الحسين مجلي
….
ھل كان يمكن ان يكون للسودان واقع مختلف لو ارتبط اسمه منذ البداية بارثه الحضاري القديم سؤالى ھنا استفھامي ؟؟؟ ولكن كيف ذلك؟ دعني اشرح.
لو افترضنا ان السودان سمي منذ نشأته باسم دولة كوش، ھنا كان سيكون للاسم دلالات اعمق بكثير من مجرد اشارة جغرافية. كان سيصبح رمزا تاريخيا يعيد وصل المجتمع بجذوره الضاربة في التاريخ الانساني. فاسم كوش يحمل في معناه ارتباطا بحضارات عريقة قامت في مساحة واسعة من هذه الارض، واسهمت في تشكيل جزء مهم من تاريخ البشرية.
لقد كانت ارض السودان عبر تاريخها الطويل مساحة مفتوحة للهجرة والتلاقي الانساني. فقد عرفت هذه البلاد وجود جماعات متعددة المشارب والاصول؛ من العرب واليهود والاغاريق والاتراك والاكراد والهنود، ومن شعوب غرب افريقيا الى الكونغوليين والصوماليين والحبش الخ ….. اذكر ان صديقا لي مغرم بالتاريخ ذكر لي ان في مدينة بربر اسرا تعود اصولها الى الصين. واظنني قرأت شيئا من ھذا القبيل … واظن ان هذا التنوع لم يكن حالة طارئة، بل نتيجة طبيعية لموقع السودان الجغرافي الذي جعله جسرا بين افريقيا والعالم العربي والبحر الاحمر وعمق القارة الافريقية . ويضاف الى ذلك شخصية السوداني المهاجر الذي ينتشر في كل بقاع الارض المختلفة، الامر الذي يجعل هذا التلاقي الانساني قادرا على تشكيل هوية حضارية فريدة، هوية تجعل من السودان نموذجا مختلفا بين الامم. فالتعدد حين يدار ضمن اطار حضاري جامع يمكن ان يتحول الى مصدر قوة، وان يخلق عقلا جمعيا قادرا على الابداع والتفكير المركب. فالحضارات الكبرى في التاريخ غالبا ما نشات في مناطق التفاعل والعبور، حيث تتلاقح الثقافات وتتشكل رؤى جديدة للعالم.
غير ان ما يشهده السودان اليوم من تشاكسات سياسية وصراعات عرقية يعكس ازمة اعمق تتعلق بغياب المظلة الحضارية الجامعة. فعندما لا يوجد اطار حضاري وفكري وانساني يجمع المختلفين، تتحول التعددية من مصدر ثراء الى سبب للصراعات العبثية . ويصبح كل طرف اسيرا لهوية ضيقة يحاول فرضها على واقع اكثر تعقيدا وتنوعا.
ان كثيرا من الصراعات السودانية يمكن فهمها بوصفها محاولة للارتباط بانماط هوية ضيقة لا تنسجم مع الطبيعة التاريخية المركبة للبلاد. فالسودان ليس مجرد فضاء عروبي خالص، ولا فضاء افريقيا خالصا، بل هو مزيج حضاري اوسع من هذه التصنيفات. وحين يختزل هذا الواقع المعقد في اطار ضيق، ينشا صراع بين الوجدان التاريخي للمجتمع ومحاولات تعريفه تعريفا محدودا.
ومن ينظر الى السودان من زاوية التاريخ سيجد انه اقرب الى وعاء حضاري كبير، فكوش القديمة امتدت دوائرها من غرب افريقيا الى وادي النيل، ومن عمق القارة الى ضفاف البحر الاحمر والجزيرة العربية. ولذلك ليس غريبا ان تجد في السودان انسانا ذا اصول عربية او افريقية او متوسطية، بل وحتى اسيوية او اوروبية. فهذه الارض عبر قرون طويلة كانت فضاء مفتوحا لاستقبال المختلف ودمجه في نسيجها الاجتماعي.
ان خصوصية السودان تكمن في هذه القدرة على قبول الاخر والتعايش معه. فجغرافيته وتركيبته البشرية صنعت مجتمعا قادرا على استيعاب التنوع. غير ان هذه الميزة الحضارية لا يمكن ان تتحول الى قوة سياسية واجتماعية الا اذا وجدت هوية وطنية واسعة تعترف بهذا التنوع وتبني عليه.
ومن هنا يمكن فهم فشل كثير من المشاريع السياسية التي حاولت السيطرة على السودان من منظور ضيق او منطلق جغرافي محدود. فكل قوة تسعى لحكم السودان دون فهم عمقه التاريخي وتنوعه الاجتماعي تجد نفسها عاجزة عن ادارة هذا الواقع المعقد.
فالسودان ليس بلدا يمكن اخضاعه بسهولة لمنطق الهيمنة الضيقة، لانه في جوهره مجتمع متعدد الطبقات الحضارية والثقافية. ومن يريد ان يحكم هذه البلاد عليه اولا ان يفهم طبيعتها التاريخية، وان يدرك ان قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على استيعاب المختلفين ضمن اطار حضاري واسع.
فالذين ينظرون الى السودان من منظور عروبي صرف او افريقي صرف غالبا ما يصطدمون بواقع التنوع المركب في هذه البلاد. ولذلك فان التحدي الاكبر امام السودان اليوم ليس فقط انهاء الصراعات، بل اعادة اكتشاف السودان كفضاء حضاري جامع.
فهذه البلاد ليست مجرد دولة بين دول، بل ارض تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الانساني. واذا اعيد بناء هويتها على اساس هذا الارث العميق، يمكن ان تتحول من ساحة صراع الى نموذج حضاري قائم على التعدد وقبول الاخر.
ولعل في تجارب بعض الدول المعاصرة ما يوضح ذلك؛ فالصين على سبيل المثال استطاعت ان تستدعي طاقة تاريخها العميق وتمزجها مع الحداثة، فبنت مشروعا حضاريا وانسانيا جعلها اليوم في طليعة القوى العالمية.
وبالمثل يمكن للسودان اذا استعاد وعيه الحضاري العميق واستثمر تنوعه بوصفه قوة لا عبئا وان يتحول من جغرافيا متنازعة عليھا حضارة جامعة. الشئ الذي يمكن من خلاله صناعة وكتابة المشروع الوطني الذي يفتقدھ السودانين




