بناءً على مقالاته، لقاءاته الإعلامية، ومحاضراته الأكاديمية، يقدم د. عبدالناصر علي الفكي تحليلاً بنيوياً وتاريخياً متكاملاً لظاهرة صناعة الكراهية في السودان، باعتبارها ليست نابعة من طبيعة المجتمع أو تنوعه، بل هي نتاج عمليات ممنهجة ومتراكمة، تمتد لعقود، تقوم بها النظم السياسية، النخب، والقوى الخارجية لتحقيق مصالح ضيقة، وتستخدم فيها الهوية، الموارد، والمعلومات كأدوات للانقسام. وفيما يلي تفاصيل رؤيته الموسعة:
المفهوم الأساسي: الكراهية كـ «صناعة» وليست مشاعر عفوية
يؤكد د. الفكي أننا لا نتحدث عن خلافات طبيعية أو تنوع في الآراء، بل عن «عملية إنتاج وتوزيع منظمة»:
تبدأ ببناء صور نمطية سلبية وتعميمات خاطئة عن مكونات معينة (عرقية، جهوية، دينية، أو سياسية)، ثم تحويلها إلى قناعات راسخة، وتغذيتها بالشك والخوف، وصولًا إلى تبرير العنف والإقصاء.
هذه الصناعة لها أصحاب مصلحة ومحركون، ولا تحدث صدفة؛ فكلما شعرت النخب بتهديد لمصالحها، لجأت إلى تأجيج الكراهية لتحويل انتباه الناس عن مشاكل الحياة والعدالة الاجتماعية إلى عدو «مفترض» من الداخل.
يربط بينها وبين تدمير مفهوم المواطنة المتساوية؛ فالكراهية تُبنى حين يُقسم الشعب إلى «أصحاب حق» و«دخلاء»، أو «أصليين» و«تابعين»، وتُربط الولاء بالقبيلة أو الجهة أو الحزب بدلاً من الوطن ككل.
الجذور التاريخية والبنيوية: أساس تم وضعه مبكرًا
يرجع د. الفكي جذور هذه الصناعة إلى ما قبل الاستقلال، ويرى أنها تراكمت عبر أنظمة الحكم المتعاقبة:
الإرث الاستعماري: ركزت إدارة الحكم البريطاني على سياسة «فرق تسد»، حيث عززت الانتماءات القبلية والجهوية كوسيلة للسيطرة، وأهملت بناء هوية وطنية موحدة، وخلقت فجوات تنموية كبيرة بين المركز والأطراف، مما ولّد شعورًا عميقًا بالتهميش يُستخدم لتأجيج الحقد لاحقًا.
فشل مشاريع الهوية الوطنية: بعد الاستقلال، تبنى النخب الحاكمة رؤى أحادية للهوية (عربية، إسلامية، أو جهوية)، وألغت التنوع الغني للسودان، واعتبرت ما لا يتوافق معها «غريبًا» أو «تهديدًا»، مما عمّق الانقسام بين من يُقبل في «الوطن الرسمي» ومن يُستبعد منه.
تسييس الهوية والانتماء: حولت الأحزاب والقوى السياسية الانتماءات الطبيعية (القبيلة، المنطقة، الدين) إلى قواعد انتخابية وشرائح تصويت، حيث يُعطى الولاء القبلي أو الجهوي أولوية على المصلحة العامة، ويُستخدم الخلاف مع الآخر كأداة لكسب الدعم، حتى لو كان ذلك ببث الكراهية.
الآليات والجهات التي تقود «صناعة الكراهية»
يحدد د. الفكي أطرافًا وأدوات رئيسية تعمل معًا لإنتاج ونشر الكراهية:
النظم السياسية والسلطة
وظفت الأنظمة الديكتاتورية، وخاصة نظام الإنقاذ، خطاب الكراهية لضمان البقاء في السلطة؛ فخلقت عدوًا داخليًا وخارجيًا لتبرير القمع، ووزعت المناصب والموارد على أساس الولاء لا الكفاءة، وأسست لثقافة «من ليس معنا فهو ضدنا».
استخدمت الدولة مؤسساتها كالتعليم والإعلام الرسمي لطمس التاريخ المشترك، وتقديم رواية واحدة تخدم أجندتها، وتشويه صورة المكونات الأخرى.
الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي
أصبحت منصات التواصل اليوم أقوى مصانع الكراهية؛ فبفضل سرعة الانتشار وغياب المراقبة، تُنشر الشائعات والمعلومات المضللة والصور المزيفة، وتُعزز الخوارزميات ما يثير الغضب والانقسام، بدلاً من الحقائق.
الصحف والقنوات الخاصة التي تتبع أجندات حزبية أو خارجية تساهم بدور كبير عبر التبسيط المخل، والتحريف، واستخدام لغة التخوين والتشويه، بدلاً من التحليل الموضوعي.
النخب والقوى المتنفذة
النخب السياسية والقبلية والاقتصادية التي تستفيد من استمرار الانقسام؛ فهي تحافظ على نفوذها ببث الخوف بين مكوناتها من «الآخر»، وتمنع أي تقارب قد يفضح مصالحها الخاصة.
بعض القوى الدينية أو الفكرية التي تُسوغ العنف باسم الدين أو القيم، وتعتبر رأيها هو الحق المطلق، وما سواه باطل أو خيانة.
التدخلات الخارجية
يستغل أطراف إقليمية ودولية الانقسامات السودانية لتحقيق أهدافها، فتمول أو تدعم خطابات تخدم رؤاها، وتُغذي الصراعات لتجعل السودان ساحة تنافس، مما يعزز نزعات العداء بين أبناء الوطن الواحد.
العوامل المسرعة وتأثير الحرب الحالية
يرى د. الفكي أن حرب أبريل 2023 مثلت نقطة تحول خطيرة في تطور هذه الصناعة، حيث:
تُربط الأحداث العسكرية والفظائع بشكل آلي وعشوائي بمجموعات بأكملها، فيُعاقب الفرد على ما فعله غيره، ويتحول الخلاف بين قوتين عسكريتين إلى حرب شاملة بين مكونات المجتمع.
تزايدت الشكوك المتبادلة، وانهارت شبكات الثقة، وانتشرت ثقافة الانتقام الجماعي، مما جعل الكراهية تتجذر في الأجيال الجديدة وتصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية.
تدهور مستوى المعيشة والفقر والحرمان يزيد من القابلية لقبول خطابات التخويف والكراهية، حيث يبحث الناس عن مبرر لمعاناتهم، فيُوجهون غضبهم نحو طرف آخر بدلاً من الأسباب الحقيقية.
مظاهر المخاطر والآثار المدمرة
تفكك النسيج الاجتماعي، وانهيار روابط التكافل التي كانت تحمي المجتمع في الأزمات، وانتشار العنف المجتمعي والثأر القبلي.
تعطيل أي فرصة للسلام والتحول الديمقراطي؛ فلا يمكن بناء دولة المواطنة والعدالة على أنقاض الكراهية، بل يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام وربما تفكك الدولة.
تشويه صورة السودان وتاريخه، وطمس الهوية السودانية المتنوعة والغنية التي شكلتها قرون من التفاعل بين مكونات الوطن.
تجهيل الأجيال القادمة وتعليمهم العداء بدلاً من المعرفة والحوار، مما يضمن استمرار حلقة الصراع لعقود قادمة.
رؤيته للمعالجة والتصدي لصناعة الكراهية
يؤكد د. الفكي أن الحل لا يقتصر على معاقبة المتطرفين، بل يتطلب تفكيك البنية التي تُنتج الكراهية، عبر خطوات شاملة:
إعادة بناء مفهوم المواطنة: أساس كل حل هو المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، بحيث لا يُعطى أي امتياز أو يُفرض أي نقص بسبب الانتماء العرقي أو الجهوي أو الديني، واعتبار التنوع ثروة لا تهديدًا.
إصلاح جذري للتعليم: تغيير المناهج لتركز على التاريخ المشترك، قيم التعايش السلمي، الحوار، واحترام الاختلاف؛ وتدريب المعلمين على نشر هذه القيم، وإيقاف أي محتوى يرسخ التحيز أو الكراهية.
مساءلة ومحاسبة: محاسبة من يحرض على الكراهية أو يرتكب الجرائم باسمها، وإصدار تشريعات صارمة تجرم التحريض العنصري والجهوي، مع ضمان حرية الرأي المسؤول لا الحرية المدمرة.
دور الإعلام والمجتمع المدني: إلزام الإعلام بالموضوعية والتحقق، وتشجيع المبادرات التي تجمع بين مكونات المجتمع، وتُعرف الناس ببعضهم البعض، وتكسر الصور النمطية الخاطئة.
عدالة توزيع الموارد: معالجة جذور التهميش والفقر، فالكراهية تنمو حيث يُحرم الناس من العدالة والتنمية؛ فالتنمية المتوازنة هي أقوى جدار ضد الانقسام.
حوار وطني شامل: لا يستثني أحدًا، يعترف بكل المظالم، ويصنع رواية وطنية جامعة تجمع كل السودانيين على قاعدة «سودان واحد، وشعب واحد، ومستقبل مشترك».
الخلاصة
يختتم د. الفكي رؤيته بالتأكيد على أن صناعة الكراهية ليست قدرًا محتومًا، بل هي خيار اتخذته أطراف لها مصلحة في استمرار التخلف والانقسام، ويمكن كسرها إذا اتخذ السودانيون خيارًا آخر: خيار الاعتراف ببعضهم، والعدالة للجميع، والبناء على ما يجمعهم لا ما يفرقهم. فالوطن لا يُبنى بكراهية الآخر، بل بالعمل معه لتحقيق حياة كريمة لكل أبنائه.
هذه الرؤية مستخلصة من مقالاته المنشورة في صحيفة الجماهير، ولقاءاته في راديو دبنقا، ومداخلاته في الفعاليات الأكاديمية والوطنية، وتتوافق تمامًا مع توجهاته في علم الاجتماع السياسي والتحولات المجتمعية.




