9.9 C
New York
الأحد, أبريل 19, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 12

السودان من الثورة الي الدولةاستعادة الوطن المختطف

نجم الدين دريسة

إن إرادة الشعوب لا يمكن ان تقهر أو تهزم أو تختطف… فالثورات العظيمة والباذخة دوما تقود الشعوب الي الانتصارات الكبيرة وصياغة وكتابة تاريخ جديد يهزم الطغاة والمتسلطين شر هزيمة ويرصف ويؤبد الطريق نحو بناء وطن قائم علي الديمقراطية وحقوق الانسان والحكم .. مؤكد ان ما يحدث الآن هو مخاض عسير لولادة وطن ظل اسيرا لعصابات البطش وقلة قليلة من الانهازيين ظلوا يمارسون الهيمنة علي شعوب بأسرها بادوات السلطة المركزية الخانقة ومؤسساتها الباطشة بل ويتم توجيه سلاح الشعوب الي صدورها العارية وهي بالطبع اساليب الانظمة الاستبدادية القمعية التي احتكرت آليات وادوات العنف لتظل كل الشعوب رهائن لدي هذه العصابات العسكرية التي اختطفت الوطن وعمدت علي ترويع وتقسيم المجتمع بصورة قسرية ليتحول الوطن بأكلمه الي ضيعة خاصة في انتهاك صريح لكل المعاني والقيم النبيلة المتعلقة بالشعب بالوطن والثورة والتغيير .

تلك هي اساليب دنيئة تغتصب حقوق المواطن بترسانة من القوانين المستبدة لتحول الشعب الي موال أو طابور خامس ليس له مكان إلا ان يظل دوما تحت طائلة التجريم والاتهام هكذا ظلت عملية اختطاف الوطن والشعب منذ تخلق ونشوء ما يعرف بهتانا بالدولة الوطنية.

المنحي الذي اخذته ثورة ديسمبر بعد حرب أبريل هو هزة عنيفة جدا تقود بالضرورة لبناء وتأسيس الدولة التي تضمن الامن والسلام والاستقرار وبناء نظام راسخ قائم علي مفهوم المواطنة ودولة سيادة القانون فالحروب رغم قسوة تداعياتها وافرازاتها تقود في احيانا كثيرة الي صيغ جديدة من بناء الدول والأمم والشعوب هذا ما تعلمنا من التاريخ حتي أوربا شهدت حروب طاحنة افضت الي التداول السلمي للسلطة وحقوق الانسان والحكم الراشد فحققت نماذج متقدمة في الاستقرار والشفافية والمحاسبة وسيادة حكم القانون .

ما نواجهه الان من صراعات وحروبات بين شرعيات تآكلت بسبب فرض سياسات أحادية قائمة علي العنف وقوي لا زالت تظن ان لها الاحقية في الاستفراد بالحكم والاستمرار فيه لأن مصالحها ارتبطت به  تاريخيا فظنوا ان الارث الخاطئ الذي قامت عليه الدولة بكل تشوهاتها يجب ان يظل باقيا ولكنه وبالطبع لن يصمد أمام ثورة هادرة وهبة شعبية عارمة اتخذت اشكالا متعددة وادوات تغيير عنيفة جدا من المؤكد ستقود بالضرورة الي تغيير جذري يضع حدا للشطط والمغالاة والتطرف الذي لازم بناء الدولة.

الشعوب السودانية قادرة علي خلق وصناعة مشروع وتصور مدني خلاق يدير التنوع الاختلاف رغم التحديات الجسام التي خلفتها الدولة القديمة والواقع المزري القائم علي الانقسامات الإجتماعية الحادة وتعقيدات خطاب الكراهية والعنصرية في مخيلة العقل السوداني علاوة علي ما تختزنه الذاكرة السودانية من مغالطات تاريخية علاوة الهشاشة التي صاحبت البناء القومي فأحدثت تصدعات عميقة في جدران البناء القومي واهزازات في الوحدة الوطنية .. ولكن يظل التحدي الاساسي الشعوب السودانية هو التفكير خارج المألوف وتأسيس وطن علي اسس جديدة لاسيما وان كل المقومات متاحة والفرص اكبر واعظم من التحديات فقط علينا العمل علي هزيمة قوي الردة وهذا الموقف الذي تموضع فيه تحالف السودان التأسيسي.

تأسيس من أجل وطن يسع الجميع
16مارس 2025

تحالف السودان التأسيسي نهاية الأوليغارشية

بقلم نجم الدين دريسة
إن هذه الحرب رغم قسوتها وتداعياتها وشدة وطأتها علي الشعوب السودانية قاطبة لكنها قادت إلي سبر أغوار الأزمة السياسية التاريخية في السودان والتعاطي مع جذورها بشكل اكثر عمقا فالبرغم من نجاح ثورة ديسمبر المجيدة إلا أن ماكينزمات الدولة القديمة المركزية القابضة والعميقة عطلت عملية الإنتقال وواجه المشروع الوطني الخاص بتأسيس وبناء الدولة السودانية صعوبات وتعقيدات وتحديات علي رأسها ما يعرف بالجيش السوداني الموروث عن الاستعمار قبل ميلاد ما يعرف بالدولة السودانية بثلاثة عقود من الزمان والذي ظل عرضة للاختراق والاختطاف والارتهان للدولة المصرية وبالتالي كان مخلب قط للتدخل المصري السافر في الشأن الداخلي للسودان تتحكم في مصائره كيفما شاءت عبر الانقلابات العسكرية حتي لا ينعم السودان بالاستقلال الكامل.

سبعة عقود من الزمان وفكرة بناء وتأسيس الدولة بالمعنى الحديث لم تكتمل والمؤسف ان الذي حدث في السودان من حداثة بالطبع لم يرتبط البتة بالتطور الروحي والفكري والمفاهيمي للمجتمعات بل أحدث استلاب بسبب تزييف التاريخ وضعف واهتراء المناهج التي انتجت ما يعرف بالدولة الوطنية بعد الاستقلال هي دولة مأزومة بالدرجة القصوي مما نتج عنها الشخصية السودانية بتناقضاتها المختلفة وممارستها المنكفئة علي الاطر الضيقة القبلية والاثنية والطائفية الأمر الذي قاد الي غياب ما يعرف بالاندماج الوطني القومي مما يستدعي بالضرورة العمل علي إنتاج وعي قادر علي بعث مفهوم المواطنة والدولة القومية لا سيما وان فكرة بناء الدولة مرتبطة بالرؤي الأخلاقية والقانونية حتي لا تنتشر الفوضي وتعم الانتهاكات لحقوق الإنسان الاساسية الشئ الذي يخلق نتائج خطيرة علي رأسها خطاب الكراهية والعنصرية والانقسام الاجتماعي وهي كلها مهددات للوحدة الوطنية.

المؤسف ان معظم المؤسسات التي انتجتها دولة ما بعد الاستقلال (الأحزاب والتنظيمات السياسية والخدمة المدنية والقوات النظامية والجامعات ..الخ) ليست ذات تأثير علي المجتمع وبالتالي فشلت في إحداث اي تغيير في الواقع السوداني بل صارت تتمتع بامتيازات دون أن تقدم ما يفيد الدولة وبالتالي صارت هي نفسها أزمة صاحبت تعثر تأسيس الدولة والمضحك انه بالرغم الفشل الذريع لهذه المجموعات المرتبطة بالدولة ظل يطلق عليها لقب (نخب) وهي في حقيقتها أدمنت الفساد وجرت البلاد الي دوامة من العنف وظلت علي الدوام تحني ظهرها للدولة المصرية وكانت عالة علي مقدرات وموارد وثروات الوطن .. علي حساب بناء وتمكين المجتمع توظيف الموارد والاستغلال الامثل لها علاوة علي المنازعات التي صاحبت التجربة الدستورية والتي اضاعت حقوق الوطن والمواطن.

من براثن هذا الواقع البائس لسودان ما بعد الاستقلال تخلق ونشأ تحالف السودان التأسيسي كأول تكتل وطني يضع أسس لبناء دولة سودانية تقوم علي أسس جديدة وعادلة ومستدامة ويحمل في طياته التنوع والاختلاف الذي يمثل  أطياف عريضة من الشعوب السودانية بخلفياتهم الفكرية والسياسية وانتماءاتهم الجغرافية والاجتماعية والفئوية علاوة علي القوي الناهضة والحديثة يمثلوا أصحاب المصلحة الحقيقيين اتفقوا علي وثيقة تأسيسية ودستور انتقالي خاطب جذور الأزمة السياسية في السودان وقدم اطروحات واقعية تلامس قضايا وهموم الشعب السوداني وبالطبع هذا التحالف يمثل الكتلة الحرجة لانها قائمة علي حوامل إجتماعية وسياسية ومرتكزات فكرية قادرة علي إحداث تغيير جوهري في بنية الدولة السودانية وتأسيس منصة صلبة للانعتاق من تشوهات الماضي وارتياد آفاق مستقبل تسوده قيم الانسنة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والكرامة والعيش الكريم وسيكون الثاني والعشرين من ٢٠٢٥م تاريخ ميلاد وتأسيس دولة سودانية ديمقراطية فدرالية علمانية قائمة علي المواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستورية وحق للسودانيين الاحرار ان يحتفوا بيوم التأسيس الذي غادروا فيه الصورة الزائفة والقمع التاريخي وإنهاء عقود من الظلم الممنهج.

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(13 – 20)

“لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

تلوُّن النظام الإخواني

لقد أجبرت الضغوط الشديدة التي واجهها نظام الترابي/البشير في السودان، منذ بداية التسعينات، على التلون وإلى اكتساب مهاراتٍ للبقاء جعلته يمسك بالسلطة، حتى الآن، لستةٍ وثلاثين عاما. هذه الحقيقة ينبغي، في تقديري المتواضع، أن تكون حاضرةً في ذهن القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في محاولة إيجاد نهاية للحرب البشعة الجارية الآن في السودان. كما ينبغي، أيضا، أن تكون حاضرةً في ذهن النظام المصري، الذي اتخذ من بقايا النظام الإخواني حليفًا له. وما من شك أن الأطماع التاريخية في السودان أعمت النظام المصري من أن يرى بوضوحٍ كافٍ خطورة بقايا هذا النظام الإخواني السوداني المتَّسم بالتلوُّن والمكر والغدر. ولا أدرى إلى أي مدىً سوف تصطحب القوى الدولية والإقليمية في تقديراتها هذه الطبيعة المراوغة الماكرة لهذا النظام الإخواني الكليبتوقراطي، وإلى أي مدى سيتذكر النظام المصري، الذي يحاول حاليًا احتكار ملف الأزمة السودانية، تجاربه المريرة مع نظام الترابي/البشير. فهل يا ترى نسي النظام المصري الصراعات الدموية بين الدولة المصرية وتنظيم الإخوان المسلمين وتفرعاته، منذ اغتيال بطرس غالي باشا، وأحمد ماهر باشا، وأحمد الخازندار، ومحمود فهمي النقراشي، ومحمد حسين الذهبي، ويوسف السباعي، وأنور السادات، ورفعت المحجوب، وفرج فودة؟ هذا، إلى جانب العديد من محاولات الاغتيال الفاشلة. ومن الهجمات الإرهابية على كنائس المواطنين من الطائفة المسيحية القبطية، والهجمات الإرهابية على أوتوبيسات السياح الأجانب .

لقد استضاف نظام الترابي/البشير، في فترة التسعينات من القرن الماضي، عتاة الإرهابيين الدوليين من عيار أسامة بن لادن والثعلب كارلوس. كما قام بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. إلى جانب ذلك، فتح النظام الباب للمتطرفين الإسلاميين من جميع إنحاء العالم، لدخول السودان، ومنحهم جوازات سفر سودانية. كما كان له دورٌ في التفجير الأول في برج التجارة الدولية في نيويورك، وفي تفجيرات السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا، وفي حادثة تفجير المدمرة كول على سواحل اليمن. ومنذ بداية التسعينات، ناصب هذ النظام الإخواني دول الخليج العربية العداء وفتح أبواقه الإعلامية ضدها ودعا إلى الإطاحة بها. وحين غزا صدام حسين الكويت وقف مع الغازي المعتدي، فجرى تصنيفه حينها ضمن ما سُميت “دول الضد”. كل تلك الأمور وضعت النظام الإخواني السوداني في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وجرى توقيع عقوباتٍ قاسيةٍ عليه. المؤسف أن النظام المصري استثمر في تلك العقوبات فقام بتأييدها، بغرض تعطيل السودان عن النهوض حتى يبقى تحت الهيمنة المصرية المستدامة. ولهذا السبب كَرِهَ النظام المصري حكومة الدكتور حمدوك وعمل على إبعادها من السلطة لأنها نجحت في إخراج السودان من أسر العقوبات، كما أعلنت أنها ستوقف تصدير السودان مواده الخام السودانية قبل أن تجري معالجتها لإضفاء القيمة المضافة عليها.

تمكن النظام الإخواني في السودان من إرخاء القبضة الاقتصادية الخانقة عليه، بالاتجاه إلى كندا، حيث دخلت شركة تاليسمان الكندية إلى السودان. لكنها، سرعان ما باعت أسهمها إلى أحد فروع شركة أويل آند ناتشورال قاس كوربوريشن الهندية، مقابل 720 مليون دولارًا أمريكيا. ويبدو أن ذلك حدث نتيجة لضغوطٍ من الحكومة الكندية، التي رأت أن عائدات النفط في السودان تذهب لإزكاء الحرب. (راجع: موقع قناة CBC على الرابط: https://shorturl.at/r8kmR). عقب ذلك، دخلت، كلٌّ من الصين وماليزيا في صناعة البترول السودانية لينجح النظام الإخواني، رغم المقاطعات، في استخراج البترول، الذي طالما تعثر استخراجه. في نهاية عقد التسعينات أطاح عمر البشير بالدكتور حسن الترابي صاحب فكرة الانقلاب الذي أتى بالبشير إلى السلطة. غير أن النظام الإخواني لم يغيِّر جلده، إذ استمر في حربه الدينية الجهادية في جنوب السودان. بل، وأضاف إليها حربًا أخرى في دارفور اتسمت بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية. كما قوَّى النظام صلته بإيران بل وأصبح وسيطًا لإرسال الأسلحة الإيرانية إلى منظمة حماس في غزة عبر بدو صحراء سيناء، الأمر الذي جرَّ إسرائيل إلى تنفيذ غارتين جويتين داخل السودان.

التعاون مع سي آي آيه

تحت وطأة الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية أخذ النظام الإخواني يخطب ود الغرب مقدمًا استعداده لتقديم ملفات الإرهابيين الذين سبق أن استقطبهم وتعاون معهم. فأرسلت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) طائرةً خاصةً إلى مدير الاستخبارات السودانية، صلاح قوش، لكي يأخذ معه كل ملفات الإرهابيين الذين تعامل معهم نظامه. وقد كانت تلك محاولةً من النظام للخروج من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ومن ثم، رفع العقوبات عنه. قدم صلاح قوش ما طلب منه في خيانةٍ قبيحةٍ لجميع من سبق أن استقطبهم واستخدمهم من الإرهابيين. غير أن المخابرات الأمريكية استحلبت منه كل ما تريد، ولم يحصل منها على شيء نظير ما قدمه لها. وقد كشف موقع ويكيليكس عن محضر لقاءٍ جرى بين وفد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية واللجنة الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأميركي، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح عبد الله قوش. وقد أشارت البرقية رقم 09KHARTOUM698، المرسلة من السفارة الأميركية في الخرطوم لرئاستها في واشنطن بتاريخ 28/5/2009م، إلى أن صلاح قوش أعرب عن خيبة أمله لدي لقائه بالسناتور الجمهوري من ولاية جورجيا، جوني آزياكسون، والسناتور الجمهوري من ولاية تينسي، بوب كريكر. وبحسب البرقية، أرجع قوش خيبة أمله إلى أنه تعاون مع وكالة المخابرات الأميركية (CIA)، طيلة التسع سنوات الماضيه، قائلاً إن هذا التعاون لم يثمر في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأردف قائلاً: “خلال التسعة سنوات الماضية نجحنا في إنقاذ حياة أعدادٍ كبيرةٍ من الأميركان في الإقليم وفي الشرق الأوسط، بسبب تعاوننا مع وكالة المخابرات الأميركية”. وأكد قوش للوفد الأميركي أن عليهم أن يدركوا أن السودان يدفع “ثمناً باهظاً”، بسبب تعاونه مع المخابرات الأميركية في مكافحة الإرهاب. وأنه شخصيًا يدفع ثمنًا لذلك التعاون. وقال إن أعضاء الحزب الحاكم، المؤتمر الوطني أصبحوا ينعتونه بعميل أميركا. والإسلاميون يسمونه “الكافر” جراء تعاونه مع الأمريكيين. ووصف قوش، وفقًا لتلك البرقية، السياسة الأميركية بقصر النظر، وأنها متأثرةٌ بأجندة مجموعات الضغط مثال، “إنقاذ دارفور”. (راجع: موقع ويكيليكس، على الرابط: https://shorturl.at/Y96R7). وفي أغسطس 2019 بلغ سوء معاملة أمريكا لصلاح قوش ورصفائه محمد عطا المولى وطه عثمان الحسين أن وقعت عليهم عقوبات تضمنت منعهم من دخول أمريكا. (راجع: صحيفة سودان تربيون على الرابط: https://shorturl.at/kHcGa).

الفريق، صلاح قوش المطلع بدقة على تعاون النظام الإخواني السوداني مع الجماعات الإرهابية والذي ذهب إلى أمريكا، كما ذكرنا، لكي يقدم لها المعلومات نظير أن ترفع أمريكا العقوبات عن النظام، هو الآن، كما سبق أن ذكرنا، ضيفٌ على مصر وجهاز مخابراتها. وكما سبق أن أشرنا أن هذا واحدًا من أبلغ الأدلة على هزال الدولة السودانية وعلى حالة الضعة والهوان التي أوصلها إليها النظام الإخواني. حيث أصبح لجوء رئيس جهاز المخابرات إلى دولةٍ جارةٍ لها مطامع في الهيمنة عليه وعلى موارده، أمرًا لا يرفع حاجب الدهشة. لقد استخدمت المخابرات المصرية الفريق صلاح قوش في كل المؤامرات التي أدت إلى انقلاب 25 أكتوبر 2023، الذي قوض الفترة الانتقالية وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك، وقفل الطريق أمام التحول الديمقراطي. كما استخدمت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة الفريق طه عثمان الحسين، في مرحلةٍ ما، لنفس الغرض.

مناورة طرد الإيرانيين

قبل ثلاثة أعوامٍ فقط من سقوط نظام المشير عمر البشير، خرج وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، بصورةٍ مفاجئةٍ، على قناة الجزيرة ليؤكد أن السودان قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية التدخلات الإيرانية في المنطقة على أسسٍ طائفية، وبسبب اعتداءاتها على سفارة وقنصلية السعودية في طهران. وفي وقتٍ سابقٍ لهذا التصريح، كانت وكالة الأنباء السعودية قد أوردت أن مدير عام مكاتب الرئيس السوداني عمر البشير، الفريق طه عثمان الحسين، أبلغ هاتفيًا، وبصورةٍ شخصية، ولي العهد السعودي أن الخرطوم قررت طرد السفير الإيراني، ومعه كامل البعثة الدبلوماسية. وأنها قامت إلى جانب ذلك باستدعاء السفير السوداني من إيران. وأكد طه لولي العهد السعودي إدانة السودان لتدخلات طهران في المنطقة، وإهمالها حماية السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران. كما أعرب عن وقوف السودان مع السعودية في مواجهة الإرهاب وتنفيذ كافة الإجراءات الرادعة له، ونسبت “الجزيرة نت” ذلك الخبر إلى وكالة الأنباء السعودية. (راجع: موقع “الجزيرة نت”، على الرابط: https://shorturl.at/jyxQT). وقد جرى طرد إيران من السودان، بعد فترةٍ طويلةٍ من التعاون، كان النظام السوداني قد سمح لها فيها بالدفع للمد الشيعي للتغلغل في السودان. فنشأت الحسينيات والمراكز الثفافية الإيرانية، وانتشرت المطبوعات الشيعية، وغير ذلك مما تفعله إيران عادةً في نشر نسختها من الإسلام السياسي في مختلف الدول. وقد تبع طرد الإيرانيين انخراط النظام السوداني بالجنود في ما سميت “معركة الحزم”، التي شنها التحالف الخليجي على الحوثيين في اليمن. الأمر الذي جعل النظام السوداني منخرطًا عسكريًّا في مواجهة إيران ممثلةً في الحوثيين في اليمن.

لكن، في أثناء هذه الحرب الدائرة الآن، أعاد النظام الإخواني السوداني، الذي يجلس على رأسه حاليًا الفريق عبد الفتاح البرهان محل الرئيس المخلوع عمر البشير، العلاقات الدبلوماسية مع إيران. وأخذت الأسلحة الإيرانية تتدفق على السودان، وعلى رأسها الطائرات المسيرة. (راجع: موقع “سكاي نيوز عربية على الرابط: https://tinyurl.com/3aynrmm5). الشاهد أن كل هذه التقلُّبات تجعل المرء يتساءل: من أين تأتي الثقة في هذا النظام لدى من يتحالفون معه؟ وعلى رأس هولاء في الوقت الراهن النظام المصري. لقد أعلنت مصر أنها خسرت 7 مليارات دولار بسبب اعتداءات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، الأمر الذي خفض حركة النقل عبر قناة السويس. وقد أصبح ميناء بورتسودان في فترة ما مزارًا للسفن الإيرانية، وهو أمرٌ يهدِّد أمن كلٍّ من مصر والسعودية. وتعلم مصر أن نظام الحركة الإسلامية السودانية، سواءً في فترة الرئيس المخلوع عمر البشير، أو الفريق عبد الفتاح البرهان الذي فرض نفسه على السوانيين بالقوة، لا ينفك يدور في الفلك الإيراني.

رغم كل ما سبق ذكره، راهنت مصر على الفريق عبد الفتاح البرهان، فقط لأنها وجدت فيه من الخضوع والانبطاح ما لم تجده في حاكمٍ عسكريٍّ سودانيٍّ قبله، متجاهلةً كل مخاطر الاعتماد على شخصٍ طبيعته الأصلية المكر والغدر وتقلُّب المواقف وتناقضاتها. فالرجل قد عاش لعقودٍ ضمن بنية نظامٍ طبعه التقلُّب والمكر والغدر فانطبع بطابعه، وليس له من ذلك فكاكٌ قط. وينطبق هذا على السعوديين الذين لا ينفكون يتعرضون للدغات النظام الإخواني في السودان، كل حينٍ وآخر. ومن الغريب أن قناة “العربية الحدث” التي تمولها السعودية يسيطر على مكتبها في الخرطوم المنتمون إلى حزب الرئيس المخلوع عمر البشير، المؤتمر الوطني، والتي ما انفكت توظف تقاريرها غير المهنية المرسلة إلى القناة لخدمة أجندة النظام الإخواني في السودان، ثم لا تجد استغرابًا أو مساءلةً من رئاسة القناة. بل، يبدو أنها تجد منها المباركة والتشجيع. باختصارٍ شديد، هذا النظام الذي ترأسه الرئيس المخلوع عمر البشير لثلاثين عامًا وورثه منه الفريق عبد الفتاح البرهان نظامٌ ذئبيٌّ ثعبانيٌّ لا تتغير طبيعته أبدًا، ولسوف يقوم بلدغ حليفه، طال الزمن أم قصر. ولسوف يلدغ الفريق البرهان كلَّا من مصر والسعودية، إن هما سارتا معه بنفس الصورة الجارية معه اليوم. باختصارٍ شديدٍ، من تلوث بدنس الإخوان المسلمين، لن يستطيع تطهير نفسه حتى تواريه ظلمة القبر.

تقسيم السودان في صالح مصر

منذ أن قبلت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بانفصال الجنوب، بعد خمسة عشر سنة من الحرب مع حركة العقيد جون قرنق، طرح القيادي الإسلاموي، ووزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي في عام 2005، فكرة تقسيم السودان. وهي الخطة التي أخذ السودانيون يشيرون إليها بـ “مثلث حمدي”. أحسَّت ما تسمى “الحركة الإسلامية” أن عددًا من أقاليم السودان تقف بطبيعتها الثقافية عاملاً معيقًا لإنشاء “دولة إسلامية” تهيمن فيها الثقافة العربية وحدها. فالتنوع العرقي والديني والثقافي هو في نظرهم ما يجعل البلاد غير مستقرة بصورةٍ تمكنهم من أقامة النموذج “الإسلامي” الذي يودونه. لذلك، جاءت فكرة “مثلث حمدي” التي اقترح فيها الوزير الأسبق عبد الرحيم حمدي، فصل عددٍ من أجزاء السودان، تشمل جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، ودارفور. وذلك لكي تقوم دولةٌ “إسلاميةٌ” في المثلث الجغرافي المنحصر بين دُنقلا وسِنَّار والأُبَيِّض. وقد برر حمدي الفكرة بعدم الانسجام الثقافي لتلك الأقاليم مع المثلث الذي يرى أنه متجانس ثقافيا. ويرى حمدي، أيضا، أن هذه الأقاليم التي ينبغي التخلص منها تعيق الاستثمار ويصعب مع وجودها حدوث أي تنميةٍ مستدامةٍ، لكونها تتسبب في دوام القلاقل وعدم الاستقرار. وقد نفى حمدي في لقاء صحفي هذه المزاعم، لكن ما جرى في الواقع منذ انفصال الجنوب، وما يجري الآن لا يزال يؤكد هذا المنحى.

فصل الجنوب وغيره من الأقاليم

بعد اتفاقية نيفاشا في عام 2005 ودخول الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق شريكًا في الحكم لفترة السنوات الخمس السابقة لاستفتاء تقرير المصير الذي نصت عليه الاتفاقية، عمل نظام عمر البشير بكل سبيلٍ ممكنٍ ليجعل خيار الوحدة بالنسبة للجنوبيين في الاستفتاء القادم خيارًا غير جاذب. وبالفعل، جرى الاستفتاء في نهاية فترة شراكة الحكم بين الطرفين، واختار الجنوبيون بنسبة بلغت 99%، الانفصال عن جمهورية السودان. وقد قام خال الرئيس عمر البشير، المرحوم الطيب مصطفى، مالك صحيفة “الصيحة”، ذات الخط التحريري المتطرف، بذبح ثورٍ أسود احتفاءً بانفصال الجنوب. وأيضًا، ما أن اختار الجنوبيون الانفصال، قال الرئيس المخلوع عمر البشير: إن حقبة تطبيق الشريعة الإسلامية “المدغمسة”، أي الملتبسة وغير الواضحة والصريحة، قد ولَّت وحانت الفرصة لحكومته لتطبيق الشريعة الإسلامية الصريحة. كل ذلك يؤكد أن ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية لا تمانع قط من تقليص مساحة السودان لإقامة ما يعتقدون خطأ أنه كيانٌ متجانسٌ ثقافيًا يمكن أن يقوم فيه نموذج مستقر للدولة “الإسلامية” النموذجية، المتوهمة، التي طالما حلمت بها قوى الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلامي.

هذا التصور الإخواني المتمثل في تقليص السودان يصب في النظام المصري لكونه يمكنه من الهيمنة على الجزء الشمالي من السودان، الذي سوف يصبح من جراء الانقسامات، أضعف من أن يحمي نفسه. ولن يجد سندًا إلا من مصر التي ستقايضه الحماية بالخضوع الكامل لها. وقد أوضحت الفترة التي سيطر فيها الفريق البرهان على مقاليد الأمور في السودان منذ انقلابه على حكومة حمدوك الشرعية في 25 أكتوبر 2021، هذا المنحى. أيضًا، أخذ هذا التصور صيغةً جديدةً، أبدلت المرتكز من الإسلام إلى العنصر. وهي النعرة الجديدة المسماة “دولة النهر والبحر”، التي يدعو لها عبد الرحمن عمسيب. والغريب أن قوى الثورة التي لم توافق على ميثاق نيروبي التأسيسي وعلى تشكيل حكومة في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع، أخذت تقول إن ميثاق نيروبي التأسيسي وما يتبعه من إعلان حكومة سيقود إلى تقسيم السودان. وفات على هؤلاء أن خطة تقسيم السودان معتمدةٌ أصلاً لدى الحركة الإسلامية منذ عقود، وأن تنفيذها يجري على مراحل وفقًا لمسارات الأمور على أرض الواقع. وعقب هذه الحرب التي يتعذر فيها الحسم العسكري، فإن خيار الانفصالات لدى الإسلامويين سوف يصبح، من الناحية العملية، هو الخيار المُحبَّذ والمُرجَّح لديهم. ولسوف يسقط شمال السودان، من تلقاء نفسه كالثمرة الناضجة، في الفك المصري الفاغر، المتلهف لالتهامه منذ فجر التاريخ.

(يتواصل)على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(13 – 20)

“لن يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لم تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

تلوُّن النظام الإخواني

لقد أجبرت الضغوط الشديدة التي واجهها نظام الترابي/البشير في السودان، منذ بداية التسعينات، على التلون وإلى اكتساب مهاراتٍ للبقاء جعلته يمسك بالسلطة، حتى الآن، لستةٍ وثلاثين عاما. هذه الحقيقة ينبغي، في تقديري المتواضع، أن تكون حاضرةً في ذهن القوى الدولية والإقليمية المنخرطة في محاولة إيجاد نهاية للحرب البشعة الجارية الآن في السودان. كما ينبغي، أيضا، أن تكون حاضرةً في ذهن النظام المصري، الذي اتخذ من بقايا النظام الإخواني حليفًا له. وما من شك أن الأطماع التاريخية في السودان أعمت النظام المصري من أن يرى بوضوحٍ كافٍ خطورة بقايا هذا النظام الإخواني السوداني المتَّسم بالتلوُّن والمكر والغدر. ولا أدرى إلى أي مدىً سوف تصطحب القوى الدولية والإقليمية في تقديراتها هذه الطبيعة المراوغة الماكرة لهذا النظام الإخواني الكليبتوقراطي، وإلى أي مدى سيتذكر النظام المصري، الذي يحاول حاليًا احتكار ملف الأزمة السودانية، تجاربه المريرة مع نظام الترابي/البشير. فهل يا ترى نسي النظام المصري الصراعات الدموية بين الدولة المصرية وتنظيم الإخوان المسلمين وتفرعاته، منذ اغتيال بطرس غالي باشا، وأحمد ماهر باشا، وأحمد الخازندار، ومحمود فهمي النقراشي، ومحمد حسين الذهبي، ويوسف السباعي، وأنور السادات، ورفعت المحجوب، وفرج فودة؟ هذا، إلى جانب العديد من محاولات الاغتيال الفاشلة. ومن الهجمات الإرهابية على كنائس المواطنين من الطائفة المسيحية القبطية، والهجمات الإرهابية على أوتوبيسات السياح الأجانب .

لقد استضاف نظام الترابي/البشير، في فترة التسعينات من القرن الماضي، عتاة الإرهابيين الدوليين من عيار أسامة بن لادن والثعلب كارلوس. كما قام بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. إلى جانب ذلك، فتح النظام الباب للمتطرفين الإسلاميين من جميع إنحاء العالم، لدخول السودان، ومنحهم جوازات سفر سودانية. كما كان له دورٌ في التفجير الأول في برج التجارة الدولية في نيويورك، وفي تفجيرات السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا، وفي حادثة تفجير المدمرة كول على سواحل اليمن. ومنذ بداية التسعينات، ناصب هذ النظام الإخواني دول الخليج العربية العداء وفتح أبواقه الإعلامية ضدها ودعا إلى الإطاحة بها. وحين غزا صدام حسين الكويت وقف مع الغازي المعتدي، فجرى تصنيفه حينها ضمن ما سُميت “دول الضد”. كل تلك الأمور وضعت النظام الإخواني السوداني في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وجرى توقيع عقوباتٍ قاسيةٍ عليه. المؤسف أن النظام المصري استثمر في تلك العقوبات فقام بتأييدها، بغرض تعطيل السودان عن النهوض حتى يبقى تحت الهيمنة المصرية المستدامة. ولهذا السبب كَرِهَ النظام المصري حكومة الدكتور حمدوك وعمل على إبعادها من السلطة لأنها نجحت في إخراج السودان من أسر العقوبات، كما أعلنت أنها ستوقف تصدير السودان مواده الخام السودانية قبل أن تجري معالجتها لإضفاء القيمة المضافة عليها.

تمكن النظام الإخواني في السودان من إرخاء القبضة الاقتصادية الخانقة عليه، بالاتجاه إلى كندا، حيث دخلت شركة تاليسمان الكندية إلى السودان. لكنها، سرعان ما باعت أسهمها إلى أحد فروع شركة أويل آند ناتشورال قاس كوربوريشن الهندية، مقابل 720 مليون دولارًا أمريكيا. ويبدو أن ذلك حدث نتيجة لضغوطٍ من الحكومة الكندية، التي رأت أن عائدات النفط في السودان تذهب لإزكاء الحرب. (راجع: موقع قناة CBC على الرابط: https://shorturl.at/r8kmR). عقب ذلك، دخلت، كلٌّ من الصين وماليزيا في صناعة البترول السودانية لينجح النظام الإخواني، رغم المقاطعات، في استخراج البترول، الذي طالما تعثر استخراجه. في نهاية عقد التسعينات أطاح عمر البشير بالدكتور حسن الترابي صاحب فكرة الانقلاب الذي أتى بالبشير إلى السلطة. غير أن النظام الإخواني لم يغيِّر جلده، إذ استمر في حربه الدينية الجهادية في جنوب السودان. بل، وأضاف إليها حربًا أخرى في دارفور اتسمت بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية. كما قوَّى النظام صلته بإيران بل وأصبح وسيطًا لإرسال الأسلحة الإيرانية إلى منظمة حماس في غزة عبر بدو صحراء سيناء، الأمر الذي جرَّ إسرائيل إلى تنفيذ غارتين جويتين داخل السودان.

التعاون مع سي آي آيه

تحت وطأة الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية أخذ النظام الإخواني يخطب ود الغرب مقدمًا استعداده لتقديم ملفات الإرهابيين الذين سبق أن استقطبهم وتعاون معهم. فأرسلت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) طائرةً خاصةً إلى مدير الاستخبارات السودانية، صلاح قوش، لكي يأخذ معه كل ملفات الإرهابيين الذين تعامل معهم نظامه. وقد كانت تلك محاولةً من النظام للخروج من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ومن ثم، رفع العقوبات عنه. قدم صلاح قوش ما طلب منه في خيانةٍ قبيحةٍ لجميع من سبق أن استقطبهم واستخدمهم من الإرهابيين. غير أن المخابرات الأمريكية استحلبت منه كل ما تريد، ولم يحصل منها على شيء نظير ما قدمه لها. وقد كشف موقع ويكيليكس عن محضر لقاءٍ جرى بين وفد من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية واللجنة الفرعية لأفريقيا في مجلس الشيوخ الأميركي، ورئيس جهاز الأمن والمخابرات السوداني السابق صلاح عبد الله قوش. وقد أشارت البرقية رقم 09KHARTOUM698، المرسلة من السفارة الأميركية في الخرطوم لرئاستها في واشنطن بتاريخ 28/5/2009م، إلى أن صلاح قوش أعرب عن خيبة أمله لدي لقائه بالسناتور الجمهوري من ولاية جورجيا، جوني آزياكسون، والسناتور الجمهوري من ولاية تينسي، بوب كريكر. وبحسب البرقية، أرجع قوش خيبة أمله إلى أنه تعاون مع وكالة المخابرات الأميركية (CIA)، طيلة التسع سنوات الماضيه، قائلاً إن هذا التعاون لم يثمر في رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وأردف قائلاً: “خلال التسعة سنوات الماضية نجحنا في إنقاذ حياة أعدادٍ كبيرةٍ من الأميركان في الإقليم وفي الشرق الأوسط، بسبب تعاوننا مع وكالة المخابرات الأميركية”. وأكد قوش للوفد الأميركي أن عليهم أن يدركوا أن السودان يدفع “ثمناً باهظاً”، بسبب تعاونه مع المخابرات الأميركية في مكافحة الإرهاب. وأنه شخصيًا يدفع ثمنًا لذلك التعاون. وقال إن أعضاء الحزب الحاكم، المؤتمر الوطني أصبحوا ينعتونه بعميل أميركا. والإسلاميون يسمونه “الكافر” جراء تعاونه مع الأمريكيين. ووصف قوش، وفقًا لتلك البرقية، السياسة الأميركية بقصر النظر، وأنها متأثرةٌ بأجندة مجموعات الضغط مثال، “إنقاذ دارفور”. (راجع: موقع ويكيليكس، على الرابط: https://shorturl.at/Y96R7). وفي أغسطس 2019 بلغ سوء معاملة أمريكا لصلاح قوش ورصفائه محمد عطا المولى وطه عثمان الحسين أن وقعت عليهم عقوبات تضمنت منعهم من دخول أمريكا. (راجع: صحيفة سودان تربيون على الرابط: https://shorturl.at/kHcGa).

الفريق، صلاح قوش المطلع بدقة على تعاون النظام الإخواني السوداني مع الجماعات الإرهابية والذي ذهب إلى أمريكا، كما ذكرنا، لكي يقدم لها المعلومات نظير أن ترفع أمريكا العقوبات عن النظام، هو الآن، كما سبق أن ذكرنا، ضيفٌ على مصر وجهاز مخابراتها. وكما سبق أن أشرنا أن هذا واحدًا من أبلغ الأدلة على هزال الدولة السودانية وعلى حالة الضعة والهوان التي أوصلها إليها النظام الإخواني. حيث أصبح لجوء رئيس جهاز المخابرات إلى دولةٍ جارةٍ لها مطامع في الهيمنة عليه وعلى موارده، أمرًا لا يرفع حاجب الدهشة. لقد استخدمت المخابرات المصرية الفريق صلاح قوش في كل المؤامرات التي أدت إلى انقلاب 25 أكتوبر 2023، الذي قوض الفترة الانتقالية وأطاح بحكومة عبد الله حمدوك، وقفل الطريق أمام التحول الديمقراطي. كما استخدمت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة الفريق طه عثمان الحسين، في مرحلةٍ ما، لنفس الغرض.

مناورة طرد الإيرانيين

قبل ثلاثة أعوامٍ فقط من سقوط نظام المشير عمر البشير، خرج وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، بصورةٍ مفاجئةٍ، على قناة الجزيرة ليؤكد أن السودان قد قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران على خلفية التدخلات الإيرانية في المنطقة على أسسٍ طائفية، وبسبب اعتداءاتها على سفارة وقنصلية السعودية في طهران. وفي وقتٍ سابقٍ لهذا التصريح، كانت وكالة الأنباء السعودية قد أوردت أن مدير عام مكاتب الرئيس السوداني عمر البشير، الفريق طه عثمان الحسين، أبلغ هاتفيًا، وبصورةٍ شخصية، ولي العهد السعودي أن الخرطوم قررت طرد السفير الإيراني، ومعه كامل البعثة الدبلوماسية. وأنها قامت إلى جانب ذلك باستدعاء السفير السوداني من إيران. وأكد طه لولي العهد السعودي إدانة السودان لتدخلات طهران في المنطقة، وإهمالها حماية السفارة والقنصلية السعوديتين في إيران. كما أعرب عن وقوف السودان مع السعودية في مواجهة الإرهاب وتنفيذ كافة الإجراءات الرادعة له، ونسبت “الجزيرة نت” ذلك الخبر إلى وكالة الأنباء السعودية. (راجع: موقع “الجزيرة نت”، على الرابط: https://shorturl.at/jyxQT). وقد جرى طرد إيران من السودان، بعد فترةٍ طويلةٍ من التعاون، كان النظام السوداني قد سمح لها فيها بالدفع للمد الشيعي للتغلغل في السودان. فنشأت الحسينيات والمراكز الثفافية الإيرانية، وانتشرت المطبوعات الشيعية، وغير ذلك مما تفعله إيران عادةً في نشر نسختها من الإسلام السياسي في مختلف الدول. وقد تبع طرد الإيرانيين انخراط النظام السوداني بالجنود في ما سميت “معركة الحزم”، التي شنها التحالف الخليجي على الحوثيين في اليمن. الأمر الذي جعل النظام السوداني منخرطًا عسكريًّا في مواجهة إيران ممثلةً في الحوثيين في اليمن.

لكن، في أثناء هذه الحرب الدائرة الآن، أعاد النظام الإخواني السوداني، الذي يجلس على رأسه حاليًا الفريق عبد الفتاح البرهان محل الرئيس المخلوع عمر البشير، العلاقات الدبلوماسية مع إيران. وأخذت الأسلحة الإيرانية تتدفق على السودان، وعلى رأسها الطائرات المسيرة. (راجع: موقع “سكاي نيوز عربية على الرابط: https://tinyurl.com/3aynrmm5). الشاهد أن كل هذه التقلُّبات تجعل المرء يتساءل: من أين تأتي الثقة في هذا النظام لدى من يتحالفون معه؟ وعلى رأس هولاء في الوقت الراهن النظام المصري. لقد أعلنت مصر أنها خسرت 7 مليارات دولار بسبب اعتداءات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، الأمر الذي خفض حركة النقل عبر قناة السويس. وقد أصبح ميناء بورتسودان في فترة ما مزارًا للسفن الإيرانية، وهو أمرٌ يهدِّد أمن كلٍّ من مصر والسعودية. وتعلم مصر أن نظام الحركة الإسلامية السودانية، سواءً في فترة الرئيس المخلوع عمر البشير، أو الفريق عبد الفتاح البرهان الذي فرض نفسه على السوانيين بالقوة، لا ينفك يدور في الفلك الإيراني.

رغم كل ما سبق ذكره، راهنت مصر على الفريق عبد الفتاح البرهان، فقط لأنها وجدت فيه من الخضوع والانبطاح ما لم تجده في حاكمٍ عسكريٍّ سودانيٍّ قبله، متجاهلةً كل مخاطر الاعتماد على شخصٍ طبيعته الأصلية المكر والغدر وتقلُّب المواقف وتناقضاتها. فالرجل قد عاش لعقودٍ ضمن بنية نظامٍ طبعه التقلُّب والمكر والغدر فانطبع بطابعه، وليس له من ذلك فكاكٌ قط. وينطبق هذا على السعوديين الذين لا ينفكون يتعرضون للدغات النظام الإخواني في السودان، كل حينٍ وآخر. ومن الغريب أن قناة “العربية الحدث” التي تمولها السعودية يسيطر على مكتبها في الخرطوم المنتمون إلى حزب الرئيس المخلوع عمر البشير، المؤتمر الوطني، والتي ما انفكت توظف تقاريرها غير المهنية المرسلة إلى القناة لخدمة أجندة النظام الإخواني في السودان، ثم لا تجد استغرابًا أو مساءلةً من رئاسة القناة. بل، يبدو أنها تجد منها المباركة والتشجيع. باختصارٍ شديد، هذا النظام الذي ترأسه الرئيس المخلوع عمر البشير لثلاثين عامًا وورثه منه الفريق عبد الفتاح البرهان نظامٌ ذئبيٌّ ثعبانيٌّ لا تتغير طبيعته أبدًا، ولسوف يقوم بلدغ حليفه، طال الزمن أم قصر. ولسوف يلدغ الفريق البرهان كلَّا من مصر والسعودية، إن هما سارتا معه بنفس الصورة الجارية معه اليوم. باختصارٍ شديدٍ، من تلوث بدنس الإخوان المسلمين، لن يستطيع تطهير نفسه حتى تواريه ظلمة القبر.

تقسيم السودان في صالح مصر

منذ أن قبلت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير بانفصال الجنوب، بعد خمسة عشر سنة من الحرب مع حركة العقيد جون قرنق، طرح القيادي الإسلاموي، ووزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي في عام 2005، فكرة تقسيم السودان. وهي الخطة التي أخذ السودانيون يشيرون إليها بـ “مثلث حمدي”. أحسَّت ما تسمى “الحركة الإسلامية” أن عددًا من أقاليم السودان تقف بطبيعتها الثقافية عاملاً معيقًا لإنشاء “دولة إسلامية” تهيمن فيها الثقافة العربية وحدها. فالتنوع العرقي والديني والثقافي هو في نظرهم ما يجعل البلاد غير مستقرة بصورةٍ تمكنهم من أقامة النموذج “الإسلامي” الذي يودونه. لذلك، جاءت فكرة “مثلث حمدي” التي اقترح فيها الوزير الأسبق عبد الرحيم حمدي، فصل عددٍ من أجزاء السودان، تشمل جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، ودارفور. وذلك لكي تقوم دولةٌ “إسلاميةٌ” في المثلث الجغرافي المنحصر بين دُنقلا وسِنَّار والأُبَيِّض. وقد برر حمدي الفكرة بعدم الانسجام الثقافي لتلك الأقاليم مع المثلث الذي يرى أنه متجانس ثقافيا. ويرى حمدي، أيضا، أن هذه الأقاليم التي ينبغي التخلص منها تعيق الاستثمار ويصعب مع وجودها حدوث أي تنميةٍ مستدامةٍ، لكونها تتسبب في دوام القلاقل وعدم الاستقرار. وقد نفى حمدي في لقاء صحفي هذه المزاعم، لكن ما جرى في الواقع منذ انفصال الجنوب، وما يجري الآن لا يزال يؤكد هذا المنحى.

فصل الجنوب وغيره من الأقاليم

بعد اتفاقية نيفاشا في عام 2005 ودخول الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق شريكًا في الحكم لفترة السنوات الخمس السابقة لاستفتاء تقرير المصير الذي نصت عليه الاتفاقية، عمل نظام عمر البشير بكل سبيلٍ ممكنٍ ليجعل خيار الوحدة بالنسبة للجنوبيين في الاستفتاء القادم خيارًا غير جاذب. وبالفعل، جرى الاستفتاء في نهاية فترة شراكة الحكم بين الطرفين، واختار الجنوبيون بنسبة بلغت 99%، الانفصال عن جمهورية السودان. وقد قام خال الرئيس عمر البشير، المرحوم الطيب مصطفى، مالك صحيفة “الصيحة”، ذات الخط التحريري المتطرف، بذبح ثورٍ أسود احتفاءً بانفصال الجنوب. وأيضًا، ما أن اختار الجنوبيون الانفصال، قال الرئيس المخلوع عمر البشير: إن حقبة تطبيق الشريعة الإسلامية “المدغمسة”، أي الملتبسة وغير الواضحة والصريحة، قد ولَّت وحانت الفرصة لحكومته لتطبيق الشريعة الإسلامية الصريحة. كل ذلك يؤكد أن ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية لا تمانع قط من تقليص مساحة السودان لإقامة ما يعتقدون خطأ أنه كيانٌ متجانسٌ ثقافيًا يمكن أن يقوم فيه نموذج مستقر للدولة “الإسلامية” النموذجية، المتوهمة، التي طالما حلمت بها قوى الإسلام السياسي في العالمين العربي والإسلاميهذا التصور الإخواني المتمثل في تقليص السودان يصب في النظام المصري لكونه يمكنه من الهيمنة على الجزء الشمالي من السودان، الذي سوف يصبح من جراء الانقسامات، أضعف من أن يحمي نفسه. ولن يجد سندًا إلا من مصر التي ستقايضه الحماية بالخضوع الكامل لها. وقد أوضحت الفترة التي سيطر فيها الفريق البرهان على مقاليد الأمور في السودان منذ انقلابه على حكومة حمدوك الشرعية في 25 أكتوبر 2021، هذا المنحى. أيضًا، أخذ هذا التصور صيغةً جديدةً، أبدلت المرتكز من الإسلام إلى العنصر. وهي النعرة الجديدة المسماة “دولة النهر والبحر”، التي يدعو لها عبد الرحمن عمسيب. والغريب أن قوى الثورة التي لم توافق على ميثاق نيروبي التأسيسي وعلى تشكيل حكومة في المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع، أخذت تقول إن ميثاق نيروبي التأسيسي وما يتبعه من إعلان حكومة سيقود إلى تقسيم السودان. وفات على هؤلاء أن خطة تقسيم السودان معتمدةٌ أصلاً لدى الحركة الإسلامية منذ عقود، وأن تنفيذها يجري على مراحل وفقًا لمسارات الأمور على أرض الواقع. وعقب هذه الحرب التي يتعذر فيها الحسم العسكري، فإن خيار الانفصالات لدى الإسلامويين سوف يصبح، من الناحية العملية، هو الخيار المُحبَّذ والمُرجَّح لديهم. ولسوف يسقط شمال السودان، من تلقاء نفسه كالثمرة الناضجة، في الفك المصري الفاغر، المتلهف لالتهامه منذ فجر التاريخ.

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية 12 – 20

لن يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

وجدت مصر ضالتها في البرهان

منذ الغزو المصري الخديوي للسودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر، لم تجد مصر حاكمًا سودانيًا أتاح لها نهب موارد السودان كما فعل الفريق عبد الفتاح البرهان. وسنأتي لاحقًا إلى ذكر ذلك بشيء من التفصيل. وعمومًا، إن نهب موارد السودان ظل منذ العصور الغابرة هو الهم الأكبر المسيطر على العقلية المصرية. وقد سبق أن ذكرت كيف أن للجغرافيا وفقر مصر من الموارد دورٌ في هذا الهوس المصري بالسودان وبموارده؛ من أراضٍ خصبةٍ شاسعةٍ، ومن مواردَ طبيعيةٍ ثرةٍ؛ نباتيةٍ وحيوانيةٍ ومعدنية. يُضاف إلى ما تقدَّم، أن السودان يمثل خطرًا على حصة مصر من مياه النيل، الأمر الذي يفرض على مصر التحكُّم في نموِّه بمختلف الطرق. وكما سلف القول، فإن الفريق البرهان منذ أن اعتلى قمة السلطة، رئيسًا لمجلس السيادة للفترة الانتقالية، كانت خطته ألا تكمل الفترة الانتفالية مدتها. وألا تجري انتخابات تقود إلى أن يتولى المدنيون زمام الحكم، وفقًا لنهج التبادل الديمقراطي السلمي للسلطة. وبالفعل، أطاح الفريق البرهان بالوثيقة الدستورية وبحكومة الفترة الانتقالية، بالانقلاب الذي نفذه في 25 أكتوبر 2021، التي ترأس وزارتها الدكتور عبد الله حمدوك. وقد انقلب الفريق البرهان على حكومة حمدوك، بعد أن وضع في سبيلها كل العراقيل الممكنة، كما سبق أن ذكرنا. خطة البرهان، وقد أثبتتها الأحداث التي ظلت تجري منذ وصوله إلى قمة هرم السلطة وإلى اليوم، هي أن يحكم منفردا. وهذا يجعله في مواجهة قوتين هما: قوى الثورة، من جهة، والإسلامويون من الجهة الأخرى.

للنجاح في هذه اللعبة الخطرة المركبة، اهتم الفريق البرهان، أولاً، بالحرب على قوى الثورة. وأصبح عليه أن يلعب على التناقض بين حليفيه المتمثلين في الإسلامويين، والنظام. فمن جهةٍ، وافق فتون البرهان وجنونه بالسلطة ما يريده النظام المصري وهو وجود جنرال على قمة السلطة في السودان يكون خاضعًا بالمطلق لإرادة المصرية. ومن الجهة الأخرى يحتاج البرهان العون الدبلوماسي والعسكري المصري، لكي يبقى في السلطة. ولكي يجد العون الدبلوماسي والعسكري المصري عليه أن يقدم شيئًا في مقابل ذلك، وهو فتح الباب على مصراعيه للنظام المصري، ولمجموعات المصالح الخاصة المصرية الملتفة حول النظام المصري، لنهب موارد السودان؛ بلا قيد أو شرط، وبأقل الأسعار، بل وبلا مقابل أحيانا. وكذلك، الخضوع الكامل لمصر فيما يتعلق برؤيتها حول مياه النيل. وأيضًا، أن يصبح مخلب قطٍّ لمصر في تسبيب القلاقل والمتاعب لإثيوبيا، ولغيرها من دول حوض النيل. وقد قام البرهان بكل أولئك كما أُرادت منه مصر، منذ أن أصبح رئيسًا لمجلس السيادة.

في فترة سيطرة البرهان على السلطة في السودان، ظلَّت مصر تشتري مختلف موارد السودان بالعملة السودانية المحلية. ولم نعرف أبدًا أن دولةً ما في العالم رضيت أن تبيع لدولةٍ أخرى مواردها بالعملة المحلية للبلد البائع. بل تردَّد كثيرًا أن العملة التي يشتري بها المصريون الموارد السودانية عملةٌ مزيفةٌ تجري طباعتها في القاهرة. وقد وردت في شهادات سودانيين مقيمين في القاهرة أن هناك من عرض عليهم حزمًا كبيرةً من الأوراقٍ النقدية السودانية، نظير مبالغ زهيدةٍ للغاية بالجنيه المصري. خلاصة القول، إن شراء موارد السودان بعملته المحلية، المُبرِّئة للذمة والمزيَّفة، يعني أن موارد السودان تذهب إلى مصر مجانا. أما فيما يخص ملف مياه النيل وتسبيب القلاقل لإثيوبيا فقد اصطف البرهان وراء مصر اصطفافًا كاملاً، بل ومنح مصر قاعدةً مروي الجوية في شمال السودان لتصبح منصةً عسكرية متقدمةً لتهديد الجارة إثيوبيا.

يعرف البرهان أن نظام السيسي قد سحق حركة الإخوان المسلمين في مصر، ونكَّل بهم شر تنكيل. وهو يعرف أن نظام السيسي يقف ضد الإخوان المسلمين حيثما كانوا، ولكنه استثنى إخوان السودان لخدمة هدف تكتيكي مرحلي، هو مساعدة الفريق البرهان للبقاء في السلطة حتى تثبت فيها قدماه، ثم يجري التخلص منهم عقب ذلك. أيضًا، يعرف الفريق البرهان أن مصر تعرف أنه عمل ضابطًا في الجيش السوداني في خدمة الحركة الإسلامية السودانية، وذراعهاالمؤتمر الوطني لعقود طويلة. ولذلك، لكي يجعل الفريق البرهان نظام السيسي ينخرط في دعمه سياسيًّا وعسكريًا بالطريقة التي ظهرت في هذه الحرب، لابد أن يكون الفريق البرهان قد قدَّم للنظام المصري، في لقاءاته العديدة بالفريق عبد الفتاح السيسي وجهاز مخابراته، تطميناتٍ فيما يخص حلفه مع الإسلامويين. وغالبًا ما تكون هذه التطمينات أنَّ حلفه مع الإسلامويين حلفٌ تكتيكيٌّ قصيرٌ الأمد، من أجل خدمة مرحلةٍ بعينها. فحزب المؤتمر الوطني وما تسمى الحركة الإسلامية السودانية يتشاركان مع الفريق البرهان الحرص على هزيمة الثورة. لكنهما يختلفان معه في أنهما يريدان العودة إلى الحكم من جديد. ولذلك، هم يتعاملون مع الفريق البرهان بحذر وشكٍّ كبيرين لمعرفتهم برغبته في الحكم منفردًا وبعلاقته الوطيدة بمصر. وقد بان في مراتٍ عديدةٍ أن الفريق البرهان والإسلامويين يتربصان ببعضهما. فلكل واحدٍ منهما خطته الجاهزة للانقضاض على الآخر، عندما تصل الأمور نقطة مفترق الطرق.

أيضًا، ربما توصل النظام المصري عبر اختراقه للنخب العسكرية والأمنية والسياسية التي عملت مع نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى قناعةٍ مفادها أن قادة ما تسمى “الحركة الإسلامية في السودان”، ليسوا قادةً مبدئيين بقدر ما هم حارسين لمصالح تخصهم. أي، أنهم ليسوا سوى مجموعة من الأوليغارك الغارقين في حب المال والسلطة حتى أذنيهم. وأنهم في حقيقة أمرهم براغماتيون، وليسوا مبدئيين. وأن ذلك يجعل اصطحابهم في خدمة مرحلة بعينها ثم رميهم جانبًا أو تطويعهم بصورةٍ دائمةٍ خيارًا ممكنا. لكن، في تقديري، أن هذا التصور، إن وُجد، فإنه تصورٌ خاطئ. فما تسمى الحركة الإسلامية في السودان ليست بمفردها وإنما مرتبطة بمنظومة إقليمية معقدة متضاربة الأجندة تشكل تركيا وإيران وقطر. ولذلك بقيت ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية، تلعب على عدة حبالٍ. وقد عرفت عبر ما يزيد على الخمسة والثلاثين عامًا من التجربة، كيف تتلون وتخدع، وتنافق، وتلعب على عنصر الوقت وعلى متغيرات الأحداث وعلى تضارب أجندة دول الإقليم.

العلاقة الملتبسة بين البرهان والإسلامويين

من الشواهد على العلاقة الملتبسة بين الفريق البرهان ومجموعة الإسلامويين، ما نراه بين فترةٍ وأخرى من انتقال الأبواق الإعلامية الناطقة باسم الإسلامويين في السودان، بين الإسراف في تمجيد الفريق البرهان ووضعه في مكانة البطل القومي، وبين تحولها، في أحيانٍ أخرى، إلى الهجوم عليه، بل، ومُلصقةً به أسوأ التهم. فقد قال إمام مسجد جبرة في الخرطوم، المتطرف، عبد الحي يوسف، المقيم حاليًّا في تركيا: إن الإسلاميين لا يثقون في البرهان، وأن الفضل في الانتصارات الأخيرة للجيش، حسب زعمه، يعود إلى الإسلاميين وليس إلى الجيش. وأضاف واصفًا البرهان بأنه شخصٌ: “ليس له دين ويحمل النصيب الأوفر في التسبب في هذه الأزمة. فتقوية قوات الدعم السريع عدةً وعتادًا كانت تحت سمعه وبصره”. وأضاف أيضًا: أن “البرهان أعجز من أن يقضي على الإسلاميين، فهم موجودون حتي في مكتبه”. وينطوي هذا على أن لدى “الإسلاميين” شعورًا قويٍا وربما شواهد على أن البرهان يتربص بهم. وقد حذر عبد الحي يوسف الإسلامويين قائلاً إن البرهان في آخر زيارة له إلى أميركا قبل شهرين من حديثه هذا، التقى مسؤولين أميركيين ولم يصدر بيانٌ عن تفاصيل الاجتماع. وتنطوي هذه على تهمة للبرهان بأنه ربما يخطط مع الأمريكيين للغدر بهم. وعزا عبد الحي يوسف الانتصارات التي تحققت أخيرًا إلى المقاومة الشعبية وليس إلى الجيش، قائلاً: “إن الله ساق هذه الحرب من أجل أن يُعيد للحركة الإسلامية ألقها وقوتها”. (راجع: صحيفة سودان تربيون، على الرابط: https://shorturl.at/Em5aa).

لم يقتصر الهجوم على الفريق عبد الفتاح البرهان على إمام مسجد جبرة، عبد الحي يوسف، وحده، وإنما شارك في الهجوم عليه، أيضًا، بل والسخرية منه، في بضع مراتٍ، كلٌّ من الإعلامي، الطاهر حسن التوم، ومهرِّج “السوشال ميديا” الملقب بـ “الانصرافي”. بل وتشير بعض حوادث المسيَّرات التي أسقطت قذائفها على بعض اللقاءات الجماهيرية التي حضرها الفريق البرهان، إلى أنها قد كانت رسائل تحذيرية له من دهاقنة ما تسمى “الحركة الإسلامية”، عبر جناحها الداعشي المتطرف المسمى “كتائب البراء”. وغرض تلك الرسائل التحذيرية هو ألا يجنح البرهان قط إلى أي حلٍّ تفاوضيٍّ لإيقاف الحرب، يمكن أن يقصي الحركة الإسلامية وحزبها المؤتمر الوطني من المشاركة في الحكم، وهو المطلب الرئيس لثوار ثورة ديسمبر. أو، أن يكتفي بمنحها دورًا هامشيًا في المرحلة المقبلة بناءً على ما يتوصل إليه التفاوض. فإرسال المُسيَّرات وإلقاءها قنابلها على اللقاءات الجماهيرية التي يحضرها البرهان تعني أن الحركة الإسلامية تستطيع أن تصل بهذه المُسيَّرات إلى عقر دار الفريق البرهان. فالحركة الإسلامية لا تريد حلاً تفاوضيًا تفرضه القوى الدولية أو الإقليمية. فهي أصلاً لم تشعل الحرب إلا لكي تقضي نهائيًا على قوات الدعم السريع، وهو السبيل الوحيد في نظرها الذي يمكنها من العودة إلى السلطة بمفردها. ولتتفرغ، من ثم لذبح الثوار المدنيين المطالبين بالتحول الديمقراطي. وهو، كما ذكرنا، السبب الرئيس الذي جعلها تقود الأمور عبر الفترة الانتقالية لتصل إلى نقطة إشعال الحرب الشاملة الجارية حاليا.

في 8 فبراير 2025 تحدث الفريق البرهان من عاصمة حكمه البديلة بورتسودان داعيًا المؤتمر الوطني المحلول للابتعاد عن المزايدات السياسية، مخاطبًا لهم بقوله: أنه لا فرصة لهم في الحكم، مرةً ثانية، على أشلاء السودانيين في هذه المرحلة، وإلا فلن يكون هناك فرق بينهم وبين تنسيقية “قحت”، أو “تقدم”، حسب قول البرهان. وقال إذا أراد المؤتمر الوطني أن يحكم، عليه أن يتنافس في المستقبل مع بقية القوى السياسية. فانبرى في الرد عليه وبسرعة حزب المؤتمر الوطني ببياناتٍ مقتضبةٍ جنحت إلى اللوم والعتاب. أما إعلاميو الإسلامويين والمؤتمر الوطني فقد انتقدوا ما ورد في الخطاب بلهجة بالغة الحدة. وأما قائد ميليشيا لواء البراء الذي يمثل الذراع العسكري المتطرف في المؤتمر الوطني فقد قال: لا ننتظر شكرًا أو تقييمًا من أي شخص، ونرجو من الله أن يتقبل الجهد والجهاد، وسنظل ندافع عن كل شبر في الوطن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان كان قد زار قائد لواء البراء المصباح أبوزيد طلحة، عقب هروبه مباشرة من مباني القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم التي كان محاصرًا فيها لأربعة أشهر عقب اندلاع الحرب. الشاهد، فيما يتعلق بمناقضة البرهان المتكررة لنفسه أنه رجع بعد يومين من خطابه الذي حذر فيه الإسلامويين وحزبهم المؤتمر الوطني بألا يفكروا في العودة إلى السلطة ليقول: الذين حاربوا إلى جانبنا سيكون لهم مكانٌ في السلطة. ومعلومٌ أن الذين حاربوا إلى جانبه هم الإسلامويون وكتائبهم الجهادية المتطرفة.

انكشاف خضوع البرهان للمتطرفين

تناقلت عديد المواقع الإلكترونية تسريباتٍ نشرتها كاتبة العمود بصحيفة الجريدة، صباح محمد الحسن، ذكرت فيها أن إجتماعًا عاصفًا جمع الأمين العام لما تسمى “الحركة الإسلامية”، علي كرتي، وقائد الجيش، الفريق عبد الفتاح البرهان. تقول التسريبات أن علي كرتي هدد الفريق البرهان في ذلك الاجتماع بأنه، في حال انصياع الفريق البرهان للضغوط الدولية والإقليمية، سوف يكشف عن الكثير من الوثائق السرية المفصلية المتعلقة بالحرب الحالية وبإنقلاب أكتوبر 2021، وبعملية فض الإعتصام. وذكرت الصحفية أن مصادر سياسية خارجية رفيعة كشفت عن ورقةٍ جديدةٍ على طاولة الحل للأزمة السودانية. وأن تلك الورقة وضعها تحالفٌ دوليٌّ ضم دول الوساطة بالتعاون مع دولٍ إقليميةٍ، من بينها دولٌ حليفةٌ للمؤسسة العسكرية. وذكرت أن تلك الورقة تتضمن خطةً عاجلةً، قد لايتجاوز مدى وضعها موضع التنفيذ شهرًا. وتهدف الخطة للقضاء على ما أسمته “المد الإسلامي الإخواني بالسودان” وأقتلاعه من جذوره، عبر عدة آليات قالت أنها متاحة. وتقول الصحفية أن تلك المصادر رجَّحت أن قناعة تلك الدول جاءت لسببين: أولهما أن قائد الجيش السوداني أخلَّ بإتفاق سبقت موافقته عليه. وهو السيطرة على القيادة العامة التي كان من المقرر أن يؤكد الفريق البرهان عقب انسحاب قوات الدعم السريع منها، ذهابه إلى التفاوض. لكن، كما هو واضحٌ الآن، فقد مر أكثر من شهر من نشر تلك التسريبات، ولم يتغير شيءٌ في المشهد السوداني.

أيضًا، أضافت الصحفية قائلةً: إن تلك المصادر ذكرت أن البرهان كان في نيته تنفيذ الاتفاق. حيث لمَّح إلى ذلك في خطابه الأخير في مباني القيادة العامة، في حين صرح به بوضوح أكثر، نائبه مالك عقار. إلا أن القيادات الإسلامية حاصرت البرهان ومنعته من تنفيذ الخطوة. وبعد الإجتماع وعدول البرهان عن رأيه خرج قائد كتيبة البراء ليعلن ألا تفاوض مطلقًا مع قوات الدعم السريع. الأمر الذي كشف لتلك الدول أن قادة الكتائب الإسلامية هم الذين يقررون بدلاً عن الفريق البرهان، وأثبتوا عمليًا أنهم الطرف الأقوى. وتخلص الصحفية إلى القول إن إزاحة البرهان الذي أصبح عقبةً، ضرورةٌ ينبغي أن تسبق التفاوض المنتظر. وتقول الكاتبة: إن الذي دفع تلك الدول لقرار إقتلاع الإسلاميين، إضافةً إلى ما تقدم، ووفقًا لتك المصادر، هو الجرائم الأخيرة التي قامت بها كتائب البراء بن مالك ومليشيا درع السودان. وزعمت الكاتبة إن تلك الجرائم قد نسفت الدعم الدولي المؤسسة العسكرية السودانية، وباعدت بينها وبين الدول التي فضلت الوقوف إلى جانبها، بإعتبارها تمثل الجهة الرسمية بالبلاد. خاصةً أن الفريق البرهان والمؤسسة العسكرية وقفوا متفرجين وعاجزين. ولم يفعلوا شيئًا أمام الجرائم الوحشية التي إرتكبتها تلك الكتائب والمليشيات بإسم الجيش

بيان: منع إقامة إفطار رمضان لنقابة المحامين – فرعية كسلا

منعت السلطات الأمنية في ولاية كسلا إقامة الإفطار الرمضاني الذي دعت إليه لجنة تسيير نقابة المحامين – فرعية كسلا، استجابةً لضغوط من جهات مرتبطة بالنقابة المحلولة. يعكس هذا القرار نمطًا متكررًا من التضييق على الحريات النقابية واستهداف المحامين، الذين يلعبون دورًا أساسيًا في الدفاع عن سيادة القانون وحقوق الإنسان. كما أنه يمثل انتهاكًا صارخًا للحق في التجمع السلمي والتنظيم النقابي، ويعد تعديًا مباشرًا على حقوق المحامين في ممارسة أنشطتهم المهنية والنقابية بحرية، بما يتعارض مع الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام 2019، والتزامات السودان الدولية، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية

يؤشر هذا المنع إلى تصعيد أوسع يستهدف النقابات المهنية كجزء من محاولات السلطات للحد من تأثير الفاعلين القانونيين والحقوقيين في المجال العام، مما يقوض أسس العدالة ويخلق بيئة غير آمنة للمحامين الذين يعملون في ظل ظروف صعبة أصلًا. إن منع فعالية اجتماعية سلمية مثل الإفطار الرمضاني، بحجج واهية، يكشف عن نية مبيتة لتجريم أي نشاط نقابي مستقل، ويكرس نهجًا سلطويًا يتعارض مع أي مساعٍ لتحقيق الاستقرار .

تؤكد مجموعة محامو الطوارئ أن هذا الإجراء لا يشكل فقط انتهاكًا للحقوق النقابية، بل هو مؤشر مقلق على استمرار استهداف الفئات التي تدافع عن الحقوق والحريات العامة، ويمثل تراجعًا خطيرًا في أوضاع الحقوق في السودان. نطالب برفع جميع القيود المفروضة على الحريات النقابية، وضمان عدم تدخل السلطات الأمنية في الأنشطة السلمية بما في ذلك ضمان حماية المحامين من أي استهداف أو تقييد لحقوقهم

15 مارس 2025

إعلاممحاموالطوارئ

بيان :استهداف عربة نقل ألبان في المويلح

تعرضت عربة نقل ألبان “دفار” يوم السبت الموافق 14 ديسمبر 2024، على طريق الصادرات بالقرب من سوق المويلح و شرق قبة الشيخ أحمد، لهجوم مميت أسفر عن سقوط 15 قتيلاً و6 جرحى، بينما لا يزال شخصان مفقودين. وكانت العربة تقل براميل الحليب من دكك الأبقار في القرى المحيطة إلى منطقة المويلح، عندما تعطلت فجأة لتصبح هدفاً لهجوم مسلح نُفذ بواسطة مسيرة تابعة للجيش.
وفقاً لشهادات شهود عيان وتقارير محلية، وقع الهجوم بعد تعطل العربة و تم استهدافها بشكل مباشر رغم وضوح طبيعتها المدنية. وتشير الأدلة الأولية إلى أن الضحايا هم فقط من الرعاة و العاملين في نقل الألبان، مما يجعل هذا الحادث جريمة موجهة ضد المدنيين بشكل مباشر.

يشكل هذا الهجوم انتهاكاً خطيراً للمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الثاني، التي تحظر استهداف المدنيين والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة. كما أنه يناقض مبدأ التمييز، الذي يلزم جميع أطراف النزاع بضرورة التفرقة بين المدنيين والمقاتلين.

إننا في محامو الطوارئ نؤكد وقوفنا إلى جانب الضحايا وعائلاتهم في هذا الوقت العصيب، وندعو المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لمحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات ومنع تكرارها.

إعلاممحاموالطوارئ #السودان

16 ديسمبر 2024

بيان:الحرب تحرم الطلاب من حقهم في التعليم

نُعرب في محامو الطوارئ عن استنكارنا الشديد للقرار القاضي بتنظيم امتحانات الشهادة السودانية لعام 2024 في 28 ديسمبر، لما يترتب عليه من حرمان الطلاب في مناطق واسعة متأثرة بالحرب، إلى جانب الطلاب في معسكرات النازحين واللاجئين، من حقهم في التعليم والجلوس للامتحانات. هذا القرار يمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية المنصوص عليها في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في التعليم والمساواة.

تُؤكد المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حق كل فرد في التعليم، كما تنص المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل على ضرورة توفير التعليم للجميع دون تمييز. غير أن إجراء الامتحانات في وقت تعاني فيه معظم مدن وقرى السودان من العنف المستمر والتهجير القسري، يعكس تمييزًا ضد الطلاب في هذه المناطق ويزيد من تفاقم معاناتهم الإنسانية.

الطلاب في مناطق النزاع يواجهون ظروفًا إنسانية مأساوية، تشمل القصف والتهجير القسري وانعدام الخدمات الأساسية. كما أن النازحين في المعسكرات داخل السودان وخارجه يعيشون في أوضاع معيشية قاسية تحول دون قدرتهم على الوصول إلى مراكز الامتحانات. هذا الواقع يُعمّق الفجوة في فرص التعليم ويمنع العديد من الطلاب من الجلوس للامتحانات، مما يكرّس حالة انعدام العدالة التعليمية.

علاوة على ذلك، لم تُتخذ تدابير تضمن تكافؤ الفرص التعليمية لجميع الطلاب في كافة أنحاء السودان، كما لم تُقدَّم حلول بديلة تُمكّن الطلاب في المناطق المتأثرة من إجراء الامتحانات دون تعريضهم للخطر.

نطالب باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية حقوق الطلاب السودانيين وضمان وصولهم إلى التعليم، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما ندعو إلى اعتماد حلول تراعي الظروف الإنسانية الصعبة التي يواجهها الطلاب في مناطق النزاع ومعسكرات النزوح واللجوء، لتأمين حقهم في التعليم دون تمييز أو حرمان.

إعلاممحاموالطوارئ #السودان

15 ديسمبر 2024

بيان محامو الطوارئ حول القصف العشوائي لقوات الدعم السريع واستمرار استهداف المدنيين في أمدرمان

استهدفت قوات الدعم السريع اليوم حافلة ركاب في منطقة الثورة الحارة 17 بمدينة أمدرمان عبر قذيفة دانة، مما أسفر عن مقتل 14 شخصًا، إضافة إلى إصابة العديد من المدنيين نتيجة تشتت الشظايا. وفي نفس اليوم، سقطت قذيفة أخرى على منزل في الثورة الحارة 59، مما أسفر عن مقتل 6 أفراد من أسرة واحدة. كما سقطت 4 قذائف في سوق صابرين، ما أسفر عن إصابات متعددة بين المدنيين. هذا الهجوم المدفعي العشوائي يتابع سلسلة طويلة من الهجمات التي استهدفت أحياء سكنية وأسواقًا في المدينة، ما أدى إلى مقتل وجرح العديد من الأبرياء.

الهجمات المدفعية العشوائية لم تتوقف عند هذه الحوادث. ففي 18 نوفمبر 2024، تعرض سوق صابرين لهجوم مماثل، مما أدى إلى إغلاق السوق بالكامل بسبب حالة الهلع التي أصابت المواطنين. كما تعرضت منطقة الثورة الحارة 37 في ذات الشهر لهجمات مماثلة أسفرت عن مقتل أسرة كاملة وإصابة العديد من المدنيين. ومنذ أغسطس 2024، تعرضت أحياء حي العرب والهجرة في أمدرمان للقصف العشوائي، مما أسفر عن سقوط شهداء وجرحى من المدنيين، مما يوضح استمرار هذه الهجمات على مدى فترة طويلة.

منذ أكثر من عام، تواصل هذه الهجمات العشوائية استهداف المدنيين العزل والأعيان المدنية بهدف تهجير السكان قسرًا. ويزيد من معاناة المدنيين في أمدرمان، التي تعد واحدة من أكثر المناطق أمانًا في ولاية الخرطوم بعد عودة النازحين إليها. إن هذه الهجمات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني الذي يحظر الهجمات العشوائية على المدنيين ويعتبرها جريمة حرب تتطلب محاسبة المسؤولين عنها.

نحن في محامو الطوارئ ندين بأشد العبارات هذه الهجمات الوحشية على المدنيين الأبرياء، ونؤكد أن هذه الهجمات تمثل خرقًا فاضحًا للاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية المدنيين في النزاعات المسلحة. إننا نطالب بتحرك عاجل من المجتمع الدولي لوقف هذه الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون الدولي.

إعلاممحاموالطوارئ

امدرمان

10 ديسمبر 2024

بيان محامو الطواريء حول القصف العشوائي لطيران الجيش السوداني:

في حادثة مأساوية جرت يوم أمس، الأحد 8 ديسمبر 2024، تعرضت منطقة مايو جنوب الخرطوم لقصف جوي عشوائي من قبل الجيش استهدف محطة وقود أمونيا الواقعة في سوق ستة الجديد. أسفر الهجوم عن مقتل 28 شخصًا وإصابة 37 آخرين بجروح مختلفة، بما في ذلك 29 حالة حروق خطيرة، منها 3 حالات حروق من الدرجة الأولى. كما أسفر الهجوم عن تدمير المحطة بشكل كامل. تأتي هذه الحادثة في سياق الهجمات المتواصلة التي تستهدف المدنيين في منطقة سوق مايو منذ بداية الحرب في 15 أبريل 2023، مما يُعتبر خرقًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يحظر استهداف المدنيين والمنشآت المدنية بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية.

بالإضافة إلى القصف العشوائي، فإن استغلال قوات الدعم السريع للبنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية أو شبه عسكرية يعد جريمة أخرى. تحويل المنشآت المدنية، كمحطات الوقود، إلى أهداف عسكرية أو استغلالها تجاريًا يجعلها عرضة للقصف، مما يعرض حياة المدنيين لخطر مباشر. إن هذا التكتيك يعكس تجاهلًا تامًا لأرواح المدنيين ويزيد من معاناة السكان الذين يعانون من ظروف حرب قاسية. كما أن هذه الاستراتيجية تجعل من هذه المنشآت نقاط استهداف سهلة للطيران الحربي، ما يؤدي إلى تدميرها بشكل كامل ويؤثر سلبًا على حياة المدنيين.

إن الهجوم الذي وقع يوم أمس يعد حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات المرتكبة ضد الشعب السوداني، ويعكس غياب المسؤولية الإنسانية من الأطراف المتصارعة. إن استهداف المدنيين واستخدام المنشآت المدنية كأهداف عسكرية يشكلان انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان ويعدان جريمة حرب وفقًا للقانون الدولي. وبموجب اتفاقيات جنيف، فإن هذه الهجمات تشكل خرقًا لواجبات الأطراف في النزاع المسلح، التي تلزمها بحماية المدنيين والمنشآت المدنية وعدم تحويلها إلى أهداف عسكرية.

ندين في محامو الطوارئ استمرار استهداف المدنيين وندعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لتحديد المسؤولين عن هذه الجرائم المروعة ومحاسبتهم وفقًا للقانون الدولي. كما سنواصل مناصرة حقوق الضحايا في جميع المحافل القانونية لضمان تحقيق العدالة. كما نحث المجتمع الدولي على اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان العدالة وحماية المدنيين، وذلك عبر فرض ضغوط على الأطراف المتصارعة لإنهاء هذه الانتهاكات ومنع تكرارها في المستقبل.

إعلاممحاموالطوارئ

9 ديسمبر 2024

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(11 – 20)

“لنْ يستطيعَ أحدٌ أن يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

مقاومة القوى العربية للديمقراطية

لم ترحب الدول العربية القريبة من السودان، كعادتها، بالثورة السودانية التي نادت بالتحول الديمقراطي. ولا غرابة، فهي إما أنظمةٌ ملكيةٌ وإما أنظمة عسكرية ديكتاتورية. فأنظمة دول الخليج أنظمةٌ أخرجها سياقٌ تاريخيٌّ خاصٌّ جدا. هذا السياق التاريخي الخاص هو الذي قفز بها في بضعة عقود، قفزةً كبيرةً، من حالةٍ أقرب إلى البداوة وأدخلها من حيث المظهرُ الخارجيُّ البراق، في حقبة الحداثة. وقد لعب النفط والاقتصاد الريعي الذي ساد فيها، إلى جانب العلائق الاقتصادية والاجتماعية السائدة منذ القدم في مجتمعاتها، دورًا كبيرًا في جعل الحكم الملكي النموذج الأكثر مناسبةً لأوضاعها. فهي تُعدُّ اليوم، بحكم العوامل التي ذكرناها، إضافةً إلى قلة عدد السكان مع ضخامة الثروة، من أكثر المجتمعات العربية استقرارًا وأمنًا وثراءً على مستوى دخل الفرد، على تفاوتٍ في ذلك بينها. غير أن محاولاتها المستمرة لتعويق التحول الديمقراطي في السودان، خوفًا على نفسها من مطالبة شعوبها بالديمقراطية، أو خوفًا على حظها من موارد السودان الثرة التي ترى أنها في غاية الأهمية لأمنها الغذائي، فهو اتجاهٌ غير سليم، بل ومضرٌّ بها وبالسودان. وقد أدى هذا التوجه الخاطئ في التعاطي مع الثورة السودانية، في نهاية الأمر، إلى إشتعال هذه الحرب الضروس التي أحرقت الأخضر واليابس. وهي حربٌ لا تزال تنذر بحدوث ما هو أسوأ. فالنظام الديمقراطي الوليد الذي أطاح به انقلابٌ عسكريٌّ عليه بعد سنتين فقط من الاستقلال، أخذت الانقلابات العسكرية تطيح به كلما أعادته ثورةٌ من الثورات السودانية وقد حدث ذلك ثلاث مرات كان آخرها انقلاب البرهان وحربه المدمرة. ولقد ظلت الأنظمة العربية ترحِّب على الدوام بالانقلابات العسكرية في السودان. وقد ظلت تفعل هذا رغم أن أكثرية السودانيين ترى أن النظام الديمقراطي هو الأصلح للسودان، وهو الأكثر خدمةً لنموه واستقراره. وكذلك، هو الأكثر خدمةً، لمصالح الدول العربية الخليجية ولمصر، من حيث الاستقرار وأمن الإقليم، ومن حيث الفرص الاستثمارية والتعاون الاقتصادي.

أما النظام المصري، فقد ظل نظامًا شموليًا واكتسب طبيعةً أوليغاركية في عهدي أنور السادات وحسني مبارك. وعمومًا، فقد تحدَّر نظام الحكم في مصر من النظام الخديوي الإمبراطوري التوسعي. فعلى الرغم إعلان مصر جمهورية عقب ثورة يوليو 1952، إلا أن النظرة الخديوية الاستعمارية الخديوية، خاصةً تجاه السودان قد ظلت كما هي. وقد جعلته هذه الخصائص، إلى جانب فقر مصر من الموارد وضيق الأرض والتزايد المتسارع في عدد السكان، يعمل على الدوام على الهيمنة على سلطة القرار في السودان. بل، ولا يفكر قط في أي أسلوبٍ آخر للتعاطي مع السودان غير أسلوب الهيمنة، واحتكار مياه السودان وموارده. والسودان، كما سبق أن ذكرنا هو الفضاء الوحيد الذي يملك إمكانيات الحلول النهائية لحالة الاختناق المصرية المركبة، غير أن مصر لم تعرف قط كيف تتعامل مع ملفه بصورةٍ سليمة. ظل هم مصر الأوحد أن يتولى السلطة في السودان حاكمٌ عسكريٌّ يكون خاضعًا لإرادتها خضوعًا مطلقًا، فيخرس لها أصوات السودانيين المحبين للديمقراطية، الذين يريدون استقلاليةً كاملةً للقرار السوداني، ويريدون الخروج من حالة الاضطراب السياسي والعجز التنموي المزمن. في حين ترى مصر أن فرص نمائها واستقرارها ، رهينةٌ بوجود نظامٍ عسكريٍّ في السودان، تقوم هي بحمايته نظير تمكينه لها من نهب موارد السودان. ثم الاصطفاف وراءها فيما تراه حقًّا مطلقًا لها في مياه النيل. بل، واتخاذ أراضيه منصَّةً عسكريةً متقدمة تتموضع فيها الجيوش المصرية لتهديد دول حوض النيل.

السعودية ومصر والإمارات والثورة السودانية

منذ اندلاع الثورة وازدياد التدافع بين قواها وبين قوى النظام القديم وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية التي صنعها الإسلامويون ورعوها على مدى ثلاثين عامًا، تنامى انشغال بعض الدول العربية بما يجري في السودان. ومن ثم، جرى الانخراط وبسرعةٍ شديدة في محاولات التأثير على ما يجري فيه. وقد تبدى ذلك جليًّا في النشاط المحموم لسفراء الدول العربية لدى السودان؛ خاصةً مصر والسعودية والإمارات، وانخراطهم في العمل وسط القوى السياسية السودانية طيلة فترة الصراع بين عسكر نظام البشير وبين القوى المدنية التي سبقت التوقيع على الوثيقة الدستورية التي تولت بموجبها حكومة الدكتور عبد الله حمدوك السلطة. كما انخرطت أيضًا، قيادات هذه الدول مع القيادة العسكرية في السودان، فقدمت لهم العون المالي لتثبيت قبضتهم على السلطة، وخنق السعي المُطالب بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني وبخروج العسكر عن السياسة.

قامت هذه الدول بهذه الجهود لتجيير الحراك الجاري في السودان ليصب في خدمة مصالح كل واحدةٍ منها، وفقًا للزاوية التي ترى منها مصالحها في السودان. وعلى الرغم من أن مجموعة مصر والسعودية والإمارات تُعد أقرب إلى التناغم، فيما بينها، من حيث النظرة المشتركة المتعلقة بالتعاطي مع قضايا الإقليم، إلا إن بينها أيضًا تنافسًا وصراعًا خفيا. كما أن هناك صراعًا بين معسكر السعودية والإمارات ومصر ومعسكر قطر وتركيا، الذي تدخل فيه، أيضًا، في السودان إيران. ولا يقتصر هذا الصراع بطبيعة الحال على السودان وحده، وإنما يجري هذا الصراع في دول أخرى مثال: العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن، وحتى قطاع غزة. غير أن للسودان أهميةً خاصةً لدى هذه الدول، من حيث الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر، والموارد الثرة، وفرص الاستثمار الواسعة، خاصة الاستثمار الزراعي من أجل تحقيق الأمن الغذائي. ولذلك، لا غرابة أن أضحت أراضيه ميدانًا لحرب وكالةٍ ضروس لقوى إقليمية ودولية. وقد ساعدت رخاوة كثير من النخب السياسية السودانية وفسادها وقابليتها للعمالة في تكريس هذا الوضع المأساوي.

امتهان الإسلامويين للسودان

لم تُهنِ السودان وتحط من قدره نخبةٌ حاكمةٌ مثلما فعلت هذه النخبة الإسلاموية؛ من عسكريين ومدنيين. لقد لعب نظام الإسلامويين طيلة فترة حكمه للسودان التي بلغت حتى الآن 36 عامًا، على المتناقضات لإرباك الجميع. أتقن نظام الإسلامويين في السودان ممارسة أساليب الابتزاز عبر مد الجسور إلى القوى الإقليمية متضاربة المصالح. فهو قد كان لفترةٍ طويلةٍ حليفًا لإيران التي ترى فيها المملكة العربية السعودية خطرًا داهمًا على أمنها. ثم ما لبث أن أصبح حليفًا للملكة العربية السعودية، جاعلاً من الجنود السودانيين مرتزقةً يحاربون داخل اليمن وعلى الحدود السعودية اليمنية واقفين في مواجهة حليفته السابقة إيران، ممثلةً في الحوثيين. وقد فعل الرئيس المخلوع عمر البشير هذه الفعلة الشنعية نظير المال. وغطى ذلك بإدعاءٍ مضحكٍ خرج به علينا الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة الصوارمي خالد سعد حين قال في خطبةٍ حماسية إن الجنود السودانيين إنما يحاربون في السعودية حمايةً للحرمين الشريفين. وأكاد أجزم أن خطبته تلك أضحكت السعوديين أنفسهم.

والآن، وللغرابة، تنهمر على هذا النظام الزئبقي اللزج، في نسخته البرهانية الأكثر قبحًا وفسادًا وعمالةً، الطائرات المُسيَّرة الإيرانية، من طراز مهاجر4 ومهاجر6، (راجع مقال أريج الحاج على موقعFikra Forum، على الرابط: https://shorturl.at/FEHP9 ). كما تتدفق عليه أيضًا، مسيَّرات بريقدار التركية، وفقًا لما كشف عنه مصدرٌ عسكريٌّ سودانيٌّ رفيع لصحيفة “سودان تربيون”، (راجع: “سودان تربيون” على الرابط:. https://shorturl.at/y2R5V). وأما دولة قطر، المعروفة بالوقوف في صف منظومة الإسلام السياسي المنتشرة في عديد الأقطار العربية، فقد تحوَّلت إلى ملجأٍ لقيادات إسلامويي السودان الذين هربوا عقب الثورة. بل وأصبحت مقرًّا للخلية الأمنية الإعلامية التي تكثر من استضافة صحفييها قناة الجزيرة مباشر. وهي خلية قام الفريق البرهان والإسلامويون بإرسالها إلى الدوحة كجزء من خطة الحرب التي أشعلوها. ويقتصر دور هذه الخلية على بلبلة الرأي العام عبر بث الأكاذيب وممارسة الديماغوغية المستندة على المغالطات. ورغم التعارض بين معسكري السعودية مصر وتركيا وقطر، نجد أن مصر والسعودية تسيران مع تركيا وقطر على نفس الخط المقاوم لإرادة القوى الحيَّة من الشعب السوداني التي تنادي بالتحول الديمقراطي وبالحكم المدني. كما تنادي، أيضًا، بخروج الجيش عن السياسة، ومن إدارة اقتصادٍ موازٍ لا يخضع لرقابة الدولة. وقد سبق أن قال رئيس وزراء الفترة الانتقالية عبد الله حمدوك إن الجيش السوداني يسيطر على حوالي 80% من موارد البلاد، ويديرها بعيدًا عن وزارة المالية. ومن يتابع “قناة الجزيرة” المملوكة لقطر، وقناة “العربية الحدث” المملوكة للسلطات السعودية، منذ اشتعال هذه الحرب المدمرة، يرى تطابق الخط التحريري للقناتين الداعم للفريق البرهان الذي يسيطر على قراراته الإسلامويون سيطرة تامة. وهذه واحدةٌ من أعاجيب السياسة في منطقتنا.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة فقد بدأت متخوفةً عند بداية الثورة من قيام نظامٍ ديمقراطيٍّ في السودان، شأنها شأن كل الأنظمة الملكية العربية. ففي 1 مايو 2019، أشار وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش إلى تدخل بلاده في الأحداث الجارية في السودان، حيث قال في تغريدة على موقع تويتر إنه “يحق للدول العربية بشكلٍ كاملٍ دعم انتقالٍ منظَّمٍ ومستقرٍ في السودان. غير أنه أشار إلى ضرورة أن يوازن هذا الانتقال بعناية بين التطلعات الشعبية والاستقرار المؤسسي، وهذا حديثٌ لا غبار عليه. لكن الوزير الإماراتي إشار في نفس السياق إشارةً سلبيةً خفيَّةً إلى الحراك الشعبي في السودان، حين قال: “لقد عانينا من الفوضى الشاملة في المنطقة، ومن المنطقي ألا تكون لنا حاجة في المزيد منها”، (راجع الجزيرة نت على الرابط: https://shorturl.at/7phoq). لكن، مع تقدم الأحداث غيَّرت دولة الإمارات موقفها ليصبح مقاومًا للخط الذي تسير عليه مجموعتا تركيا وقطر، من جهة، والسعودية ومصر، من الجهة الأخرى. وهكذا أصبح السودان، بسبب فقدانه استقلالية القرار، ساحةً لتعاركٍ شرسٍ بين هذه القوى.

الاستعداد السوداني لقبول التدخلات الخارجية

لقد وضعت في مقدمة هذه المقالات مقولة مارتن لوثر كينج الشهيرة القائلة: “لن يستطيع أحدٌ أن يركب على ظهرك ما لم تكن منحيا”. والغرض من وراء وضعها هو الإشارة إلى أن سبب مهانة السودان واستباحته من قبل الآخرين، إنما يعود أولا وأخيرًا، إلى ضعف الحس الوطني وضمور الشعور بالكرامة الوطنية لدى كثيرٍ من نخبه السياسية. فما أن اشتعلت الثورة وتداعت عليها دول الجوار العربي المختلفة، كتداعي الأكلة على قصعتها، أخذت كل دولةٍ تحاول تجيير مخرجات الثورة لصالحها. وأخذت القوى السياسية السودانية في الركض إلى تلك العواصم العربية لتقديم خدماتها. فقد أورد موقع “الجزيرة نت” أن قيادات حزبية سودانية قد زارت سرًا دولة الإمارات العربية. وأن تلك الزيارات قد أزعجت الثوار المعتصمين حينها أمام مباني القيادة العامة للجيش في الخرطوم. ونسب موقع “الجزيرة نت” لصحيفة “الجماهير” الإلكترونية السودانية، أن مسؤولةً حزبيةً سودانيةً كانت آخر الزائرين سرًّا إلى أبو ظبي. ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمِّها، أن تلك المسؤولة الحزبية الزائرة لم تُدْلِ بأي تصريحات لدى وصولها أبو ظبي، كما لم يُعرف جدول أعمال زيارتها أو مدتها. (راجع موقع “الجزيرة نت” على الرابط: https://shorturl.at/gD8Xv). كما ذكر موقع “الجزيرة نت” في نفس هذا التقرير أن صحيفة نيويورك تايمز الأميركية ذكرت أن خمس قوى سودانيةً معارضةً، بينها عدد من الحركات المسلحة، زارت أبو ظبي حينها لإجراء محادثات قصدت منها أبو ظبي إقناع تلك القوى بالانضمام إلى حكومة يقودها العسكريون.

كما أورد موقع “الجزيرة نت” مقالاً لأحمد فضل، تحت عنوان: “دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان .. أسئلة تحتاج إجابات”، قال فيه أن دعاة الاحتجاجات في السودان قد قابلوا الدعم السعودي الإماراتي، للمجلس العسكري الانتقالي بريبةٍ لافتةٍ لا تخلو من اتهاماتٍ بأن أعضاء المجلس الانتقالي، الذي يدير البلاد حاليًا واقعون ضمن لعبة المحاور. (راجع أحمد فضل: دعم السعودية والإمارات لعسكر السودان.. أسئلة تحتاج إجابات على موقع الجزيرة نت على الرابط(https://shorturl.at/9DAjR :. أما صحيفة فايناشيال تايمز البريطانية، فقد أوردت في 26 أبريل 2019، أن السعودية والإمارات بدأتا تخوضان في الشأن الداخلي السوداني بدعمهما للمجلس العسكري الانتقالي بهدف عرقلة الانتقال إلى الحكم المدني. وأوضحت الصحيفة في تقرير لها من الخرطوم، أن حزمة المساعدات المالية والسلعية الجديدة من الدولتين، البالغة ثلاثة مليارات دولار، قد خففت الضغط على الوضع الاقتصادي وعلى المجلس العسكري الانتقالي. لكنها، أغضبت السودانيين المعادين لأي دعمٍ أجنبيٍّ للحكومة العسكرية المؤقتة. وأشارت الصحيفة إلى المطالبة الشعبية بالتسليم الفوري للحكم لإدارةٍ مدنيةٍ، قائلةً إن المساعدات من الدولتين الخليجيتين قد مهَّدت الطريق لمعركة ثانية بين الجيش والشعب.

أيضًا، نقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن سفيرة بريطانيا في الخرطوم روزاليندا مارسدن، التي سبق أن عملت ممثلاً خاصا للاتحاد الأوروبي بالسودان وجنوب السودان بين 2010 و 2013، قولها: إن أبو ظبي والرياض أوضحتا خلال الأيام القليلة الماضية أنهما تدعمان المجلس العسكري الانتقالي. وقالت الصحيفة، إن السفيرة أعربت عن اعتقادها أن هذا الدعم كان مدفوعًا بصورةٍ أساسيةٍ بالحاجة إلى ضمان استمرار مشاركة القوات البرية السودانية في حرب اليمن. وهو أمرٌ بادر المجلس العسكري الانتقالي في السودان بضمان تأكيده بسرعةٍ منذ البداية لكلٍ من السعودية والإمارات. أي، أن السودان لن يسحب جنوده من اليمن. وعلقت السفيرة بأن جنود السودان الذين عركتهم الحروب أثبتوا أهميةً حيويَّةً للهجوم البري السعودي والإماراتي على المتمردين الحوثيين. (راجع: الجزيرة نت، على الرابط: https://shorturl.at/dWKbc) ومما يجدر ذكره هنا أن السعودية حين نادت الدول العربية إلى الوقوف إلى صفها في حرب الوكالة الإيرانية في اليمن التي استهدفت أمنها اعتذرت مصر عن إرسال جنودها إلى اليمن، في حين قبل بذلك الرئيس المخلوع عمر البشير. ومشى على نفس الدرب الفريق البرهان الذي كان أصلاً منسقًا لتفويج الجنود السودانيين إلى اليمن، قبل قيام هذه الثورة التي أطاحت بالرئيس عمر البشير.

حكامٌ مُرتشون

إن الثورة السودانية المتعثرة التي لا تزال فصولها تتوالى وكان آخرها هذه الحرب المدمرة، ليست سوى محاولةٍ لوضع الحق الأبلج مكان الباطل اللَّجلج. وهذ مسيرةٌ قد تطول وقد نتعرَّض فيها لما هو أسوأ مما نحن فيه الآن. لقد أذَّل الإسلامويون السودان والسودانيين، كما لم يفعل أحدٌ من قبل. وما الاستهانة التي تقابل بها دول الخليج ومصر الحكومات السودانية العسكرية سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ لما رأوه من وضاعةٍ ونهمٍ وقابليةٍ للارتشاء وسط عسكريين وسياسيينا. وكلنا يذكر ما جرى في المحاكمة التي أقيمت للرئيس المخلوع عمر البشير بعد خلعه. فقد قال المحقق في القضية، إن البشير أبلغهم أنه حصل على مبلغ 25 مليون دولاراً من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لإنفاقها في صورة “تبرعات وهدايا للفقراء”. وقال المحقق أيضًا، إن “البشير ادعى أنه تلقى قبل ذلك، 35 مليون دولاراً من العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبدالعزيز. وتلقى كذلك مليون دولاراً من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد. (راجع موقع “سي إن إن العربية” على الرابط: https://shorturl.at/snuJw). فأي كرامةٍ وأي احترامٍ يمكن أن يلقاها السودان والسودانيون ورؤساؤهم ومسؤولوهم بمثل هذه الحِطَّة والوضاعة. رئيس يتلقى أمولاً نقدية بالملايين تأتي بها إليه طائرة خاصة إلى مطار بلده وتكون موجهةً إليه بصفته الشخصية ولا يرى بأسًا في أخذها إلى منزله ليقسم بعضها على بطانته. وما أكثر ما تردد أن المسؤولين السودانيين عادوا من عواصم الدول الخليجية، وبرفقتهم حقائب محشوة بملايين الدولارات. باختصارٍ شديد هذه الثورة جاءت لكنس هذه القذارات، ولسوف تجد مقاومةً شديدةً من جهات داخلية وخارجية عديدة، لكن انتصارها حتميٌّ، طال الزمن أم قَصُر.
(يتواصل)


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427