتقالية المفضية إلى التحول الديمقراطي، كان النظام المصري منهمكًا في إعداد الخطط للإجهاز على الثورة بالتحالف مع الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي لم يكن في نيته، أبدًا، تسليم السلطة إلى المدنيين، والسماح بقيام نظام ديمقراطي عقب الفترة الانتقالية. وبالفعل بدأت فصول الخطة المصرية لإجهاز على الثورة تتوالى، منذ مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، وإلى اليوم. لقد وضعتنا هذه الحرب عبر تداعياتها أمام منعطفٍ تاريخيٍّ حاسم: فإما أن نمضي بثورتنا هذه نحو استعادة استقلالنا المسروق بواسطة المصريين ومعاونيهم من الداخل من السودانيين، وإما أن نبقى تحت الهيمنة المصرية التاريخية، وبصورة أنكأ مما سبق، ولفترةٍ مقبلةٍ طويلةٍ جدًا.

أخطاؤنا التاريخية

هذه الحرب المدمرة وما نحن فيه الآن، هي الخلاصة التي قادتنا إليها أخطاؤنا التي تراكمت منذ الإستقلال. لم تستطع النخب السياسية التي أدارت حراك الاستقلال أن تنجز استقلالاً حقيقيًا يفكك التركة الاستعمارية المصرية. فقد خرجت مصر من السودان مثلما خرجت إنجلترا. لكن مصر تركت وراءها جيشًا من السودانيين المتمصرين هوياتيًا وثقافيا. وهذا أمر استثمرت فيه مصر منذ الغزو الخديوى للسودان في عام 1821. وحين بدأ الحكم الوطني عقب لحظة الاستقلال برزت معه دعوة الإسلام السياسي، مصرية الجذور في السودان. وما لبثت الطائفتان الكبيرتان؛ طائفتا الأنصار والختمية والحزبان الكبيران التابعان لهما؛ أن رضخا للابتزاز السياسي الذي مارسته عليهما جبهة الميثاق الإسلامي بالشعارات الدينية الزائفة، التي رفعها الدكتور حسن الترابي، عقب ثورة أكتوبر 1964.

لقد رأت الطائفتان وحزباهما مجاراة الدكتور الترابي في خطه الداعي لتحكيم الشريعة، خشية أن يسرق الدكتور الترابي منهما سندهما الشعبي المتديِّن. فبدلاً من أن تواجهاه وتكشفا زيف شعاراته، كما فعل الأستاذ محمود محمد طه، حينها، اصطفتا وراءه وسارتا على دربه. وكان أكبر تجسيد للاستجابة لابتزاز الدكتور الترابي للطائفتين بالشعارات الإسلامية، انسياقهما وراءه في مؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1965. وقد حدث ذلك بعد عام واحدٍ فقط من الثورة. وهو نفس العام الذي شهد الانتخابات العامة التي تمكن فيها الحزب الشيوعي السوداني من نيل 11 مقعدًا في البرلمان (الجمعية التأسيسية)، في حين لم تحصل جبهة الميثاق الإسلامي، بقيادة حسن الترابي، سوى على 3 مقاعد.

أزعجت الجماهيرية التي حُظي بها الحزب الشيوعي في انتخابات 1965 جماعة الكيزان والقوى الطائفية. فجرى، من ثم، التدبير لمؤامرة حل الحزب الشيوعي السوداني، في نفس ذاك العام. ولكي يصبح ذلك ممكنًا، كان لابد من تعديل مادة الحريات الأساسية في الدستور. وبالفعل عُدِّلت المادة وجرى طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، على الرغم من السند الجماهيري الذي أتي بهم إليه، في انتخاباتٍ حرة. أكثر من ذلك، أن أغلبية نواب الحزب الشيوعي السوداني كانوا قد جاءوا من دوائر الخريجين، المخصصة للمتعلمين.

عقب حل الحزب الشيوعي شرع الحزبان ومن خلفهما جبهة الميثاق الإسلامي في كتابة ماسمي بـ “الدستور الإسلامي”، حتى بلغا به مرحلة القراءة الثانية. وكان ذلك الدستور “غير الدستوري”، على وشك الإجازة، لولا أن أجهض إجازته انقلاب مايو 1969. ولأن الأستاذ محمود محمد طه قد عارض ذلك التوجه، آنذاك، وقام بحملةٍ قويةٍ في فضحه وتعريته في المنابر العامة، كان رد فعل الجهات السلفية الواقفة وراء حزب الدكتور الترابي، أن استغلت القضاة الشرعيين لمحاكمته وأدانته بتهمة الردة في 18 نوفمبر 1968. وقد قابل الحزبان الكبيران ذلك الحكم الغريب بالصمت، الذي دل على مباركتهما له. وفي تقديري، كانت تلك هي اللحظة الفارقة، التي علا فيها صوت الهوس الديني والغوغائية على الدستور، وعلى الحقوق الأساسية، وعلى مكتسبات الحداثة، وعلى سلطة المعرفة. من حينها، تنامى الهوس والشعبوية الدينية والغوغائية،ولم تعد للوعي بالدستور وبالديمقراطية والحقوق الأساسية أي فرصةٍ للتقدم.

تنكُّب الجادَّة

لقد كان خطأً استراتيجيًا فادحًا، ذلك الذي وقعت فيها الطائفتان وحزباهما الكبيران عقب ثورة أكتوبر 1964. فتداعيات ذلك الخطأ، المتمثلة في الرضوغ لابتزاز الإسلامويين لهما بالخطاب الديني، الذي استمر لعقود، قاد، في نهاية المطاف، إلى سيطرة الإسلامويين على مجريات السياسة في البلاد. فقد تركت الطائفتان للدكتور حسن الترابي الفرصة لكي يحفر تحت أقدامهما، بمثابرةٍ شديدة، حتى نفَّذ ضدهما وضد الديمقراطية، انقلابه في يونيو 1989. والغريب أن الترابي نفَّذ انقلابه، في وقتٍ كان الوزن الانتخابي لجماعته قد انتقل من 3 مقاعد في البرلمان في انتخابات 1965، إلى 53 مقعدًا في انتخابات 1986. لقد أدى تبني الحزبين الكبيرين أجندة الدكتور حسن الترابي، في عددٍ من المنعطفات، وحرصهما على خطب وده، بل والتحالف معه، وعدم شعورهما بالخطر الداهم الذي كان يمثَّله، إلى أن يدفع هذان الحزبان، ومعهما البلاد، ثمنًا باهظًا للغاية. لقد كانت غفلةً كبيرةً تلك التي جعلت هذين الحزبين الكبيرين ينصرفان عن مجابهته فكريِّا حين بزغ نجمه، وقد كانت السلطة في يدهما. فقد اختارا عوضًا عن ذلك، في التعاطي معه ممارسة الألاعيب التكتيكية قصيرة النظر. وقد اتضح عمليًّا أن الدكتور الترابي كان أبرع منهما في ذلك النهج.

باختصارٍ شديدٍ، ما نحن فيه الآن كان نتيجةً لسلسلةٍ طويلةٍ من الأخطاء التي شكَّلت، في جملة الأمر، بنية الممارسة السياسية في السودان، المتسمة بقصر النظر وبالنفعية وقلة الاكتراث بالمبدئية وبالتخطيط الاستراتيجي السليم. ولا يختلف في ذلك، اختلافًا جوهريًّا، من ظلوا يقفون في صف الثورة الآن، منذ ديسمبر 2018، ومن ظلوا يعملون ليل نهار لوأدها. فانعدام الرؤية الاستراتيجية والانغماس في المناورات وفي التكتيك، والتركيز على الكسب الآني، هو ما ظل يغلب على القوى السياسية السودانية. ولقد دلَّ سلوك قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، في الفترة الانتقالية على هذا النهج. بل، ولا يزال الحال كما هو، حتى بعد أن تحوَّلت قوى الحرية والتغيير المجلس المركزي، إلى صورتها الجديدة المسماة “تنسيقية تقدم”، التي انشطرت في الأيام القليلة الماضية ليتخذ ما تبقى منها اسم ” صمود”..

أما جماعة الدكتور الترابي، فقد كان التكتيك القائم على الألاعيب السياسية وممارسة التضليل والابتزاز بالشعار الديني هو ديدنها الثابت الذي لا يتغير. ولا غرابة، فالجماعة مرتكزةٌ أصلاً على فكرةٍ دينيةٍ فاشيةٍ، تبرر فيها الغاية كل وسيلةٍ ممكنةٍ، مهما كانت وحشيتها ودمويتها، ومهما كانت صادمةً للحس الإنساني السليم. بل، ومهما كانت نقيضةً للقيم الدينية نفسها، التي تدعى الجماعة رعايتها والدفاع عنها. ولسنا بحاجة لذكر ما كان يجري من بشاعاتٍ في جنوب السودان، وفي بيوت الأشباح، وما جرى في دارفور منذ 2003، وما جرى في مجزرة فض الاعتصام. وأيضًا، ما حدث من قنص بالبنادق للشبان والشابات في هذه الثورة. وما جرت ممارسته من دهس للثوار بسيارات الأمن والشرطة في شوارع الخرطوم. بل وما طفح في هذه الحرب من إعداماتٍ ميدانيةٍ بشعةٍ لكثيرين، ومن جزٍّ للرؤوس وبَقْرٍ للبطون ونهشٍ للأحشاء بدعوى التعاون مع قوات الدهم السريع. وأيضًا من قصفٍ جويٍّ يوميٍّ انحصر في استهداف البسطاء من المدنيين، ومن تصفياتٍ خسيسيةٍ غادرةٍ سبق أن طالوا بها عضويتهم نفسها، عبر الثلاثين سنة الماضية، التي حكموا فيها البلاد بقبضةٍ حديدية.

حصاد الهشيم

ما نحن فيه الآن هو حصاد الهشيم لسلسلة الأخطاء الاستراتيجية الفادحة التي أشرنا إليها. وأقفز من هنا لأقول: إن كل الذي ظل يجري منذ الاستقلال، وإلى يومنا هذا، وما قاد إليه من علوٍّ لصوت الخطاب الديني المتخلف، والهوس الديني، ومن تراجعٍ مريعٍ في حكم القانون، ومن توحُّشٍ صادمٍ فالتٍ، ومن فوضى، وانهيار للدولة، وانعدامٍ لأبسط مقومات الأمن الشخصي، إنما يمثل، في جملته، حقبةً مظلمةً، رثَّةً، كئيبةً، خلت من أي انجازٍ ذي بال. بل، واحتشدت بكل ما هو فوضويٌّ وهمجيٌّ وقبيح. وقد انتهى بنا كل ذلك إلى كارثة الحرب الماحقة الراهنة التي شردتنا بصورةٍ لا مثيل لها. وأحاطتنا بأشباح الموت المحلقة فوق رؤوس الناس كل لحظة وأخرى، وبالعوزٍ والجوعٍ وانغلاق الأفق، ما وضعنا جميعًا على حافة اليأس. ولا أظنني أغالي إن قلت: ليس في هذه الحقبة، التي امتدت منذ فجر الاستقلال وإلى اليوم، ما يصلح لكي نصحبه معنا إلى مستقبلنا. فلو نظرنا، على سبيل المثال، إلى معسكر السياسيين والمثقفين الواقفين مع الثورة، فإننا نجده عاجًّا، بكثيرٍ ممن طبعتهم الممارسة السياسية النفعية بطابعها. وآية ذلك، إن عددًا مقدَّرًا، من رموز الفكر والثقافة والسياسة قد وضعوا أنفسهم في خدمة الأجندة الاستعمارية المصرية. لقد بدأت حقبة ما بعد الاستقلال، الرَّثة هذه، بالانقسام التاريخي المعروف بين “الأشقاء الاتحاديين”، من جهة، و”الاستقلاليين”، من الجهة الأخرى. وها هي تنتهي اليوم ونحن نرى أن بعضًا ممن كانوا “استقلاليين” قد أصبحوا “أشقاء”. بل، هم مرتاحون لهذا التحوُّل، رغم ما يرونه من مجريات هذه الحرب اللعينة، التي يلعب فيها النظام المصري أخبث الأدوار وأقذرها.

(يتواصل)

بيان من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني

#وحدة السودان وسلامة أراضيه واجب الساعة

#لا شرعية لحكومات نتجت عن الانقلاب وحرب ابريل 2023

الحزب الشيوعي السوداني يكرر ويجدد موقفه الثابت والرافض لمحاولات حكومة الأمر الواقع في بورتسودان بقيادة عبدالفتاح البرهان لتكوين حكومة فترة انتقالية مع الموالين له من فلول نظام المؤتمر الوطني المحلول.
كذلك يرفض الحزب محاولات مجموعة نيروبي بقيادة محمد حمدان دقلو التي تسعي لتشكيل حكومة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
يؤكد الحزب الشيوعي ان الجهتين المذكورتين تفتقران للتفويض الجماهيري المطلوب من قبل الشعب كضرورة اساسية للحصول علي الشرعية الدستورية.
يعتبر الحزب ان طرفي النزاع هما وجهان لعملة واحدة. وانهما مسؤولان بالتضامن والانفراد عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في دارفور وهما مسؤولان عن تفجر الكارثة الإنسانية هناك في العام 2003 التي نتجت عنها جرائم الابادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب الي جانب ارتكاب الانتهاكات الواسعة والممنهجة في بقية أنحاء البلاد من بينها مجزرة القيادة العامة في الخرطوم.
طرفا الحرب أيضا شريكان في إجهاض وتقويض العدالة بتقاعسهما عن ملاحقة المتورطين في ارتكاب المجازر والانتهاكات واسعة النطاق ولجوئهما الي تكوين لجان تحقيق صورية عديمة الصلاحية والقدرة علي الوصول الي نتائج وتوصيات من شأنها تحقيق العدالة بهدف تضليل الرأي العام المحلي والاقليمي والدولي وتضليل الضحايا وذويهم وكذلك بهدف قطع الطريق أمام اللجان الدولية المحايدة.
يحذر الحزب ان محاولات الطرفين واعوانهما في الداخل والخارج في تشكيل الحكومتين ستقود الي تعقيدات لا حصر لها وستفاقم من خطورة الوضع الراهن من بينها زيادة الاستقطابات علي أسس قبلية وجهوية في بلد تعاني فيها المؤسسات الإدارية وهياكل الحكم من الهشاشة بسبب الفساد. كما تحمل الكثير من مجتمعاتها ارثا ثقيلا بسبب الصراعات القبلية والجهوية.
سكان المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع مضطرون للتعايش مع سلطات الدعم السريع ولكنهم ليسوا خاضعين لها بكل تأكيد حيث لا يزال الملايين من ضحايا الجنجويد والدعم السريع يعانون من مهانة اللجوء والنزوح وهم ينتظرون تحقيق العدالة والانصاف.
من الجانب الاخر فإن حكومة البرهان المرتقبة والتي ستتشكل من خصوم واعداء الشعب؛ فلول نظام المؤتمر الوطني المحلول والموالين لهم الذين قطعوا الطريق أمام ثورة ديسمبر المجيدة وظلوا يخططون لتقسيم السودان تارة ب( مثلث حمدي) و( دولة البحر والنهر) وتارة بضم ولايات سودانية الى مصر ‼️ هؤلاء لن تقبل بهم جماهير الشعب السوداني وقواه الحية خاصة في ظل استمرار جذوة الثورة التي لا تزال متقدة رغم العثرات.
اصرار طرفي الحرب علي رفض الجلوس حول طاولة المفاوضات للوصول الي اتفاق بوقف الحرب والسماح بدخول المساعدات الإنسانية عبر المعابر الحدودية والداخلية يعرض حياة اكثر من خمس وعشرين مليون شخص لخطر الموت جوعا بسبب حرمانهم من الحصول علي معينات الحياة الضرورية من الغذاء والدواء.
كما يزيد من معاناة اكثر من عشرة مليون سوداني من العالقين في مخيمات النزوح واللجوء.
الحزب الشيوعي السوداني يحمل البرهان والمليشيات التي تحارب معه من انصار النظام المباد بمختلف مسمياتها
كما يحمل الحزب مجموعة
نيروبي الموالية للجنجويد المعروفة باسم مجموعة التاسيس مسؤولية الانتهاكات التي ستشهدها مناطق سيطرة الدعم السريع واي مناطق اخري في البلاد باعتبارهم شركاء لمليشيا الجنجويد.
الحزب الشيوعي يتابع مبادرات المؤسسات الإقليمية والدولية من بينها مجلس الأمن و الاتحاد الافريقي و الاتحاد الأوروبي ومجلس حقوق الإنسان التي صدرت مع بداية هذا العام بخصوص الوضع في السودان خاصة فيما يتعلق بعدم الاعتراف بحكومة بورتسودان ورفض قيام اي حكومة في الأراضي التي تسيطر عليها الدعم السريع. ومع ذلك فالحزب يطالب بعدم الاكتفاء بإصدار البيانات وتكرار التصريحات المصحوبة بالقلق.بدلا عن ادانة والزام القوى الدولية والاقليمية الكف عن مد طرفي الحرب بالسلاح والعتاد والمعلومات اللوجستية. والمطلوب هو المضي قدما في تطبيق وتنفيذ القرارات التي صدرت من المؤسسات المذكورة بشأن الوضع الكارثي في السودان خاصة حول وقف الحرب واتخاذ تدابير ملموسة بشأن حماية المدنيين ومعالجة الوضع الإنساني المتدهور وتطبيق العدالة.
يتحمل مكتب مدعي المحكمة الجنائية الدولية مسؤوليته في الشروع في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في مواجهة عناصر حكومة الأمر الواقع في بورتسودان كذلك في مواجهة عناصر الدعم السريع وحلفائهم الجدد في مجموعة التاسيس التي انضمت لمليشيا الجنجويد في نيروبي.
يدعو الحزب الشيوعي السوداني جماهير الشعب السوداني وقواه الحية للتصدي لمحاولات طرفي الحرب وحلفائهم في الداخل والخارج والتي تسعي لقطع الطريق أمام ثورة ديسمبر المجيدة وتفتيت وحدة البلاد.

عاش نضال الشعب السوداني من أجل الحرية والعدالة والاستقلال ومن اجل وحدة البلاد.

💢المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني
٣/مارس/٢٠٢٥

اجتمعت الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية افتراضيا امس الاحد ٢ اذار/ مارس٢٠٢٥ واصدرت البيان التالي :

نطالب القمة العربية في القاهرة بموقف عربي موحد
لدعم صمود الشعب الفلسطيني ورفض مخطط التهجير الصهيوني – الأمريكي

تعلن الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية إدانتها مجددا لإستمرار حرب الإبادة الجماعية لقوات الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلـسطيني، وتوسيعها وتصعيدها في الضفة الغربية. كما تدين بشدة المخططات الأمريكية – الصهيونية لتهجير الأشقاء الفلسطينيين من أراضيهم، وكذلك العدوان الصهيوني المستمر على سوريا ولبنان واحتلال أجزاء منهما، وما يحمله كل ذلك ويترتب عليه من مخاطر تمس أيضاً مصالح شعوب المنطقة العربية، ووحدة أراضيها وسيادة دولها الوطنية، وتهدد الأمن والسلم الدوليين.

وإنطلاقاَ من كل ذلك، تطالب أحزابنا الشيوعية، القمة العربية المقرر عقدها في العاصمة المصرية يوم الرابع من آذار/ مارس، بالخروج بموقف عربي موحد، مصحوب بخطوات سياسية ملموسة، في مقدمتها:

1- رفض كل مقترحات ومخططات تهجير الشعب الفلسطيني إلى مصر والأردن وغيرهما من البلدان، وضرورة مقاومة هذا المشروع الخطير، وتوفير كل مقومات ومتطلبات الدعم لصمود الشعب الفلسطيني ونضاله البطولي، للحيلولة دون تمرير مخططات تهجير أي جزء منه عن أراضيه، ومن أجل ضمان حقوقه الانسانية ونيل حقوقه الوطنية.

هذا إلى جانب رفض ومقاومة المساعي الاسرائيلية لتصفية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها، وتضافر الجهود من أجل حمايتها واستمرار تقديم خدماتها كافة.

2- استخدام الدول العربية قواها ومكانتها وامكانياتها كافة (وخاصة البترول العربي – سبق استخدامه في حرب أكتوبر/ تشرين 1973 ونجح – وأيضاَ الاستثمارات الخليجية في دول الغرب وخاصة في أمريكا)، وإعلان فك العمل باتفاق “البترودلار” القاضي بحصر التعامل بالدولار الامريكي فقط لتسويق النفط، كواحدة من الخطوات الأولية للضغط من أجل وقف عدوان الاحتلال الصهيوني المتواصل على الشعب الفلسطيني في أراضيه كافة، وكذلك من أجل وقف العدوان الصهيوني على الشعبين اللبناني والسوري واحتلال جزء من أراضيهما، ووضع حد للتهديدات الأمريكية – الاسرائيلية لأمن وسيادة بلداننا العربية، ومساعي فرض الإذعان والهيمنة عليها، والتطبيع بينها وبين كيان الاحتلال.

3- مقاومة عدوان الاحتلال الاسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني والتصدي له، وإجباره على الانسحاب الفوري لقواته من كل قطاع غزة، وفك الحصار عنه وإدخال كل أنواع المساعدات له، وتأمين عودة النازحين لأماكن سكناهم، وإعادة إعماره. وكذلك بذل أقصى الجهود لمنع الاحتلال من العودة لإستئناف عدوانه أو توسعته وتصعيده على أي جزء من الشعب الفلسطيني.

4- وقف التطبيع مع كيان الاحتلال الصهيوني، وإلغاء اتفاقات التطبيع معه، وتوسيع وتعزيز المقاطعة العربية الشاملة له، والتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، كحق كفلته الشرعية الدولية.

5- وقف أية رهانات على المواقف والوعود الأمريكية، بإعتبار إداراتها شريكاَ للاحتلال الإسرائيلي ولمنظومته الصهيونية الفاشية في الإرهاب والعدوان على الشعب الفلسطيني والتنكر لحقوقه، وكذلك في العدوان على شعوب المنطقة العربية.

6- دفع المجتمع الدولي (ممثلاَ بمجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظماتها) لتحمل مسؤولياته في إلتزام الاحتلال الصهيوني بالقوانين والمواثيق والقرارات الدولية، وفي المقدمة منها “اتفاقيات جنيف الرابعة لحماية المدنيين في المناطق المحتلة وفي أوقات الحرب والنزاعات المسلحة”، هذا إلى جانب دعم كل جهود ملاحقة ومحاسبة مجرمي الحرب الاسرائيليين. وكذلك تعزيز مكانة القضية الفلسطينية، بوصفها قضية تحرر وطني، وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

7- رفض وإدانة تصريحات مجرم الحرب نتنياهو بـ”وصاية إسرائيل” على الجنوب السوري، ومحاولاتها للتدخل بالشأن السوري وتقسيم أراضيه، مؤكدين على ضرورة الانسحاب الفوري وغير المشروط لقوات الاحتلال الصهيوني من جميع الأراضي السورية المحتلة، وعلى حق الشعب السوري بمقاومة هذا الاحتلال وعدوانه.

8- إدانة استمرار العدوان الصهيوني على لبنان واحتلال جزء من أراضيه في الجنوب، والمطالبة بالانسحاب الفوري وغير المشروط لقوات الاحتلال الصهيوني من جميع أراضيه المحتلة، مؤكدين أيضاَ على الحق المشروع للشعب اللبناني بمقاومة الاحتلال وتحرير أراضيه حتى الحدود الدولية وفق اتفاق الهدنة.

9- تبني قرارات واتخاذ خطوات ملموسة لردع الإدارة الأمريكيةم عن الاستهتار باستقلال وسيادة البلدان العربية، والتدخل في شؤونها الداخلية، وممارسة الابتزاز والضغوط عليها للانخراط في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، والعمل على حشد كل الطاقات لدعم نضال وحقوق الشعب الفلسطيني، من أجل إنهاء الاحتلال عن أراضيه، ومن أجل حق تقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين بموجب القرار الأممي رقم 194.

10- دعم تحقيق الوحدة الوطنيّة الفلسطينية، وتعزيزها على أساس وحدة الشعب الفلسطيني، ودعم صموده ومقاومته للاحتلال، ووحدة أراضي دولته المنشودة، ووحدة تمثيله السياسي من خلال منظمة التحرير الفلسطينية.

عاش نضال الشعب الفلسطيني ونضالات شعوبنا العربية

  • الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية
    الموقعون:
    . الحزب الشيوعي المصري
  • الحزب الشيوعي الأردني
  • المنبر التقدمي البحريني
  • الحزب الشيوعي العراقي
  • الحزب الشيوعي السوري الموحد
  • الحزب الشيوعي السوداني
  • الحزب الشيوعي اللبناني
  • حزب الشعب الفلسطيني
  • حزب التقدم والاشتراكية المغربي

3 آذار/ مارس 2025

الحزب الشيوعي السوداني المكتب السياسي يصدر بيان الي جماهير الشعب السوداني الصامد الابي

لا للقتل والتعذيب والاعتقالات للمواطنين العزل.

المؤكد والذي لايجوز السكوت عليه والتغاضي عنه؛ انه ومنذ انقلاب الانقاذ في يونيو 1989 ظلت جماهير شعبنا تتعرض لكل صنوف القمع والانتهاكات، وابشع أنواع العنف واشكاله باحط وسائل واساليب التعذيب البدني والنفسي، داخل بيوت الاشباح سيئة السمعة وخارجها من قبل اجهزة النظام الامنية وكتائب الظل التابعة لها والمليشيات المتحالفة معها، في سبيل حماية النظام الشمولي والراسمالية الطفيلية الفاسدة.

وقد تضاعف هذا العنف وازدادت حدته بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، وبعد تاسيس وشرعنة قوات الدعم السريع واشراكهم في ممارسة هذا العنف ضد النشاط الجماهيري.
وتواصل هذا العنف والقمع المفرط ضد الثوار ومسيراتهم الي ان تم تتويجه بفض اعتصامهم امام القيادة في ابشع جريمة يشهدها السودان والعالم اجمع.

ولم يتوقف هذا العنف ضد جماهير شعبنا وثورته حتي في ظل سلطة الفترة الانتقالية؛ التي لم تتخذ اي موقف او اجراء حيال كل ماجري من قمع وعنف مفرط ضد الثوار والتصدي لمواكبهم ومسيراتهم السلمية، بالضرب المبرح والغاز الحارق وبالرصاص الحي وبالقتل الممنهج بالقنص من فوق البنايات واسطح المنازل، والتغاضي والسكوت عن كل ما جري من اعتقالات لمنسوبي لجان
المقاومة وتعذيبهم والحكم عليهم بالسجن والغرامة حتي لطلاب المدارس، وما كان انقلاب البرهان في 25 اكتوبر 2021 الا محاولة لقطع الطريق علي ثورة ديسمبر 2018؛ لمواصلة السياسات التي تخدم فئات الراسمالية الطفيلية والافلات من العقاب علي كل الجرائم التي ارتكبت في عهد البشير والمجلس العسكري الذي اعقبه وعلي راس هذه الجرايم فض الاعتصام.
ولكن الرفض الجماهيري القاطع لانقلاب البرهان في 25 اكتوبر وعدم الاعتراف به دوليأ قد افشل كل المحاولات والتدابير والمؤامرات الداخلية والخارجية ومنها مشروع الاتفاق الاطاري بين شركاء الدم التي استهدفت ثورة ديسمبر واهدافها كما فشلت في اسكات صوت الثوار ومسيراتهم ومواكبهم، التي كانت تهدر يوميأ في الشوارع وفي كل مدن واقاليم السودان، متمسكين بثورتهم
واهدافها رافعين شعاراتها : ” الثورة ثورة شعب، والسلطة سلطة شعب، والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.

حدث ذلك الحراك الجماهيري الواسع رغم الاستهداف والعنف المفرط الذي استخدمته السلطة واجهزتها ضد هذا الحراك رغم سلمية الثوار ومسلكهم الحضاري. في مواجهة هذا الاصرار القاطع والوعي الذي اتسمت به ثورة ديسمبر المجيدة لم يكن امام اعداء الثورة في الداخل والخارج من خيار سوي اشعال نيران هذه الحرب اللعينة لتحقيق ذات الاهداف وفي مقدمتها القضاء علي ثورة ديسمبر المجيدة واهدافها والعودة للسلطة ولو علي جماجم المواطنين واجسادهم.

ان الجرائم التي ارتكبت ضد المواطنين العزل خلال هذه الحرب تعد من ابشع انواع الجرائم التي عرفتها الانسانية والبشرية في تاريخها الطويل. مثل الابادة الجماعية والتصفية البدنية علي اساس العرق واللون والقتل خارج القانون. ان هذه الجرائم الممعنة في الوحشية والتي شهدها العالم باسره لن تسقط بالتقادم ولن ينساها شعبنا مهما طال الزمن؛ بدءأ باحداث الجنينة والتصفية الجماعية لقبيلة المساليت، وماحدث في ودالنورة، وفي الكنابي، والعديد من قري الجريرة الآمنة، والضرب بالطيران والمسيرات والمدافع علي رؤوس المواطنين العزل في اسواق نيالا وحمرة الشيخ، والمالحة، وبابنوسة، وحلة كوكو، وصابرين، والفاشر، ومعسكرات النازحين، في دارفور. وماتم من تدمير للمنشأت الصناعية والزراعية، والمؤسسات الخدمية الصحية والتعليمية، وماتم من استهداف وتخريب لمحطات ومحولات الكهرباء في العديد من المواقع، مما ترك اثره علي ري المحاصيل الشتوية مثل القمح والفول.
ولن ينسي الناس ماحدث من ذبح وشنق وبقر للبطون في الحلفايا، والسقاي، وكرري، وام روابة، مع صيحات التهليل والتكبير من الذين قاموا بارتكاب هذا الفعل الاجرامي الشنيع، وماحدث في مدني وقري الجزيرة والبطانة من استلام وتسليم جثث الضحايا بالتمام والتحية العسكرية، ومايحدث الآن في شرق النيل والخرطوم من قتل بالرصاص وبالتعذيب والضرب حتي الموت لمواطنين عزل لشبهة الانتماء لهذا الطرف او ذاك، ومن الجرائم التي ارتكبت في حق المواطنين العزل الاعتقالات والتعذيب والتجويع حتي الموت لا لذنب قد جنوه سوي اصرارهم على البقاء في منازلهم للحفاظ عليها من عصابات السلب والنهب تحت تهديد السلاح. ومن أبرز الجرائم الممنهجة في هذه الحرب هي استهداف لجان المقاومة والنشطاء في مجال العمل العام وتقديم الخدمات للمواطنين في التكايا وغيرها من الخدمات الانسانية الصحية والغذائية.

ومازالت هذه الممارسات مستمرة في كل مواقع القتال من طرفي الحرب باشكال واساليب افظع واشنع مما مضي. ان ابسط جرائم هذه الحرب هي اجبار المواطنين على ترك منازلهم والنزوح القسري داخل البلاد وخارجها وتشريدهم وتركهم في العراء بلا ماوي ولا زاد يفترشون الارض ويلتحفون السماء.

في مواجهة كل هذه الانتهاكات والجرائم اللاإنسانية واللاأخلاقية؛ فان الواجب العاجل والملح المطروح الان امام جماهير شعبنا هو العمل على ايقاف هذه الحرب المدمرة والاصطفاف في اوسع جبهة جماهيرية قاعدية للمطالبة بوقف هذه الحرب االلعينة وحماية المواطنين والوطن، والمحافظة علي وحدته وثرواته من الطامعين فيها في الداخل والخارج؛ ومن ثم فتح الطريق لاسترداد المسار الوطني الديمقراطي لتحقيق اهداف ثورة ديسمبر المجيدة.

  • لا للحرب.
  • وعاش نضال الشعب السوداني من اجل الحرية والسلام والعدالة.

المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني.
اول مارس 2025م.

حمدوك يطلق نداء سلام السودان

بسم الله الرحمن الرحيم

الشعب السوداني العظيم
الأشقاء في الأسرة الإقليمية والدولية

يعاني شعبنا الويلات جراء تقاتل أطراف الحرب وسط المدنيين الذين يعانون الامرين من جحيم القذائف والبراميل المتفجرة التي لا تفرق بين مدني وعسكري. والعنف الجنسي – الواسع وتجنيد الأطفال والكوليرا وحمى الضنك وغيرها من الأوبئة. حرب نتج عنها اقتلاع أكثر من 12 مليون من نازح ولاجئ، وضعف هذا العدد يعانون من أزمة جوع حادة، فيما يحتاج حوالي ال 26 مليون انسان الي مساعدات إنسانية عاجلة. يضاف الي ذلك الانهيار التام للخدمات الصحية والتعليمية وتدمير البنى التحتية ووسائل الإنتاج ووسائل كسب العيش. حقائق صادمة صنفتها الهيئات الدولية كأكبر كارثة إنسانية في عالمنا المعاصر.

في خضم هذا المناخ الكارثى تتصاعد خطابات الكراهية ورفض الاخر المختلف مما يضع بلادنا على حافة هاوية التمزق. وفى ظل مناخات الحشد والتعبئة لأجل الاستقطاب وحيازة السلاح دخلت المجموعات الإرهابية والمليشيات المتطرفة فقطعت الرءوس وبقرت البطون باسم الجهاد. ان ما يحدث في بلادنا اليوم لن يتوقف في حدود السودان وقد يصبح احد اكبر مهددات الامن والسلم الاقليمى والدولى.

أتوجه إليكم بهذا النداء مع حلول شهر رمضان المبارك، وهو الثالث الذي يمر على السودان منذ اندلاع الحرب التي سرقت من أهلنا معاني هذا الشهر الكريم. أخاطبكم اليوم باسم القوى التي رفضت الحرب منذ اندلاعها، ولم تنحز لأي من أطرافها، بل ظلت تبحث عن السلام وتعمل على إنهاء هذه المأساة التي عصفت ببلادنا.

إن هذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري بين قوتين، بل هي تعبير عن اختلالات بنيوية لازمت تاريخنا منذ فجر الاستقلال، حيث فشلت كل النظم العسكرية في إدارة التنوع وتحقيق التنمية المتوازنة. وقد حاولت ثورة ديسمبر وضع اسس جديدة للبلاد تجعلها في سلام مع نفسها والعالم ولكن المؤتمر الوطني / الحركة الإسلامية عرقل الانتقال المدني الديمقراطي بكل السبل، بما في ذلك تدبير انقلاب 25 أكتوبر 2021، واشعال هذه الحرب اللعينة لخلق حالة من الفوضى التي قد تعيدهم للسلطة حتى ولو تدمر السودان.

تؤكد حقائق التاريخ السوداني ومعطيات الواقع إنه لا حل عسكري لهذا النزاع مهما تطاول الأمد، وإن الخيار الوحيد لوضع حد لمعاناة الشعب والحفاظ على وحدة البلاد ومقدراتها، هو الإنهاء الفوري للحرب، والاتفاق على مشروع وطني جديد يؤسس لنظام مدني ديمقراطي، يقوم على المواطنة بلا تمييز وفق نظام فيدرالي حقيقي، وجيش واحد مهني وقومي ينأى عن السياسة والاقتصاد.

لكل ما تقدم، فإني أتوجه لكم بهذا النداء لإيقاف النزيف في بلادنا، ووضع أسس متينة تخاطب جذور الأزمات بما يجعل هذه الحرب آخر حروب السودان، وفق الخطوات التالية:

أولاً: ندعو إلى عقد اجتماع مشترك عاجل بين مجلس السلم والأمن الإفريقي ومجلس الأمن الدولي، بحضور قائدي القوات المسلحة والدعم السريع، وقائد الحركة الشعبية – شمال عبد العزيز الحلو، وقائد حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، والقوى المدنية الديمقراطية، وذلك للاتفاق على الآتي:

  1. التوصل إلى هدنة إنسانية ووقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.
  2. اتخاذ حزمة إجراءات لبناء الثقة وتهيئة المناخ لإنهاء الحرب، تتضمن:
  • الاتفاق على آليات مراقبة فعالة لوقف إطلاق النار، بما فيها نشر بعثة سلام إقليمية ودولية.
  • فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية عبر حدود السودان وداخل المناطق المتأثرة.
  • ضمان حرية الحركة للمدنيين في كافة أرجاء السودان.
  • الاتفاق على إنشاء مناطق آمنة خالية من الأنشطة العسكرية، توفر بيئة مناسبة للعيش الكريم.
  • وقف التصعيد الإعلامي بين الأطراف المتنازعة.
  • إطلاق سراح جميع الأسرى والمعتقلين.
  1. مناشدة كافة الأطراف الإقليمية والدولية للامتناع عن أي فعل يطيل أمد النزاع، بما في ذلك فرض حظر شامل على توريد السلاح لكافة أطراف النزاع، وضمان تجفيف موارد تمويل الحرب.
  2. الدعوة لمؤتمر للمانحين الدوليين لسد فجوة تمويل الاحتياجات الإنسانية التي حددتها خطة الاستجابة الأممية.
  3. إطلاق عملية سلام شاملة ذات مصداقية، يقودها السودانيون، تهدف إلى إيجاد حل سياسي يخاطب جذور الأزمة، عبر ثلاث مسارات متزامنة ومتكاملة تشمل:
  • المسار الإنساني: إيصال المساعدات وحماية المدنيين.
  • مسار وقف إطلاق النار: الاتفاق على وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية الدائمة تبنى على اتفاق جده.
  • المسار السياسي: إطلاق حوار وطني يخاطب جذور الأزمة ويرسي سلاماً مستداماً في البلاد.

ثانياً: النتائج المرجوة من العملية السلمية:

نعمل أن تفضي هذه العملية إلى:

  • وقف دائم لإطلاق النار واتفاق سلام شامل.
  • ترتيبات دستورية انتقالية تنهض على توافق عريض واستعادة مسار ثورة ديسمبر في الانتقال المدني الديمقراطي.
  • إعادة بناء وتأسيس منظومة أمنية وعسكرية موحدة، مهنية، وقومية، بعيدة عن السياسة والاقتصاد.
  • إرساء عملية عدالة وعدالة انتقالية تحاسب على الانتهاكات وتحقق الإنصاف للضحايا.
  • تشكيل سلطة مدنية انتقالية ذات صلاحيات كاملة، تقود البلاد حتى الانتخابات.
  • تصفية آثار الحرب وإعادة إعمار السودان.

الشعب السوداني العظيم
الأصدقاء في الأسرة الإقليمية والدولية

استشعاراً للمخاطر المحدقة التي يمر بها السودان ولتحقيق هذه الرؤية والمقترحات التي طرحناها أعلاه، سوف نبدأ منذ اليوم عملاً دؤوباً وجاداً، بالآتي:

  1. التواصل مع الأطراف السودانية العسكرية والمدنية لمناقشة هذا النداء وما طرح فيه من أفكار.
  2. التواصل مع القوى الإقليمية والدولية لحشد الدعم لتنفيذ هذه الخطوات.
  3. طرح رؤية تفصيلية حول أسس إنهاء الحروب وتحقيق السلام المستدام وتأسيس الدولة السودانية على أسس ديمقراطية.
  4. السعي لتحقيق توافق واسع حول أسس ومبادئ إنهاء الحرب، عبر مائدة مستديرة/حوار سوداني-سوداني يشمل أوسع قطاع ممكن من القوى الراغبة في إنهاء الحرب، تنظم هذه العملية عبر لجنة تحضيرية من الأطراف السودانية الرئيسية، تضمن مشاركة كافة الأطراف ما عدا المؤتمر الوطني وواجهاته. هذه العملية يجب أن تكون امتدادًا لثورة ديسمبر المجيدة، وألا تؤدي إلى إعادة تمكين النظام السابق الذي رفضه الشعب السوداني عبر ثورته.
  5. تشكيل فريق عمل من الخبراء والمختصين السودانيين لقيادة جهود تقييم الأضرار الجسيمة التي خلفتها الحرب، ووضع خطة عملية وواقعية لإعادة الإعمار والتعافي الوطني، مع استكشاف موارد وحلول مبتكرة تتيح الشروع الفعلي في تنفيذها.

أخيراً إن مسؤوليتنا التاريخية تحتم علينا جميعًا—مدنيين وعسكريين، قوى سياسية واجتماعية، فاعلين إقليميين ودوليين—العمل فورًا لإنهاء هذه الحرب الكارثية. شعبنا العظيم يستحق السلام، يستحق الحرية، ويستحق العدالة. وإنني أناشدكم جميعًا للعمل سوياً من أجل سلام السودان ووحدته وأمنه واستقراره ولأجل عزة مواطنيه وحريتهم وازدهارهم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

د. عبد الله حمدوك
رئيس الوزراء السابق
رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5493