الدستور الاسلامي لا يلتمس في الشريعة الاسلامية وانما يلتمس في القران ، على أن يفهم القرآن فهما جديدا ، يبعث آياته التي كانت منسوخة في القرن السابع ، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم ، وينسخ آياته التي كانت ناسخة وكانت صاحبة الوقت في القرن السابع ، وعليها قامت الشريعة .. فإنه بغير ذلك لا نصل الى الحقوق الأساسية ، ولا دستور بغير الحقوق الأساسية .. ذلك أن آيات الحقوق الأساسية منسوخة بآيات الإكراه وآيات الوصاية .. فإذا انبعثت الآيات المنسوخة فقد ارتفعنا بالاسلام من مستوى العقيدة الى مستوى الإيقان ، وفي هذا المستوى الناس لا يتفاضلون بالعقيدة ، وانما يتفاضلون بالعقل والخلق .. فلا يسأل الإنسان عن عقيدته وإنما يسأل عن صفاء الفكر واحسان العمل .. ومن هنا لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه ولا بسبب عدم دينه .. وهذا الدستور لا يسمى اسلاميا لأنه لا يسعى لإقامة حكومة دينية وإنما يسعى لإقامة حكومة انسانية ويستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم، وألسنتهم ، ومعتقداتهم ، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات ولكن مصدره القرآن .. وهو انما مصدره القرآن لأن القرآن موظف لجلاء الفطرة البشرية من حيث هي بشرية .. جلائها من أدران الأوهام التي غطت عليها وشوهت نقاءها ..
الإسلام في مستوى الإيقان هو دين الفطرة البشرية من حيث هي بشرية وهو المعنى الوارد بقوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين اليه واتقوه ، واقيموا الصلاة ، ولاتكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون)..
“ذلك الدين القيم” الدين المهيمن على الأديان .. وهو الإسلام في مستوى الإيقان ، لا في مستوى الإيمان .. الإسلام ، في مستوى العلم ، لا في مستوى العقيدة .. وهذا يقتضى فهما للقرآن جديد يسحب النسخ على آيات كانت في القرن السابع ناسخة ، ويبعث ، في القرن العشرين ، آيات كانت منسوخة لتكون هي صاحبة الوقت الحاضر ، وبهذا تطبق الحقوق الأساسية في قمة لا تجارى و يحرز الدستور الذي به تتم كرامة الإنسان من حيث هو إنسان (ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)
هذه هي الخطوط العريضة التي يتولى الحزب الجمهوري في اسبوع (الحقوق الأساسية وضرورة كفالتها في الدستور الدائم) شرحها وتبيينها و توسيعها .. فمن أحب من المواطنين ، ومن الأحزاب والهيئات ، أن يشارك في هذا الأسبوع فهو مدعو ومرحب به ومشكور ..

من كتاب
أسس حماية الحقوق الاساسية
محمود محمد طه
الطبعة الأولى – مارس ١٩٦٩




