بتذكر ان احد الشيوخ ذكر في مقابلة بالإذاعة ان شجرة المسكيت هي الشجرة الملعونة. وبداء الناس يتناولون هذا الكلام, ولما كنت في شندي في اجتماع مع المحافظ ذكر لنا نفس الكلام انها الشجرة الملعونة وان الانجليز احضروها للسودان بغرض تدمير الزارعة

حقيقة ربط شجرة المسكيت بـ”الشجرة الملعونة” المذكورة في القرآن
لا يوجد أي أساس علمي أو ديني يربط شجرة المسكيت (Prosopis juliflora) بما سُمِّي في القرآن الكريم بـ “الشجرة الملعونة”. فعلمياً، المسكيت مجرد نبات دخيل معروف بأضراره البيئية، ودينياً الشجرة الملعونة في القرآن فُسِّرت بأنها شجرة الزقوم في جهنم ولا علاقة لها بأي شجرة أرضية معاصرة. فيما يلي تفصيل لهذه الحقائق مدعماً بالمصادر العلمية والشرعية:
الشجرة الملعونة في القرآن الكريم
وَرَدَ ذكر “الشجرة الملعونة” في القرآن الكريم في سورة الإسراء (الآية 60) ضمن رؤية أراها الله للنبي ﷺ كابتلاء للناس. وقد اتفق جمهور المفسرين على أن المقصود بها هو شجرة الزقوم، وهي شجرة افترضها القرآن في جهنم تكون طعاماً لأهل النار. قال تعالى: «وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ…» ثم بيَّن في مواضع أخرى أن ثمار هذه الشجرة كأنها رؤوس الشياطين وأنها فتنة للظالمين. شجرة الزقوم إذن شجرة أخروية (في الآخرة) وصفها القرآن بأنها تنبت في أصل الجحيم لتعذيب الكافرين، وليست شجرة أرضية معروفة.
ولم يذكر القرآن أي اسم شجرة دنيوية محددة باعتبارها “ملعونة” سوى هذا الرمز للزقوم. حتى التفسيرات غير التقليدية – كقول بعضهم إنها ترمز مجازاً لبعض الأقوام – لا تخرجها عن هذا السياق الأخروي، ولا يوجد أي تفسير معتمد يربطها بشجرة المسكيت. وعليه فإن “الشجرة الملعونة” في النص القرآني مفهوم ديني يتعلق بالعذاب الأخروي (شجرة الزقوم)، ولا تشير إلى نبات معروف في بيئة العرب آنذاك.
شجرة المسكيت: موطنها الأصلي واكتشافها
شجرة المسكيت (Prosopis juliflora) هي نوع دخيل من الأشجار ينتمي لفصيلة البقوليات (الطلحيات)، ولم تكن معروفة تاريخياً في بيئة العرب أو أفريقيا قبل العصر الحديث. موطنها الأصلي هو مناطق أمريكا اللاتينية في العالم الجديد؛ على سبيل المثال أشار العلماء إلى موطنها في أمريكا الجنوبية (دولة بيرو) ضمن حوض الأنديز وأمريكا الوسطى. وقد عُرفت بأسماء محلية في موطنها مثل الالغاروبو (الخروب الأمريكي) في أمريكا الجنوبية، واسم “المسكيت” (Mesquite) شائع بالإنجليزية للأشجار من جنسها
اكتشافها العلمي تم بعد اتصال العالم القديم بالعالم الجديد. وقد سجَّل علماء النبات الغربيون هذا النوع لأول مرة أواخر القرن الثامن عشر؛ إذ وصفها عالم النبات السويدي أولوف سارتز (Swartz) سنة 1788م تحت اسم ميموزا جوليفلورا (Mimosa juliflora)، ثم أعاد تصنيفها عالم النبات الفرنسي دي كاندول (A. P. de Candolle) سنة 1825م تحت جنس بروسوبس Prosopis باسم بروسوبس جوليفلورا. أي أن التعريف العلمي لشجرة المسكيت وتأصيلها كنبات مستقل جرى في بدايات القرن الـ 19 الميلادي.
ومن المهم إدراك أن هذه الفترة متأخرة جداً عن عصر نزول القرآن؛ فالقرآن الكريم اكتمل نزوله عام 632م تقريباً، أي قبل تصنيف المسكيت بحوالي 1200 عام.
انتشار المسكيت إلى السودان والمنطقة العربية
لم توجد شجرة المسكيت في السودان أو أي بلد عربي بشكل طبيعي تاريخياً، بل أُدخلت حديثاً خلال القرن العشرين لأغراض زراعية. يوضح الخبراء أن المسكيت نُقل عمداً إلى بيئات خارج موطنه الأصلي للاستفادة منه في مقاومة التصحر نظرًا لتحمله الجفاف وسرعة نموه. فيما يلي أهم المحطات التاريخية المتعلقة بدخول المسكيت إلى إفريقيا والمنطقة العربية:
أدخل المسكيت الشيلي Prosopis Chilensis للسودان عام1917 عندما زراعة أخصائي النبات لحكومة السودان مستر إدوارد ماسي في شمبات من بذور حصل عليها من مصر وجنوب أفريقيا وذلك فى سبيل إيجاد أنواع أشجار سريعة النمو مقاومة للجفاف والرعي وذات فائدة رعويه واقتصادية وغيرها. وقد تمت زراعته فى مثل هذه المناطق فى الفترة من عام 1928 -38 حول مدينة الخرطوم ومدن أخرى مثل كسلا وبورتسودان وأروما والأبيض والفاشر. وقد أثبتت المسكيت أنها شجره معجزه إذ تمكنت من تعمير أراضي صحراوية جرداء ذات معدل أمطار لا يزيد عن 50 ملميتر لا تهطل سوى مرتين فى العام. ولما اشتدت قسوة الزحف الصحراوي خلال السبعينات والثمانينات وطمرت الأراضي الزراعية النيلية في ولايتي النيل والشمالية وهددت بأتلاف المزيد لم يكن هنالك من بديل سوى المسكيت لتثبيت الرمال والكثبان المتحركة لحماية الأراضي والمحاصيل.
منتصف القرن 20 – إدخاله إلى بقية أفريقيا وآسيا: خلال خمسينات إلى سبعينات القرن العشرين، جرت إدخالات إضافية للمسكيت في عدة دول ذات مناخات جافة. على سبيل المثال، زُرع في الهند وإيران وأستراليا لأغراض مشابهة (مصدات رياح وتخضير صحراوي). كذلك انتشر في منطقة القرن الأفريقي: في إثيوبيا أُدخل نهاية السبعينات لمكافحة التصحر، لكنه تسبب بكوارث بيئية في إقليم العفر أدت لتسميته محلياً هناك بـ” نبات الشيطان” لسميته للمواشي وتأثيره المدمر على الغطاء النباتي الطبيعي. وغزا المسكيت الصومال منذ عقود قليلة حتى لم تعد تخلو قرية أو وادٍ من انتشاره.
سبعينات القرن 20 – دخوله إلى الجزيرة العربية: انتقل المسكيت أيضاً إلى البيئة العربية الخليجية. في سلطنة عُمان مثلاً أُدخلت الشجرة في عقد 1970م بهدف استخدامها كمصدات رياح ومصدات رمال وللظل، نظراً لقدرتها على النمو في مناخ جاف وبقليل من المياه. وبالفعل انتشرت في محافظات مثل ظفار وغيرها بشكل سريع ومقلق في العقود اللاحقة. كذلك ظهرت في بعض مناطق الإمارات والبحرين وغيرها تحت مسميات محلية (مثل الغويف أو الغاف البحري)، وتم لاحقاً تنبيه السلطات لأضرارها وبدأت حملات مكافحتها في العقود الأخيرة. يُقدَّر أنه بحلول أواخر القرن العشرين كانت شجرة المسكيت قد انتشرت في معظم بلدان القرن الإفريقي وجنوب شبه الجزيرة العربية بجهود بشرية، وأصبحت تصنَّف كواحدة من أسوأ الأنواع الغازية في تلك البيئات.
المسكيت شجرة وافدة حديثة نسبيًا إلى بيئتنا، فلم تعرفها المنطقة العربية قبل القرن العشرين. وهذا يعني أن عرب الجزيرة في صدر الإسلام (القرن السابع الميلادي) لم يكن لديهم أي معرفة بهذه الشجرة من الأساس، فضلاً عن أن يربطوها بنصوص دينية.
غياب أي ذكر للمسكيت في النصوص الإسلامية
بناءً على ما سبق، يتضح أنه لا يوجد أي ذكر مباشر أو غير مباشر لشجرة المسكيت في القرآن الكريم أو السنة النبوية. فعندما نزل القرآن قبل حوالي 14 قرنًا (610–632م)، لم تكن هذه الشجرة موجودة في جزيرة العرب ولا معروفة لدى العرب آنذاك. النصوص الإسلامية أشارت إلى نباتات معروفة في البيئة العربية (مثل النخيل والزيتون والتين والعنب ونحوها)، أما شجرة المسكيت فموطنها البعيد في الأمريكتين جعلها غائبة تمامًا عن العالم القديم حتى عصور الاستكشاف.
كما لم يرد في السنة النبوية أو التراث الإسلامي اسم أو وصف ينطبق على المسكيت؛ فهذه الشجرة بأوصافها (شجرة شوكية سريعة الانتشار وذات قرون طويلة) لم تُعرف للمسلمين إلا في العصر الحديث بعد جلبها إلى بلدانهم لأغراض الزراعة. وحتى الأسماء المحلية التي اكتسبتها (مثل الغاف الأمريكي أو البرسوبس أو المسكيت) كلها اصطلاحات حديثة ليس لها ذكر في المعاجم التراثية أو كتب التفسير والحديث.
ومن الناحية الشرعية، “الشجرة الملعونة” اصطلاح قرآني محدد لا ينطبق على المسكيت إطلاقاً. القرآن ذاته يبيّن مقصوده بالشجرة الملعونة بأنها فتنة في الآخرة (شجرة الزقوم) ، وبالتالي فمحاولة إسقاطها على شجرة المسكيت المستقدمة حديثاً تخرج عن سياق النص قطعاً.
ولم يقل أحد من علماء التفسير المعتبرين قديماً أو حديثاً بذلك. حتى الشيخ عبد الحي يوسف نفسه بيَّن في سياق آخر أن الشجرة الملعونة هي الزقوم ولا ينبغي تأويلها بغير ذلك.
على الجانب العلمي البحت، لا يوجد في شجرة المسكيت ما يبرر وصفها بـ “الملعونة” إلا على سبيل المجاز الشعبي. فهي نبات ذو قدرة تكاثرية عالية ومقاومة شديدة للجفاف، مما يجعلها شجرة غازية خطيرة بيئياً لكنها ليست “ملعونة” بمفهوم خارق للطبيعة. إطلاق بعض العامة تسميات مثل “نبات الشيطان” عليها في إفريقيا يعكس سوء تأثيرها البيئي وليس ارتباطها بأي لعنة دينية. فالعلم يصنفها كآفة نباتية invasive species استجلبها الإنسان ثم انفلت انتشارها، ويمكن التحكم بها وادارتها بالجهود البشرية للاستفادة منها ولا شيء يوحي بأنها تحمل لعنة غيبية خارقة.
المراجع
طلعت عبد الماجد 2020 طرق وأساليب السيطرة وإدارة المسكيت. موقع النيلين https://www.alnilin.com/13133121.htm
يحي ح. البشير وطلعت عبد الماجد وكمال بادي 2015. المسكيت في السودان وقضايا بيئية-هيئة البحوث الزراعية-بالسودان
طلعت عبد الماجد والنور ع. الصديق وعبد السلام احمد وميرغني تاج السر. 2014. هل المسكيت نعمة ام نقمة في المناطق الجافة. مجلة منتجات وصناعة الغابات –
Mesquite in Sudan: A Boon or Bane for Dry lands? It’s Socioeconomic and Management Aspects in Kassala State, Sudan Talaat D. Abdel Magid, El Nour A. El Siddig, Abdel salam Ahmed and Mirghani Tag El Seed Ahmed. Journal of Forest Products & Industries, 2014, 3(4), 182-190 ISSN:2325–4513(PRINT) ISSN 2325 – 453X (ONLINE)
القرآن الكريم. بدون تاريخ. “تفسير سورة الإسراء (17:60).” تم الدخول في 16 يوليو 2025. https://quran.com/en/al-isra/60
فون هايمندال، إرنست. 2009. “شجرة المسكيت (Prosopis spp.) في السودان: التاريخ، الانتشار والسيطرة.” تم الدخول في 16 يوليو 2025.
https://vonheimendahl.blog/mesquite-prosopis-spp-in-sudan-history-distribution-and-control/
بابكر، هيثم، و الطيب، محمد. 2006. “التنوع الجيني داخل وبين ثلاث مجموعات غازية من شجرة المسكيت في ولاية نهر النيل، السودان.” تم الدخول في 16 يوليو 2025. https://www.researchgate.net/publication/228631945
كابي (CABI). 2021. “شجرة المسكيت Prosopis juliflora.” موسوعة الأنواع الغازية – كابي. تم الدخول في 16 يوليو 2025. https://www.cabidigitallibrary.org/doi/10.1079/cabicompendium.43942
ساينس دايركت (ScienceDirect Topics). بدون تاريخ. “Prosopis pallida.” تم الدخول في 16 يوليو 2025. https://www.sciencedirect.com/topics/agricultural-and-biological-sciences/prosopis-pallida
تسيغاي، داويت، وآخرون. 2024. “آثار غزو شجرة المسكيت على التنوع البيولوجي وسبل العيش في القرن الأفريقي: مراجعة منهجية.” مجلة حدود علوم الحفظ، المجلد 5. https://doi.org/10.3389/fcosc.2024.1491618
journals.plos.org/plosone/article?id=10.1371/journal.pone.0044966
www.fao.org/docrep/006/AD317E/AD317E02.htm
keys.lucidcentral.org/keys/v3/eafrinet/weeds/key/weeds/Media/Html/Prosopis_juliflora_(Prosopis_or_Mesquite).htm


كفى خلطًا! المسكيت ليست الشجرة الملعونة في القرآن




