9.9 C
New York
الأحد, أبريل 19, 2026

whatsapp now

spot_img
Home Blog Page 11

القائد الميداني شيت اللحيو يخاطب قوات الثوري للعدالة

الاستاذ/محمد احمد مصري _ عضو وفد التفاوض

https://share.icloud.com/photos/065zNKOXISKiMfY3XW90BofLg

لقى القائد شيت حامد عبدالعزيز عبودة (اللحيو) كلمةً أمام الأشاوس البواسل الذين يبذلون الغالي والنفيس لبناء سودان يجمع كل السودانيين، مثلما أعلن الشهيد البطل اللواء علي إبراهيم أحمد عبدالعاطي، والذي سطر أروع البطولات والتضحيات في ميادين القتال.

خلال كلمته، أكد على عظمة وسر الشباب في مواصلة النضال بإرادة فولاذية ضد الظلم حتى تطهير البلاد من دنس نظام الجبهة الإسلامية الإرهابي وكل واجهاته من كتائب إسلامية جهادية وإرهابيين مساندين له من داعش وتغراي وغيرهم من الانتهازيين من حركات الارتزاق المسلحة بقيادة مناوي وجبريل.

أكد أن القضية التي مهرت بدمائهم الزكية لن تهزم ولن نتراجع قيد أنملة حتى تحقيق أهداف ثورة المهمشين بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، الذي أثبت من خلال دوره أن مطالب الشعب يجب أن تتحقق مهما كلف من تضحيات.

ختامًا، نسأل الله أن يتقبل شهدائنا الأبرار ويشفي جميع جرحانا ويفك أسرنا والعودة للمفقودين، والتحية لقائد الركب الفريق محمد حمدان دقلو قائد قوات الدعم السريع ورئيس جمهورية السودان القادم، والتحية والاجلال والاكبار لهؤلاء الأشاوس الأبطال الذين خلدوا أسماءهم بأحرف من نور في لوحة الوطن التاريخية والوطنية.

تهنئة بمناسبة عيد الفطر المبارك

يتقدم مجلس الصحوة الثوري الديمقراطي بأحر التهاني وأطيب التبريكات إلى جماهير الشعب السوداني والأمة الإسلامية بمناسبة عيد الفطر المبارك، راجين من الله أن يعيده علينا وقد تجاوز وطننا محن الحرب، وانطلقت مسيرة بناء السودان البديل القائم على السلام، العدالة، والتنمية المستدامة.

وفي هذه المناسبة العطرة، يؤكد الدكتور موسى الغالي حارن، رئيس مجلس الصحوة الثوري الديمقراطي، أن العيد يمثل فرصة لتعزيز قيم التآخي، التسامح، والتكاتف من أجل إعادة بناء الوطن وفق أسس جديدة تحقق تطلعات شعبه في الأمن، الاستقرار، والازدهار.

نجدد التهنئة بهذه المناسبة السعيدة، ونؤكد التزامنا بمواصلة التضحيات والنضال من أجل مستقبل حر وعادل لشعبنا. سنظل في خط الدفاع الأول عن أرضنا وشعبنا، ولن نسمح لأعداء الوطن والمتاجرين بدماء الأبرياء بعرقلة مسيرة التغيير.

نطمئن شعبنا بأن الانتصارات ستتوالى، وأن السودان ماضٍ نحو التحرر من فلول الظلم وأعوانهم من المرتزقة. النصر حليفنا، والعزاء للوطن حتى يستعيد سيادته ووحدته.

كل عام وأنتم بخير، ونسأل الله أن يكون هذا العيد بداية خير ونهضة لوطننا الحبيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

د. موسى الغالي حارن
رئيس مجلس الصحوة الثوري الديمقراطي

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية


(16 – 20)
“لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لَمْ تَكُنْ مُنحنياً”
مارتن لوثر كينج
النور حمد
مصر تصدِّر نيابةً عن السودان
واضح من حديث وزير التجارة والصناعة المصري، أحمد سمير صالح، الذي سبق أن أوردناه، أن مصر تعلن على الملأ أنها تصدر المنتجات السودانية نيابةً عنه، بل وتتباهي أمام العالم بجودتها. وهذا يجعل المرء في حيرةٍ من أمره. فكيف يسمح بلدٌ مستقلٌ كالسودان بإرسال مواده الخام؛ كالصمغ واللحوم والذرة والسمسم والكركدي والقونقوليس والقرض وغيرها إلى مصر، لا ليستهلكها المصريون كمشترين، مثلهم مثل غيرهم من الدول، وإنما لتقوم الدولة المصرية أو الشركات المصرية بإضفاء القيمة المضافة عليها، التي قد لا تتعدى التنظيف والتغليف كما سبق أن ذكرنا، ثم إرسالها إلى الخارج بوصفها منتجاتٍ مصرية؟ هل يصعب على السودان أن يبرِّد لحومه أو يحولها إلى صيغ أخرى أو أن يغلف سمسمه أو صمغه أو زهرة الكركديه التي ينتجها بوفرة، وغير ذلك من السلع، ثم يرسلها إلى الخارج كمنتجاتٍ سودانية؟ أوليس من مسؤولية الدولة أن تسعى بكل السبل إلى إضفاء القيمة المضافة على منتجاتها الأولية لزيادة قيمتها، ومن ثم جني عوائدٍ دولاريةٍ منها تسهم في تحسين اقتصاد البلاد وأحوال العباد؟ أكثر من ذلك، وكما سبق أن ذكرنا، أن مصر؛ سواءً كانت الدولة المصرية أو التجار المصريين يشترون المنتجات السودانية بالعملة المحلية من داخل السودان، بل وبعملةٍ سودانيةٍ يقول البعض إن تزييفها يجري داخل مصر نفسها. فالشاحنات المصرية يُسمح لها بأن تدخل في العمق السوداني وتشتري مباشرةً من المنتجين فتشحن ما اشترته ثم ترسله مباشرةً إلى مصر. في حين أن الشاحنات السودانية لا يُسمح لها بعبور الحدود المصرية. أليس هذا، في حدِّ ذاته هيمنةٌ وامتهانٌ واستضعافٌ يدل على مذلَّةِ وانعدامِ كرامةِ من يحكموننا؟ لقد رضخ نظام الفريق البرهان للنظام الحاكم في مصر بصورةٍ لا أظنها قد حدثت قط بين أي بلدين جارين. بل، يمكن القول، وبكل تأكيد إن الفريق البرهان ومعه قطاعٌ من دهاقنة النظام الإخواني اللصوصي يبيعون الآن السودان لمصر، راضخين للمشروع المصري الكبير لاستلحاق السودان الذي يجري إعداده الآن بموافقة البرهان وطاقمه. وسوف نرى ذلك عندما نناقش في حلقةٍ قادمةٍ فيديو الصحفي الاقتصادي المصري، محمد أبو عاصم الذي جرى تبادله بكثافةٍ لافتةٍ في منصات التواصل الاجتماعي السودانية مؤخرا.
تذهب المنتجات السودانية إلى مصر عن طريقين: الطريق الأول عبر العلاقة بين شركات الجيش السوداني والجيش المصري. وقد أوردت صحيفة “سودان تربيون” أن الجيش السوداني الذي يحكم البلاد حاليًا يسيطر على قطاع تصدير الحيوانات الحية، إضافة إلى المذبوحة من مسلخ يمتلكه في العاصمة الخرطوم. (راجع: صحيفة سودان تربيون على الرابط: (https://shorturl.at/2I6Lf. ولابد من التنبيه هنا إلى أن ما تجنيه شركات الجيش السوداني من عملاتٍ حرة، ومن أسلحةٍ، أو من أيٍّ من احتياجاتها الأخرى، نظير ما تقوم بتصديره إلى مصر، لا يدخل في حسابات الدولة السودانية. وإنما يذهب إلى الدولة الموازية التي يسيطر عليها الجيش والنظام الإخواني اللصوصي. وقد تفاقم ذلك واتسعت دوائره، بصورةٍ غير مسبوقةٍ، بعد أن وصل الفريق عبد الفتاح البرهان إلى السلطة.
أيضًا يذهب جزءٌ كبيرٌ من موارد السودان عن طريق المصدِّرين القُدامى الذين سمح لهم النظام الإخواني، منذ فترة حكم الرئيس عمر البشير، بمواصلة أعمالهم التجارية نظير التماهي السياسي مع النظام الحاكم. فطبقة رجال المال والأعمال التي اتسعت أعمالها وترسخَّت في الفترة الاستعمارية استطاعت، رغم تقلُّبات الأحوال السياسية في السودان في فترة ما بعد الاستقلال، أن تُبقي على مصالحها مع مختلف الأنظمة العسكرية. وقد أتى نظام الإنقاذ بخطةٍ محكمةٍ للهيمنة السياسية والاقتصادية الكاملة، لم يسبقه عليها لا نظام الفريق إبراهيم عبود ولا نظام المشير جعفر نميري. فنظام الإنقاذ ما أن وصل إلى السلطة في عام 1989 شرع في فرض ما يُسمى “التمكين”، وهو السيطرة الكاملة بواسطة التنظيم الحاكم على كل مفاصل الدولة.
بدأ التمكين بتسريح غالبية العاملين في الخدمة المدنية ووضع أعضاء التنظيم الحاكم في أماكنهم، على قاعدة “الولاء قبل الكفاءة”. ثم تمددت إجراءات التمكين لتشمل السيطرة على كامل اقتصاد الدولة بواسطة أعضاء التنظيم الإخواني. بهذا أصبحت أنشطة التصدير والاستيراد، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية، في يد التنظيم الحاكم. ولا مجال للآخرين أن يبقوا في هذه الدائرة إلا عن طريق إثبات ولائهم الكامل للممسكين بالسلطة والثروة من أهل التنظيم الإخواني الحاكم. وهكذا ارتدف النظام معه على سرجه قطاعًا من أصحاب المصالح الاستثمارية والتجارية. وكان من بين هؤلاء زعماء أحزاب سياسية وورجال صناعة وتجارة وقيادات قبلية وشيوخ طرق صوفية. إلى جانب ذلك، لف النظام حول نفسه تجمُّعات حديثة، شملت قطاعًا من الأكاديميين ومن أهل الأدب والفن والإعلام والرياضة.
أما الطريق الآخر الذي تذهب به مواد السودان الأولية إلى مصر فهو طريق التهريب. والأرجح عندي أن ما يذهب إلى مصر من موارد السودان الاقتصادية عن طريق التهريب المباشر، أو عن طريق دفع الرشى لموظفي الجمارك على الحدود، أكبر بكثير مما يجري عبر الطرق الرسمية. وبما أن نظام الحكم في السودان نظامٌ لصوصيٌّ سيطر عليه الفساد المؤسسي، فإن بعض العاملين من كبار الضباط في الجيش والشرطة وكبار المسؤولين في الدولة منخرطون بمختلف الصور في أنشطة التهريب المباشر، وفي أنشطة التهريب الأخرى التي تجري عبر شبكات الفساد. وكما ذكرنا من قبل أن ثوار ترس الشمال حين قاموا بإيقاف الشاحنات المصرية المتجهة إلى مصر وتفتشيها وجدوا سبائك الذهب مخبأةً وسط عبوات الحبوب، كما سبق أن ذكرنا. وما من شك أن قمة السلطة ممثلةً في البرهان وحلفائه يغضون الطرف عن أنشطة التهريب لسببين؛ أولهما: الزبائنية التي تربط بين مركز السلطة وقادة القوى الأمنية التي تحرس النظام. أما السبب الآخر: فهو عدم اكتراث الفريق البرهان بسيادة السودان وبموارده وهو يسعى لتلقي الدعم والحماية المصرية واستدامة إمساكه بالسلطة.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن الفريق البرهان قد سار على طريقٍ مطروقٍ مشى عليه قبله الرئيس عمر البشير وتنظيمه الإخواني. ويتمثَّل ذلك النهج في نهب موارد البلاد وإيداعها الجيوب الخاصة في حسابات واستثماراتٍ ضخمة خارج السودان. وهذا هو ديدن الكثير من الأنظمة الديكتاتورية العسكرية الكليبتوقراطية. وقد ساد هذا النهج حتى الآن لفترةٍ بلغت 36 عامًا. وعلى سبيل المثال، فإن البترول الذي ظل يُستخرج عبر عقدٍ من الزمان قبل انفصال الجنوب، لم يعرف السودانيون إلى اليوم مقدار ما جري تصديره منه، على وجه الدقة. كما أن عائداته لم تدخل خزينة الدولة، ولم يشعر السودانيون بأي أثرٍ بارزٍ له على حياتهم. كما أن الذهب ظل يُستخرج بكمياتٍ كبيرةٍ لما يقارب العشرين عامًا حتى الآن، ولم ير له السودانيون، أيضًا، أثرًا على حياتهم. وسوف نعرض لتهريب الذهب السوداني في الفقرات القادمة.
الفترتان اللَّتان سيطر فيهما على مقاليد الأمور كلٌّ من الرئيس المخلوع عمر البشير وخلفه الفريق البرهان، الذي عمل تحت إمرته، وقاد انقلاب 25 أكتوبر 2021، على الوثيقة الدستورية وخارطة طريق التحول الديمقراطي، هما الفترتان اللَّتان حدث فيهما هذا الانفجار الكبير في إنشاء مصانع الصناعات التحويلية، في مصر. وواضحٌ جدًا أن هذا الانفجار الضخم في أعداد المصانع في مصر قد كان نتيجةً مباشرةً لتفاقم معدلات الفساد في السودان، بل وللعمالة الصريحة من جانب البشير والبرهان لمصر. لقد أصبح السودان في هذه الفترة المظلمة وكأنه مستعمرةٌ مصرية. وقد حدث ذلك بطريقةٍ خفيَّةٍ بالغة النعومة. في هذه الفترة، جعلت مصر من نفسها وكيلاً شبه حصريٍّ لتصدير منتجات السودان بإسمها. وكما رأينا، كيف لم يجد وزير التجارة المصري أي حرجٍ في أن يسرف في مدح المنتجات السودانية ويتباهى بها أمام العالم وكأنها من منتجات بلده! وكل المنتجات التي عدَّدها الوزير المصري لا تنتج منها مصر شيئًا، باستثناء قليلٍ من الكركديه والسمسم والذهب، التي لا تقارن كمياتها قط بما ينتجه السودان منها. وتعج شبكة الانترنت بالإحصاءات الدولية التي تؤكد الكميات القليلة مما تنتجه مصر من هذه السلع.
مصر تصدر الذهب السوداني
أورد موقع Trends in Africa أن صادرات مصر من الذهب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة قد ارتفعت في الفترة من يناير إلى نوفمبر 2024، بنسبة 103% ، بقيمةٍ بلغت 1.7 مليارًا من الدولارات. أما بالنسبة لسويسرا، فقد زادت صادرات مصر من الذهب بنسبةٍ بلغة 193%، بقيمة بلغت 1 مليار دولارًا خلال نفس الفترة. وهي الفترة الممتدة من يناير إلى نوفمبر 2024. ويقول الموقع إن أغلب هذا الذهب الذي تصدره مصر ذهبٌ سوداني. ويجري إرسالة إلى مصر بواسطة شركة مصرية سودانية نشأت في صورة شراكة بين جهاز المخابرات العامة المصري ومنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، التي صدرت ضدها عقوباتٌ أمريكية. (راجع: موقع Trends in Africa، على الرابط: https://shorturl.at/VWmH9). ولابد من التذكير هنا بما سبق أن قلناه وهو أن مصر كانت تصوِّت في المحافل الدولية على تمديد فرض العقوبات على السودان، وقد اتضح لاحقًا أنها تفعل ذلك لكي تصبح هي المستحوذ لمنتجاته بكونها المنفذ الوحيد المتاح لصادراته.
جبريل وتهريب الذهب
من أقوى الأدلة على شفط موارد السودان لمصلحة مصر ما ورد على لسان وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم الذي قال لوكالة (رويترز): إن السودان أنتج 64 طنًّا من الذهب في عام 2024، غير أن القدر الذي جرى تصديره رسميًا كان31 طنًا فقط. ويعني ذلك أن أكثر من نصف الإنتاج من الذهب قد خرج من البلاد عبر طرقٍ غير رسمية. فتصوروا وزيرًا للمالية في دولةٍ يتسرَّب من بين يديه أكثر من نصف إنتاج بلاده من الذهب، ولا يجد حرجًا في قول ذلك للصحافة العالمية، ثم لا يذكر ما قام به هو من تحقيق حول أسباب هذا التسريب الضخم، ولا ما هي خطته لإيقاف هذا الهدر العجيب لموارد البلاد. تحدث الوزير جبريل إبراهيم في هذا الأمر وكأنه يتحدث عن بلادٍ أخرى، وكأنه ليس وزير مالية السودان! (راجع صحيفة “التغيير” على الرابط: https://shorturl.at/BbFPF). بل، ظهر السيد جبريل إبراهيم في فيديو وهو يرتدي زيًّا عسكريًا، مع الكدمول الدارفوري، ليحكي أنه كان في دولةٍ جارةٍ وإن مسؤوليها ذكروا له إنهم حصلوا في عام 2024 عن طريق التهريب وحده على 48 طنًا من ذهب السودان. وقد جَبُنَ الوزير جبريل حتى عن ذكر اسم تلك الدولة، رغم أن مسؤوليها قالوا له ذلك دون حياءٍ وبجرأةٍ وقحةٍ أمام عينيه. وقد عكس هذا في نظري مبلغ استهانتهم به وبقدر بلاده. ثم، حتى بعد أن جاء ليحكي لشعبه هذه المعلومة في مقابلة مبثوثة، لم يستطع أن يذكر إسم تلك الدولة، وقال مرة أخرى “دولة جارة”! فهل هذه قياداتٌ يرجى منها أن تحفظ أي قدرٍ من الكرامة لبلادها ولشعبها؟ لكن، لا عجب فقد شاهد جبريل إبراهيم حرص رئيسه البرهان على تقديم فروض الولاء والطاعة للنظام المصري. فقد لخَّص الفريق البرهان ولاءه المطلق للنظام المصري يوم أن قدَّم التحية العسكرية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لدى استقباله له في القاهرة. قدم البرهان التحية العسكرية إلى الرئيس السيسي رغم أن الأخير استقبله بالزي المدني، كرئيسٍ مدنيٍّ “منتخبٍ” للشعب المصري، وليس كقائدٍ لانقلاب عسكري. لكنها الرغبة في الانبطاح التي تعمي صاحبها وتجعل جلده أكثر سماكةً من جلد التمساح.
بئرٌ معطلة وقصر مشيد
يمقل الفريق البرهان في نظري نمطًا بالغ الغرابة من الخراب النفسي. فإلى جانب جنونه بالسلطة أظهر لهفًا استثنائيًا على جني الثروات الطائلة. وهو أمرٌ عُرفت به العصابة الإخوانية التي حكمت السودان عبر الستة وثلاثين عامًا الماضية. لكنه فاقها كثيرًا في هذا المنحى. فقد رشح في الأيام الأخيرة أن الفريق البرهان راكم في السنوات الخمس الأخيرة ثروةً بلغت 5 مليارات دولار. هذا البرهان أُتي به ليشارك في إدارة فترةٍ انتقاليةٍ قصيرةٍ يُسلِّم بعدها البلاد إلى أهلها. لكنه اختار بدلاً عن ذلك أن يخون الأمانة، ويستقوى على شعبه بالقوة العسكرية. أكثر من ذلك قام بنهب المال العام وذهب به دون أدنى ذرةٍ من حياءٍ إلى تركيا ليبني لنفسه فيها قصرًا بملايين الدولارت. وهو حدثٌ كشف عنه سفير سوداني سابق في تركيا كان شاهدًا على إجراءات الشراء. (راجع صحيفة التحرير على الرابط: https://shorturl.at/mlyIW) فعل البرهان هذا في حين أن أكثر من نصف الشعب السوداني يعيش تحت خط الفقر. وفي حين يُعدُّ السودان من أبأس الدول في البنيات التحتية وفي جميع الخدمات التي ترعاها الدولة. والأدهى والأمر، أن البرهان اشترى قصره هذا وهو يعد للحرب التي تسببت في تهجير 13 مليون سوداني من بيوتهم!
مصر تُصَنِّع القطن السوداني
في 16 أبريل 2009، أصدر أمين أباظة، وزير الزراعة، قرارًا باستيراد 3000 طن قطن من السودان لصالح شركة الدلتا الزراعية. وتقول صحيفة اليوم السابع المصرية، التي أوردت الخبر أن ذلك قد جاء نتيجة لما ظل يعانيه المزارعون فى مصر بسبب عدم قدرتهم على تسويق محصول القطن لثلاثةِ أعوامٍ متتالية، بسبب انخفاض سعره. وهو ما دفع المزارعين المصريين فى المحافظات المصرية إلى الإقلاع عن زراعة القطن. وبالتالي، انخفضت المساحات المزروعة قطنًا خلال ذلك الموسم إلى 300 ألف فدان، مقارنة بالعام السابق الذى كانت المساحة فيه تزيد عن 650 ألف فدان. (راجع: صحيفة اليوم السابع على الرابط: https://rb.gy/tzmwyf). وفي 24 /08‏/2017 أعطى الدكتور عبدالمنعم البنا، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، الموافقة على سفر لجنة من الإدارة المركزية للحجر الزراعي المصري إلى السودان بغرض الإشراف على فحص وتبخير 6500 طن من القطن السوداني، وذلك لحساب إحدى الشركات. وشدَّد القرار على الالتزام الكامل بجميع إجراءات الفحص التي تتم عند وصول الشحنة إلى مصر، وذلك طبقا للقوانين والتشريعات الحجرية المُنظِّمة في هذا الشأن. (راجع: موقع النيلين على الرابط: https://shorturl.at/0LKUS).
وفي 1 أبريل 2022 كشفت الحكومة المصرية، أن أهم المجموعات السلعية التي استوردتها مصر من السودان قد كانت حيوانات حية بقيمة 193.2 مليون دولارا. حبوب بقيمة 70.8 مليون دولارا، وقطن بقيمة 43.6 مليون دولارا، ولحوم بقيمة 24.2 مليون دولارا. (موقع صحيفة الراكوبة على الرابط: https://shorturl.at/tACly). ولا بد من الملاحظة هنا أن هذه الأرقام لا تشمل التهريب الذي يجري عبره شفط القدر الأكبر من الموارد السودانية بواسطة مصر. وأعني هنا التهريب الذي يجري بعلم سلطات الجمارك في المنافذ الحدودية والآخر، وهو الأكبر، الذي يجري عبر الحدود في المناطق الصحراوية. ويبلغ طول الحدود المشتركة بين مصر والسودان حوالي 1270 كيلو مترًا.
 (يتواصل).

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(15 – 20)

“لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

التَّعْمِيِةُ على ما تحصل عليه مصر من السودان

للأنظمة المصرية المتعاقبة نهجٌ ثابتٌ في التَّعْمِيَةِ على ما تحصل عليه مصر من السودان. وربما دخل هذا في باب “يكاد المُريب أن يقول خذوني”. فمن أمثلة التعميات المصرية على ما يجيئها من السودان، ما ورد في تقريرٍ لمركز البحوث الزراعية المصري، الذي يُرمز إليه بـ ARC وموقعه على شبكة الإنترنت https://shorturl.at/lRUHq. ذكر أحد تقارير هذا الموقع أن قيمة الواردات المصرية من اللحوم الحمراء من أستراليا، والدنمارك، وألمانيا، والصومال، وأمريكا تصل إلى حوالي 94.6% من إجمالي الواردات المصرية من اللحوم ومشتقاتها الصالحة للأكل خلال متوسط الفترة 2018-2022. وأرجو أن يلاحظ القارئ أن اسم السودان لم يرد هنا على الإطلاق، رغم أنه البلد الذي تذهب منه اللحوم الحية والمذبوحة إلى مصر بالشاحنات يوميًا. فتقديم الإحصائية بهذه الصورة يخفي دور السودان كلياًّ في مد مصر باللحوم. لكن دعونا، في المقابل، نقرأ ما أورده موقع “العربية بيزنيس” في 22 يناير 2025، حيث قال: إن وزارة الزراعة الأميركية تتوقع في تقريرٍ حديثٍ لها أن تتراجع واردات “القاهرة” من الماشية الحية بنحو 44% خلال العام الجاري. وأن هذا يحدث على خلفية استمرار أزمة الحرب الدائرة في السودان، وهو البلد الأكبر توريدًا للحوم الحية إلى مصر. (راجع: موقع “العربية بيزنيس”، على الرابط: (https://tinyurl.com/t55mux4k. (الخط تحت الجملة الأخيرة من وضعي). واللحوم الحية التي تذهب إلى مصر هي اللحوم التي تقوم مصر بتصديرها إلى بقية أجزاء العالم بسبب ارتفاع الطلب عليها لجودتها العالية، وفقًا لشهادة وزير التجارة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح. فقد قال هذا الوزير أن منتجات مصر من اللحوم قد حازت على المستوى الأول عالميًّا لأنها تعتمد على الثروة الحيوانية السودانية، التي تُعدُّ عالميًّا من أفضل وأجود المنتج فى العالم، لأنها تعتمد بنسبة مائة في المائة على المرعى الطبيعي، ما أكسبها إقبالاً عالمياً على المستوى الأول. أما بخصوص المنتجات المصرية من الجلود، فقد قال: إننا نفخر بهذا القطاع الحيوي الذي، أيضًا، بفضل الله، تصدَّر المرتبة الأولى عالميًّا لجودة المواشي السودانية وخلوها من الأمراض. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

مصر تُصَدِّر السمسم!

يقول موقع استاتيستا Statista الإحصائي، (https://shorturl.at/Vr5ih)، أنه اعتبارًا من عام 2021، أصبح السودان هو المنتج الرئيسي لبذور السمسم في أفريقيا. أنتج السودان من بذور السمسم ما يزيد عن 11.19 مليون طنا متريا . وتلي السودان في ذلك تنزانيا ونيجيريا بكمية إنتاج بلغت 700 ألف طنا متريا . (راجع موقعStatista على الرابط: (https://shorturl.at/zoHMT. ولنلاحظ هنا الفرق بين السودان وبين ثاني أكبر المنتجين في إفريقيا، وهما نيجيريا وتنزانيا اللتان تنتجان أقل من مليون طنا متري، في حين ينتج السودان أكثر من 11 مليون طن متري. أما مصر فقد جاءت القطر رقم 15 في إنتاج السمسم في إفريقيا، بإنتاجٍ لا يتعدى 45 طنا في السنة، في حين أن إنتاج السودان من السمسم يتعدى 11 مليون طنا. ومع ذلك تصدر مصر السمسم إلى العالم. ويقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، إن شركة ليجند انترناشونال Legend International Company تستطيع تصدير 100,000 طن من السمسم شهريًا لمن يطلبها. (أنظر موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية على الرابط: https://shorturl.at/S5BA1. ويعني هذا أن هذه الشركة تستطيع توفير أكثر من مليون طن من السمسم سنويًّا للمستوردين. فكيف يحدث هذا وإنتاج مصر من السمسم لا يتعدى 45 ألف طنا في العام؟

المعروف أن إنتاج السمسم يكثر في المنطقة المدارية، وأكثر منتجيه في العالم هي دول ميانمار والصين والهند والسودان وتنزانيا ونيجريا وإثيوبيا. يقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، الذي أشرنا إليه سابقًا، أن شركة أخرى اسمها “ميزا فودز” Meza Foods المصرية، تصدِّر بذور السمسم الذهبي ذات الجودة العالية من مصر إلى الأسواق الخارجية بأسعار تنافسية، وأن في وسعها توفير 100 طنا في اليوم. ففي حين يتحدث موقع تنمية الصادرات المصرية عن هذه المقادير الضخمة التي تقوم هذه الشركة المصرية وحدها بتصديرها إلى الخارج من حبوب السمسم، نجد أن موقع الشروق قد أورد في الأربعاء 3 مايو 2023، ما يفيد بأن مصر غير مكتفية أصلاُ من محصول السمسم، ذاكرًا أنها تستورده بكمياتٍ كبيرة. ويقول الموقع في ذلك، إن واردات مصر من السمسم ارتفعت بنسبة 70.3% لتسجل 9.5 مليون دولارًا خلال شهر فبراير 2023، مقابل 5.6 مليون دولارا خلال نفس شهر فبراير من العام السابق 2022. (راجع: موقع “بوابة الشروق” على الرابط: https://tinyurl.com/mrpckwad). ولابد من الملاحظة هنا أن زيادة الاستيراد قد حدثت بعد عامين من الانقلاب الذي نفذه الفريق البرهان على حكومة الثورة التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. وغالبًا ما يكون التراجع في واردات السمسم في عام 2022، قد كان نتيجةً لإغلاق ثوار المديرية الشمالية الطريق الرابط بين السودان ومصر.

تقول كاتبة التقرير، أميرة عاصي، إنها استندت على بيانات وردت في نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر. وإن واردات مصر من السمسم قد تراجعت خلال الـ 9 أشهر الأولى من عام 2022، خلال الفترة وهي: (يناير – سبتمبر)، لتبلغ 52.7 مليون دولار، مقابل 64.8 مليون دولار عن نفس الفترة من العام الماضي 2021. أهم ما جاء فيما أوردته الكاتبة أن المساحات المزروعة فى مصر من السمسم تتراوح بين 40-60 ألف فدان سنويًا. (راجع: موقع الشروق على الرابط: (https://shorturl.at/z9nIU). فهذه المساحة المزروعة بالسمسم في مصر لا تساوي 5% من المساحة المزروعة بالسمسم في السودان. وعمومًا فإن ما أقامه الثوار من حواجز على الطريق الرابط بين السودان ومصر في الولاية الشمالية، وما قاموا به من تفتيش للشاحنات المصرية التي تدخل إلى أعمال السودان كشفت أنواعًا مختلفة من المنتجات السودانية التي يجري تهريبها إلى مصر. وقد حدث أن وجدوا سبائك ذهب داخل عبوات الحبوب. وتؤكد مختلف التقارير أن معظم الذهب السوداني الذي يجري إرساله إلى الخارج يذهب عن طريق التهريب. وقد أوردت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن ما يجري تهريبه من إنتاج الذهب السوداني يصل إلى 90%. (راجع: موقع “سي إن، إن”، على الرابط: https://tinyurl.com/aavbhx3s).

مصر تُصدِّر الصمغ العربي!

أورد موقعWorld Integrated Trade Solution ، الذي يُرمز إليه بـ WITS، وموقعه على شبكة الانترنت: https://shorturl.at/dJ51f، إن مصر تُصدِّر صمغًا عربيًا بما يزيد عن مليار دولار سنويا. هذا في حين أن أشجار الهشاب وغيرها من الأشجار من فصيلة أكاشيا التي تنتج الصمغ لا تنبت إلا في الحزام الإفريقي الواقع في المنطقة المدارية في نطاق السافنا الفقيرة. فمن أين لمصر كميات الصمغ التي تصدرها بمليار دولارا سنويا؟ وقد أورد طارق الشيخ الأمين، الذي كان أمينًا عامًا لمجلس الصمغ العربي، حتى مايو/أيار 2022، أن نصيب السودان من تجارة الأصماغ الطبيعية في العالم يتراوح بين 8% و10% على الرغم من أنه ينتج 80% من الإنتاج العالمي. وأضاف قائلاً أننا في السودان: نخسر 90% من القيمة المضافة، فعائد الصادر في أحسن أحواله 120 مليون دولارا ، في الوقت الذي يتضاعف فيه سعر المُنتج بالسوق العالمي خمس مرات. وبطبيعة الحال ليست مصر هي الدولة الوحيدة التي تصدر المنتجات السودانية، فعدد من دول الجوار يجري تهريب المنتجات السودانية إليها. وهذا ما يشير إلى الخلل البنيوي القاتل الذي أحدثة نظام الإخوان المسلمين الكليبتوقراطي في بنية الدولة السودانية. وهذا هو الذي جعل السودان فريسةً سهلةً تتلمَّظ لها شفاه جميع الدول، قويِّها وضعيفِها.

أيضًا، يدخل في تسبيب هذا الانهيار المريع للدولة السودانية وفقدانها السيطرة على مواردها، أصحاب المصالح من الرأسماليين وكبار التجار الذين عُرفوا بانتهاج أسهل السبل لتحقيق الربح. ومن ضمن السبل السهلة لتحقيق الأرباح تصدير الخام بالطرق الرسمية بسبب الفساد والتلاعب بالضوابط، وعن طريق التهريب إلى دول الجوار. فالفساد المؤسسي؛ الذي كانت تمارسه الأحزاب السياسية، والذي تضاعف على أيدي الأنظمة العسكرية، وخاصة النظام اللصوصي الإخواني، هو السبب وراء هذا الهدر الضخم للموارد.

من المهم القول، بعد إيراد تلك الإحصاءات الموجزة التي تشير بوضوح لا لبس فيه، أن مصر تصدِّر منتجاتنا، الإشارة إلى أن مصر لا تفعل شيئًا فيما يخص تصدير منتجاتنا، لا تستطيع الدولة السودانية فعله. فمصر فقط تضع عليها القيمة المضافة التي قد لا تتعدى مجرد الغسل وتبريد ما يحتاج التبريد كاللحوم. إضافةً إلى التغليف الجيد وتقديم العينات المعدة إعدادًا جيدًا التي تنال الموافقة من المستوردين، ثم القدرة على الترويج والتسويق. إلى جانب ذلك، توفير وسائل النقل الجوي والبحري المعدة لمثل هذه الأغراض. ثم يأتي دور المواني الكفؤة، وكل تلك أمورٌ مقدورٌ عليها، بل هي من أوجب واجبات الدولة، لو كانت الدولة في يد حكامٍ وطنيين أوفياء لوطنهم وشعبهم، وليست في قبضة لصوص يدمِّرون منشآت بلادهم ويضعفون قدراتها، ليملأوا حساباتهم الشخصية في البنوك الأجنبية بالدولارات. وقد سبق أن نظَّم البرهان والنظام المصري وتنظيم الإخوان المسلمين ممثلًا في الناظر محمد الأمين ترك، مؤامرة إغلاق ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد لهلهلة حكومة حمدوك وخنقها، ما جعل مصر تفتح موانيها لحركة التصدير والاستيراد السودانية. وقد كسبت مصر من ذلك ماليًّا وسياسيّا.

مصر تعترف بنهب موارد السودان!

قبل 25 يومًا من انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان على حكومة رئيس وزراء الفترة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك، كتب د. عبد اللطيف محمد سعيد مقالاً في موقع “النورس نيوز”، سبق أن أشرنا إليه. أورد الكاتب في ذلك المقال جزءًا من كلمةٍ لوزير التجارة والصناعة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح جاء فيها، أيضا: “بعون الله تشهد مصر نهضة صناعية وتجارية مطرده أهَّلها لكسب ثقة الأسواق الأوروبية والغربية والعربية، وحتى دول الجوار الافريقي، إذ أنها انتهجت سياسة الدولة الاستراتيجية للصناعات التحويلية. ويقول الوزير المصري، بحمد الله قفز مستوى عدد المصانع في مصر من 320 مصنع في 2016م الي 1200 مصنعَا في عام -2022م. ويشكل هذا التطور نهضةً غير مسبوقةٍ على المستوى العربي والأفريقي، بل على مستوى العالم. وكان ذلك بفضل هذا التطور في كل الصناعات التحويلية من صمغ عربي، وسمسم، وكركدي، وسنمكه، وفول سوداني، وقمح، ودخن، وماريق، وطابت، وقدم الحمام، وغيره من المنتجات الزراعية. وكل هذه المنتجات التي ذكرها الوزير المصري منتجاتٌ سودانية. (راجع: موقع “النورس” على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

أما على مستوى صناعة المعادن، فيقول وزير التجارة المصري إن الكثير من المعادن السودانية النادرة كالذهب والنحاس والكروم والحديد وغيره ترفد مصانعهم. ويواصل قائلا: “بذلك نخلص إلى تضاعف مستوى العقودات مع الشركات العالمية، حيث تجاوز الستين مليار دولار، لذلك، نحن مهتمون جدًا بمسألة استقرار الأوضاع السياسية في السودان. وندعم الاتفاق الإطاري والتحول المدني الكامل للسلطة، لتستقر الأوضاع، ويستمر تدفق المنتجات السودانية الممتازة. وأيضا تصدير منتجاتنا المصرية إلى السودان الشقيق من سراميك وأسمنت وأدويه ولعب أطفال”. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q). غير أن الذي حدث فعلاً أن مصر لم تدعم الاتفاق الإطاري، وإنما عملت بكل مل تملك على نسفه.

للمرء أن يتساءل: أليس من اللافت أن يزداد عدد المصانع في مصر من 320 مصنعًا في عام 2016، إلى 1200 مصنعًا في عام 2022؟ أي، بعد 6 سنوات فقط! واضح من حديث الوزير، أن سبب هذه الزيادة الضخمة في عدد المصانع قد حدثت لاستقبال المواد الخام السودانية التي يتباهى الوزير المصري بجودتها وكأنها من إنتاج بلده، هو وجود الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس السلطة في السودان. فهو الذي أتاح هذه الفرصة الكبيرة جدًا لمصر لكي تنهب موارد السودان على هذا النحو العجيب. ويشير هذا أيضًا، إلى سيطرة العسكر على الاقتصاد في السودان، وإدارته بمعزل عن رقابة الدولة، في هذه الفترة الممتدة ما بين 2016 و2023. فالتدفق الخرافي للمواد الخام السودانية إلى مصر ازدادت معدلاته في السنتين الأخيرتين من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، (2016 – 2018). غير أنه تواصل بضخامةٍ أكبر في السنوات الخمس التي تلت ذلك، إبتداءً من ثورة ديسمبر 2018 وإلى عام 2023. وقد كان نتيجةً لسيطرة العسكر على على مقاليد الأمور في السودان، عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

لقد عمل الفريق عبد الفتاح البرهان، والتنظيم الإخواني على عرقلة كل محاولات الإصلاح التي حاولت حكومة د. عبد الله حمدوك القيام بها، ومنها تقييد تصدير الخام. فالفريق البرهان قام عقب الانقلاب على حكومة حمدوك في أكتوبر 2021 بوضع يده على شركات المؤسسة العسكرية السودانية، التي أصبحت الأنبوب الذي تشفط عبره مصر موارد السودان الاقتصادية الخام. لتقوم مصر نيابةً عن السودان بوضع القيمة المضافة عليها ومن ثم تصديرها. ويجري هذا عبر اتفاق بين المؤسستين العسكريتين في كل من السودان ومصر، اللتان تعملان باستقلالٍ تامٍّ عن الدولة الأم في كلا البلدين.

مرةً أخرى، وجدت مصر في البرهان أنموذج الحاكم العسكري الذي ظلت تبحث عنه منذ استقلال السودان. فما وجدته في الفترة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور من فرصٍ لشفط منتجات السودان وإعادة تصديرها لم تجد ما يماثلها طيلة السبعين عامًا الماضية. لذلك انخرطت مصر بكل الوسائل لهندسة الأحوال السياسية السودانية الداخلية، بما يُبقى البرهان على قمة السلطة في السودان، ولأطول فترةٍ ممكنة. أسهمت مصر، وبقوةٍ، عبر جهاز مخابراتها وسيطرتها على رئيس جهاز المخابرات السوداني السابق صلاح قوش، المقيم في مصر، وعبر اختراقها لجهاز الاستخبارات العسكرية السودانية، في تعطيل ثورة ديسمبر 2018 من بلوغ أهدافها. وقد أعانها في ذلك، أيضًا، ما أبداه الفريق عبد الفتاح البرهان من استعداد لا محدود لخدمة أجندتها في السودان، نظير دعمها له؛ سياسيًّا، ودبلوماسيًّا، وعسكريّا. بسبب كل ذلك، أسهمت مصر بفكرة فض اعتصام القيادة العامة، ليكون على نسق فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في مصر، وممارسة أقصى درجات الوحشية فيه بما يُحدث صدمة هائلة، ينتج عنها خضوعًا كاملا. وكذلك عبر تشكيل الحاضنة الشعبية الضرار، من بقايا النظام القديم ومن الكارهين للثورة، وعبر إغلاق الموانئ والطرق السريعة لخنق حكومة عبد الله حمدوك، تمهيدًا للانقلاب عليها. ولا يزال النظام المصري منخرطًا، حتى هذه اللحظة، عبر أذرعه العديدة من السودانيين الذي وضعهم في خدمته في محاولة هندسة الأمور في السودان، والذهاب بعامل الحرب نحو حلٍّ يبقي على الفريق البرهان مسيطرًا على الأمور في السودان تحت مظلة ما يسمى “الحوار السوداني السوداني”. لتتشكل دائرة ديكورية من السياسيين المعروفين بالارتشاء من سدنة النظام القديم، ومن أصحاب المصالح تقدم السند السياسي للفريق البرهان، للزعم أن بقاءه في السلطة خيارٌ شعبيٌّ محض.  

(يتواصل)على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(15 – 20)

“لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

التَّعْمِيِةُ على ما تحصل عليه مصر من السودان

للأنظمة المصرية المتعاقبة نهجٌ ثابتٌ في التَّعْمِيَةِ على ما تحصل عليه مصر من السودان. وربما دخل هذا في باب “يكاد المُريب أن يقول خذوني”. فمن أمثلة التعميات المصرية على ما يجيئها من السودان، ما ورد في تقريرٍ لمركز البحوث الزراعية المصري، الذي يُرمز إليه بـ ARC وموقعه على شبكة الإنترنت https://shorturl.at/lRUHq. ذكر أحد تقارير هذا الموقع أن قيمة الواردات المصرية من اللحوم الحمراء من أستراليا، والدنمارك، وألمانيا، والصومال، وأمريكا تصل إلى حوالي 94.6% من إجمالي الواردات المصرية من اللحوم ومشتقاتها الصالحة للأكل خلال متوسط الفترة 2018-2022. وأرجو أن يلاحظ القارئ أن اسم السودان لم يرد هنا على الإطلاق، رغم أنه البلد الذي تذهب منه اللحوم الحية والمذبوحة إلى مصر بالشاحنات يوميًا. فتقديم الإحصائية بهذه الصورة يخفي دور السودان كلياًّ في مد مصر باللحوم. لكن دعونا، في المقابل، نقرأ ما أورده موقع “العربية بيزنيس” في 22 يناير 2025، حيث قال: إن وزارة الزراعة الأميركية تتوقع في تقريرٍ حديثٍ لها أن تتراجع واردات “القاهرة” من الماشية الحية بنحو 44% خلال العام الجاري. وأن هذا يحدث على خلفية استمرار أزمة الحرب الدائرة في السودان، وهو البلد الأكبر توريدًا للحوم الحية إلى مصر. (راجع: موقع “العربية بيزنيس”، على الرابط: (https://tinyurl.com/t55mux4k. (الخط تحت الجملة الأخيرة من وضعي). واللحوم الحية التي تذهب إلى مصر هي اللحوم التي تقوم مصر بتصديرها إلى بقية أجزاء العالم بسبب ارتفاع الطلب عليها لجودتها العالية، وفقًا لشهادة وزير التجارة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح. فقد قال هذا الوزير أن منتجات مصر من اللحوم قد حازت على المستوى الأول عالميًّا لأنها تعتمد على الثروة الحيوانية السودانية، التي تُعدُّ عالميًّا من أفضل وأجود المنتج فى العالم، لأنها تعتمد بنسبة مائة في المائة على المرعى الطبيعي، ما أكسبها إقبالاً عالمياً على المستوى الأول. أما بخصوص المنتجات المصرية من الجلود، فقد قال: إننا نفخر بهذا القطاع الحيوي الذي، أيضًا، بفضل الله، تصدَّر المرتبة الأولى عالميًّا لجودة المواشي السودانية وخلوها من الأمراض. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

مصر تُصَدِّر السمسم!

يقول موقع استاتيستا Statista الإحصائي، (https://shorturl.at/Vr5ih)، أنه اعتبارًا من عام 2021، أصبح السودان هو المنتج الرئيسي لبذور السمسم في أفريقيا. أنتج السودان من بذور السمسم ما يزيد عن 11.19 مليون طنا متريا . وتلي السودان في ذلك تنزانيا ونيجيريا بكمية إنتاج بلغت 700 ألف طنا متريا . (راجع موقعStatista على الرابط: (https://shorturl.at/zoHMT. ولنلاحظ هنا الفرق بين السودان وبين ثاني أكبر المنتجين في إفريقيا، وهما نيجيريا وتنزانيا اللتان تنتجان أقل من مليون طنا متري، في حين ينتج السودان أكثر من 11 مليون طن متري. أما مصر فقد جاءت القطر رقم 15 في إنتاج السمسم في إفريقيا، بإنتاجٍ لا يتعدى 45 طنا في السنة، في حين أن إنتاج السودان من السمسم يتعدى 11 مليون طنا. ومع ذلك تصدر مصر السمسم إلى العالم. ويقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، إن شركة ليجند انترناشونال Legend International Company تستطيع تصدير 100,000 طن من السمسم شهريًا لمن يطلبها. (أنظر موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية على الرابط: https://shorturl.at/S5BA1. ويعني هذا أن هذه الشركة تستطيع توفير أكثر من مليون طن من السمسم سنويًّا للمستوردين. فكيف يحدث هذا وإنتاج مصر من السمسم لا يتعدى 45 ألف طنا في العام؟

المعروف أن إنتاج السمسم يكثر في المنطقة المدارية، وأكثر منتجيه في العالم هي دول ميانمار والصين والهند والسودان وتنزانيا ونيجريا وإثيوبيا. يقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، الذي أشرنا إليه سابقًا، أن شركة أخرى اسمها “ميزا فودز” Meza Foods المصرية، تصدِّر بذور السمسم الذهبي ذات الجودة العالية من مصر إلى الأسواق الخارجية بأسعار تنافسية، وأن في وسعها توفير 100 طنا في اليوم. ففي حين يتحدث موقع تنمية الصادرات المصرية عن هذه المقادير الضخمة التي تقوم هذه الشركة المصرية وحدها بتصديرها إلى الخارج من حبوب السمسم، نجد أن موقع الشروق قد أورد في الأربعاء 3 مايو 2023، ما يفيد بأن مصر غير مكتفية أصلاُ من محصول السمسم، ذاكرًا أنها تستورده بكمياتٍ كبيرة. ويقول الموقع في ذلك، إن واردات مصر من السمسم ارتفعت بنسبة 70.3% لتسجل 9.5 مليون دولارًا خلال شهر فبراير 2023، مقابل 5.6 مليون دولارا خلال نفس شهر فبراير من العام السابق 2022. (راجع: موقع “بوابة الشروق” على الرابط: https://tinyurl.com/mrpckwad). ولابد من الملاحظة هنا أن زيادة الاستيراد قد حدثت بعد عامين من الانقلاب الذي نفذه الفريق البرهان على حكومة الثورة التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. وغالبًا ما يكون التراجع في واردات السمسم في عام 2022، قد كان نتيجةً لإغلاق ثوار المديرية الشمالية الطريق الرابط بين السودان ومصر.

تقول كاتبة التقرير، أميرة عاصي، إنها استندت على بيانات وردت في نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر. وإن واردات مصر من السمسم قد تراجعت خلال الـ 9 أشهر الأولى من عام 2022، خلال الفترة وهي: (يناير – سبتمبر)، لتبلغ 52.7 مليون دولار، مقابل 64.8 مليون دولار عن نفس الفترة من العام الماضي 2021. أهم ما جاء فيما أوردته الكاتبة أن المساحات المزروعة فى مصر من السمسم تتراوح بين 40-60 ألف فدان سنويًا. (راجع: موقع الشروق على الرابط: (https://shorturl.at/z9nIU). فهذه المساحة المزروعة بالسمسم في مصر لا تساوي 5% من المساحة المزروعة بالسمسم في السودان. وعمومًا فإن ما أقامه الثوار من حواجز على الطريق الرابط بين السودان ومصر في الولاية الشمالية، وما قاموا به من تفتيش للشاحنات المصرية التي تدخل إلى أعمال السودان كشفت أنواعًا مختلفة من المنتجات السودانية التي يجري تهريبها إلى مصر. وقد حدث أن وجدوا سبائك ذهب داخل عبوات الحبوب. وتؤكد مختلف التقارير أن معظم الذهب السوداني الذي يجري إرساله إلى الخارج يذهب عن طريق التهريب. وقد أوردت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن ما يجري تهريبه من إنتاج الذهب السوداني يصل إلى 90%. (راجع: موقع “سي إن، إن”، على الرابط: https://tinyurl.com/aavbhx3s).

مصر تُصدِّر الصمغ العربي!

أورد موقعWorld Integrated Trade Solution ، الذي يُرمز إليه بـ WITS، وموقعه على شبكة الانترنت: https://shorturl.at/dJ51f، إن مصر تُصدِّر صمغًا عربيًا بما يزيد عن مليار دولار سنويا. هذا في حين أن أشجار الهشاب وغيرها من الأشجار من فصيلة أكاشيا التي تنتج الصمغ لا تنبت إلا في الحزام الإفريقي الواقع في المنطقة المدارية في نطاق السافنا الفقيرة. فمن أين لمصر كميات الصمغ التي تصدرها بمليار دولارا سنويا؟ وقد أورد طارق الشيخ الأمين، الذي كان أمينًا عامًا لمجلس الصمغ العربي، حتى مايو/أيار 2022، أن نصيب السودان من تجارة الأصماغ الطبيعية في العالم يتراوح بين 8% و10% على الرغم من أنه ينتج 80% من الإنتاج العالمي. وأضاف قائلاً أننا في السودان: نخسر 90% من القيمة المضافة، فعائد الصادر في أحسن أحواله 120 مليون دولارا ، في الوقت الذي يتضاعف فيه سعر المُنتج بالسوق العالمي خمس مرات. وبطبيعة الحال ليست مصر هي الدولة الوحيدة التي تصدر المنتجات السودانية، فعدد من دول الجوار يجري تهريب المنتجات السودانية إليها. وهذا ما يشير إلى الخلل البنيوي القاتل الذي أحدثة نظام الإخوان المسلمين الكليبتوقراطي في بنية الدولة السودانية. وهذا هو الذي جعل السودان فريسةً سهلةً تتلمَّظ لها شفاه جميع الدول، قويِّها وضعيفِها.

أيضًا، يدخل في تسبيب هذا الانهيار المريع للدولة السودانية وفقدانها السيطرة على مواردها، أصحاب المصالح من الرأسماليين وكبار التجار الذين عُرفوا بانتهاج أسهل السبل لتحقيق الربح. ومن ضمن السبل السهلة لتحقيق الأرباح تصدير الخام بالطرق الرسمية بسبب الفساد والتلاعب بالضوابط، وعن طريق التهريب إلى دول الجوار. فالفساد المؤسسي؛ الذي كانت تمارسه الأحزاب السياسية، والذي تضاعف على أيدي الأنظمة العسكرية، وخاصة النظام اللصوصي الإخواني، هو السبب وراء هذا الهدر الضخم للموارد.

من المهم القول، بعد إيراد تلك الإحصاءات الموجزة التي تشير بوضوح لا لبس فيه، أن مصر تصدِّر منتجاتنا، الإشارة إلى أن مصر لا تفعل شيئًا فيما يخص تصدير منتجاتنا، لا تستطيع الدولة السودانية فعله. فمصر فقط تضع عليها القيمة المضافة التي قد لا تتعدى مجرد الغسل وتبريد ما يحتاج التبريد كاللحوم. إضافةً إلى التغليف الجيد وتقديم العينات المعدة إعدادًا جيدًا التي تنال الموافقة من المستوردين، ثم القدرة على الترويج والتسويق. إلى جانب ذلك، توفير وسائل النقل الجوي والبحري المعدة لمثل هذه الأغراض. ثم يأتي دور المواني الكفؤة، وكل تلك أمورٌ مقدورٌ عليها، بل هي من أوجب واجبات الدولة، لو كانت الدولة في يد حكامٍ وطنيين أوفياء لوطنهم وشعبهم، وليست في قبضة لصوص يدمِّرون منشآت بلادهم ويضعفون قدراتها، ليملأوا حساباتهم الشخصية في البنوك الأجنبية بالدولارات. وقد سبق أن نظَّم البرهان والنظام المصري وتنظيم الإخوان المسلمين ممثلًا في الناظر محمد الأمين ترك، مؤامرة إغلاق ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد لهلهلة حكومة حمدوك وخنقها، ما جعل مصر تفتح موانيها لحركة التصدير والاستيراد السودانية. وقد كسبت مصر من ذلك ماليًّا وسياسيّا.

مصر تعترف بنهب موارد السودان!

قبل 25 يومًا من انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان على حكومة رئيس وزراء الفترة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك، كتب د. عبد اللطيف محمد سعيد مقالاً في موقع “النورس نيوز”، سبق أن أشرنا إليه. أورد الكاتب في ذلك المقال جزءًا من كلمةٍ لوزير التجارة والصناعة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح جاء فيها، أيضا: “بعون الله تشهد مصر نهضة صناعية وتجارية مطرده أهَّلها لكسب ثقة الأسواق الأوروبية والغربية والعربية، وحتى دول الجوار الافريقي، إذ أنها انتهجت سياسة الدولة الاستراتيجية للصناعات التحويلية. ويقول الوزير المصري، بحمد الله قفز مستوى عدد المصانع في مصر من 320 مصنع في 2016م الي 1200 مصنعَا في عام -2022م. ويشكل هذا التطور نهضةً غير مسبوقةٍ على المستوى العربي والأفريقي، بل على مستوى العالم. وكان ذلك بفضل هذا التطور في كل الصناعات التحويلية من صمغ عربي، وسمسم، وكركدي، وسنمكه، وفول سوداني، وقمح، ودخن، وماريق، وطابت، وقدم الحمام، وغيره من المنتجات الزراعية. وكل هذه المنتجات التي ذكرها الوزير المصري منتجاتٌ سودانية. (راجع: موقع “النورس” على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

أما على مستوى صناعة المعادن، فيقول وزير التجارة المصري إن الكثير من المعادن السودانية النادرة كالذهب والنحاس والكروم والحديد وغيره ترفد مصانعهم. ويواصل قائلا: “بذلك نخلص إلى تضاعف مستوى العقودات مع الشركات العالمية، حيث تجاوز الستين مليار دولار، لذلك، نحن مهتمون جدًا بمسألة استقرار الأوضاع السياسية في السودان. وندعم الاتفاق الإطاري والتحول المدني الكامل للسلطة، لتستقر الأوضاع، ويستمر تدفق المنتجات السودانية الممتازة. وأيضا تصدير منتجاتنا المصرية إلى السودان الشقيق من سراميك وأسمنت وأدويه ولعب أطفال”. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q). غير أن الذي حدث فعلاً أن مصر لم تدعم الاتفاق الإطاري، وإنما عملت بكل مل تملك على نسفه.

للمرء أن يتساءل: أليس من اللافت أن يزداد عدد المصانع في مصر من 320 مصنعًا في عام 2016، إلى 1200 مصنعًا في عام 2022؟ أي، بعد 6 سنوات فقط! واضح من حديث الوزير، أن سبب هذه الزيادة الضخمة في عدد المصانع قد حدثت لاستقبال المواد الخام السودانية التي يتباهى الوزير المصري بجودتها وكأنها من إنتاج بلده، هو وجود الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس السلطة في السودان. فهو الذي أتاح هذه الفرصة الكبيرة جدًا لمصر لكي تنهب موارد السودان على هذا النحو العجيب. ويشير هذا أيضًا، إلى سيطرة العسكر على الاقتصاد في السودان، وإدارته بمعزل عن رقابة الدولة، في هذه الفترة الممتدة ما بين 2016 و2023. فالتدفق الخرافي للمواد الخام السودانية إلى مصر ازدادت معدلاته في السنتين الأخيرتين من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، (2016 – 2018). غير أنه تواصل بضخامةٍ أكبر في السنوات الخمس التي تلت ذلك، إبتداءً من ثورة ديسمبر 2018 وإلى عام 2023. وقد كان نتيجةً لسيطرة العسكر على على مقاليد الأمور في السودان، عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

لقد عمل الفريق عبد الفتاح البرهان، والتنظيم الإخواني على عرقلة كل محاولات الإصلاح التي حاولت حكومة د. عبد الله حمدوك القيام بها، ومنها تقييد تصدير الخام. فالفريق البرهان قام عقب الانقلاب على حكومة حمدوك في أكتوبر 2021 بوضع يده على شركات المؤسسة العسكرية السودانية، التي أصبحت الأنبوب الذي تشفط عبره مصر موارد السودان الاقتصادية الخام. لتقوم مصر نيابةً عن السودان بوضع القيمة المضافة عليها ومن ثم تصديرها. ويجري هذا عبر اتفاق بين المؤسستين العسكريتين في كل من السودان ومصر، اللتان تعملان باستقلالٍ تامٍّ عن الدولة الأم في كلا البلدين.

مرةً أخرى، وجدت مصر في البرهان أنموذج الحاكم العسكري الذي ظلت تبحث عنه منذ استقلال السودان. فما وجدته في الفترة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور من فرصٍ لشفط منتجات السودان وإعادة تصديرها لم تجد ما يماثلها طيلة السبعين عامًا الماضية. لذلك انخرطت مصر بكل الوسائل لهندسة الأحوال السياسية السودانية الداخلية، بما يُبقى البرهان على قمة السلطة في السودان، ولأطول فترةٍ ممكنة. أسهمت مصر، وبقوةٍ، عبر جهاز مخابراتها وسيطرتها على رئيس جهاز المخابرات السوداني السابق صلاح قوش، المقيم في مصر، وعبر اختراقها لجهاز الاستخبارات العسكرية السودانية، في تعطيل ثورة ديسمبر 2018 من بلوغ أهدافها. وقد أعانها في ذلك، أيضًا، ما أبداه الفريق عبد الفتاح البرهان من استعداد لا محدود لخدمة أجندتها في السودان، نظير دعمها له؛ سياسيًّا، ودبلوماسيًّا، وعسكريّا. بسبب كل ذلك، أسهمت مصر بفكرة فض اعتصام القيادة العامة، ليكون على نسق فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في مصر، وممارسة أقصى درجات الوحشية فيه بما يُحدث صدمة هائلة، ينتج عنها خضوعًا كاملا. وكذلك عبر تشكيل الحاضنة الشعبية الضرار، من بقايا النظام القديم ومن الكارهين للثورة، وعبر إغلاق الموانئ والطرق السريعة لخنق حكومة عبد الله حمدوك، تمهيدًا للانقلاب عليها. ولا يزال النظام المصري منخرطًا، حتى هذه اللحظة، عبر أذرعه العديدة من السودانيين الذي وضعهم في خدمته في محاولة هندسة الأمور في السودان، والذهاب بعامل الحرب نحو حلٍّ يبقي على الفريق البرهان مسيطرًا على الأمور في السودان تحت مظلة ما يسمى “الحوار السوداني السوداني”. لتتشكل دائرة ديكورية من السياسيين المعروفين بالارتشاء من سدنة النظام القديم، ومن أصحاب المصالح تقدم السند السياسي للفريق البرهان، للزعم أن بقاءه في السلطة خيارٌ شعبيٌّ محض.  

(يتواصل)على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(15 – 20)

“لنْ يستطيعَ أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لمْ تَكُنْ منحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

التَّعْمِيِةُ على ما تحصل عليه مصر من السودان

للأنظمة المصرية المتعاقبة نهجٌ ثابتٌ في التَّعْمِيَةِ على ما تحصل عليه مصر من السودان. وربما دخل هذا في باب “يكاد المُريب أن يقول خذوني”. فمن أمثلة التعميات المصرية على ما يجيئها من السودان، ما ورد في تقريرٍ لمركز البحوث الزراعية المصري، الذي يُرمز إليه بـ ARC وموقعه على شبكة الإنترنت https://shorturl.at/lRUHq. ذكر أحد تقارير هذا الموقع أن قيمة الواردات المصرية من اللحوم الحمراء من أستراليا، والدنمارك، وألمانيا، والصومال، وأمريكا تصل إلى حوالي 94.6% من إجمالي الواردات المصرية من اللحوم ومشتقاتها الصالحة للأكل خلال متوسط الفترة 2018-2022. وأرجو أن يلاحظ القارئ أن اسم السودان لم يرد هنا على الإطلاق، رغم أنه البلد الذي تذهب منه اللحوم الحية والمذبوحة إلى مصر بالشاحنات يوميًا. فتقديم الإحصائية بهذه الصورة يخفي دور السودان كلياًّ في مد مصر باللحوم. لكن دعونا، في المقابل، نقرأ ما أورده موقع “العربية بيزنيس” في 22 يناير 2025، حيث قال: إن وزارة الزراعة الأميركية تتوقع في تقريرٍ حديثٍ لها أن تتراجع واردات “القاهرة” من الماشية الحية بنحو 44% خلال العام الجاري. وأن هذا يحدث على خلفية استمرار أزمة الحرب الدائرة في السودان، وهو البلد الأكبر توريدًا للحوم الحية إلى مصر. (راجع: موقع “العربية بيزنيس”، على الرابط: (https://tinyurl.com/t55mux4k. (الخط تحت الجملة الأخيرة من وضعي). واللحوم الحية التي تذهب إلى مصر هي اللحوم التي تقوم مصر بتصديرها إلى بقية أجزاء العالم بسبب ارتفاع الطلب عليها لجودتها العالية، وفقًا لشهادة وزير التجارة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح. فقد قال هذا الوزير أن منتجات مصر من اللحوم قد حازت على المستوى الأول عالميًّا لأنها تعتمد على الثروة الحيوانية السودانية، التي تُعدُّ عالميًّا من أفضل وأجود المنتج فى العالم، لأنها تعتمد بنسبة مائة في المائة على المرعى الطبيعي، ما أكسبها إقبالاً عالمياً على المستوى الأول. أما بخصوص المنتجات المصرية من الجلود، فقد قال: إننا نفخر بهذا القطاع الحيوي الذي، أيضًا، بفضل الله، تصدَّر المرتبة الأولى عالميًّا لجودة المواشي السودانية وخلوها من الأمراض. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

مصر تُصَدِّر السمسم!

يقول موقع استاتيستا Statista الإحصائي، (https://shorturl.at/Vr5ih)، أنه اعتبارًا من عام 2021، أصبح السودان هو المنتج الرئيسي لبذور السمسم في أفريقيا. أنتج السودان من بذور السمسم ما يزيد عن 11.19 مليون طنا متريا . وتلي السودان في ذلك تنزانيا ونيجيريا بكمية إنتاج بلغت 700 ألف طنا متريا . (راجع موقعStatista على الرابط: (https://shorturl.at/zoHMT. ولنلاحظ هنا الفرق بين السودان وبين ثاني أكبر المنتجين في إفريقيا، وهما نيجيريا وتنزانيا اللتان تنتجان أقل من مليون طنا متري، في حين ينتج السودان أكثر من 11 مليون طن متري. أما مصر فقد جاءت القطر رقم 15 في إنتاج السمسم في إفريقيا، بإنتاجٍ لا يتعدى 45 طنا في السنة، في حين أن إنتاج السودان من السمسم يتعدى 11 مليون طنا. ومع ذلك تصدر مصر السمسم إلى العالم. ويقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، إن شركة ليجند انترناشونال Legend International Company تستطيع تصدير 100,000 طن من السمسم شهريًا لمن يطلبها. (أنظر موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية على الرابط: https://shorturl.at/S5BA1. ويعني هذا أن هذه الشركة تستطيع توفير أكثر من مليون طن من السمسم سنويًّا للمستوردين. فكيف يحدث هذا وإنتاج مصر من السمسم لا يتعدى 45 ألف طنا في العام؟

المعروف أن إنتاج السمسم يكثر في المنطقة المدارية، وأكثر منتجيه في العالم هي دول ميانمار والصين والهند والسودان وتنزانيا ونيجريا وإثيوبيا. يقول موقع تنمية الصادرات المصرية EDA، الذي أشرنا إليه سابقًا، أن شركة أخرى اسمها “ميزا فودز” Meza Foods المصرية، تصدِّر بذور السمسم الذهبي ذات الجودة العالية من مصر إلى الأسواق الخارجية بأسعار تنافسية، وأن في وسعها توفير 100 طنا في اليوم. ففي حين يتحدث موقع تنمية الصادرات المصرية عن هذه المقادير الضخمة التي تقوم هذه الشركة المصرية وحدها بتصديرها إلى الخارج من حبوب السمسم، نجد أن موقع الشروق قد أورد في الأربعاء 3 مايو 2023، ما يفيد بأن مصر غير مكتفية أصلاُ من محصول السمسم، ذاكرًا أنها تستورده بكمياتٍ كبيرة. ويقول الموقع في ذلك، إن واردات مصر من السمسم ارتفعت بنسبة 70.3% لتسجل 9.5 مليون دولارًا خلال شهر فبراير 2023، مقابل 5.6 مليون دولارا خلال نفس شهر فبراير من العام السابق 2022. (راجع: موقع “بوابة الشروق” على الرابط: https://tinyurl.com/mrpckwad). ولابد من الملاحظة هنا أن زيادة الاستيراد قد حدثت بعد عامين من الانقلاب الذي نفذه الفريق البرهان على حكومة الثورة التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. وغالبًا ما يكون التراجع في واردات السمسم في عام 2022، قد كان نتيجةً لإغلاق ثوار المديرية الشمالية الطريق الرابط بين السودان ومصر.

تقول كاتبة التقرير، أميرة عاصي، إنها استندت على بيانات وردت في نشرة التجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر. وإن واردات مصر من السمسم قد تراجعت خلال الـ 9 أشهر الأولى من عام 2022، خلال الفترة وهي: (يناير – سبتمبر)، لتبلغ 52.7 مليون دولار، مقابل 64.8 مليون دولار عن نفس الفترة من العام الماضي 2021. أهم ما جاء فيما أوردته الكاتبة أن المساحات المزروعة فى مصر من السمسم تتراوح بين 40-60 ألف فدان سنويًا. (راجع: موقع الشروق على الرابط: (https://shorturl.at/z9nIU). فهذه المساحة المزروعة بالسمسم في مصر لا تساوي 5% من المساحة المزروعة بالسمسم في السودان. وعمومًا فإن ما أقامه الثوار من حواجز على الطريق الرابط بين السودان ومصر في الولاية الشمالية، وما قاموا به من تفتيش للشاحنات المصرية التي تدخل إلى أعمال السودان كشفت أنواعًا مختلفة من المنتجات السودانية التي يجري تهريبها إلى مصر. وقد حدث أن وجدوا سبائك ذهب داخل عبوات الحبوب. وتؤكد مختلف التقارير أن معظم الذهب السوداني الذي يجري إرساله إلى الخارج يذهب عن طريق التهريب. وقد أوردت شبكة “سي إن إن” الأمريكية أن ما يجري تهريبه من إنتاج الذهب السوداني يصل إلى 90%. (راجع: موقع “سي إن، إن”، على الرابط: https://tinyurl.com/aavbhx3s).

مصر تُصدِّر الصمغ العربي!

أورد موقعWorld Integrated Trade Solution ، الذي يُرمز إليه بـ WITS، وموقعه على شبكة الانترنت: https://shorturl.at/dJ51f، إن مصر تُصدِّر صمغًا عربيًا بما يزيد عن مليار دولار سنويا. هذا في حين أن أشجار الهشاب وغيرها من الأشجار من فصيلة أكاشيا التي تنتج الصمغ لا تنبت إلا في الحزام الإفريقي الواقع في المنطقة المدارية في نطاق السافنا الفقيرة. فمن أين لمصر كميات الصمغ التي تصدرها بمليار دولارا سنويا؟ وقد أورد طارق الشيخ الأمين، الذي كان أمينًا عامًا لمجلس الصمغ العربي، حتى مايو/أيار 2022، أن نصيب السودان من تجارة الأصماغ الطبيعية في العالم يتراوح بين 8% و10% على الرغم من أنه ينتج 80% من الإنتاج العالمي. وأضاف قائلاً أننا في السودان: نخسر 90% من القيمة المضافة، فعائد الصادر في أحسن أحواله 120 مليون دولارا ، في الوقت الذي يتضاعف فيه سعر المُنتج بالسوق العالمي خمس مرات. وبطبيعة الحال ليست مصر هي الدولة الوحيدة التي تصدر المنتجات السودانية، فعدد من دول الجوار يجري تهريب المنتجات السودانية إليها. وهذا ما يشير إلى الخلل البنيوي القاتل الذي أحدثة نظام الإخوان المسلمين الكليبتوقراطي في بنية الدولة السودانية. وهذا هو الذي جعل السودان فريسةً سهلةً تتلمَّظ لها شفاه جميع الدول، قويِّها وضعيفِها.

أيضًا، يدخل في تسبيب هذا الانهيار المريع للدولة السودانية وفقدانها السيطرة على مواردها، أصحاب المصالح من الرأسماليين وكبار التجار الذين عُرفوا بانتهاج أسهل السبل لتحقيق الربح. ومن ضمن السبل السهلة لتحقيق الأرباح تصدير الخام بالطرق الرسمية بسبب الفساد والتلاعب بالضوابط، وعن طريق التهريب إلى دول الجوار. فالفساد المؤسسي؛ الذي كانت تمارسه الأحزاب السياسية، والذي تضاعف على أيدي الأنظمة العسكرية، وخاصة النظام اللصوصي الإخواني، هو السبب وراء هذا الهدر الضخم للموارد.

من المهم القول، بعد إيراد تلك الإحصاءات الموجزة التي تشير بوضوح لا لبس فيه، أن مصر تصدِّر منتجاتنا، الإشارة إلى أن مصر لا تفعل شيئًا فيما يخص تصدير منتجاتنا، لا تستطيع الدولة السودانية فعله. فمصر فقط تضع عليها القيمة المضافة التي قد لا تتعدى مجرد الغسل وتبريد ما يحتاج التبريد كاللحوم. إضافةً إلى التغليف الجيد وتقديم العينات المعدة إعدادًا جيدًا التي تنال الموافقة من المستوردين، ثم القدرة على الترويج والتسويق. إلى جانب ذلك، توفير وسائل النقل الجوي والبحري المعدة لمثل هذه الأغراض. ثم يأتي دور المواني الكفؤة، وكل تلك أمورٌ مقدورٌ عليها، بل هي من أوجب واجبات الدولة، لو كانت الدولة في يد حكامٍ وطنيين أوفياء لوطنهم وشعبهم، وليست في قبضة لصوص يدمِّرون منشآت بلادهم ويضعفون قدراتها، ليملأوا حساباتهم الشخصية في البنوك الأجنبية بالدولارات. وقد سبق أن نظَّم البرهان والنظام المصري وتنظيم الإخوان المسلمين ممثلًا في الناظر محمد الأمين ترك، مؤامرة إغلاق ميناء بورتسودان والطريق البري الرابط بينه وبين بقية البلاد لهلهلة حكومة حمدوك وخنقها، ما جعل مصر تفتح موانيها لحركة التصدير والاستيراد السودانية. وقد كسبت مصر من ذلك ماليًّا وسياسيّا.

مصر تعترف بنهب موارد السودان!

قبل 25 يومًا من انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان على حكومة رئيس وزراء الفترة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك، كتب د. عبد اللطيف محمد سعيد مقالاً في موقع “النورس نيوز”، سبق أن أشرنا إليه. أورد الكاتب في ذلك المقال جزءًا من كلمةٍ لوزير التجارة والصناعة المصري، الباشمهندس، أحمد سمير صالح جاء فيها، أيضا: “بعون الله تشهد مصر نهضة صناعية وتجارية مطرده أهَّلها لكسب ثقة الأسواق الأوروبية والغربية والعربية، وحتى دول الجوار الافريقي، إذ أنها انتهجت سياسة الدولة الاستراتيجية للصناعات التحويلية. ويقول الوزير المصري، بحمد الله قفز مستوى عدد المصانع في مصر من 320 مصنع في 2016م الي 1200 مصنعَا في عام -2022م. ويشكل هذا التطور نهضةً غير مسبوقةٍ على المستوى العربي والأفريقي، بل على مستوى العالم. وكان ذلك بفضل هذا التطور في كل الصناعات التحويلية من صمغ عربي، وسمسم، وكركدي، وسنمكه، وفول سوداني، وقمح، ودخن، وماريق، وطابت، وقدم الحمام، وغيره من المنتجات الزراعية. وكل هذه المنتجات التي ذكرها الوزير المصري منتجاتٌ سودانية. (راجع: موقع “النورس” على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q).

أما على مستوى صناعة المعادن، فيقول وزير التجارة المصري إن الكثير من المعادن السودانية النادرة كالذهب والنحاس والكروم والحديد وغيره ترفد مصانعهم. ويواصل قائلا: “بذلك نخلص إلى تضاعف مستوى العقودات مع الشركات العالمية، حيث تجاوز الستين مليار دولار، لذلك، نحن مهتمون جدًا بمسألة استقرار الأوضاع السياسية في السودان. وندعم الاتفاق الإطاري والتحول المدني الكامل للسلطة، لتستقر الأوضاع، ويستمر تدفق المنتجات السودانية الممتازة. وأيضا تصدير منتجاتنا المصرية إلى السودان الشقيق من سراميك وأسمنت وأدويه ولعب أطفال”. (راجع: موقع النورس على الرابط: https://shorturl.at/lFX9q). غير أن الذي حدث فعلاً أن مصر لم تدعم الاتفاق الإطاري، وإنما عملت بكل مل تملك على نسفه.

للمرء أن يتساءل: أليس من اللافت أن يزداد عدد المصانع في مصر من 320 مصنعًا في عام 2016، إلى 1200 مصنعًا في عام 2022؟ أي، بعد 6 سنوات فقط! واضح من حديث الوزير، أن سبب هذه الزيادة الضخمة في عدد المصانع قد حدثت لاستقبال المواد الخام السودانية التي يتباهى الوزير المصري بجودتها وكأنها من إنتاج بلده، هو وجود الفريق عبد الفتاح البرهان على رأس السلطة في السودان. فهو الذي أتاح هذه الفرصة الكبيرة جدًا لمصر لكي تنهب موارد السودان على هذا النحو العجيب. ويشير هذا أيضًا، إلى سيطرة العسكر على الاقتصاد في السودان، وإدارته بمعزل عن رقابة الدولة، في هذه الفترة الممتدة ما بين 2016 و2023. فالتدفق الخرافي للمواد الخام السودانية إلى مصر ازدادت معدلاته في السنتين الأخيرتين من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، (2016 – 2018). غير أنه تواصل بضخامةٍ أكبر في السنوات الخمس التي تلت ذلك، إبتداءً من ثورة ديسمبر 2018 وإلى عام 2023. وقد كان نتيجةً لسيطرة العسكر على على مقاليد الأمور في السودان، عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

لقد عمل الفريق عبد الفتاح البرهان، والتنظيم الإخواني على عرقلة كل محاولات الإصلاح التي حاولت حكومة د. عبد الله حمدوك القيام بها، ومنها تقييد تصدير الخام. فالفريق البرهان قام عقب الانقلاب على حكومة حمدوك في أكتوبر 2021 بوضع يده على شركات المؤسسة العسكرية السودانية، التي أصبحت الأنبوب الذي تشفط عبره مصر موارد السودان الاقتصادية الخام. لتقوم مصر نيابةً عن السودان بوضع القيمة المضافة عليها ومن ثم تصديرها. ويجري هذا عبر اتفاق بين المؤسستين العسكريتين في كل من السودان ومصر، اللتان تعملان باستقلالٍ تامٍّ عن الدولة الأم في كلا البلدين.

مرةً أخرى، وجدت مصر في البرهان أنموذج الحاكم العسكري الذي ظلت تبحث عنه منذ استقلال السودان. فما وجدته في الفترة التي سيطر فيها على مقاليد الأمور من فرصٍ لشفط منتجات السودان وإعادة تصديرها لم تجد ما يماثلها طيلة السبعين عامًا الماضية. لذلك انخرطت مصر بكل الوسائل لهندسة الأحوال السياسية السودانية الداخلية، بما يُبقى البرهان على قمة السلطة في السودان، ولأطول فترةٍ ممكنة. أسهمت مصر، وبقوةٍ، عبر جهاز مخابراتها وسيطرتها على رئيس جهاز المخابرات السوداني السابق صلاح قوش، المقيم في مصر، وعبر اختراقها لجهاز الاستخبارات العسكرية السودانية، في تعطيل ثورة ديسمبر 2018 من بلوغ أهدافها. وقد أعانها في ذلك، أيضًا، ما أبداه الفريق عبد الفتاح البرهان من استعداد لا محدود لخدمة أجندتها في السودان، نظير دعمها له؛ سياسيًّا، ودبلوماسيًّا، وعسكريّا. بسبب كل ذلك، أسهمت مصر بفكرة فض اعتصام القيادة العامة، ليكون على نسق فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في مصر، وممارسة أقصى درجات الوحشية فيه بما يُحدث صدمة هائلة، ينتج عنها خضوعًا كاملا. وكذلك عبر تشكيل الحاضنة الشعبية الضرار، من بقايا النظام القديم ومن الكارهين للثورة، وعبر إغلاق الموانئ والطرق السريعة لخنق حكومة عبد الله حمدوك، تمهيدًا للانقلاب عليها. ولا يزال النظام المصري منخرطًا، حتى هذه اللحظة، عبر أذرعه العديدة من السودانيين الذي وضعهم في خدمته في محاولة هندسة الأمور في السودان، والذهاب بعامل الحرب نحو حلٍّ يبقي على الفريق البرهان مسيطرًا على الأمور في السودان تحت مظلة ما يسمى “الحوار السوداني السوداني”. لتتشكل دائرة ديكورية من السياسيين المعروفين بالارتشاء من سدنة النظام القديم، ومن أصحاب المصالح تقدم السند السياسي للفريق البرهان، للزعم أن بقاءه في السلطة خيارٌ شعبيٌّ محض.  

(يتواصل)

..المتاجرة بدفن الموتى درمة غراب الموت إنموذجاً …

بتذكر الشاعر الاديب محجوب رفض ان يدفنه الحانوتي عابدين درمة
كان الشاعر شريف هو إبن امدرمان الذي يقرأ حياة الناس الإجتماعية ، وبحكم قربه من الناس التمس نفاق درمة وقربه من السلطة الحاكمة
وفي حقبة البشير إشتهر بلقب حانوتي المشاهير
وللكيزان ثلاثة ماركات تجارية
يسمعون لندى القلعة
يتزوجون على يد شيخ الزين في مسجد السيدة سنهوري
وعند الموت يوصون بأن يدفنهم درمة
وكل كوز نموذجي لا يخرج عن ذلك
يزعم درمة انه خريج كلية الهندسة ، ومن الممكن ان يكون ذلك صحيحاً ، وهناك من يقول أن عقيدته الدينية غير سليمة ويؤمن بالخزعبلات والخرافات خاصة عندما قال للناس يوم دفن الصادق المهدي : تراب قبر الإمام يشفي من مرض الكورونا
وهناك من يقول ان الرجل حقق من عمله ثروة كبيرة عن طريق منظمة خيرية تصلها اموال من الداخل والخارج
والإنسان ضعيف عند المرض والموت ، والبعض يتعامل مع درمة كأنه مضيفة في الخطوط القطرية تسهل رحلتنا عندما نموت وتقدم لنا المشروبات
هرب درمة بعد الحرب ولكنه عاد بعد الإلتحام بين كرري والمهندسين ليصبح ايقونة الحرب …
عاد كموظف في محلية كرري ويصطحبه الوالي في كل زياراته الميدانية ، هذه الحرب الكريهة صنعت منه نجماً وحققت له كل ما يصبو إليه
رغم أن الموت ليس بالأمر الجيد ولا أحد يتمناه بمحض إرادته لكنه من جانب آخر اصبح مصدراً للرزق والتجارة …
أتذكر قصة أديبة فرنسية تقدمت بطلب للموت الرحيم فسألوها لماذا فعلتي ذلك ؟؟
قالت : اليأس ، والناس يصطفون من أجل الحياة وليس الموت لكنني لم أعد أحتمل ..
ولا أعتقد أن درمة يقدم لنا الموت الرحيم لكنه يقدم لنا صورة الحانوتي الذي يعتبر الموت هو مصدر دخله وشهرته…
.
.
بشري احمد علي
.
.

جدلية العلمانية والدولة الحديثة

نجم الدين دريسة

 العقل الإسلاموي (الإسلام السياسي ) الذي ادعي الحق الالهي هو الذي شوه ديباجة الدين الوضاءة وحول مفهوم الإسلام عبر ممارساته المتطرفة والإنكفائية الي مؤسسة ارهابية تصادر الحقوق وتغتصب وتقتل وتمارس كل أشكال الفظائع والانتهاكات والموبقات ضد الإنسان هو نفس الإسلام الذي وضع مفهوم العلمانية في اضداد مع الإسلام وهو موقف يؤكد خطل العقل الإنكفائي المتطرف  المأزوم... لأن الإنسان البسيط يستطيع ان يدرك ان العلمانية تعني حيادية الدولة تجاه الاديان ومهما تكن قصر نظرتنا أو حتي ضحالة معرفتنا ندرك ان القرآن اشار في مواضع كثيرة لهذه المفاهيم منها علي سبيل المثال لكم دينكم لي دين .. ذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر.. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وآيات كثيرة تعزز هذه فكرة حرية المتعقد وفي ذلك اشار ايضا كثير من كتاب الفكر الاسلامي المستنير الي ما اسموه بالفرائض السياسية الاربع في الإسلام 

الحرية
العدالة
المساواة
والشوري
رأينا ان الحرية مبدأ أساسي في الإسلام وبالطبع حرية الاعتقاد تدخل في هذا الشأن والعدالة المعني بها العدالة الإجتماعية عدالة توزيع الفرص والسلطة والثورة أما مفهوم المساواة يشير مساواة الناس امام القانون او مفهوم المواطنة القائمة علي المساواة في الحقوق والواجبات الدستورية وأخيرا الشوري مفهوم لا يتحقق في عصرنا الحديث إلا عن طريق فلفسة الديمقراطية ..

هنا تحضرني مقالة رائعة وحديث مأثور لرئيس وزراء السودان المفكر الاديب المحامي الزعيم الراحل محمد أحمد المحجوب حين قال
(إذا حكمني مسلم فلن يدخلني الجنة واذا حكمني ملحد فلن يخرجني منها واذا حكمني من يؤمن لي واولادي الحرية والعمل والكرامة وعزة النفس ساقف له اجلالا واحتراما ويبقي دخول الجنة من عدمه رهين بايماني واعمالي فكفوا عن التنازع والتصارع علي السلطة والحكم باسم الدين معتقدين انها طريقكم الي الجنة فليست وظيفة الحكومة ادخال الناس الي الجنة وانما وظيفتها ان توفر لهم جنة في الارض تعينهم علي دخول جنة السماء) لكم ان تتأملوا هذا الحديث الذي قيل منذ ستينيات القرن المنصرم .. ولا زال البعض حتي اليوم يصدعون رؤسنا بأحاديث لا تمت للاسلام بصلة يرمون بها فضاء الإسلام الرحب الداعي إلي الحوار بالحسني والموعظة الحسنة.. وهي بالطبع محاولات بئيسة تنم عن جهل فاضح بفلفسة الدين والعمل علي واستغفال البسطاء واستغلال العاطفة الدينية ولكن ما لا يدركه هؤلاء الذين يقبعون في اقمصة حديد ماضوية ان الثورة هي ثورة مفاهيمية بالدرجة القصوي وماضية نحو هدم كل المعابد العقائدية المنكفئة علي الماضي البغض لتحرر العقول من الخرافة وضخ الخطابات الغوغائية .

ما قادني للحديث حول العلمانية هو حالة الخوف من التناول المباشر لهذا المفهوم المحاصر بدوائر الخوف والتجريم دوائر اجتماعية وعقائدية وايديولوجية .. أما آن الاوان للانفكاك من هذه القيود وتجاوز محاولات التحايل بالحديث عن الدولة المدنية والتخفي وراء دعوات ربط التحديث بالتأصيل وغيرها من المفاهيم البالية التي لم تعد ذات حوامل منطقية تعيننا علي الاجابة تساؤلات هذا العصر فتتبدي في تمظهرات تنم عن جهل فاضح.

التنصيص علي العلمانية في الدستور الانتقالي لتحالف السودان التأسيسي يؤكد ان هذا التحالف تجاوز دوائر الخوف والتنميط والتفكير الرغبوي وكل الفزاعات الخاصة بالاستغلال البشع الدين من قبل جماعات الهوس الديني ذات الشعارات الجوفاء فالدولة الحديثة تقوم علي المواطنة كاساس الحقوق والواجبات الدستورية وليس الدين ومبدأ فصل السلطات .. التأسيس يمثل غالب أهل فتبنيه لقضية العلمانية كقضية أساسية يكون وضع اللبنة إلاولي في ارساء دعائم المشروع وقطع الطريق أما قيام وعودة الدولة الثيوقراطية التي مارست كل أشكال البطش والظلم والتنكيل والفساد بادعاءات زائفة بأنهم يمثلون ظل الله في الأرض .

التأسيس من أجل وطن يسع الجميع
18مارس2025م

في مناقب الباقر العفيف (٣ – ٣)

د. النور حمد

الباقر السياسي المُبصر

ممَّا يميز الراحل الكبير، الباقر العفيف، أنه أمضى الثلاثين عامًا ونيف الأخيرة من حياته العامرة المنتجة مقسِّمًا جهده الضخم على صعيدين. الصعيد الأول هو صعيد النشاط السياسي الحزبي والعمل في منظمات المجتمع المدني. أما الصعيد الثاني فهو الإنتاج الفكري الذي أظهر فيه، على قلته، ملكة رفيعة في التفكير النقدي. وسآتي إلى إيضاح ذلك لاحقًا. أما على صعيد العمل السياسي، كما ذكرت في المقالة السابقة، فقد انخرط الباقر في “حركة حق”، التي عمل فيها لفترة قاربت العقدين من الزمان. لكن، ما لبث أن تركها نتيجةً لما وجد فيها من تدافعاتٍ مرهقةٍ غير منتجة. من ذلك المنعطف وجَّه الباقر جهده نحو العمل في منظمات المجتمع المدني عبر مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية، الذي أنشأه في الخرطوم في عام 2007. وقد حدث ذلك عقب اتفاقية نيفاشا التي أدت إلى شيءٍ من ارتخاء القبضة الخانقة لنظام الإنقاذ على المجال العام.

قبل رحيله بحوالي شهرٍ ونصفٍ تقريبًا، وهو في سرير المرض بالمستشفى في مدينة فيلادلفيا، بعث إليَّ بمسودة لورقةٍ مكوَّنةٍ من حوالي 18 صفحة، حملت عنوان “لجان المقاومة في السودان: النشوء وتحديات الارتقاء”. وطلب مني أن أقوم بكتابة مقدمة لها، وأن في نيته إرسالها إلى الأستاذ شمس الدين ضو البيت ليقوم بنشرها ضمن سلسلته المعروفة “قراءة من أجل التغيير”، التي حملت إلى القراء الكثير من المساهمات السودانية الفكرية المهمة. وقد أدهشني وأثار إعجابي حين استملت منه الورقة، حرصه الشديد على أن يكون مُسهمًا فاعلاً، حتى وهو في أكثر حالات اعتلال الصحة وبُرَحاءِ الألم شدَّةً مما يمكن أن يمر به إنسان. لم يترك الباقر بعزيمته الصلبة فرصةً للمرض لكي يعقده عن الإسهام في العمل العام، حتى آخر ثلاثة أسابيع من حياته العامرة المثمرة. لقد امتثل الباقر، وطبَّق حرفيًّا أدب معيشة اللحظة الحاضرة التي رسمها الحديث الشريف القائل: “لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”. كتبت له المقدمة وأرسلتها إليه في أول يناير 2025، فعبَّر لي عن سروره الشديد بها. بعد ثلاث أسابيع من استلام المقدمة، رحل إلى ما أسماه هو “العالم الأسنى”، نائلاً هدأةَ “ضجعةِ القُراب”، التي تشهَّاها صلاح أحمد إبراهيم، وهو يرثي صديقه ورفيق دربه على المك.

سيرة لجان المقاومة

في هذه الورقة حكى الباقر إسهامه في تكوين لجان المقاومة. وأحب أن أنقل عنه هذه الفقرة: “كانت السنوات التي أعقبت مجزرة سبتمبر 2013 مرحلة تأمل ومراجعة لما مضى من تكتيكات المقاومة، وكانت أيضًا مرحلة كمونٍ وانكماشٍ، استعدادًا للوثبة القادمة. إنها أيضًا مرحلة تغيير التكتيكات والانسحاب من المركز للأحياء. حيث جرى تكوين مجموعاتٍ صغيرةٍ من النشطاء تسمَّت باسم لجان الأحياء. كنا نوفِّر لها المواد التي تستخدم في كتابة الشعارات على الجدران وبعض الدعم المالي. صارت لجان الأحياء تنمو في الفترة ما بين نهاية 2013 ونهاية 2016. وفي العام 2016 كنتُ ضمن مجموعة من النشطاء قرَّروا تكوين مجموعات شبابية في الخرطوم ومدني تحت مسمى “لجان المقاومة السودانية، وكانت ذات هيكل هرميٍّ، لها أمانةٌ عامةٌ ومكاتب. وقد شهد هذا العام، والعام الذي تلاه، 2017، انتشار اسم “لجان المقاومة” ورسوخه، وظهر شعار “خُشْ اللجنة وخشِّي اللجنة”. أصبحت اللجان ظاهرةً انتشرت انتشار النار في الهشيم، mushroomed في جميع الأحياء والقرى والدساكر. وعندما بدأت المظاهرات في نهاية 2018، خرجت اللجان من تحت الأرض إلى السطح عملاقًا مكتمل النمو”. وقد نعى الباقر في هذه الورقة على الأحزاب اختراقها اللجان ومحاولة تجيير انجزاتها الباهرة للصالح الحزبي، الأمر الذي أدى إلى شرذمتها. يرى الباقر أن أحد أهم شروط نجاح اللجان هو تنظيمها الأفقي المناهض للهيكلة الرأسية التي تقوم عليها الأحزاب. وهو، في نظره، ما خفَّف أو أزال سببًا رئيسيًا من أسباب الصراع، وهو الصراع على القيادة. لكن، تدخَّلت الأحزاب وحدث التشرذم الذي عبر الباقر عن نتائجه بقوله: “وهكذا انتهينا إلى أن صار لكل حزبٍ لِجانُه، وبما أنه “ما في حد أحسن من حد”، فحتى “جماعة الموز” الموالية للعسكر، ومعهم الكيزان والبرهان، صارت لهم لجان مقاومتهم الخاصة بهم”. وأحثُّ المهتمين على الاطلاع على هذه الورقة، عقب صدورها. فهي ورقةٌ مستندةٌ على تجارب تغييرٍ مماثلة.

الباقر المفكر

تميَّز الباقر العفيف على صعيد الإنجاز الفكري بطرقه قضيةً بالغة الأهمية، لم تجد ما يكفي من الطرق النقدي الشجاع، وهي قضية الهوية. أذكر أنني زرته عندما أتي إلى واشنطن باحثًا زائرًا في معهد السلام الأمريكي. لم أكن قبل زيارتي له تلك منشغلاً كثيرًا بالالتباس الذي يكتنف تأصيلنا العرقي، نحن أهل الوسط والشمال النيلي، لأنفسنا. أثار الباقر معي الزعم الشائع القائل: إننا، نحن السودانيين، نتاجٌ لزواج أبٍ عربيٍّ بإمرأةٍ نوبيةٍ أو زنجيةٍ. وأبان لي، من وجوهٍ عديدةٍ، ما يكتنف هذا التصُّور من عوار. ولا غرابة، فقد أحدثت ورقته الشهيرة، الموسومة: “متاهة قومٍ سودٍ ذوو ثقافة بيضاء”، أصداءً مُجلجِلةً في أوساط المثقفين السودانيين. وأحب أن أقول إنني مدينٌ له بلفت نظري إلى عوار تجذيرنا لأصولنا العرقية خارج تربة بلادنا، ما جعلنا أقرب ما نكون إلى الغرباء الوافدين عليها. فنحن، أهل الشمال والوسط النيلي، جميعنا أو أكثريتنا، نُرْجِع أصلنا العرقي إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى بيت العباس بن عبد المطلب. لقد لفت الباقر نظري لإشكالية هذا التصور العمومي غير المُفَكَّر فيه، وغير المُقارب نقديًّا بالقدر المطلوب. كما لفت نظري إلى السلوك التعويضي الذي نمارسه حين نحتك بالعرب، بسبب ملاحظتنا أن ألواننا وسحننا التي لا تشبه ألوان وسحن بقية العرب.

الأصيل والدخيل

أكثر ما أثار اهتمامي في طروحات الباقر العفيف الفكرية ما قام به من تشخيصٍ للأصيل والدخيل في ثقافتنا، وخاصة غلبة المفاهيم الفقهية الوافدة التي تناقض الكثير من خصائص ثقافتنا، وطغيانها على المفاهيم الصوفية التي حين وفدت لم تتناقض مع روحانيتنا الكوشية القديمة. فغلبة الدخيل على الأصيل في ثقافتنا هي التي تقف وراء كل مشاكلنا المزمنة التي أوصلتنا إلى هذه الحرب المأساوية الطاحنة. ومن المهم القول هنا، إن مهمة البحث العلمي لا تقتصر على إيجاد الأجوبة أو الحلول، وإنما تشمل، أيضًا، طرح الأجندة البحثيةِ الجديرةِ ببذل الجهد فيها. وهذا في تقديري ما قام به الباقر العفيف وهي يلمس إشكاليتين جوهريتين مرتبطتين ببعضهما، وهما إشكالية الهوية، وغربتنا الطويلة عن حقيقة ذواتنا، وإدارتنا ظهورنا لجذرنا الحضاري. وبالتالي، إعلائنا الثقافة الفقهية الدخيلة على الثقافة الصوفية الأصيلة، التي امتزجت في انسجام مع إرثنا الروحاني الكوشي ولم تتناقض معه. فما نبع في ميراثنا الفكر السوداني، من الأصيل، وحمل نبض العصر، هو، من وجهة نظري، مشروع الأستاذ محمود محمد طه. وما حمل غثاء سيل الدخيل لهو مشروع ما تسمى الحركة الإسلامية السودانية، الذي أحال البلاد إلى محرقة تذرو الرياحُ هشيمَها ورمادها الناتجين من محرقةِ بُناها المادية والمعنوية.

حمل الباقر العفيف في جيناته الموروثة روحانية كوش القديمة، ومن ذلك: سلامة القلب ونقاء الطَّويَّة وحب الخير للناس، وهي صفاتٌ عُرف به الكوشيون. هذا الميراث الثري هو ما أهَّله ليصبح ثمرةً من الثمار اليانعة لعرفان الأستاذ محمود محمد طه ولنهجه التسليكي في التربية. فالباقر العفيف شخصٌ أحبَّه كل من عرفه وتعامل معه. أما القلة القليلة التي عادته، بل وكادت له هنا وهناك، فقد قابلها بالعفو والصفح الجميل، وبالتفهم: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”. على الباقر العفيف، وعواطف عبد القادر، وسيف محمد الفكي، الثلاثي الجمهوري، الراقدة أضرحتهم بين مزارع ولاية ميرلاند، مع قلة قليلةٍ من راحلي المسلمين في الغربة، فيوض الغيب النورانية. هؤلاء شهداءُ حقٍّ وشهداءُ غربة: “في زمنِ الغربةِ والارتحالْ، تأخذُني منك وتعدو الظلالْ. وأنت عِشقي، حيث لا عشقَ يا سودانُ إلا النسورَ الجبالْ”. (انتهى)

في مناقب الباقر العفيف (٢ – ٣)

د. النور حمد

مما يُميِّز خدنَ الروح، وصفيَّ القلب، الصديق العزيز، الراحل، د. الباقر العفيف، استقلالية شخصيته، وحرية التفكير التي يتمتع بها، وشجاعته في إبداء رأيه. وفي بلادٍ مثل بلادنا لا تزال تسود فيها غريزة القطيع، وثقافةٍ لا يزال يسيطر عليها العقل الجمعي، فإن الاتِّصاف بمثل ما اتصف به الراحل الكبير، يضع صاحبه أمام تحدياتٍ جسام. كتب الأستاذ محمود محمد طه، في ستينات القرن الماضي، عن طفولة العقل التي يتشاركها غالبية الناس وتتمثل في تجنُّبهم تحمُّل المسؤولية، ما نصه: “الناس لا يزالون أطفالاً، يحبون أن يحمل غيرُهم عنهم مسؤوليتهم، ويطيب لهم أن يظلُّوا غير مسؤولين، أو هم، إن احتملوا المسؤولية، فإنما يحتملونها في القطيع، وعلى الطريق المطروق. أما أن يكون المسئول وترًا، وأن يطرق طريقًا بكرًا، فإنه أمرٌ مخيفٌ، ولا يجد في النفوس استعدادًا، ولا ميلا”. لذلك، لا غرابة أن تكون قلةٌ قليلةٌ جدًا من مثقفينا هم الذين يقدرون على السباحة ضد التيار العام. وما ذاك إلا لأنها تتطلب شجاعةً وقوة احتمالٍ تستند على بناءٍ نفسيٍّ صلب. وتأتي قوة الاحتمال من سعة الفكر وعمقه. وأهم من ذلك، هي تأتي من متانة البناء الأخلاقي للشخصية. لذلك فإن أسوأ ما يمكن أن يتصف به المثقف، إنما هو إخفاؤه ما يعتقد، أو التنازل عنه خوف الرأي العام، أو بسبب السعي وراء التصفيق والهتاف الذي تجلبه دغدغة العواطف النواضب للعوام.

لقد شهدت الفترة التي أعقبت إعدام الأستاذ محمود محمد طه، بروز تبياناتٍ في الرؤى وسط القياديين الجمهوريين وعامتهم. فالفترة التي أمضيناها في المدرسة الفكرية الروحية العظيمة، للأستاذ محمود محمد طه، على تفاوتٍ بيننا في المدد، وفي مقدار الانتفاع من التجربة، اتسمت في جملتها بالجماعية. وقد كان السبب أن التركيز فيها كان منصبًّا على التربية وعلى تبليغ الدعوة. ولحسن الحظ، لم يفصل بين إعدام الأستاذ محمود محمد طه في ١٨ يناير ¹٩٨٥، وقيام ثورة أبريل ١٩٨٥، سوى ٧٦ يومًا. لذلك، لم يعاني الجمهوريون من اضطهاد السلطة سوى في تلك المدة القصيرة. لكن، على الرغم من عودة النظام الديمقراطي، لم تعد حركة الجمهوريين إلى ممارسة العمل في المجال العام، مثلما كان عليه حالها في الفترة ما بين ١٩٦٥ و١٩٨٥. تباينت الرؤى، عقب إعدام الأستاذ محمود محمد طه، واختلفت في تحديد ما هو الواجب المباشر. وقد اختارت أغلبية الجمهوريين العمل الداخلي، الذي اقتصر جلُّه على الإنشاد العرفاني، وعلى الإبقاء على الروابط الاجتماعية داخل المجتمع الصغير، رغمًا عمَّا طرأ من تباين الرؤى الذي قاد إلى انسحاب الحركة من المجال العام.

تجربته في “حركة حق”

في منتصف التسعينات، انضم الباقر العفيف إلى بعض أعضاء الحزب الشيوعي الذين ابتعدوا عن الحزب وأداروا ظهرهم للصيغة الماركسية اللينينة، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشيوعية. هذه المجموعة أسست، في منتصف التسعينات، مع بعض قوى اليسار ما سُمِّيت “حركة حق”، التي أصبح الباقر العفيف واحدًا من قيادييها البارزين. ولقد كان انضمام الباقر العفيف إلى حركة حق مستغرَبًا لدى قطاع كبيرٍ من الجمهوريين. فبعضهم، فيما يبدو، رأى فيه مخالفةً لخط الحركة الجمهورية، رغم أن الحركة الجمهورية كحركةٍ فاعلةٍ، لم تعد هناك. وأعتقد أن استغراب أكثرية الجمهوريين من انضمام الباقر العفيف إلى حركة حق قد نتج من خلطٍ بين العمل السياسي والعمل الدعوي، في وقت كان فيه العمل الدعوي قد توقف تمامًا ولم يعد له وجودٌ في المجال العام، باستثناء بعض أصواتٍ فرديةٍ، قليلةٍ، تظهر عبر الكتابة، هنا وهناك.

في فترة وجوده في إنجلترا تعرَّف الباقر عن كثب على القيادي الشيوعي البارز، الراحل، الخاتم عدلان، الذي لمع نجمه منذ أيام الطلب في جامعة الخرطوم. ولعل الذي جمع بين الباقر العفيف والخاتم عدلان، استقلالية الرأي والشجاعة في إبدائه، والاستعداد لمجابهة قذائف التخوين التي تطلقها عادةً مدفعية أحزاب الأديولوجيا القابضة؛ على من يتجرأون على الاختلاف معها، والابتعاد منها. تعمَّقت الصداقة بين الباقر العفيف والخاتم عدلان، رغم أنهما جاءا من مدرستين فكريتين متباينتين. لكنني أعتقد أن المرونة الفكرية، ونزعة التجريب، والقدرة على الشعور بتبدل السياقات قد جمعتهت بينهما وجعلتهما يقتربان من بعضهما. ومن جانبي، فإنني قد أحو لأُعزي التقاءهما، إلى كونهما قد طوَّرا قراءةً مشتركةً لأوضاع الأحزاب السياسية السودانية، وللحالة السياسية السودانية في تلك المرحلة. في عام ٢٠٠٥ توفي الخاتم عدلان بسرطان البنكرياس، الذي توفي به، بعد عشرين عامًا، صديقه الحميم، الباقر العفيف، (على كليهما الرحمة والمغفرة ولكليهما حسن المآب مع سلفهم من الصالحين الفالحين من نابهي السودانيين). لكن، فيما أمهل المرض الباقر العفيف ما يقارب السبع سنوات، لم يمهل صديقه الخاتم، من قبله، سوى بضعة شهور. ولا بد أن صلةً روحيةً ما قد جمعت بينهما وجعلت أقدارهما متشابهة على ذلك النحو، إذ رحلا بسبب مرضٍ واحدٍ، وفي عمرٍ قصير. وما يدل على إكبار الباقر العفيف لصديقه الخاتم عدلان ووفائه له، تسمية المركز: (مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية). وأقترح، من جانبي، على مجلس إدارة المركز أن تعيد تسميته لتصبح: (مركز الباقر والخاتم للاستنارة والتنمية البشرية).

لم أستغرب انضمام الباقر إلى حركة حق، فقد كنت مثله، أومن باستقلالية القرار وحرية الفعل. كما كنت أومن مثله أن الناس يمكن أن يتعاونوا، في سياقاتٍ بعينها، عبر القوالب السياسية الضيقة، حين يقتضي الحال، بدل أن يبقى كل قبيلٍ سياسيٍّ منحبسًا في إضبارةٍ منعزلة. لكن، مع ذلك، كنت مشفقًا عليه من العمل مع من كانت خلفيتهم شيوعية، لمعرفتي بما يصبغ به العمل في الحزب الشيوعي صاحبه، وهو أمرٌ خبرته منذ أن اقتربت منهم في المرحلة الثانوية. كان توقُّعي أن الباقر لن يستطيع التنفُّس طويلاً في ذلك الجو. وقد أعربت له باقتضابٍ بضع مراتٍ، أنه سوف لن يحتمل تلك البيئة التي اختار العمل من خلالها. وبالفعل دخل الباقر في صراعاتٍ حين كان في إنجلترا، وفي صراعاتٍ أخرى في مركز الخاتم عدلان، بسبب أن بعض قيادات حركة حق أصبحت جزءًا من بنية المركز.

في أوج تلك الصراعات، جاء الباقر إلى الدوحة ليجتمع ببعض قيادات حق، في شأن ذلك الصراع المرير، ونزل معي في المنزل. كانت الخلافات قد بلغت، حدَّا مزعجًا عرض المركز للقيل والقال، حتى دخل في ذلك إعلام الكيزان. وقد كان الباقر يأمل أن ينصفه اجتماعه بقيادات حق في موقفه في تلك الخلافات. لكن، حين عاد من الاجتماع كانت على وجهه مسحةُ حزنٍ وخيبة أملٍ لا تخطئها العين. وقد كنت على يقينٍ، حينما ذهب إلى الاجتماع، أن من سيجتمع معهم سوف يتكتَّلون ضده، وسيقفون مع الطرف الآخر، وكان ذلك هو ما حدث بالفعل.

أوردتُ هذه القصة، رغم كرهي إيرادها، لأعكس ما يتمتع به الباقر من صفات النبل والابتعاد عن شخصنة الأمور وعن نزعات الثأر الشخصي. وأحب هنا أن أستخدم العامية لأقول: (موضوعية الباقر وحِيَادو مرَّات يتحرِّقوا الروح). لم يزد الباقر حين عاد على القول بأن الاجتماع لم يكن في صالحه، ولم ينصفه، كما كان يتوقع. ولم يعلِّق بأي شيءِ ضد هؤلاء القياديين الذين تكتلوا ضده، ووقفوا مع خصمه في ذلك الصراع، رغم أن خصمه قد كان، في نظره، مبطلٌ باطلاً صُراحا. باختصارٍ شديدِ، لقد كان ابتعاد الباقر عن حركة حق، حتميًّا. ولقد كانت حركة حق، بنيتها وإرثها، وعاءً أضيق من أن يتسع لطاقات الباقر العفيف ولقدراته. وقت أثبت الباقر ذلك، عمليًّا، حين انصرف، بكليته، إلى تطوير المركز وتوسيع أنشطته. وأيضًا، حين انخراط في العمل المدني، والناشطية السياسية المستقلة. (يتواصل).

في مناقب الباقر العفيف (١ – ٣)

د. النور حمد

لقد عشت ومعي العديد من الأصدقاء المقربين من الراحل العزيز، الدكتور الباقر العفيف، مراحل صراعه مع المرض، عن كثبٍ، منذ أن اكتشف إصابته به منذ حوالي سبع سنوات. وقد ظل الأمل يحدونا، طيلة هذه السنوات، أن يتحقق له منه الشفاء التام، خاصةً وأن دورات العلاج الأولى التي امتدت لسنواتٍ، وتنوَّعت بين العلاج التقليدي في الولايات المتحدة، والعلاج البديل في كل من ألمانيا والمكسيك، قد أحدثت إبطاءً ملحوظًا في تقدم المرض. ومما أنعش أملنا في تحقُّق الشفاء التام له، أن سرطان البنكرياس يُعدُّ الأخطر، فهو لا يمهل من يصيبه سوى بضعة شهور. لذلك، ما أن تعدت مقاومة الأخ الباقر له العامين، هدأت مخاوفنا قليلاً، وأصبحنا أكثر أملاً في بلوغه التعافي التام. وعمومًا مهما كان نوع المرض، ومهما كانت درجته من الخطورة، فإن الشفاء التام منه يحدث أحيانا. إلى جانب ذلك، فإن الأدب القرآني ينبهنا قائلاً: “وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ”.
إلى جانب ما تقدَّم، كانت لدى الباقر همة عالية لا تعرف الونى. كما أن الله حباه بخاصية الصبر الجميل، والتركيز العالي على معيشة اللحظة الحاضرة، دون شكوى، والانحصار في أداء واجباته التي نذر لها نفسه في التنوير، وفي الفعل السياسي، والناشطية المدنية. كل تلك الخصائص النادرة، التي اتسم بها الباقر، وعلى رأسها عدم الشكوى، جعلتنا نشعر أنه في طريقه إلى التعافي. لكن، في الشهور الست الأخيرة إزدادت عليه وطأة المرض، ومع ذلك ظل منشغلاً بالهم العام، بأكثر مما هو منشغلٌ بأمر نفسه. عاش الباقر ممسكًا بالميزان، بدقة، بين تدهور حالته الصحية وتفاقم الآلام والمقاساة، وبين أداء ما يراه واجبًا عليه. لم يجزع الباقر قط من يد الموت التي كانت تمد براثنها إليه، ولم يبعده ذلك عن الانشغال بالهم العام، حتى بلغ الكتابُ أجله، وأسلم الروح إلى بارئها راضيًا مرضيا.
الواجب المباشر
في وصيته التي قمت بنشرها الأسبوع الفائت، أشار الباقر إلى “الواجب المباشر”. و”الواجب المباشر” تعبيرٌ استخدمه الأستاذ محمود محمد طه ليسمى به سلسلة من ندوات التربية الداخلية للجمهوريين والجمهوريات التي كان يقيمها. وقد هدفت ندوات الواجب المباشر إلى تنمية قدرة الفرد على معرفة أي واجباته هو الأوجب، الذي ينبغي أن يجد عنده الأولوية على غيره. كانت تلك الندوات ضمن مئات الندوات الداخلية التي طرقت مواضيع أخرى متعلقة بالسلوك وبالعرفان. ولقد كانت أولى الندوات الداخلية التي حضرتها للأستاذ محمود محمد طه، في منزل أحد إخواننا الجمهوريين في عام ١٩٧٢، واحدةً من ندوات “الواجب المباشر”. حينها، كنت طالبًا في السنة الثانية في كلية الفنون. وهو الوقت الذي بدأت أتعرف فيه على فكر الأستاذ محمود محمد طه وأقترب من الدخول في مجتمعه الصغير الذي صنعه.
ما تعلمته من جلسات الواجب المباشر، أن معرفة الواجب المباشر ومنحه الأولوية تعتمد على عنصرٍ آخر، هو الحيدة العقلية. والحيدة العقلية لا تأتي إلا عن طريق العبادة المجوَّدة والتَّفَكُّر الذي يقود إلى الرضا بما اختاره الله لك. وقد ورد في حكم ابن عطاء الله السكندري، قوله: “من وثق بحسنِ اختيارِ الله له، لم يتمنّ غير الحالة التي هو فيها”. وهذا مقامٌ لا يقومه إلا من بلغوا شأوًا في التوحيد والمعرفة بالله والرضا به. فالمرء قد يختار، أحيانًا، واجبًا أقلَّ مباشرة، وأقل أهمية، فيندفع إلى أدائه، جاعلاً منه واجبًا مباشرًا، في حين يكون السبب هو مجرد الهروب من الواجب المباشر الحقيقي، الذي يكون أداؤه أكثر مشقةً من الذي اختاره. فالمرء، على سبيل المثال، قد يتحجج أمام نفسه ويخدعها بأن واجبه المباشر هو زيارة قريبٍ له مريض في المستشفى، ليتجنب واجبًا آخر يقتضي منه سفرًا شاقًا وخروجًا عن الروتين المعتاد. وهذا مجرد مثال لنقيس عليه.
الذي أعاد إلى ذهني ذكرى تلك الأيام وتلك الجلسات ما شاهدته من الباقر في الأعوام الأخيرة من حياته الخصبة المثمرة. لقد جسَّد الباقر العفيف ما تلقاه من تربيةٍ علي يد الأستاذ محمود محمد طه، في هذا المضمار، تجسيدًا لافتًا. لم يعذر الباقر نفسه، وهو تحت ضغط الآلام الهائلة واعتلال الصحة وضعف البدن عن واجبٍ قط. وهذا من المَحَكَّات التي يظهر فيها نور المعرفة الذي يجعل صاحبه قادرًا على تحييد عقله وتحديد أي الواجبات أوجب، وهو ما يقود إلى الإمساك بزمام النفس، وإلزامها بأداء الواجب المباشر في الوقت المطلوب. لقد كان في وسع الباقر أن يجعل من الإخلاد إلى الراحة، بين جلسات العلاج التي تتقارب أحيانًا، وتتباعد أحيانًا أخرى، عذرًا عن المشاركة في العمل العام، لكنه، لم يفعل. لقد ظل يقوم برحلاتٍ متعاقبة في أوقاتٍ متقاربةٍ من أمريكا إلى شرق إفريقيا. شملت أديس أبابا ونيروبي وكمبالا، وهي تمتد أحيانًا إلى عشرين ساعة، وهي مما يصعب حتى على الأصحاء.

مركز الخاتم عدلان

عندما تعرَّفتُ على الباقر في نهايات سبعينات القرن الماضي، كان طالبًا في كلية التربية بجامعة الخرطوم. ولقد لمحت فيه منذ ذلك التاريخ، سمات الشخصية المستقلة دفَّاقة الحيوية. افترقنا عقب إعدام الأستاذ محمود محمد طه في عام ١٩٨٥، ولم ألتقه مرةً أخرى، إلا عندما زرته في مانشستر في عام ١٩٩٧، وهو في معمعة التحضير لدرجة الدكتوراه. ثم افترقنا مرة أخرى ولم نلتق إلا في واشنطن حوالي عام ٢٠٠⁵، عندما جرى اختياره زميلا باحثًا في معهد الولايات المتحدة الأمريكية للسلام، لمدة عام. وحين قدمت في واحدةٍ من زياراتي من قطرٍ إلى الخرطوم، في عام ٢٠٠٧، بعد غيابٍ مستمر عن السودان، بلغ ١٨ عامًا، وجدته قد أسس مركز الخاتم عدلان للاستنارة والتنمية البشرية. كنت أزوره في كل زيارة لي من الدوحة إلى الخرطوم، وأدهش من مقدراته الإدارية وصبره على العمل. كان الباقر يسكن في الطابق الثاني من مبنى المركز، لا يفصل بين غرفته ومكتبه سوى جدار. ويمكن أن يلخص المرء حياته في تلك الأيام بأنها انتقالات متكررة بين سرير نومه وكرسيه في مكتبه المجاور لغرفته، الذي كان يجلس عليه، أحيان كثيرة، لأكثر من اثنتي عشر ساعة في اليوم.
تأسس مركز الخاتم عدلان في يوليو ٢٠٠٧م وتم إغلاقه ومصادرة أصوله بواسطة مفوضية العون الإنساني في ٣١ ديسمبر ٢٠١٢. وقد ظل المركز منخرطًا عبر سنواته الخمس تلك في صراع لا يتوقف مع مفوضية العون الإنساني التي يهيمن عليها جهاز الأمن الكيزاني. كانت تلك الفترة هي فترة ما بعد اتفاقية نيفاشا. وكان على السلطات أن تبدي مرونة تجاه حرية الرأي وإفساح المجال لأنشطة المجتمع المدني المختلفة. لكنها كانت تمنح المساحة باليد اليمنى، ثم لا تلبث أن تقلصها باليد اليسرى, فالكيزان، كما هو دأبهم، لا يخشون شيئًا مثلما يخشون مناخ الحرية والديمقراطية وحيوية المجتمع المدني. لقد كان المركز في سنواته الخمس تلك شعلة من النشاط لا تهدأ أبدًا. فقد أجرى العديد من الدورات التدريبية للشباب من الجنسين في مختلف جوانب بناء القدرات. كما أقيمت فيه الندوات في مختلف المواضيع، إلى جانب العروض الموسيقية. أيضًا، أسس المركز ناديًا للسينما، كما شرع في إصدار الكتب. تزايد الإقبال على المركز، الأمر الذي أزعج السلطات. باختصار، حرك المركز ركود المجال العام، وركود المجال العام حالة يعشقها الكيزان ويعملون على خلقها واستدامتها. لذلك، ما أن انتهت الفترة الانتقالية، وانفصل الجنوب، سعوا عبر عديد المسوغات الواهية إلى إغلاقه. فكان الإغلاق وكان الانتقال إلى يوغندة.
(يتواصل الأسبوع المقبل).

على طريق الانعتاق من الهيمنة المصرية

(14 – 20)

“لن يستطيع أحدٌ أنْ يركبَ على ظهرِك، ما لَمْ تَكُنْ مُنحنياً”

مارتن لوثر كينج

النور حمد

الإسلامويون والجيش ودولتهم الموازية

من العوامل التي هيأت الفرص لكي تصبح موارد السودان الخام نهبًا للجيش ولمنتسبي الحركة الإسلاموية، وما يحيط بهم ممن يوالونهم من التجار، إنشاؤهم الدولة الموازية، التي استقلت بنفسها عن الدولة الأم في السودان. وأصبحت تعيش في داخلها كما تعيش الدودة الشريطية في أمعاء الإنسان. فكما سبق أن أشرنا، خلقت ما تسمى “الحركة الإسلامية” في السودان لنفسها دولةً موازيةً تدير اقتصادًا موازيًا يتحرك خارج الأطر المؤسسية المعروفة لأي دولة. فأصبحت هناك دولةٌ موازيةٌ فاحشة الثراء غارقةٌ في الفساد حتى أذنيها، وهناك الدولة الأم التي تعيش حالة من الفقر المدقع ومن انهيار مطرد للخدمات كالكهرباء والمياه والاتصال والأمن والتعليم والصحة والنظافة العامة، وغير ذلك. أهل الدولة الموازية هم التنظيم الحاكم والقوى الأمنية التي تحرسه من قوات مسلحة ورديفاتها من المليشيات الخاصة بالحركة الإسلامية ومن أجهزة الأمن المختلفة ومن الشرطة، ومن أصحاب المصالح من الرأسماليين الطفيليين الذين يتحلَّقون حول كل نظامٍ للحكم، أيًّا كان، كما سلفت الإشارة.

شرع الدكتور حسن الترابي منذ تدبيره الانقلاب على النظام الديمقراطي في السودان في تمكين أتباعه من كل مفاصل الدولة. وأتبع ذلك بتحويل الأملاك العامة للدولة إلى أملاك لتنظيمه الحاكم ولمنظومة الحكم القائمة. وبعد ابعاده الترابي في عام 1999، ركز الرئيس المخلوع عمر البشير، على حماية نفسه بالجيش والأجهزة الأمنية لكي يأمن على نفسه من أي انقلابٍ تقوم به المجموعة التي ذهبت مع الدكتور حسن الترابي. تطورت الأمور منذ نهاية العشرية الأولى لنظام البشير ليصبح الجيش والأجهزة الأمنية، بمرور السنوات، دولةً كاملةً مستقلةً، تدير اقتصادًا ضخمًا موازيًا، يجري خارج إطار الدولة وأجهزتها التي تقع عليها مهمة رقابة المال العام. وهي دولة تكسب مليارات الدولارات لكنها لا تصرف إلا على نفسها، فقط. وكما ذكر رئيس وزراء الفترة الانتقالية، عبد الله حمدوك، فإن حوالي 80% من شركات القوات المسلحة والقوات النظامية تعمل خارج ولاية وزارة المالية على المال العام.

في عام 1993 أنشأ النظام الإخواني في السودان ما تسمى منظومة الصناعات الدفاعية، التي ضمَّت، ضمن ما ضمَّت، مجمع اليرموك للصناعات العسكرية، ومجمع جياد الصناعي الضخم في منطقة الباقير جنوبي الخرطوم. كما ضمَّت مجمع ساريا الصناعي في العاصمة الخرطوم، الذي جرى إنشاؤه في عام 1997. وكغيرها من الجيوش العربية التي سيطرت على مختلف البلدان، اتجهت القوات المسلحة السودانية إلى السيطرة على الاقتصاد ووضعه تحت قبضتها، بل، وقامت بإدارته خارج إطار الدولة. تعدت أنشطة الجيش الصناعات الدفاعية وأخذت تنشئ العديد من الشركات التجارية التي انخرطت في مختلف الأنشطة الاقتصادية. وقد أوردت صحيفة الراكوبة في 8 سبتمبر 2011، أن موسى كرامة المدير الأسبق لشركة الصمغ العربي، الذي كان جزءًا من المنظومة الحاكمة، قال: إن بنية الإقتصاد السوداني تم حرفها تماماً لتصب في صالح الموالين للحكومة من جيش وشرطة وقوى أمن بجعلهم يهيمنون على الشركات شبه الخاصة. وذكر كرامة، أيضًا، أن النظام يمنح ما أسماه “الشركات الرمادية”، العقود بصورةٍ غير شفافة. وقال إن 413 شركة شبه حكومية تسيطر على الاقتصاد السوداني. وأن هذه الشركات ترفض الخضوع للتدقيق والمراجعة. (راجع: صحيفة الراكوبة على الرابط: https://shorturl.at/gDGsQ). كما أورد الصادق على حسن المحامي الذي تجمعه صلة قرابة بموسى كرامة، في تقرير له نشرته مجلة الديمقراطي في أول يونيو 2021، أن موسى كرامة قال له: لديَّ وصية أريدك أن تنقلها لجماعتكم في الحكومة (يقصد حكومة الفترة الانتقالية): هنالك أشياء بالضرورة أن يسمعوها متعلقة بالذهب والتعدين وحصائل الصادر والشركات والأفراد الذين ينهبون ثروات البلاد. وكذلك، التهريب الذي لا يزال مستمرًا من خلال شبكةٍ متكاملةٍ تضم نظاميين يعملون بموانئ السودان الجوية والبحرية والبرية، وشبكات خارجية. إلى جانب ذلك هناك قضايا الصمغ العربي والتهريب المستمر وإختلال ميزان الصادر والوارد بسبب السياسات الخاطئة. (راجع: صحيفة الديمقراطي على الرابط: https://shorturl.at/QzL7t).

عبر البرهان استباحت مصر موارد السودان

ورث البرهان هذه البنية الاقتصادية المختلة من نظام سلفه الرئيس المخلوع عمر البشير، فقام بحراستها بل وبالتوسع فيها وتقويتها. سيطر الجيش وجهاز الأمن على تجارة السلع الضرورية. وإلى جانب سهولة جني المال من التجارة في السلع الضرورية الأكثر استهلاكًا، فإن السيطرة على هذا المجال كان لها منذ فترة حكم الرئيس عمر البشير، هدفٌ آخر، وهو استخدامها في خنق أي نظامٍ يعقب نظامهم؛ سواءً أتي بثورةٍ شعبيةٍ أو بانقلابٍ عسكري. وهذا ما حدث بالفعل لحكومة الفترة الانتقالية التي قادها الدكتور عبد الله حمدوك. فقد خلقت قوى النظام القديم لحكومة حمدوك ضوائق معيشية بالغة الشدة، كما سبق أن ذكرنا. وهذه الشركات بالإضافة إلى سيطرتها على السلع الضرورية؛ كدقيق الخبز والوقود، فإنها تسيطر أيضًا على وسائل نقل وتوزيع هذه السلع. وعلى سبيل المثال فيما يتعلق باحتكار شركات الجيش تصدير اللحوم، أوردت صحيفة الراكوبة الإلكترونية في 14 مارس 2021، أن وزير التجارة والتموين في الفترة الانتقالية، على جدو، أعلن عن ابرام اتفاق مع نظيره المصري علي فتح تصدير الماشية للشركات السودانية دون احتكار لأي جهة. شريطة أن تقوم الشركات المصدرة بتحويل حصائل الصادر لبنك السودان مشيرًا الى إيقاف الشركات التى لا تلتزم بتحويل عائد الصادر. (راجع: موقع الشروق على الرابط: https://shorturl.at/0YwgX). ويدل هذا على أن عوائد الصادر في الفترة السابقة التي كانت فيها شركات الجيش تحتكر تصدير الماشية إلى مصر، لم تكن تعود إلى الخزينة العامة. وقد كانت شركة الاتجاهات المتعددة، التي تتبع للجيش، هي التي تحتكر تصدير الماشية الحية واللحوم الي مصر، وفق اتفاقٍ خاصٍّ، قبل الإطاحة بالرئيس عمر البشير. وواضحٌ أن ما تضمنه حديث وزير التجارة والتموين في حكومة حمدوك التي أطاح بها الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، أنه عمد إلى تنبيه الجانب المصري إلى أن شركات الجيش لم تكن تدفع عوائد الصادر لوزارة المالية، وإنما كانت تحتفظ بكل ما تحصل عليه من التصدير إلى مصر، لنفسها.

سوريون يهربون الفحم السوداني

لقد سبق أن ذكرت أن درجة الاستباحة التي جرت لموارد السودان، منذ أن صعد الفريق البرهان إلى قمة السلطة، لم تحدث منذ أن ظهر السودان إلى الوجود. والسبب في ذلك أن البرهان قايض مصر أن تحمي وجوده في السلطة نظير فتح الباب لها لنهب موارد السودان. وهو لم يأت بجديدٍ في فاجعة نهب موارد السودان التي وصلت حدًّا لا يُصدق. فهي قد بدأت في فترة حكم سلفه المخلوع عمر البشير، لكنه زاد عليها ووسعها كثيرا. وعلى سبيل المثال، جرى الكشف عن أن الفحم المستخرج من حطب الطلح السوداني، المعروف بجودته العالية، يجري إنتاجه وتهريبه بواسطة بعض السوريين. وفي تقديري، غالبًا ما يكون هؤلاء السوريون من جماعة الإخوان المسلمين الذي فتح لهم نظام عمر البشير فرص الاستيطان في السودان، وقام بمنحهم جوازات سفر سودانية. هذا التصدير غير القانوني للفحم السوداني جرى الكشف عنه في الفترة الانتقالية التي ترأس وزارتها عبد الله حمدوك. فقد أوردت صحيفة الجريدة في 17/9/2019 أن رئيس الهيئة الفرعية لعمال رئاسة الهيئة النقابية القومية للغابات معتصم محمد كشف عن تورّط سوريين في تهريب فحم الطلح الذي تمّ إيقافه بقرارٍ رسمي منذ العام 2013. لكن، رغم ذلك، ظهر أن هناك سوريين لا يزالون يعملون في تصدير فحم الطلح للخارج. وقال إن تلك المخالفات أدّت إلى فقدان البلاد 17 مليار دولارا من عائدات الفحم بسبب تصديره بطرقٍ غير قانونية، وأن هذا النشاط تسبّب في زيادة معدلات التصحّر.(راجع: موقع أخبار السودان، على الرابط: https://shorturl.at/Jj2Y5).

مصر تصدِّر الفحم السوداني!

يمكن أن يستورد بلدٌ ما موادًا أوليةً من بلدٍ آخر ثم يضع عليها من خلال التصنيع قيمة مضافةً ويقوم بتصديرها. لكن سلعة كالفحم هي في الأصل سلعة جاهزة للتصدير، ويمكن لبلد المنشأ وهو السودان، أن يقوم بتغليفها وتصديرها مباشرةً، والحصول في مقابلها على عملات صعبة، بدلًا عن بيعها للمصريين بالجنيه السوداني لتقوم مصر بتصديرها وتكسب من ورائها عملةً حرة. لدهشتي، أثناء بحثي في شبكة الإنترنت عثرت على موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية الذي يُرمز إليه بالإنجليزية بـ EDA. ورد في هذا الموقع أن شركة مرجان للفحم النباتي تملك مصانع وشركات لإنتاج وتصدير فحم الطلح السوداني من السودان إلي كافة الدول العربية والدول الأوروبية، وأن في وسع الشركة التوصيل إلي أي ميناء حول العالم. وتقول الشركة في الترويج لبضاعتها هذه: “فحم الطلح السوداني معروف بجودته العالية ومنافسته لجميع أنواع الفحم النباتي حول العالم”. (راجع: موقع هيئة تنمية الصادرات المصرية EDA على الرابط: https://shorturl.at/cpOCq). ( الخط تحت الجملة من وضعي).

أيضًا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أوردت صحيفة التغيير الإلكترونية في 11 مارس 2023، أن هناك تزايدًا في عمليات التهريب للسلع السودانية لمصر، خاصةً عقب افتتاح معبر أرقين. وأن كميات من الذهب السوداني المُهرَّب يجرى ضبطها في المعبر من قبل الجانبين المصري والسوداني. كما أوردت أن أعداد الماشية التي تصدر بطريقةٍ كبيرة جدًا ويوجد بها إناث بأعدادٍ قليلة، ويبدو أن السبب في ذلك أن الإناث يجري تهريبها عبر البر بالطرق البديلة، وتقوم به عصاباتٌ متخصصةٌ تضم سودانيين ومصريين. كما أوردت الصحيفة أن كميات من السمسم يجري تصديرها بطريقة رسمية وأن عدد الشاحنات التي تذهب يوميًّا إلى مصر، وعلى متنها أبقار حوالي (11) شاحنة في اليوم، وتحمل الشاحنة حوالي (150) رأساً. وقد ذكر عضو القوى الثورية المسماة “تروس الشمال” التي كانت تحجز الشاحنات المصرية الخارجة من السودان، عبد الوهاب سعيد للصحيفة: أنهم اكتشفوا كميات من الشاحنات تحمل إناث الإبل والضأن والأبقار إلى جانب لحوم ذبيح وأطنان من اللحوم المجمدة ليست عليها أختام أو ديباجات. وقال إن هذا الأمر يفتح الباب للمصريين لتغيير اسم بلد المنشأ والإنتاج. أيضا أوردت صحيفة التغيير الإلكترونية في 19 يناير 2022، أن مدير إدارة الهندسة الزراعية بمشروع الجزيرة، المهندس محمد عبد الله الجدع، وصف ما يحدث في قطاع القطن بالفوضى، وكشف عن تهريب القطن ببذوره دون حلج، إلى خارج السودان بواسطة أجانب. هذا النهب الواسع للثروات ليس وقفًا على هذه السلع التي ذكرناها، فهذه مجرد نماذج. فهناك سلعٌ سودانيةٌ كثيرةٌ عُرف السودان بإنتاجها يجري تهريبها بكمياتٍ ضخمة، كالصمغ العربي، وبذور التبلدي “القونقوليس”، والكركدي، وحب البطيخ، والفول السوداني وغيرها.

مصر تصدر زيت السمسم السوداني

أما بخصوص الزيوت والكركديه وبعض السلع السودانية الأخرى، فقد أكد رئيس شعبة مصدري الحبوب الزيتية، محمد عباس، وجود فسادٍ وعملٍ ممنهجٍ يجري في صادر الحبوب الزيتية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الفول السوداني والحبوب الزيتية الأخرى. وشنَّ هجوماً عنيفاً على بنك السودان المركزي وجهاتٍ أخرى، لم يسمها، قائلاً إنها تعمل على عرقلة صادر الحبوب الزيتية عن طريق منع الدفع المقدم باعتبارها تحويلات غير حقيقية. وأوضح أنهم ظلوا يشتكون لمدة عامين من الفوضى والتلاعب في صادر الحبوب الزيتية عبر فورمة (دي أي)، وعدَّها تهريباً مقنناً. وأوضح عباس أن وزارة التجارة تصدر سنوياً إلى مصر 135 ألف طن سمسم بما قيمته 140 مليون دولار ، عدَّها تهريباً مقنناً. وأشار إلى أن مصر تأخذ سنوياً كركدي وسنمكة وسمسماً بما قيمته أكثر من 300 مليون دولارا. وأوضح أنهم طالبوا مراراً باعتماد قرار الدفع المقدم، إلا أنه قوبل بالرفض. وشدد على ضرورة اعتماد الدفع المقدم خاصة مع دول الجوار. (راجع: صحيفة مداميك، على الرابط: https://shorturl.at/LJvP1).

وقد نقلت نفس هذا الخبر صحيفة الراكوبة التي نسبت إلى محمد عباس قوله، إن ما بين 40 إلى50 عربة شاحنة تخرج الى مصر يوميًا. وشدد على ضرورة اعتماد الدفع المقدم خاصة مع دول الجوار، ونوه إلى أن السودان يفقد سنويا من 200 إلى 250 مليون دولارا تذهب إلى مصر، الأمر الذي عده تخريبًا للاقتصاد السوداني. وأضاف أن الحكومة لا تقبل الدفع المقدم لأن هذا هو ما تريده. وقال إن مصر تصدِّر إلى الخارج سنويًّا 100 طنًّا من زيت السمسم المجلوبة حبوبه من السودان. كما أشار إلى تصدير آلاف الأطنان من السمسم في العام السابق للصين ومصر، من غير غربلة. (راجع: صحيفة الراكوبة، على الرابط: https://shorturl.at/2fR6l).

مصر على وشك الإطباق على السودان

من يتابع مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام لابد أن يلحظ انشغالاً مصريًا يبلغ حد الهوس بالسودان. في هذه المواقع تجد من يحتفلون بالغناء السوداني الذي لم تستسغه ذائقتهم في يوم من الأيام. كما تجد إشاداتٍ بأخلاق السودانيين وكرمهم واهتمامًا بالعادات الاجتماعية السودانية، وغير هذا من أساليب جهاز المخابرات المصرية التي تتسم بالمدح وبالاسترضاء الفج حينا، وبمحاولات الاستغفال الفجة، حينا آخر. وهذا أمرٌ نبَّه إليه الأستاذ محمود محمد طه المصريين قبل أكثر من ثمانين عامًا، حين خاطب في عام 1952 قائد الانقلاب على النظام الملكي في مصر اللواء محمد نجيب بهذه العبارة: “فإن السودانيين قومٌ يؤذيهم أن يطمع طامعٌ فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون”. ولا يأخذني شكٌّ أبدًا أن بعض ما غصَّت به وسائط التواصل الاجتماعي المصرية مؤخرًا، يجري وفقًا لحملاتٍ منظمةٍ يقف وراءها جهاز المخابرات المصري، الذي شعر أن لحظة الإطباق على السودان، من جديدٍ قد أزفت. ومن يُرد أن يعرف كيف تخطط مصر للإطباق النهائي على السودان، في فترة وجود البرهان في السلطة، ولماذا هي حريصة كل الحرص على وجوده فيها، عليه مشاهدة الفيديو الذي أعده وبثه الصحفي المصري محمد عاصي، الذي يصف نفسه بأنه “صحفي إقتصاد”. (شاهد: فيديو محمد عاصي على تطبيق يوتيوب على الرابط: https://shorturl.at/PYRcU). وقد قام السودانيون بنشر هذا الفيديو بكثافةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوعين الأخيرين. وإلى جانب ذلك، هناك سياسيون واقتصاديون يتحدثون عن ضرورة الذهاب إلى السودان وشراء الأراضي فيه واستخدام مياهه لصالح مصر، ومن أمثلة ذلك د. محمود عمارة. وسوف أعود في حلقة أو حلقتين عقب نهاية هذه السلسلة لأسلط الضوء بتفصيلٍ أكثر على فيديو محمد عاصي، وربما على حديث محمود عمارة. لكن، ما ورد في فيديو محمد عاصي، على وجه الخصوص، يحتاج إلى إفراد مناقشةٍ خاصةٍ له. فأخطار الهيمنة فيه تتعدى السودان لتصل إلى كل الجوار المصري؛ القريب منه والبعيد. هذا الفيديو يكشف عن توسُّعٍ خديويِّ جديدٍ ناعم.

(يتواصل).


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427