8.6 C
New York
الأحد, أبريل 19, 2026

whatsapp now

spot_img

ولادة في الخيمة – ملامح الهامش سلسلة: من بيالي إلى الوطن الكبير

بقلم: عبدالفضيل إبراهيم دود

في عمق الأدغال اليوغندية حيث تمتد الخيام على مد النظر لا يُولد الأطفال تحت سقفٍ من طين أو خشب. بل تحت قماش رقيق لا يحمي من المطر ولا من القلق. في معسكر بيالي لا يبدأ الإنسان حياته كطفل عادي بل يبدأها لاجئًا ومجرد رقْم جديد في سجل المفوضية.
المعسكر ليس فقط موقعًا جغرافيًا بل حالة وجودية. هو المكان الذي يُقصى فيه الإنسان من التاريخ ويُجمّد فيه الحلم في زاوية مظلمة. هنا لا توجد حياة يومية بل محاولات بائسة لصناعة حياة من الندرة من الانتظار ومن الصمت المفروض.
الطفولة: فجر لا يعرف الضحك
في بيالي لا يعرف الطفل ألعاب الحي ولا قصص الجدات بل يعرف صفوف المياه وصوت الطائرات فوق المعسكر وهمسات الكبار عن حرب جديدة قد تشتعل في أية لحظة.
الطفل هنا لا يُسأل عن حلمه بل يُسأل عن هويته عن جنسيته عن اسم الأب المفقود. منذ اللحظة الأولى يُصبح جزءًا من واقع سياسي لا يفهمه، لكنه يتنفسه يوميًا.
الأسرة المفككة: بين النزوح والانكسار
لم تعد الأسرة هيكلاً مستقراً. الحرب فرّقت الآباء والفقر أبعد الأمهات واللجوء جعل الأطفال يتحمّلون ما لا يحتمله الكبار. في بيالي قد تجد طفلاً في الثامنة يعيل أمًا مريضة أو طفلة في العاشرة ترعى إخوتها لأنها “الأكبر” بعد غياب الجميع.
ليس هناك طعام كافٍ ولا تعليم منتظم ولا رعاية نفسية. والمؤلم أكثر هو أن هذه المعاناة أصبحت طبيعية. أصبح من “العادي” أن لا تجد مدرسة أو أن تنتظر ست ساعات للحصول على الماء أو أن يمرض أحدهم دون أن يجد حبة دواء.
بين القبول والتمرد
ومع ذلك ثمة من يرفض هذا القدر. بعض الشباب يصرّ على استكمال دراسته ولو في خيمة، بعض الأمهات ينظمن جلسات تعليم تقليدية في ظل الأشجار وبعض المتطوعين يحوّلون المعسكر إلى مساحة إبداع رغم ضيق الإمكانيات.
لكن، يبقى السؤال الأكبر معلقًا:
لماذا نولد على الهامش؟ ولماذا يُعاد إنتاج هذا الهامش جيلاً بعد جيل؟
الجواب لا يوجد فقط في قصص الأفراد بل في السياسات التي ترسم الخرائط وتُحدد من يحق له أن يكون مواطنًا ومن يُحكم عليه أن يكون لاجئًا مدى الحياة.
بيالي: المأساة التي لا تُرى
بيالي ليست مجرد معسكر. إنها شاهد صامت على نظام دولي فاشل وعلى دولة أم تخلّت عن أبنائها وعلى قارةٍ تُدار بالصراعات بدلاً من الرؤى.
هنا في هذا المكان المهمل تتكثف كل قضايا إفريقيا: الهوية. الفقر و العنف وانعدام الأمل. لكن رغم كل شيء يولد جيل جديد يفتح عينيه على الخيام لكن ربما يحمل في قلبه بذور وطن لم يُرسم
دور الشباب في التغيير الحقيقي في أفريقيا
في أفريقيا حيث التاريخ مثقل بالاستعمار والانقلابات والحدود المصطنعة يقف الشباب اليوم عند مفترق طرق: بين واقعٍ يُورث فيه القمع، ومستقبلٍ لا يُهدى بل يُنتزع انتزاعاً. الشباب في هذه القارة ليسوا مجرد رقم ديمغرافي، بل هم مركز الجاذبية لأي تغيير حقيقي. إنهم الفاعلون الحقيقيون الذين يدفعون الثمن الأكبر في الحرب، كما يدفعون التضحيات الأسمى في سبيل السلام والكرامة.

ومن بين كل هذه الفضاءات المتوترة. يبرز السودان كنموذج مكثّف لفشل الدولة من جهة، ولصعود الوعي الشبابي المقاوم من جهة أخرى. وتحديداً في معسكرات النازحين السودانيين بيوغندا، حيث يتموضع جيلٌ يعيش على هامش العالم، لكنه يكتب نصوصاً جديدة للتاريخ.

الشباب في أفريقيا: بين الطموح والخذلان
أفريقيا هي القارة الأكثر شباباً في العالم، ومع ذلك فهي القارة التي يُدار معظمها بعقلية شيوخ السياسة الذين تجاوزوا أعمارهم الفعلية والرمزية. الفجوة بين الأجيال هنا ليست فقط عمرية بل فكرية ونفسية. فالجيل الحاكم ما زال يتعامل مع الدولة كغنيمة بينما ينظر الشباب إليها كأفق للكرامة والحرية.
لقد حاولت أنظمة كثيرة تدجين الشباب عبر البرامج الشكلية
والمنظمات الحكومية ومنح الفرص لبعض “الناشطين المدجنين لكنها فشلت في احتواء الطاقة الجذرية التي يتمتع بها جيل شبابي تعلّم من الانتكاسات وراكم الوعي من منصات التواصل أكثر مما تعلّمه من المدارس المتعبة.
السودان: الجرح والمختبر
في الحالة السودانية يبدو الصراع بين القديم والجديد أكثر حدة. فالشباب الذين خرجوا في ثورة ديسمبر لم يكونوا مجرّد وقود بل كانوا العقل المحرّك والتنظيم الفاعل والشعارات المبدعة. ومن بين هؤلاء مَن نزحوا قسراً إلى دول الجوار خصوصاً إلى يوغندا حيث تشكّلت معسكرات النازحين السودانيين كمرايا تعكس عمق الأزمة وتوقاً عنيداً للتجاوز.
رغم شحّ الموارد إلا أن الهاتف المحمول في يد شاب نازح قد يصير أخطر من مدفع رشاش. شبكات التواصل أتاحت مساحة للتعبير والتنظيم وبناء التضامن العابر للحدود. لقد استطاع الشباب في معسكرات يوغندا أن يجعلوا من أنفسهم صوتاً لا يمكن تجاهله خاصة حين يربطون نضالهم اليومي بقضايا أكبر: العدالة الانتقالية حقوق اللاجئين والمحاسبة على الجرائم ضد الإنسانية.
التاريخ علمنا أن الثورة لا تكتمل إلا حين تتحوّل إلى تنظيم وحين يُعاد تعريف السياسة ليس كممارسة سلطوية بل كفعل مجتمعي يغيّر حياة الناس. لذلك فإن الشباب لا بد أن يتجاوزوا لحظة الغضب إلى بناء بدائل مؤسسية: اتحادات طلابية حرة، منابر فكرية كيانات حقوقية وحتى أحزاب سياسية من القاع إلى القمة.

رسالة إلى الشباب السودانيين في كل العالم
صوتكم هو البداية
اكتبوا غنوا ناقشوا طالبوا واصرخوا
فمن لا يكتب تاريخه يُمحى من التاريخ.
نحن هنا
ولن نغادر هذا المكان…
إلا إلى وطن يعترف بنا ويخاطبنا لا كقضية إنسانية
بل كجزء من قلبه من نضاله ومن مشروعه

نعم لي سلام لا لي الحرب

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,900SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427