انتفاضة مارس – أبريل 1985محطة مفصلية في مسيرة النضال السوداني
في لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، توّج الشعب السوداني نضاله السلمي والمدني ضد الحكم الديكتاتوري بإطاحة نظام مايو في انتفاضة مارس – أبريل 1985، تلك الثورة المجيدة التي جسّدت إرادة الجماهير، ووضعت حداً لحكم عسكري صادر الحقوق والحريات، وانتهج القمع منهجاً في الحكم.
بدأت معاناة الشعب السوداني في 25 مايو 1969، حين استولى جعفر نميري على السلطة في انقلاب عسكري أطاح بالديمقراطية الثانية.
أصدر قوانين الطوارئ، وفرض قوانين سبتمبر 1983 ,التي وصلت ذروتها بإعدام المفكر الإسلامي محمود محمد طه بتهمة “الردة”، وهو الحكم الذي أثار استياء واسعاً داخلياً وخارجياً.
واجهت القوى لسياسية و المدنية والمهنية في عهده جميع أشكال القمع من اعتقالات، تعذيب، اغتيالات و اختفاء قسري و تضييق على الصحافة والحريات، وتدخل سافر في القضاء والنقابات. وبرغم القمع، و رغما عن بطش النظام ظلت الحركة النقابية، والأحزاب السياسية، والحركة الطلابية تناضل بلا كلل.
وفي 26 مارس 1985، خرج الشعب في تظاهرات عارمة شملت الاطباء والعمال، والمهنيين، والطلاب، وسائر فئات المجتمع، معلنين العصيان المدني والإضراب السياسي، حتى أسقطوا النظام في السادس من أبريل، في واحدة من أنبل ثورات الشعوب ضد الديكتاتورية.
ميثاق الدفاع عن الديمقراطية: عهدٌ وطني بعد الثورة
في أعقاب انتصار الانتفاضة، اتفق18 مكون من القوى السياسية والمدنية السودانية من بينهم التجمع النقابي على توقيع ميثاق الدفاع عن الديمقراطية، وهو وثيقة تاريخية تتألف من تسعة بنود أساسية، مثّلت تعبيراً عن الوعي السياسي العميق وإدراكاً لضرورة التحصين المؤسسي للنظام الديمقراطي في وجه كل محاولات الانقلاب و قد وقع عن التجمع النقابي الاستاذ المحامي الراحل ميرغني النصري نقيب المحامين و التجمع النقابي هو تحالف نقابي مهني استلهم تجربة جبهة الهيئات وأسس
بجانب القوي السياسية لمرتكزات ثورة اكتوبر المجيدة مما يعد إرثا تاريخيا و مصدر الإلهام الحقيقي لتجمع المهنيين السودانين .
استلهم الموقعون تجارب مقاومة الاستبداد السابقة، لا سيما الميثاق الوطني لثورة أكتوبر 1964، وميثاق انتفاضة مارس – أبريل 1985، ليؤكدوا المبادئ التأليه
1/ التعددية الحزبية والديموقراطيةوالسيادة الشعبية كمرتكز للحكم، إلى جانب استقلال القضاء وسيادة حكم القانون.
2/رفض مطلق لأي نظام ديكتاتوري، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، وأي محاولة لإجهاض التجربة الديمقراطية.
3/إعادة تعريف دور القوات المسلحة كمؤسسة وطنية لحماية التراب السوداني فقط، دون استغلال أو انحياز لفئة سياسية أو طائفية.
4/الاستعداد الشعبي والمجتمعي لمقاومة أي تعدٍّ على الديمقراطية
5/تبنّي الادوات السلمية كادوات للمقاومة من عصيان مدني والإضراب السياسي وغيرها مع تأكيد ألا تتلقى القوات المسلحة أوامر إلا من سلطة شرعية منتخبة.
6/اعتبار الدول التي تدعم أو تعترف بالانقلابيين دولاً معادية لإرادة الشعب السوداني.
7/رفض أي ديون أو قروض أبرمها نظام دكتاتوري ، وعدم الاعتراف بها.
8/عدم الالتزام بأي معاهدات أُبرمت في ظل أنظمة ديكتاتورية، واعتبارها باطلة.
9/تحوّل التجمع الوطني إلى جبهة مقاومة شعبية في حال انتُهكت الديمقراطية.
إن هذا الميثاق لم يكن مجرد بيان سياسي، بل عهدٌ أخلاقي وثوري، يكرّس روح المقاومة الشعبية التي لم تتوقف منذ الاستقلال. فقد ظلّ السودانيون، رغم تعاقب الأنظمة، يدفعون أثماناً باهظة من أجل استعادة دولتهم المدنية والديمقراطية. وما زالت وثيقة “ميثاق الدفاع عن الديمقراطية” تشكّل مرجعاً نضالياً لكل الأجيال التي تطمح إلى سودان تسوده العدالة، الحرية، والمساواة.
وإذا كانت انتفاضة أبريل قد أسقطت نظاماً، فإن الميثاق الذي أعقبها جاء ليحرس مكاسبها، ويوجّه دفة البلاد نحو مستقبل لا مكان فيه للاستبداد، ويعيد الكلمة الأولى والأخيرة للشعب.
ومن الملاحظ أن ثورة ديسمبر المجيدة، والتي تُعد تتويجاً لهبّات السودانيين عبر سنوات حكم عمر البشير، النظام الديكتاتوري الأسوأ في تاريخ البلاد، التزمت فيها القوى المدنية والسياسية التي وقّعت على إعلان قوى الحرية والتغيير بسلمية الثورة وتحقيق شعاراتها: الحرية، السلام، والعدالة.
إلا أن انقلاب 25 أكتوبر جاء ليقوّض النظام الديمقراطي، وحينها تنادى الشعب ومؤسساته بشعار “هبّوا لحماية الانتقال”. قاوم الشعب سلمياً هذا الانقلاب حتى اندلعت حرب 15 أبريل، التي تُعد صراعاً على السلطة بامتياز.
ما يُحمد للقوى المدنية والسياسية الديمقراطية هو علو إرادتها الدائم في تكوين تحالفات مدنية عريضة لحراسة الديمقراطية، والحفاظ على وحدة السودان ووقف الحروب ، وسيادة حكم القانون.
و الساقية لسة مدورة
عاش نضال الشعب السوداني على طريقه الحرية والسلام والديمقراطية.
نون ابراهيم كشكوش
التحالف الديمقراطي للمحامين
لندن
١٥يوليو ٢٠٢٥




