23.8 C
New York
الثلاثاء, مايو 26, 2026

whatsapp now

spot_img

🔸حكومةٌ تبحث عن دولة .. وَهْمُ التأسيس وخيبةُ الهامش

🖋️ د. محمـد عثمـان عبـدالله

حينَ يصبح كرسيُّ السلطة أهمَّ وأَقْيَمَ من المجتمع، تبدأُ الهزيمةُ الحقيقية حتى لو رُفِعَتْ آلافُ الشعارات.

عندما أعلن تحالف قوى “التأسيس” حكومته الموازية، بدا الأمر أقرب إلى محاولة للقفز على الواقع منه إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. فالحكومة، في معناها الأساسي قبل أي تعريف دستوري، ليست مجرد بيان سياسي أو توزيع مناصب، بل هي قدرة يومية على تدبير حياة الناس: أن تفتح مدرسة مستقرة بأساتذتها وكتبها، وجامعات تعيد بناء الأجيال، ومستشفى يعالج المرضى بدلاً من أن يموتوا على أبوابه، وبئر ماء تحفظ حياة الناس ومواشيهم، وشرطة تحمي الناس من الفوضى، واقتصاد يؤمن لهم الحد الأدنى من الكرامة.

في ضوء ما كشفته تجربة “التأسيس” خلال الفترة السابقة من أخطاء فادحة وتعثرٍ واضحٍ، وانعدام رؤية، وبنية هشة ووعودٍ لم تصمد أمام الواقع، كان يمكن لهذا التحالف أن يكون أكثر صدقاً مع ذاته ومجتمعاته وأكثر انسجاماً مع الواقع، لو قدّم نفسه باعتباره حركةً سياسيةً عسكريةً ثوريةً تناضل من أجل حقوق الهامش التاريخي، وتضغط لتحقيق العدالة والتنمية وإنهاء احتكار السلطة والثروة، مع السعي الجاد لإسقاط سلطة المركز وطرح مشروعٍ بديلٍ للدولة القديمة في الخرطوم. عندها كان سيبدو أقرب إلى الواقع، وأقلَّ اصطداماً بالحقائق على الأرض وتعقيداتها، بدل القفز مباشرةً إلى مرتبة الدولة دون امتلاك مقوماتها الفعلية.

لذلك كان الأجدر بهذا التحالف، وهو يدرك محدودية إمكانياته وهشاشة البيئة المحيطة به، أن يعرِّف نفسه كحركة معارضة أو قوة مسلحة تدافع عن المجتمعات الواقعة تحت سيطرتها، لا كحكومة كاملة السيادة. فالدولة ليست اسماً يُعلن، بل قدرة فعلية على الإدارة والسيطرة وتقديم الخدمات وحماية المجتمع. والمشكلة أن السياسة، حين تنفصل عن الواقع، لا تنتج دولةً حقيقيةً، بل تصنع أوهاماً ثقيلة الكلفة يدفع الناس ثمنها لاحقاً، وهذا ما يحدث غالباً عندما يتصدر المشهد الناشطون والمغامرون السياسيون أكثر من رجال الدولة وأصحاب الرؤية الواقعية.

وتشير كثيراً من الوقائع والمؤشرات إلى أن هذه الحكومة قد لا تسعى أصلاً إلى أن تكون بديلاً لحكومة الخرطوم، بل يبدو أنها تريد أن تكون حكومة مستقلة تمهد لقيام دولة جديدة. فمنذ انسحاب قواتها من الخرطوم قبل أكثر من عام كامل، لم تشن أي هجوم بري جاد باتجاه مناطق سيطرة الجيش، ولم تحاول كسب أي أراضٍ جديدة على الإطلاق. بل ركزت جميع عملياتها داخل مناطق نفوذها فقط، وكأنها تعمل على ترسيخ كيان منفصل. هذا السلوك يوحي بأنها قد تكون تخدع المواطنين وتبيعهم وهماً كبيراً: وَهْم أنها تقاتل من أجل السودان كله، بينما هي في الواقع على الأرجح تبني كياناً انفصالياً ببطء.

والأعمق من ذلك أن هذه السلطة المعلنة تفتقر إلى بنية تحتية حقيقية، وإلى اقتصاد مستدام، وإلى جهاز إداري متماسك، وحتى إلى اعتراف دولي ذي وزن. كما أنها لم تستطع حتى الآن فرض احتكارها على القوة داخل مناطق سيطرتها، حيث تتحرك التشكيلات المسلحة المختلفة بحرية دون قيادة موحدة أو عقيدة عسكرية مشتركة. وكان لافتاً أن كثيراً من التعيينات الهزيلة التي رُوِّج لها على أنها “بداية عهد جديد” حملت الاسلوب ذاته للمحاصصات والتوازنات غير المهنية التي طالما انتقدتها في نخب المركز وحملت السلاح ضدها.

وربما لهذا السبب بدأ كثير من أبناء الهامش يشعرون بخيبة أمل ثقيلة. فبعد عقود طويلة من انتظار الخلاص من تهميش المركز، اكتشفوا أن الذين تحدثوا باسمهم من بني جلدتهم لم يكونوا فيما يبدو يبحثون عن وطن مختلف، بقدر ما كانوا يتهافتون بحثاً عن طريق مختلف وقصير إلى السلطة.

فكثير من المثقفين والسياسيين والناشطين الذين رأوا في دعم “حكومة التأسيس” فرصة لكسر احتكار المركز التاريخي للسلطة، بدأوا يشعرون أن القضية قد تنحرف تدريجياً من مشروع عدالة إلى مشروع حُكم. وهذه قد تكون اللحظة التي تبدأ فيها أي فكرة كبيرة بفقدان معناها الأخلاقي؛ حين تتحول معاناة الناس إلى رأسمال سياسي، وحين تصبح دماء المجتمعات وسيلة للصعود لا قضية للتحرر.

قبل الإعلان عن الحكومة، جرى الترويج الكثيف لوجود وعود باعتراف دولي فوري بها، كأن الشرعية يمكن استيرادها بالشائعات. غير ان الأيام مضت متثاقِلة، ولم يتحقق من ذلك شيء بالصورة التي بُشِّر بها الناس، فانكشفت هشاشة تلك الوعود. لم تندفع اي دولة من العالم للاعتراف بها، ولم تتعامل دول الإقليم معها كحكومة حقيقية. وحتى تلك الدول التي تُبدي تعاطفاً معها ما تزال تنظر إليها كحركة سياسية أو عسكرية بلا تمثيل دبلوماسي.
والسبب فيما يظهر بسيط: العالم لا يعترف بالشعارات، بل بوقائع القوة والاستقرار والقدرة على إدارة الأرض والناس. وواقع هذه السلطة يشير إلى أنها عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من الأمن والخدمات الأساسية في مناطق نفوذها، ناهيك عن تحقيق اختراقات دبلوماسية خارجية معقولة. فلا اعتراف يُمنح لكيان يفتقر إلى مؤسسات مستقرة، أو اقتصاد فاعل، أو قدرة حقيقية على فرض الأمن وإدارة حياة المدنيين؛ وهو ما فشلت “حكومة التأسيس” في إثبات عكسه للعالم حتى الآن.

الناس قد تنخدع لفترة بالخطابات الحماسية، لكنها سرعان ما تعود لتقييم الأمور بحسب واقع حياتها اليومية. عندها، لا أحد من المواطنين يهتم بخطابات القادة الثورية ووعودها البرَّاقة حين تنعدم المياه والدواء والامن، ولا يهمّه المؤتمرات الاعلامية او بالبيانات الصحفية إذا كانت الطرق مليئة بالنازحين والأطفال الجائعين والمرضى الذين لا يجدون الرعاية الصحية.

هناك لحظة في كل حرب يصبح فيها الكلام عاجزاً عن إخفاء الحقيقة. حقيقة غرب السودان اليوم، بحسب ما تظهره المؤشرات، أن المجتمعات المنهكة هناك لم تعد تبحث عن حكومات شكلية أو انتصارات إعلامية، بل عن أي فرصة حقيقية لاستعادة حياة طبيعية: مدارس وجامعات مفتوحة، مزارع وطرق آمنة، ومستشفيات متخصصة ومتوفرة. أما أي حلم سياسي مثالي لا يستطيع حماية الإنسان العادي أو تقديم الخدمات له، فإنه مع الوقت قد يتحول إلى كابوس بطيء، وخدعة مؤلمة، مهما بدت شعاراته برَّاقة في البداية.

Related Articles

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

Stay Connected

0FansLike
0FollowersFollow
22,800SubscribersSubscribe
- Advertisement -spot_img

Latest Articles


Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427

Notice: ob_end_flush(): failed to send buffer of zlib output compression (1) in /home/nadusmedia/public_html/wp-includes/functions.php on line 5427