مبادرة الإدارة الأهلية لوقف الحرب
من الضروري أن نبتكر وسائل جديدة وغير تقليدية لوقف الحرب في السودان، فقد أثبتت الوسائل المجربة فشلها. ومن المعلوم أن هذه الحرب، مهما بدا فيها طرف منتصر، فإن الخسارة فيها شاملة للجميع.
لقد فقد السودان في هذه الحرب خيرة شبابه، وراح الآلاف ضحية للموت المجاني، وتشتّت السكان بين لاجئين ونازحين. كما فقد الوطن مقومات الحياة الأساسية، فانهار الإنتاج الزراعي والصناعي، ودُمّرت البنية التحتية، وتفككت مؤسسات الدولة، سواء الإدارية أو الخدمية. تلاشت الخدمة المدنية وأدوارها، وتراجعت قدرتها وكوادرها، وكذلك الحال مع الجهاز القضائي. أما المؤسسة العسكرية، فقد انقسمت وتحاربت فيما بينها، ولا توجد مؤسسة تشريعية فاعلة، في حين انقسمت القوى السياسية والمدنية، وانجرف الشباب خلف هذه الانقسامات. وحتى الأرض نفسها تقسمت.
في ظل هذا الوضع، لم يبقَ ما يمكن أن يشكّل عمودًا فقريًا للوطن يمنع انهياره أو يوقف الحرب.
لقد انقسمت النخب بين أطراف الصراع، وكذلك، إلى حد كبير، المجتمعات المدنية. فمن النخب من عانت من انتهاكات الدعم السريع وما ارتكبة من جرائم القتل والسحل وسرقة ممتلكاتها، ومنهم من تعرّض للقصف الجوي والقتل على يد الجيش، لأسباب تتعلق باللون أو العرق.
هذه المظالم حقيقية ومؤلمة، ولكنها أعراض لحرب عبثية، يمكن أن تتوقف هذه المعاناة إذا توقفت الحرب.
رغم التشتت، سعت القوى المدنية والسياسية لوقف الحرب، لكنها اصطدمت بعقبتين أساسيتين:
- ضعف تأثيرها المباشر على المقاتلين على الأرض.
- غياب الآليات العملية الفعّالة، واقتصار جهودها على المناشدات الإعلامية، إضافةً إلى انحياز بعض القوى المدنية لي أطراف الحرب.
لقد استخدمت هذه القوى كل ما بوسعها من أدوات، ولم يبقَ أمامها سوى الضغط الدولي، وهو بطبيعته بطيء ومتذبذب.
لكن هناك قوة اجتماعية هائلة لم تُستخدم بعد: الإدارة الأهلية.
تملك الإدارة الأهلية تأثيرًا واسعًا في المجتمع، ولها روابط قوية مع الطرفين المتحاربين، خاصة وأن معظم الجنود ينحدرون من مجتمعات ترتبط بالإدارة الأهلية. لذا، يمكن أن يكون للإدارة الأهلية دور محوري في وقف الحرب، عبر تحرك شعبي جامع.
يمكن عقد مؤتمر جامع للإدارة الأهلية من جميع أقاليم السودان، يصدر عنه قرار واضح لا لبس فيه بضرورة وقف الحرب فورًا، مهما كانت التحديات.
فللسودانيين تاريخ طويل في حل النزاعات من خلال الإدارة الأهلية، التي طالما أدت أدوارًا محورية في الصلح والعفو،( الجودية ) عبر العمدة أو الشيخ أو الناظر أو السلطان، بحسب التقاليد المحلية.
اقتراح مبادرة عملية:
تبدأ المبادرة بخطوة رمزية ومؤثرة، وهي عقد مؤتمر صحفي موحّد للإدارة الأهلية، يُدعى له كل وكالات الأنباء، والقنوات المحلية والدولية، يتم فيه الإعلان الرسمي عن المبادرة، أهدافها، خطواتها، وجدولها الزمني، ليعرف العالم أن السلام لا يزال خيارًا شعبيًا حيًّا في السودان.
وبعد المؤتمر الصحفي، تُنظم مسيرة راجلة سلمية تنطلق في وقت واحد من مدن: نيالا، بورتسودان، وادي حلفا، كادوقلي، الدمازين، لتلتقي كلها في كوستي أو مدني، حيث يُعقد مؤتمر جامع، ويصدر عنه إعلان بثلاث نقاط رئيسية:
- نعلن، نحن أبناء السودان من الإدارة الأهلية، أنه لا عداوة بين شعوب السودان، وأن ما يحدث هو صراع المنتصر فيهو خاسر .
- نطالب جميع الأطراف بوقف إطلاق النار فورًا، ولمدة لا تقل عن 3 إلى 6 أشهر، ووقف كافة أشكال التصعيد.
- نطالب المتحاربين بالدخول في مفاوضات مباشرة، دون شروط مسبقة، لإنهاء الحرب، ونؤكد أننا لن نقبل بسودان غير موحد، حر، ديمقراطي.
بعد المؤتمر، يتوجه الوفد القادم من الشمال (بورسودان، كسلا، سنار، الشمالية ،الخرطوم القضارف ،وادي حلفا، نهر النيل) إلى نيالا لتسليم المذكرة، بينما يتجه وفد( نيالا، الفاشر، الضعين ، زالنجي، الجنينة ، وكردفان الكبري والنيل الأزرق ) إلى بورسودان لتسليم نفس الرسالة.
بغض النظر عن انتماءات هذه الوفود لي اي من أطراف الحرب أو موقف مناطقهم من الحرب، فإن مشاركتهم في المسيرة الراجلة، وتحمّلهم لمشقة الطريق، ستكون ضريبة رمزية للسلام.
دور الشباب في إنجاح المبادرة:
لا يمكن أن يكتمل تأثير هذه المبادرة دون دور الشباب، فهم الوقود الحقيقي لأي تغيير في السودان. ويمكن أن يتمثّل دعمهم للمسيرة الراجلة والمبادرة في:
- التنظيم اللوجستي: تأمين الاحتياجات الأساسية للمشاركين في المسيرة (طعام، ماء، إسعافات أولية).
- التغطية الإعلامية الرقمية: عبر توثيق المسيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وبثها مباشرة، ونشر قصص المشاركين، مما يخلق زخمًا شعبيًا عالميًا.
- التوعية المجتمعية: تنظيم لقاءات محلية لشرح أهداف المبادرة وكسر الحواجز النفسية لدى المترددين.
- الربط بين المناطق: تنسيق نقاط الاستقبال والضيافة للوفود المشاركة في المدن التي يمرون بها.
- إرسال رسائل رمزية للعالم: من خلال الشعارات، الأغاني، القصص، والأنشطة المرافقة للمسيرة التي تعبّر عن وحدة السودانيين وإرادتهم في وقف الحرب.
دور الشباب ليس ثانويًا، بل هو الجسر بين الماضي والحاضر، بين الحكمة المجتمعية المتجذرة في الإدارة الأهلية، وروح العصر المتطلعة للتغيير.
خلاصة القول:
يكون موقف الإدارة الأهلية
من يوافق على هذه المبادرة فنحن جميعًا معه، ومن يرفضها فهو يقف ضد مصلحة الوطن.
إنها دعوة للسلام، تنطلق من جذور الأرض، وتشق طريقها عبر الأرجل، لتصل إلى ضمير الأمة.
احمد عبدالوهاب المبارك
المحامي




