يرحب مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية اليوم بالإدانة التاريخية للسيد علي محمد علي عبد الرحمن (الذي يُعرف أيضا باسم علي كوشيب)، وهو قائد بارز في ميليشيا الجنجويد الموالية للحكومة، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهذه الإدانة هي الأولى في الحالة في دارفور بالسودان، وهي أول إدانة في الحالات التي أحالها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى المحكمة. وتمثل هذه الدعوى أيضا أول إدانة في المحكمة بتهمة الاضطهاد القائم على أساس نوع الجنس.
وبناء على الأدلة التي قدمها المكتب، خلص قضاة الدائرة التمهيدية الأولى بالإجماع إلى إدانة السيد عبد الرحمن دون شك معقول بالجرائم التي وقعت في الهجوم واسع النطاق والمنهجي الذي شنته ميليشيا الجنجويد وقوات الحكومة السودانية ضد السكان المدنيين في غرب دارفور بالسودان، في سياق نزاع مسلح بين حكومة السودان والجماعات المتمردة المسلحة خلال الفترة الممتدة من آب/أغسطس 2003 على الأقل إلى نيسان/أبريل 2004 على الأقل. وعلى وجه الخصوص، خلص القضاة، على النقيض مما ارتكزت عليه حجة الدفاع الأساسية، إلى أن السيد عبد الرحمن كان معروفا أيضا باسم الشهرة علي كوشيب.
وقد أكدت نائبة المدعي العام نزهة شميم خان أن ’’إدانة السيد عبد الرحمن تُعدّ خطوة محورية على طريق سد فجوة الإفلات من العقاب في دارفور. وهي تبعث برسالة مدوية إلى مرتكبي الفظائع في السودان، ماضيا وحاضرا، بأن العدالة ستأخذ مجراها، وأنهم سيحاسبون على ما أنزلوه بالمدنيين، رجالا ونساء وأطفالا، في دارفور من معاناة تفوق الوصف‘‘.
وأضافت نائبة المدعي العام نزهة خان أن ’’قرار القضاة إنما هو إقرار بشجاعة عشرات الآلاف من المجني عليهم الذين تشبثوا بالأمل في العدالة وناضلوا من أجلها على مَرّ السنين. وهذا الحكم، إذ يرسخ قواعد قوانين النزاعات المسلحة، فهو يؤكد على القيمة الجوهرية والكرامة المتأصلة لحياة الناس في دارفور‘‘.
وعلى وجه الخصوص، خلص القضاة إلى أن السيد عبد الرحمن يتحمل المسؤولية الجنائية عن الجرائم كلها، بما فيها القتل، والتعذيب، والاعتداء على الكرامة الشخصية. إن هذه الجرائم لخطيرة، إذ تسببت في الموت والإصابة والدمار في صفوف المدنيين، جراء تكتيكات الأرض المحروقة التي شملت إحراق قرى بأكملها ونهبها، وعمليات إعدام جماعية.
ويتضمن الحكم إدانات مهمة بارتكاب جرائم قائمة على أساس نوع الجنس، يمثل التحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها أولوية استراتيجية لدى المكتب.
أولا، ثبتت إدانة السيد عبد الرحمن بالاغتصاب، من ضمن جرائم أخرى قائمة على أساس نوع الجنس، باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. فقد حكم القضاة بأن الهجوم تسبب في اغتصاب النساء والفتيات، وهو ما ألحق بالمجني عليهن أذى جسديا وثقافيا واجتماعيا بالغا. وبهذا الحكم، يعتزم المكتب الاستمرار في إثبات التزامه الوارد في سياسته بالتحقيق الفعال في الجرائم القائمة على أساس نوع الجنس ومقاضاة مرتكبيها.
وثانيا، أُدين السيد عبد الرحمن بجريمة ضد الإنسانية وهي اضطهاد الذكور من أبناء قبيلة الفور على أساس سياسي وعرقي وجنساني. ويُظهر هذا القرار الطبيعة المتشابكة للتمييز، حيث استُهدف الذكور من أبناء الفور على وجه الخصوص. وتبرهن هذه الإدانة على أن الذكور يمكن أن يكونوا أيضا ضحايا للاستهداف التمييزي.
وبعد صدور هذا الحكم المحوري، سيدرس القضاة الآن العقوبة المناسبة للسيد عبد الرحمن. وسيعد الادعاء مرافعته بشأن العقوبة مسترشدا بما يقتضيه نظام روما الأساسي.
ويأتي هذا الحكم بعد تحقيق شامل بدأ عقب إحالة مجلس الأمن عام 2005، ومحاكمة اتّسمت بالكفاءة. وقد استند الادعاء إلى شهادات 81 من الشهود، وإلى 1,521 دليل من أصل 1,861 دليل أُودع أمام الدائرة. وكان من بين الأدلة وثائق من الحكومة السودانية والأمم المتحدة، وصور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، وصور فوتوغرافية، ومقاطع مرئية، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
والمكتب ممتن للمجني عليهم والناجين والشهود الذين أتاح دعمهم والتزامهم على مرّ السنين تحقيق هذه النتيجة. وقد كان لتعاون السلطات السودانية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والدول الأطراف والدول غير الأطراف والمنظمات الدولية والمجتمع المدني أثر محوري أيضا في المضي قدما في التحقيق والمقاضاة في هذه الدعوى.
ويجدد المكتب بهذه الإدانة التأكيد على التزامه بضمان المساءلة في الحالة في دارفور التي لا يزال تحقيقه فيها جاريا. وكما ورد في الإحالة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2005، يشكّل النزاع في دارفور تهديدا للسلم والأمن الدوليين. وبعد عقود من الزمن، تؤكد أعمال العنف التي تجددت منذ عام 2023 والمعاناة والصدمة اللتان توارثتهما الأجيال أنه لن يكون هناك سلام دائم دون تحقيق العدالة.
والمكتب يدعو من جديد إلى القبض على الأشخاص الذين صدرت أوامر بالقبض عليهم في الحالة في دارفور ولم تنفَّذ بعد، وهُم: السيد عمر حسن أحمد البشير، والسيد أحمد هارون، والسيد عبد الرحيم محمد حسين. وترتبط التهم الموجّهة ضد السيد هارون على وجه الخصوص ارتباطا وثيقا بالتهم الموجهة ضد السيد عبد الرحمن.
وقد أكدت نائبة المدعي العام نزهة خان على أننا: ’’بيّنا اليوم ما يمكننا إنجازه من خلال العمل المشترك، بالتعاون مع المجني عليهم والسلطات الوطنية، واستنادا إلى الولاية التي منحنا إياها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وإلى دعمه لنا. وتؤكد هذه اللحظة أيضا على أن قرار المجلس بإحالة هذه المسألة إلى مكتبنا لاتخاذ الإجراءات اللازمة كان قرارا سديدا. ونحن نعمل لضمان أن تكون محاكمة السيد عبد الرحمن هي المحاكمة الأولى ضمن سلسلة من المحاكمات المتصلة بالحالة في دارفور في المحكمة الجنائية الدولية. وستظل عزيمتنا الجماعية، وهذه الشراكة بين الناجين والمجتمع الدولي من أجل تحقيق المساءلة، ركنا أساسيا في سعينا لوقف دوامة العنف والإفلات من العقاب التي لا يزال سكان دارفور يعانون منها‘‘.
يُجري مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية دراسات أولية وأعمال تحقيق ومقاضاة تتميز بالاستقلالية والتجرد بشأن جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة الاعتداء. وللاطلاع على مزيد من التفاصيل بشأن ’’الدراسات الأولية‘‘ و’’الحالات والدعاوى‘‘ التي تنظر فيها المحكمة




