9.2 C
New York
الإثنين, أبريل 20, 2026

whatsapp now

spot_img

كلمة بروفسور فاروق محمد ابراهيم في تأبين أستاذ الأجيال محجوب محمد صالح

محجوب محمد صالح طالبا في حنتوب وكلية غردون (1946-1949)
ورائداً من رواد المشروع الوطني الديمقراطي في السودان

مقدمة
كان إسهام الأستاذ محجوب في المجال الصحفي عظيماً ولا شك، غير أن الصحافة لم تكن بالنسبة اليه سوى وسيلة لخدمة المشروع الوطني الذي كان من مؤسسيه. ولأنني كنت ضمن من سعدوا برفقتة والإنخراط معه في عضوية الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو) التي انبثق منها ذلك المشروع ولحق بنا فيها لفترة وجيزة مؤسسا حركة التحرير الإسلامي بابكر كرار ومحمد يوسف محمد، فساركز في كلمتي من ناحية على التعريف بالأصول الماركسية للمشروع الوطني الديمقراطي ومكوناته ودور محجوب فيه، ومن الناحية الثانية على مولد المشروع الإخواني النقيض الذي اختطف السلطة في يونيو1989 وتشبث بها لوقتنا المأساوي الراهن. وحيث أن صراع هذين المشروعين تسيد المسرح السياسي السوداني، خاصة بعد ثورة اكتوبر 1964، بينما تقلص دور الحزبين التقليديين بفضل ثقلهما البرلماني لمجرد ملء فراغ السلطة في فترات “هدنة” صراع هذين المشروعين، فإن الصراع المتمثل في صعود المشروع الوطني الديمقراطي عبر اكتوبر 1964 ووصوله للسلطة في مايو 1969 وانهياره عقب الإنقلاب والإنقلاب المعاكس في يوليو 1971، ثم صعود المشروع الأخواني ووصوله للسلطة التي نعاني ويلاتها الآن، ثم مواجهة عسف الردة، ثم البحث عن المشروع البديل، سيشكل هذا الصراع الصورة العامة لهذه الورقة، بينما يشكل الدور الإيجابي التوحيدي التوليفي synthetic الذي لعبه محجوب بؤرة تركيزها.

1946: حنتوب، ووفد السودان للمفاوضات المصرية البريطانية
تعرفت على محجوب في مطلع العام 1946 حينما انتقلت من مدرسة رفاعة الوسطى لحنتوب الثانوية التي سبقني اليها بثلاث سنوات. لم تكن حنتوب الثانوية حينئذ في موقعها الجغرافي الراهن على ضفة النيل الأزرق المقابلة لمدينة ودمدني، وإنما كانت في مبنى المدارس الواقع بين حوش الخليفة والسوق الكبير في مدينة أمدرمان. ذلك لأنه، كما استهل محجوب الحديث على هامش سيرته مع الأستاذ صديق محيسي، فقد شهد العام 1946 ثلاثة أحداث كانت معالم هامة في الحياة السودانية وفي مسيرة حياتنا الشخصية، أولاها فصل مساري التعليم الثانوي عن العالي في كلية غردون، والثانية المفاوضات البريطانية المصرية بشأن الحكم في السودان، والثالثة تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني. وسأتابع في هذه الورقة تفاعل محجوب وتفاعلي الشخصي مع هذه الأحداث التي شكلت رؤانا في زمن الطلبة ووجهت مسارنا للوقت الراهن.
كانت كلية غردون حتى العام 1938 أقرب لأن تكون مدرسة ثانوية مهنية، تلتحق بها صفوة خريجي أحدى عشرة مدرسة وسطى يتم “تجهيزهم” خلال 4 أو 5 سنوات ليصبحوا مدرسين أو كتبة أو محاسبين أو قضاة شرعيين أو مهندسين، ولهذا كانت تعرف ب “التجهيزي”. كلية كتشنر الطبية أنشئت بصورة مستقلة في العام 1924، وكانت سلطتها العليا بيد لجنة برئاسة الحاكم العام، ولم تكن تتبع لكلية غردون. كلية القانون انشئت في العام 1935 تحت مظلة المصلحة القضائية، وكذلك كليات الزراعة والبيطرة والهندسة والآداب والعلوم في العام 1938 تحت اشراف المصالح الحكومية المختصة. كذلك تقرر في نفس العام فصل المسار الثانوي عن العالي وتاسيس مدرستين ثانويتين حديثتين في وادي سيدنا وحنتوب ونقل المسار الثانوي مؤقتا من مبنى الكلية بالخرطوم لمبنى المدارس بأمدرمان، بينما يتم في نفس الوقت تجميع و تأهيل المدارس العليا لتصبح كلية جامعية تحت مظلة جامعة لندن. غير أن نشوب الحرب العالمية الثانية ومشاركة قوة دفاع السودان فيها أدى لتحويل مدرسة وادي سيدنا التي اكتمل بناؤها لقاعدة عسكرية جوية أمريكية، وتأجل بناء حنتوب. وبينما نقل عند انتهاء الحرب في مطلع العام 1946 ثلاثة من الأنهر الخمسة من كل فصل من فصول الثانوي القديم من أمدرمان لوادي سيدنا، فقد بقي فيها النهران المخصصان لحنتوب ريثما يكتمل بناؤها وتأهيلها عقب العطلة الصيفية. وكان مقررا سلفا الحاق الطلبة من مديريات الخرطوم والشمالية وكسلا بوادي سيدنا، بينما خصصت حنتوب للطلاب من مديريات النيل الأزرق وكردفان ودارفور.
وهكذا صرت وزملائي من رفاعة الوسطى في رأس سنة 1946 طلابا “حنتوبيين” في مبنى الكلية القديمة بأمدرمان. ومن المدهش أنني كنت على معرفة وثيقة بجميع أبناء الدفعة، وعلى راسهم “حبيب الكل”، وكان حينها حقا كذلك، جعفر محمد نميري، كابتن كرة القدم بمدني عموما ومدرسة مدني الأميرية الوسطى على وجه الخصوص. فقد درست، بحكم تنقلات والدي الموظف الحكومي في معظم المدارس الوسطى التي بالكاد تتعدى أصابع اليدين. وقد فضلت السكن في داخلية بشارع العرضة مع صديقي أبوبكر عثمان محمد صالح، الحلفاوي القادم من أُمروابة، مدينة معاصر الزيوت النباتية، وقد التحق مثلي بمدرسة الأبيض التي كانت المدرسة الوسطى الوحيدة في مديريتي كردفان ودارفور، متعه الله بالصحة والعافية والعمل الصالح والعمر المديد.
خاطبنا في قاعة الطعام مساء اليوم الأول مرحبين رؤساء الداخليات، وكان أبرزهم شاكر مرسال، رئيسنا الأول و”رئيس الرؤساء” لتلك الفترة الدراسية، وكان محجوب محمد صالح ويوسف علي جادالله رئيسان، ثاني وثالث. توالت في الأيام التالية خطابات الرؤساء عن المفاوضات البريطانية المصرية وضرورة توحيد جناحي مؤتمر الخريجين المنقسم طائفيا بين شعاري وحدة وادي النيل تحت التاج المصري/ والتدرج الدستوري نحو الاستقلال تحت الإدارة البريطانية. كان هنالك نفور طبيعي للطلاب من الطائفية. الصحف كانت تتحدث عن اتفاق وشيك ينص على المطالبة بحكومة سودانية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا. محجوب تولى الحديث مفندا هذا التوفيق “الشكلاني السلبي”، وطرح عوضا عنه شعار جلاء القوات البريطانية عن مصر والسودان وحق الشعب السوداني في تقرير مصيره والكفاح المشترك بين الشعبين المصري والسوداني، وكان لذلك الطرح الجديد صدى كبيرا في نفوسنا. كان اولئك الرؤساء على اتصال باتحاد طلبة الكلية وقادة طلاب الثانويات الأخرى، مشكلين بذلك نواة لاتحاد عام حقيقي للطلاب السودانيين. كان منهم عبدالقادر مشعال وعبدالخالق محجوب في الكلية وكامل محجوب ومحمد احمد قاسم في الأحفاد والشقيقان حبيب وصديق مدثر في الأهلية. وكانوا في سبيل الضغط لأجل سفر وفد سوداني موحد للمفاوضات على اتصال بالشباب في الحزبين الطائفيين. في جلسة مسائية ضمتني وابوبكر عثمان مع الرؤساء في الغرفة التي كانت تميزهم عن غمار التلاميذ في العنابر خاطبنا أحدهم: لماذا لا تذهبا لرئيس شباب حزب الامة عبدالله عبدالرحمن نقدالله وتطالبا بوفد موحد تحت الشعار المقترح. ولم لا؟ فنحن “خريجون” تؤهلنا شهادة اتمام المرحلة الوسطى لعضوية مؤتمر الخريجين ولتبوء وظيفة حكومية مستديمة بمرتب ومعاش شهري. ذهبنا بالفعل، فاستقبلنا الأمير استقبالاً حسنا وحبذ قولنا.
صباح الأربعاء 18 مارس 1946 خصص الزعيم اسمعيل الأزهري بناء على طلبنا حصة الجبر الأخيرة في حياته (بالإنجليزي: I teach you Algebra ) لتنويرنا عن المفاوضات، فأسهب في شرح اتفاقية 1936 التي ابرمت بين الإنجليز والمصريين بدون مشاركة السودانيين، على أن تتم مراجعتها بعد 10 سنوات، وقد حان أوانها، ولم يكن مؤتمر الخريجين الذي يمثل السودانيين موجودا حينئذ، أما الآن فلن نسمح بتقرير مصير وطننا بدون مشاركتنا. وحينما سأل أبوبكر عثمان، ما العمل إن خاب مسعاكم ولم يؤخذ برؤيتكم، أجاب الزعيم بصوته الجهوري العميق، لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدم، ثم رمى الطبشورة الأخيرة في حياته وخرج مسرعا لقضاء مهام عاجلة. وفي السادسة من صباح اليوم بعد التالي، الجمعة 20 مارس، تجمعنا في فناء المدرسة الكبير، ثم علا هتافنا بينما كان شاكر مرسال يردد بنبرات قوية مجاراة عصماء الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا خلاص ولا مردا
وإذا الشعب أراد أبراج السماء لما استردا
والتحمنا بنفس الحماس مع آلاف المواطنين الذين احتشدوا في محطة القطار بالخرطوم لوداع الوفد، والاستماع لكلمات الزعيم الأزهري والمحامي أحمد خير. عدنا للداخليات وبعدها للفصول لاستكمال مقررات نصف السنة الدراسية الأول. لكن قبل أن تنقضي الأيام المتبقية من شهر مارس عاد الرؤساء بخطاب هام: زملاؤنا الطلبة المصريين تظاهروا بقيادة لجنة الطلبة والعمال المؤيدين لمطالبنا العادلة بالجلاء وحق تقرير المصير والكفاح المشترك اطلقت عليهم حكومة صدقي باشا الرصاص وفتح كوبري عباس المؤدي للجامعة، مما أدى لسقوط العشرات في النيل، ومن بين الشهداء طالب سوداني، ونحن مدعوون للإضراب والتظاهر تعبيرا عن الاحتجاج.. رحبنا كما رحب طلاب الكلية والمدارس الأخرى بالقرار، والتحمنا في داخلية بحي الأمراء بأمدرمان مع طلبة وادي سيدنا الذين جاءوا سيرا على الأقدام، وكان في مقدمتهم أحمد محمد خير وعبدالقيوم محمد سعد وآدم أبوسنينة، من دفعة محجوب. طافت المظاهرة سوق امدرمان وتوقفت أمام نادي العمال ورددنا الهتاف بكفاح الطلبة مع العمال، وأشعل الحماس طالب بقصيدة للشاعر المصري كمال حليم جاء في مطلعها:
أيها الشعب تحرك، أفلا تبصر قبرك
ها هو الحفار أوشك أن ينهي أمرك
ها هو الخنجر في قبضة من مزق صدرك
فتحرك أنت لكي تهدم قبرك
وحينما عدنا للدراسة في صباح اليوم التالي كان القرار صدر بإغلاقها مع المعاهد الأخرى لنهاية العطلة الصيفية. كل شئ تغير في العام 1946. حتى الشعر لم يعد ذا الضفتين الذي تعودنا عليه وحفظنا منه الكثير. تزود كثيرون منا بديوان التجاني يوسف بشير، أشراقة، تقديم ابراهيم ناجي، وبالروائع لشعراء الجيل: التجاني والشابي والهمشري، تقديم أحمد زكي أبوشادي، وقد بهرنا بهما، وتوفرا لنا في المكتبة الوطنية المجاورة لمقهى يوسف الفكي القريب من المدرسة.
كذلك بهرتنا حنتوب الجميلة التي افتتحناها في ذروة فيضان النيل غير المسبوق. في شهرنا الأول نظم الرؤساء لقاء ضخما للأستاذ عبدالله ميرغني، سكرتير وفد السودان الذي جاء من مصر خصيصا لتنوير الرأي العام السوداني عن سير المفاوضات في مصر، وما كان ممكنا للزيارة أن تكتمل دون أن يشمل التنوير طلبة حنتوب وأساتذتها. حنتوب التي ذاع عن الزعيم الأزهري عندما تقرر نقله اليها قولة “برضه مش ح نتوب”. اجتاز محجوب امتحان الثانوية العامة – كمبردج – عند نهاية العام بتفوق وغادر حنتوب ليلتحق بكلية الآداب. واتيح لي أن انتقل من حنتوب لوادي سيدنا قبل نهاية العام 1946 أيضاً.
الحركة العمالية والجمعية التشريعية ومؤتمر الطلبة (الجبهة الديمقراطية)
1947:الحركة العمالية
حينما التحق محجوب بكلية الآداب في مطلع هذا العام كان عضوا في الحركة السودانية للتحرر الوطني، وكان محمد سعيد معروف المنتسب لحستو رئيسا للإتحاد. وبحكم عضوية محجوب في حستو فقد كان نشاطه السياسي مركزا من ناحية على الإتحاد ومن ناحية ثانية على الحركة العمالية في مدينته الخرطوم بحري التي كانت المدينة العمالية السودانية الثانية بعد عطبرة. وكان العام 1947 عام تأسيس النقابات العمالية السودانية بحق، وعلى رأسها نقابة عمال السكك الحديدية. فقد شهد هذا العام إضراب ال33 يوم الذي انتزع عمال السكة حديد بموجبه شرعية نقابتهم وشرعية كل النقابات وفقا للقانون الذي صدر في العام 1948. لعب أعضاء حستو في اتحاد طلبة الكلية دورا كبيرا في هذا الإنجاز، وكان على رأسهم طالب الطب مصطفى السيد الذي كان من أقرب أصدقاء محجوب اليه. وكما يستشف من كتاب سيرته الذي قدم له محجوب، مشاوير في دروب الحياة، فهو الذي جند قاسم أمين والشفيع أحمد الشيخ وابراهيم زكريا وآخرين لحستو، وهو الذي قام بإدخال الماركسية وتأسيس فرع الحزب الشيوعي في عطبرة. وبتكليف من حستو ولجنة الإتحاد سافر محجوب ومصطفى لعطبرة لمساعدة قاسم والشفيع ورفاقهم النقابيين في صياغة البيانات وفي عملهم لتأسيس الهيئة النقابية، وكانا بجانب القادة النقابيين في المواجهة الدموية للسلطة مع العمال. ولعب محجوب، والى جانبه مصطفى، نفس الدور في الخرطوم بحري، المدينة العمالية الثانية.
1948: الجمعية التشريعية
فازت حستو للمرة الثالثة منذ تأسيسها بمقاعد لجنة الإتحاد التنفيذية العشرة وصار حسين عثمان وني رئيساً ومحمد عمر بشير سكرتيراً ومحجوب محمد صالح نائباً للسكرتير، وكان عباس علي وعباس عبدالمجيد وفتحي المصري أعضاء.
كان هذا العام بحق عام النضال الوطني لأجل الاستقلال. فالإدارة البريطانية سارت على طريق التطور الدستوري الذي وصفه الحاكم العام هدلستون بأنه شاق وطويل، وانخرط معه فيه حزب الأمة وآخرون، بينما عارضته حستو والأحزاب الإتحادية وقال فيه الزعيم الأزهري قولته الذائعة الصيت لن ندخلها ولو جاءت سليمة مبرأة من كل عيب، فاكتمل بذلك انقسام مؤتمر الخريجين. وقد لعبت لجنة الإتحاد وأعضاؤه دورا بارزا في جبهة الكفاح الوطني وفي المقاطعة، وكانوا فاعلين في الليلة السياسية التي أقامتها الجبهة بنادي الخريجين بامدرمان وأحكم حصارها االبوليس بقيادة القومندان الإنجليزي المستر كوتس. صب البوليس خراطيم المياه ذات الضغط العالي في المحاصرين في عز الشتاء، فردت الجماهير، بقيادة عوض عبدالرازق على البوليس بوابل الحجارة والمولوتوف. شاع حينها اسم “كوكتيل عوضوف” و”ستالينقراد”، أطلقه السلمابي محرر صوت السودان على الكوكتيل والحصار. ثم أعقبت هذا المشهد مظاهرة لجنة اتحاد طلبة الكلية الشهيرة التي أحكم حصارها البوليس في ميدان الامم المتحدة بسوق الخرطوم بقيادة نفس القومندان، فاختطف مصطفى السيد سيخة من جندي ضرب بها القومندان ضربة اسقطته من صهوة جواده وكسرت يده، بينما أصيب مصطفى بضربه بالسيخ سببت له عاهة في الكلى لازمته حتى الممات. لقد كنا ننظر لمصطفى ومحجوب لا كقادة وحسب، وإنما كأبطال.

1949: مؤتمر الطلبة
لا غرابة أن انتخبت قائمة حستو للاتحاد للسنة الثالثة على التوالي: مصطفى السيد رئيساً، محجوب محمد صالح سكرتيراً، الطاهر عبدالباسط نائباً للرئيس، خليفة خوجلي ومحمد عبدالحليم محجوب وعبدالوهاب محمد الشيخ وأربعة آخرين أعضاء. كان تأسيس مؤتمر الطلبة أهم بنود البرنامج الذي شرعت اللجنة في تنفيذه فور انتخابها، بدءا بحفل التعارف بالطلبة الجدد الذي أعقبه مهرجان ثقافي/رياضي استمر لمدة أسبوع، شاركت فيه المدارس الثانوية وأندية القمة لكرة القدم والسلة والهوكي والألعاب الرياضية الأخرى، بما في ذلك فريق جيش الاحتلال البريطاني للعبة الهوكي. كذلك تبارت الفرق الموسيقية لقوة دفاع السودان والشرطة والجيش المصري في تقديم المعزوفات الموسيقية. وفقا لوصف مصطقي السيد في مشاوير، فقد كان الجميع يرقصون ويشاركون فرقة الجيش المصري في غناء أنشودة القمح لمحمد عبدالوهاب: “الأمح الليلة…الليله..يوم عيده….يا رب تبارك.. تبارك….وتزيده”. قرينة الحاكم العام الإنجليزي ترقص طربا و تسأل إن كان ممكنا إعادة المعزوفة، وفرقة الجيش المصري تستجيب. ندوات ثقافية خاض فيها الأساتذة النويهي وإحسان عباس وعبدالعزيز اسحق وآخرين. حوارات مع الطلبة والخريجين، أشتهر منها حوار حرية الفكر الذي تواصل بين النويهي والوسيلة لبضعة أشهر على صفحات الرأي العام، وحوارت الثورة المهدية، وكتاب موت دنيا لعبدالحليم محمد ومحمد أحمد محجوب. ومسك الختام كان مؤتمر الطلبة الذي شارك فيه مندوبون منتخبون من وادي سيدنا وحنتوب والأهلية والأحفاد والثانوية المصرية والمعهد العلمي. إدارة الكلية ونظار المدارس الثانوية كانوا أبرز المدعوين الذين رحبوا بالمهرجان وبالمؤتمر. لكن فجأة تبدلت الأوضاع. تدخل السكرتير الإداري لحكومة السودان شخصيا ووبخ إدارة الكلية ونظار المدارس: ” لقد خدعوكم”، كتب مصطفي السيد في مشاوير، “خدعكم طلاب في سن أبنائكم. دغدغوكم بالموسيقى والمهرجان الذي كان عملا طلابيا مشروعا لتوريطكم في مؤتمر الطلبة، ذلك العمل السياسي الخطير الذي يزعزع الأمن والإستقرار”. وهكذا انصاعت إدارة الكلية وأعلنت في الأسبوع الأول من أبريل حل المؤتمر، فرد المؤتمرون بالإضراب، واغلقت الكلية والمدارس الأبواب. فورا فصلت الكلية محجوب والطاهر عبد الباسط، كما فصلت وادي سيدنا 11 من قادة الإضراب. أما مصطفي السيد، فلأن كلية الطب كانت مستقلة ومنفصلة قانونا عن كلية غردون، فقد تأجل فصله لحين انعقاد لجنة كلية الطب التي كانت برئاسة الحاكم العام.
وجهت قيادة المؤتمر دعوة لجلسة قبيل نهاية العطلة الصيفية لإخلاء طرف المفصولين ولتسليم المهام لقيادات جديدة، كان بمنزل في حي العمدة بامدرمان. حضره مصطفي السيد ومحجوب محمد صالح والطاهر عبدالباسط وعبدالوهاب محمد الشيخ من الكلية، وممثل عن كل مدرسة ثانوية، وكنت وزميلي فاروق مصطفى المكاوي ممثلين لوادي سيدنا. أوصى الاجتماع بالحفاظ على وحدة الطلاب وتفادي مواجهة لا يكون الطلاب مهيئين لها، ما استدعى العمل تحت الأرض.
انتهت العطلة الصيفية وفتحت الكلية والمدارس أبوابها. حل خليفة خوجلي محل مصطفى السيد في رئاسة الإتحاد بالكلية، وأوصت اللجنة بالإضراب احتجاجا على قرارات الفصل، لكن الجمعية العمومية رفضت التوصية. الامتحانات كانت على الأبواب، والإضراب ليس الطريق الوحيد للاحتجاج، والمؤتمر المعترف به قانونا ليس الخيار الوحيد لتنظيم الطلاب. صدر بعد ذلك قرار مجلس كلية الطب بفصل مصطفى السيد، فعقد طلبة الطب جمعية عمومية نفذت قرارا منفردا بالإضراب ليوم واحد احتجاجا على قرار الفصل. هكذا حدث شرخ بين طلاب الطب وبقية طلاب كلية غردون لم تتم معالجته إلا بعدما انضمت كلية الطب رسميا لكلية الخرطوم الجامعية في العام 1952 وصار انضمام طلبة الطب للاتحاد إلزاميا. (تمت تلك المصالحة في اجتماع للجنة الإتحاد مع طلبة الطب في مطلع ذلك العام توليت رئاسته بوصفي نائبا لرئيس الإتحاد في تلك الدورة).
عدنا لوادي سيدنا وشكلنا لجنة للمؤتمر كإتحاد سري لكل الطلاب. لم يكن المزاج العام للطلاب مؤاتيا لإضراب والامتحانات على الأبواب، فصرفنا عنه النظر. نفس الشئ فعله المندوبون في بقية المدارس. لم يكن هنالك تيار مناوئ لحستو ومؤتمر الطلبة حتى ذلك الوقت، لا في وادي سيدنا ولا الجامعة ولا المدارس الأخرى. وكان الطلاب بطبعهم نافرين من الطائفية والقبلية ومن الحزبين الطائفيين. غير أن هذا الوضع تبدل تماماً حينما ظهرت حركة الأخوان المسلمين.

الحركة السودانية للتحرر الوطني وحركة التحرير الإسلامي
الحدث الهام الثالث في العام 1946 كان الحركة السودانية للتحرر الوطني التي قال محجوب لصديق محيسي أنه انضم اليها في أواخره. وكما جاء في التاريخ الرسمي للحزب الشيوعي فقد تأسست الحركة نتيجة اجتماع عقد في حديقة المقرن بالخرطوم في منتصف اغسطس شارك فيه من ناحية شبان تعرفوا على الماركسية في مصر كان على رأسهم الدكتور عبدالوهاب زين العابدين، سكرتيرها الأول، ومن ناحية ثانية طلاب تعرفوا على الماركسية من أساتذتهم البريطانيين ومن عريف شيوعي بالجيش البريطاني اسمه هربرت ستوري، وكان على رأسهم عبدالقيوم محمد سعد وأحمد محمد خير وآدم أبوسنينة، اولئك الذين قادوا مظاهرة وادي سيدنا وفصلوا منها والتحموا معنا في المظاهرة التي شقت سوق امدرمان احتجاجا على مجزرة كوبري عباس في مصر، وكانوا دفعة محجوب وأصدقاءه. بدأت الحركة في عام تأسيسها الأول كجناح يساري سري للحركة الإتحادية بمؤتمر الخريجين، لكن الوضع تغير عند عطلة 1947الصيفية وعودة عبدالخالق محجوب ورفاقه الذين التحقوا بالحركة الشيوعية المصرية وصار عبدالخالق في قيادتها المركزية وعلى رأس مكتب السودان الذي ارتبط بعلاقة تأسيسية مع حستو. كانت وجهة عبدالخالق الأولى عطبرة، حيث وثق صلاته بقاسم والشفيع وأبراهيم زكريا وغيرهم من القيادات العمالية التي انضمت للحركة، وقد سبقه اليها محجوب ومصطفى السيد. واصل عبدالخالق رحلته للخرطوم وقاد سلسلة من الاجتماعات كانت نتيجتها إبعاد “الشيوعيين الملكيين” عبد الوهاب زين العابدين ومحمد أمين حسين وآخرين من الحركة، وتم تنصيب عوض عبدالرازق سكرتيرا لها. وحينما عاد عبدالخالق نهائيا للسودان بعد الإعتقال والإبعاد في نهاية العام 1948، قام بعقد أول مؤتمر تداولي للحركة في فبراير 1949، وحل محل عوض عبدالرازق الذي كان يعارض تحول الحركة لحزب شيوعي. وهكذا صار عبدالخالق مؤسس الحزب الشيوعي وقائده الحقيقي بلا منازع. ولو توقفنا قليلا عند قول محجوب أنه انضم لحستو في أواخر العام 1946 لدهشنا ولسألنا: كيف تسنى لمحجوب اتخاذ هذا القرار المصيري في الوقت القصير الذي تبقي من السنة بعد انتهاء امتحان الشهادة الثانوية ويكفي بالكاد لتدبير الرحلة من حنتوب للخرطوم بحري؟ الحقيقة أن محجوب كان عضواً أساسياً في تلك الحلقة من الطلاب الأصدقاء دون سن العشرين الذين انبهروا بصمود وبسالة وانتصارات السوفييت في الحرب واطلعوا على قدر من الفكر الماركسي حفزهم للشروع في التنظيم، كان على رأسهم عبدالخالق محجوب ومنهم التجاني الطيب وعوض عبدالرازق وأحمد محمد خير وعبدالقيوم محمد سعد وكامل محجوب وشاكر مرسال ومحجوب محمد صالح والآخرين. وذلك يفسر بروزهم كقيادة للحراك الطلابي في مطلع العام 1946 وحستو لم يعلن تأسيسها بعد. ومحجوب لم يحضر إجتماع اغسطس في المقرن، لكنه خف للإلتحاق برفاقه فور الإنتهاء من أداء الإمتحانات. لذلك كان محجوب عضوا في الحلقة المؤسسة للحركة، ولم يكن ممن التحقوا بها بعد التأسيس، مثلي.

ما الماركسية وما هي الشيوعية؟ مدرسة الكادر
ما الماركسية والإشتراكية والشيوعية وما هي أهميتها لنا كمواطنين في بلد بالحالة التي كان عليها السودان في العام 1946، وما علاقتها بالدين؟ وهل حقا ماركس قال أن الدين أفيون الشعوب”؟ نسبة لإلحاح هذه الموضوعات فقد درجت الحركة على التعامل مع الراغبين في الإنتساب اليها كمرشحين لمدة 3 أشهر تتم خلالها دراسة مكثفة للماركسية وما تعنيه للحركة، يتم بعدها تثبيت المرشح إن أراد أو يغادر. وحينما جندت للحركة سنة 1948 الحقت بمدرسة للكادر مع 15آحرين منهم 9 طلاب، فألقى علينا أحمد محمد خير مسئول التثقيف الحزبي (وكان يسمى مسئول الدعاية) ومحجوب محمد صالح ومحمد عبدالحليم محجوب، من لجنة اتحاد الكلية، سلسلة من المحاضرات في منزل بالخرطوم بحري استمرت لمدة اسبوع. كانت المحاضرة الأولى خلاصة للنظرية الماركسية صاغها كارل ماركس نفسه، اقتبسها منه جوزيف ستالين في مؤلفه المادية الجدلية والتاريخية، وقدمها لنا محجوب الذي ابتدر المحاضرة بقراءة متأنية لتلك الخلاصة، وكانت كالتالي:
“يمكن صياغة الرؤية التي، حالما تملكتها صارت الخيط الذي الذي ربط وقاد كل دراساتي وكانت كالتالي: يتحتم على الناس في الإنتاج الإجتماعي لوجودهم أن يدخلوا في علاقات محددة مستقلة عن إرادتهم، وهي بالتحديد علاقات الإنتاج التي تكون بالضرورة ملائمة للمستوى المعين الذي بلغه تطور قوى إنتاج حاجياتهم المادية. وتشكل قوى الإنتاج هذه في مجموعها البنية الإقتصادية للمجتمع، الأساس الحقيقي الذي تنشأ عليه البنية القانونية والسياسية الفوقية، والتي تتوافق معها أشكال معينة للوعي الإجتماعي. ويكيف نمط إنتاج الحياة المادية مسار الحياة الإجتماعية والسياسية والفكرية. فليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم وإنما وجودهم الإجتماعي هو الذي يحدد وعيهم. وتشتبك القوى المادية للإنتاج في المجتمع في مرحلة معينة من تطورها في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، أو – ما يعبر عن نفس الشيء بمصطلحات قانونية – مع علاقات الملكية التي ظلت تعمل في إطارها. وتتحول هذه العلاقات من أشكال تنامي لقوى الإنتاج إلى قيود تكبلها. حينئذ يحل عصر الثورة الإجتماعية. وتقود التغييرات في الأساس الإقتصادي إن عاجلا أو آجلا إلى تحول مهول لمجمل البنية الفوقية. بخطوط عريضة فإن أنماط الإنتاج الإسيوية والقديمة والإقطاعية والبرجوازية الحديثة يمكن أن تصنف كمعالم مميزة للتقدم في النمو الإقتصادي. ويعتبر النمط البرجوازي للإنتاج الشكل التناقضي الأخير للمسار الإجتماعي للإنتاج – تناقضي لا بمعنى التضاد الشخصي وإنما التناقض الذي ينشأ من الشروط الإجتماعية لوجود الفرد – غير أن قوى الإنتاج المتنامية داخل المجتمع البرجوازي تخلق الظروف المادية لإنهاء هذا التناقض. لذلك فإن هذه التشكيلة الإجتماعية تجلب، بنهايتها، نهاية حقبة ما قبل التاريخ الإنساني”.
توصلنا خلال مناقشة هذه الخلاصة لاستنباط خمسة محاضرات أخريات: ( البيان الشيوعى، وقدمه لنا في المحاضرة الثانية محجوب)، (المادية الجدلية /التاريخية والإقتصاد الماركسي، وقدمهما لنا في المحاضرتين الثالثة والرابعة محمد عبدالحليم)، و(المسألة الوطنية /قضية المستعمرات ولائحة الحركة، وقدمهما لنا أحمد محمد خير في المحاضرتين الخامسة والسادسة). وبعدما اكتملت مناقشة المحاضرات الست أفردت الجلسة الأخيرة للتفاكر حول السياسات لمناقشة ختامية شاملة. تولى في هذه الجلسة محمد عبدالحليم الجوانب المتعلقة بالإقتصاد الماركسي، وأسهب في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بمفهوم فائض القيمة الذي هو قوام النظام الرأسمالي. وتولى أحمد محمد خير طرح القضايا التي أثيرت حول المسألة الوطنية وقضية المستعمرات، وركز على أن تحقيق المجتمع الشيوعي هدف استراتيجي بعيد، وأننا نصل لهذا الهدف الاستراتيجي عبر مرحلتين مختلفتين متمايزتين، مرحلة التحرر الوطني والديمقراطية، ثم مرحلة الإشتراكية والشيوعية، ولكل منهما سماتها وتكتيكاتها، لكنهما مرحلتان متداخلتان. نحن نمر الآن بمرحلة النضال لأجل التحرر الوطني، وذلك يستدعي تحالف كل القوي الوطنية المعادية للإستعمار في جبهة الكفاح الوطني والدخول في المعركة الآنية لمقاطعة الجمعية التشريعية.. نحن نعمل على استنهاض وتنظيم القوى الاجتماعية للنضال لتحقيق مصالحها الفئوية والاجتماعية والطبقية، ما يستدعي نشر الوعي والتنظيم، ويتطلب العمل لأجل تأسيس الاتحادات العامة للعمال والموظفين، واتحادات المزارعين والرعاة، وللطلبة والشباب والنساء وربط هذه النضالات بمعركتنا الراهنة لأجل الجلاء وحق تقرير المصير والكفاح المشترك مع الشعب المصري. هذا المنهج يؤكد ويضمن من الناحية التحقق التام لمهمات المرحلة الأولى، ومن ناحية ثانية يمهد الطريق للانتقال بعدها لمرحلة الثورة الاشتراكية اللاحقة. ذلك بينما يستند حزبا الأمة والأشقاء في حراكهما على سند طائفي طوع الإشارة ولا تمتد برامجهما لأبعد من الاستقلال ولا يستهدفون إلا وراثة السلطة الاستعمارية وامتيازاتها.
وأخيرا تولي محجوب موضوع الدين الذي كان محل اهتمام وتساؤل من جميع المشاركين. ابتدر محجوب الحديث بالتأكيد على صحة نسبة مقولة الدين أفيون الشعوب لكارل ماركس، ثم قرأ النص الكامل لتلك المقولة من مصدرها، مخطوطة كارل ماركس “نقد فلسفة الحق عند هيجل” وكانت كالتالي:
“إن التعاسة الدينية هي، في شطر منها، تعبير عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى، احتجاج على التعاسة الواقعية. الدين هو زفرة الانسان المسحوق، انه قلب عالم لا قلب له، كما انه روح الظروف الاجتماعية التي طردت منها الروح. إنه أفيون الشعب”.
استرسل محجوب بعد قراءة النص قائلا إنه من الإنصاف لماركس أن نقر أنه تبنى البرنامج الإجتماعي الكامل للدين بامتياز. فالدين يحرم الربا واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان ويدعو الى التعاون والبر والعدل والمساواة التامة بين الناس. هذا هو جوهر البرنامج الإجتماعي للدين والماركسية كليهما. لكن ماركس انتقد الكنيسة كونها عجزت خلال الفين سنه من تحقيق برنامجها الاجتماعي و هو نفس البرنامج الذي سعى ماركس لتحقيقه بصورة علميه. فالانسان في التوراة كان يعيش في الجنه حيث لا يجوع ولا يشقى ولم تكن هناك ملكيه خاصه و لم يكن هناك وجود للدولة و لم يكن هناك استغلال وكانت هناك مساواة بين الناس. و في المقابل كانت الماركسية تتحدث عن المجتمع المشاعي البدائي, حيث لم يكن هناك استغلال و لم تكن هناك ملكية خاصه و لم تكن هناك دولة وبالتالي هو نفس المجتمع الذي ورد في الدين, ولكن انتقاد ماركس للكنيسة هو انها لم تستطع تحقيق هذا المجتمع بسبب استغلال الدين لخدمة مصالح طبقة الملاك و تخدير الشعوب بوعدهم بالسعادة في الحياة الاخرة, وفي هذا الاطار وردت عبارة الدين “افيون الشعب”. وفي مجتمعنا الاسلامي فهل حركة الاخوان المسلمين و حركات الاسلام السياسي و خطبائهم استخدموا الدين لتحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية ام استخدموه لتخدير الناس والهائهم عن السعي للمطالبة بحقوقهم ؟
ولا زلت أذكر بعد مضي 76 عاما التأثير العميق لهذه السلسلة من المحاضرات المشحونة بالأفكار والنظريات والمعاني في نفسي: هنا الإجابة على السؤال المصيري، لماذا تقدم الغرب وتخلفنا، وكيف نحقق الحرية والتقدم والعدالة لشعبنا. لقد تقدم الغرب لا بسبب الجغرافيا ولا بسبب التفوق العرقي ولكن بسبب التطور في قوى الإنتاج التي تشكل البنية الاقتصادية للمجتمع وتنشأ عليها البنية السياسية والقانونية الفوقية وتتوافق معها أشكال الوعي الاجتماعي، هذا هو سبب اختلاف ثقافاتنا ومجتمعاتنا. وحيث أن الناس يدخلون في الإنتاج الاجتماعي لحياتهم كما جاء في مقدمة هذه الفقرة في علاقات انتاج أو ملكية مستقلة عن ارادتهم، وهي بالضرورة ملائمة للمستوى المعين من تطور قوى الإنتاج التي لا تتوقف عن التطور، فإن القوى المادية للإنتاج تشتبك في مرحلة معينة من مراحل تطورها في تناقض مع علاقات الإنتاج التي ظلت تعمل في اطارها ولم تتغير، فتتحول هذه العلاقات من أشكال تنامي قوى الإنتاج الى قيود تكبلها، وبذلك يحل عصر الثورة الاجتماعية، وذلك يفسر الثورات والتحولات الاجتماعية الكبرى. تاريخ العالم الذي كنا ندرسه حينئذ، وكذلك تاريخ السودان، لم يعد ركاما من الأحداث والتواريخ وإنما انحلت رموزه وصارت مفاتيحه بأيدينا. مرحبا بالكفاح المشترك مع الشعب المصري وبمستودع الثقافة مصرا، كما قال التجاني يوسف بشير، لكن لم تعد مصر منفذنا الوحيد للعالم، فعمال العالم وشعوبه المضطهدة حلفاؤنا وشركاؤنا نحن وأشقائنا المصريين, فخمس الناخبين في إيطاليا وفرنسا يصوتون للحزب الشيوعي، والجيش الأحمر على أبواب بكين، و العالم صار منقسما الى معسكرين, المعسكر الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي العظيم, وكانت بشريات المجتمع الشيوعي تلوح في الافق, وان كانت بعيده ولكنها لن تكون ابعد من نهاية القرن العشرين.

حركة التحرير الإسلامي
لم يكن يوجد حتى العام 1949 تيار موالي لأي حزب معارض لحستو. كل الطلبة كانوا متحمسين لوفد السودان للمفاوضات في مصر، ولمؤتمر الطلبة، وكلهم كانوا معارضين للجمعية التشريعية. كان هنالك خلاف فقط حول المواقف ما بين المعتدل والمتطرف.
لقد بدأ الخلاف في الظهور في حنتوب: ميرغني النصري قال في معارضة الإضراب ضد حل المؤتمر أن المؤتمر “تشتم منه رائحة الشيوعية وفي الكلية أيضا عارض بابكر كرار ومحمد يوسف الإضراب بدعوى مماثلة.
وفي “تخليد ذكرى المفكر العربي الإسلامي بابكر كرار بمناسبة مرور ربع قرن على وفاته” بتاريخ 29/30 يوليو 2006، جاء في كلمة الأستاذ محمد يوسف محمد المحامي:
“في أواخر أيامنا بحنتوب (سنة 1948) شعرنا بأن هناك نشاط شيوعي بدأ في صفوف الطلاب، وبابكر له صلات واسعة ومن بينها صلات مع سعد أمير طه الطالب بمصر، وعرض عليه العضوية، واشتركنا من باب الاستطلاع ولأن نعرف ما هي الشيوعية. التحقنا بخلية برئاسة الشيوعي عبدالقيوم محمد سعد، وفي جلسات متعددة استمعنا الى محاضرات عن البيان الذي يشرح معنى الشيوعية وأهدافها ومحاضرة عن النظرية المادية الجدلية، وحديثا عن الدين باعتباره أفيون الشعوب، وكفاح الطبقات وغيرها من النظريات الماركسية. وأخيرا تأكد لنا أن هذه الأفكار لا تتناسب مع عقيدتنا وهي دعوة الحادية فانصرفنا عنها بعد سماع تلك المحاضرات التي ذكرتها وبالتالي كان انضمامنا للحزب الشيوعي دافعه حب الاستطلاع وليس قناعة”.
وواصل الأستاذ محمد يوسف:
عندما التحقنا بجامعة الخرطوم وجدنا أمرا عجيبا، فاتحاد الطلبة يسيطر عليه الشيوعيون، والنشاط الثقافي والرياضي يسيطر عليه الشيوعيون، وميادين الجامعة تحتسى فيها الخمور علنا من شري وبيرة ولا يرتفع صوت الا قوبل بالهجوم . وبدأت مجموعتنا ونحن قلة نعترض على ما يدور في اجتماعات الإتحاد والندوات وكان الأخ بابكر أكثر جدالا ومعارضة لما يدور في هذه الندوات وعلى سيطرة الفكر الشيوعي في الجامعة. دعني أذكر لك حادثة تؤيد ما ذكرته. إنني عندما وصلت الجامعة وجدت نفسي في عنبر الداخلية مع مجموعة من طلبة حنتوب ومن بينهم شيوعي من أبناء سنار فقمت لأداء الصلاة، وبعد انتهاء صلاتي قال لي هذا الطالب (انتظر ان شاء الله بعد شهرين تسيب الصلاة). كانت مجموعتنا شاذة في الجامعة آنذاك”.

و واصل الأستاذ محمد يوسف:
“على أثر اجتماع صاخب لاتحاد الطلبة في موضوع اضراب دعا له الإتحاد كان أي شخص يعارض الإضراب يتهم بأنه يعبر عن رأي الاستعمار ويأمره رئيس الجلسة بالجلوس قبل أن ينهي حديثه. بعد نهاية الاجتماع قال لي بابكر لماذا لا نرجع للموضوع الذي حدثنا عنه الأستاذ الصائم في حنتوب، فوافقته.. حددنا أهداف التنظيم، وكان الهدف الأول محاربة الاستعمار ثم الوضع الاقتصادي بما ينافس الفكر الشيوعي السائد في الجامعة… من كل ذلك خرج التنظيم باسم حركة التحرير الإسلامي. هذه المبادرة من الأخ بابكر كرار كانت بداية الحركة الإسلامية في الجامعة والتي كان لها الأثر الكبير في خلق جيل حمل راية الإسلام وضد الفكر الماركسي الذي كان سائدا آنذاك، وظل كذلك الى أن وصل الى السلطة في السودان”.
ثم واصل:
“هناك سؤال هام . لماذا فارق الأخ بابكر الجماعة التي كان أول المؤسسين لها؟ عندما شعر الشيوعيون أن هناك تحركا جديدا وسط الطلاب سارع الشيوعيون لشن حملة اعلامية ضد هذا التنظيم ونشروا في جرائد الحائط في الجامعة مقالات مطولة تحذر الطلاب من هذا التحرك الجديد، وأطلقوا عليه (حركة الأخوان المسلمين)، وكانت آنذاك حركة الأخوان في مصر تعاني من هجمة شرسة، وقد حلت الجماعة وقتل مرشدها العام حسن البنا ووصفت بالتخلف والإرهاب، فكان من الصعب على الفرد منا أن ينسب للأخوان المسلمين رغم نفينا لأي علاقة بالأخوان ورغم أن البيان الخاص بإنشاء التنظيم يوضح عدم العلاقة بأي تنظيم خارجي، لكن ظل اسم الأخوان هو الاسم السائد على المجموعة. في عام 1954 عقد اجتماع في دار الثقافة بأمدرمان لمناقشة موضوع الاسم .. بعد نقاش طويل كان رأي الأغلبية قبول اسم الأخوان المسلمون بديلا لإسم حركة التحرير الإسلامي… في اليوم التالي للإجتماع أخطرني الأخ بابكر بعدم موافقته على ذلك وقرر ترك المجموعة وخرج معه بعض الأخوان كان على رأسهم ميرغني النصري وعبدالله محمد أحمد وأحمد عبدالحميد وعبدالله زكريا وآخرون وأنشأوا الجماعة الإسلامية. وتفسيري لموقف الأخ بابكر يرجع الى أن بابكر من اسرة انصارية وأنه ذو ميول استقلالية وبالتالي لا يرغب أن تكون الحركة ذات صلة بالحركة المصرية، وإن كان أخيرا أصبح الأخ بابكر من أكثر المتحمسين للعلاقة السياسية مع مصر”.
يؤكد الدكتور حسن الترابي أيضا نشأة الحركة التي آلت اليه قيادتها كرد فعل للتيار اليساري الطلابي، فكتب: “نشأت الحركة من عناصر تائبة الى الدين من بعد ما غشيت بعضهم غاشية الشيوعية، واستفزت بعضهم اطروحاتها السافرة في تحدي الدين عقيدة وخلقا، وأثارت أخرين غلبة التصورات والأنماط التي فرضها التعليم النظامي الذي يسوسه الإنجليز. فنبتت النواة الأولى للحركة في صميم البيئة الطلابية بجامعة الخرطوم وفروعها في المدارس الثانوية”. أشار الترابي كذلك لرافد شعبي ضعيف التأثير ومحدود “قام فرعا لحركة الأخوان المسلمين المصرية، عبأته زيارات من دعاتهم الذين وفدوا في سياق تحرك مصر عامة نحو السودان ووجدوا قبولا خاصا في الدوائر التي كانت أميل للإتحاد مع مصر، وقد تعزز المدد المصري بالطلاب السودانيين الذين هاجروا الى مصر للتعليم واتصلوا بحركة الإخوان المسلمين، ولكنهم لدى عودتهم كانوا أقرب الى الحركة الطلابية منهم الى الشعبية الإسلامية في السودان”(نقلا عن حيدر ابراهيم علي، أزمة الإسلام السياسي، ص52)
ويؤكد مؤرخ الحركة الدكتور حسن مكي الصراع حول الإسم الذي آلت اليه تحت ضغط الحملة الإعلامية الشيوعية، ناقلا عن يوسف حسن سعيد أنه “لم يسمع بإسم الأخوان المسلمين إلا من أفوه الشيوعيين، وأنه ينسب ذلك الأسم الى فاروق محمد ابراهيم وفاروق مصطفى من الشيوعيين، حيث فرضوا الإسم على الحركة في البداية، أي حركة التحريرالإسلامي”.

اصبح واضحا في تلك الفترة ان الصراع السياسي اصبح بين مشروعين، المشروع الوطني الديمقراطي وحركة الإخوان المسلمين. فكما ذكر محمد يوسف فحركة الإخوان المسلمين التي تفرعت من حركة التحرير الإسلامي الطلابية وآلتي قيادتها للدكتور حسن الترابي والتي تحكم السودان

صعود المشروع الوطني الديمقراطي وانهياره
كان محجوب يحمل فكرة الحزب الاشتراكي الجماهيري الذي تكون الكوادر الماركسية فيه بمثابة القلب والدماغ منذ التحاقه بالحركة السودانية للتحرر الوطني، فكرس نفسه لبناء قاعدتها وتأهيل كوادرها وتأسيس منظماتها واتحاداتها. وحينما فصل من كلية الآداب كان واحدا من ثلاثة طلاب تأهلوا للجلوس لامتحان بكالوريوس جامعة لندن في نهاية العام 1950، ونسبة لأن الامتحان كان خارجيا فقد كان بوسعه الجلوس له برغم فصله، لكنه حسم أمره على التفرغ للعمل الصحفي الذي يخدم عن طريقه مشروعه السياسي ولم ينظر للوراء. وقد توقف محجوب عن عضوية حستو في العام 1951 لسببين، أولهما في تقديري حرصه على مهنيته الصحفية. فمن المتطلبات الأولية للمهنة الانطلاق من الحدث الذي يشكل الخبر، لا من الأيديولوجيا والأفكار المسبقة، وكان ذلك شأنه في مختلف القضايا. ولم تكن النكتة المريرة التي شاعت في الصحافة البريطانية التي كان يعمل فيها أن “البرافدا” بلا أخبار و”الإزفستيا” بلا حقيقة، لم تكن مجرد دعاية معادية للشيوعية، وكان محجوب حريصا على عدم التعرض لمساءلة تمس منهجية وأخلاقية عمله الصحفي. والسبب الثاني أن العام 1951 الذي قرر فيه التوقف عن عضوية الحركة شهد احتدام الصراع بين تياري عبدالخالق محجوب وعوض عبدالرازق، وكان الصراع والانقسام في تقديره ممكن تجنبه. اتصل محجوب بصديقه عبدالخالق وأبان له الأسباب التي تستدعي وجوده خارج الحركة، وهو لا يتخذ موقف الحياد وإنما استطلاع الرؤى الإيجابية الموحدة التي تصب في التيار الوطني، وكان له ما أراد. وكنا ننظر اليه طيلة حياته كواحد منا، أيا كانت القضايا الخلافية وموقفه منها.

لقد تحول مؤتمر الطلبة في العام 1954 للجبهة الديمقراطية التي خرجت آلاف الناشطين في العمل الوطني، وصارت الجبهة الديمقراطية تيار اليسار الرئيس في السودان، لا الطلبة وحدهم، فلا ننسى الدور الرائد لمحجوب محمد صالح ومصطفى السيد في تأسيسه. كانت الجبهة كيان الجبهة المعادية للاستعمار عند الاستقلال، وكانت التيار الرئيس في ثورة اكتوبر، كما كانت التيار الرئيس للجبهة الاشتراكية التي ترشح باسمها بابكر عوض الله لرئاسة الجمهورية في الانتخابات التي كان مخططا لها في الجمعية التأسيسية التي أسقطها الانقلاب في 25 مايو 1969. وقد صاغ محجوب البرنامج الذي ترشح تحت رايته بابكر عوض الله لرئاسة الجمهورية (تحت الطاولة) وهو نفس الخطاب الذي تلاه رئيس الوزراء بابكر عوض الله رئيس الوزراء صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969. وبرغم بيان الحزب الشيوعي المتحفظ فقد كان شريكا أساسيا في نظام 25 مايو. وقد وجد الانقلاب تأييدا ودعما شعبيا كاسحا، وفقدت القوى التقليدية سيطرتها على القوات النظامية التي صارت عقيدتها القتالية حماية النظام الثوري. غير أن صراع السلطة قاد لانقلاب يوليو 1971 والانقلاب المعاكس، وعادت تلك القوات لرحمها من جديد. وحينما سأل محمد ابراهيم نقد البشير عند أول لقاء به عقب انقلاب 30 يونيو 1989، متى بدأتم بالتحضير لانقلاب 30 يونيو، رد البشير، في 22 يوليو 71. وهكذا صعد المشروع النقيض على أشلاء المشروع الوطني الديمقراطي.
المشروع البديل ومواجهة الردة
محجوب ظل ثابتا في مواجهة الردة وفي صياغة المشروع الوطني البديل. أذكر مجالين لتعاوننا. في صياغة المشروع البديل كان محجوب حفيا بورشة أقمناها لهذا الغرض عن مشروع الجزيرة من منبر الأيام. صارت صفحة ثابتة في الأيام.

وقد قام محجوب بنشر كل خطاباتي من كوبر ومن المنفى بخصوص التعذيب في بيوت الأشباح، والمتهمين الأساسيين كانوا نافع والبشير وبكري حسن صالح وعلي عثمان، حاكمتهم الأيام في أوج سطوتهم بينما حجز النائب العام في ثورة ديسمبر أوراق هذه القضايا التي عجز عن تقديمها للقضاء. كذلك فتحت الأيام صفحاتها لكل حالات التعذيب، أمين مكي مدني وصادق شامي و عمار محمد آدم وآخرين. وقد عانت الأيام بسبب هذه المواجهات التي لم يساوم بشأنها الإيقاف والمصادرة والمحاربة في الرزق.
رحمه الله، وجعل الجنة مثواه.

Related Articles

2 COMMENTS

اترك رداً على Focal One Cancel reply

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,900SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427